قضايا بيئية

الجهاد البيئي في القرن 21

منذ نهاية ستينات القرن الماضي تبلور، ببطء وعلى نحو غير لافت لغالبية المسلمين، نقاش بين المثقفين والعلماء المسلمين حول فقه بيئي إسلامي، يدرس مدى توافق المبادئ البيئية مثل الاستدامة وحماية البيئة وحماية الحيوان والتنوع الحيوي مع الدين الإسلامي. ويجري تفسير العديد من الآيات القرآنية بيئيا وإيضاح أن السنة النبوية تنطوي على كثير من الإشارات التي ضرورة العيش بأسلوب واع بالبيئة وبضرورة الحفاظ على استمراريتها.
من التغيير المناخي إلى الفقه البيئي

تقود مشكلات التغير المناخي والمشكلات البيئية العالمية إلى الجدل حول الإنسان ووضعه في البيئة ويتطلب ذلك مقترحات للحلول من أجل الحفاظ على الأرض، وأخيرا وليس بآخر من أجل حماية المجال الحيوي للإنسان والحفاظ عليه. وهكذا بدأت الطوائف الدينية المختلفة تنشغل بالسؤال حول موقف الدين الذي تؤمن به من موضوع حماية البيئة. في عام 1967 عرض المؤرخ لين وايت جونيور أطروحة مثيرة للجدل حول أصل الأزمة البيئية. لقد ادعى أن جذور المشكلة تعود إلى الديانات التوحيدية. وقد كانت ردود الفعل الدينية على هذا الانتقاد هي المفتتح لطرح خطاب جديد حول “اللاهوت البيئي”. ورغم أن وايت قد ركز في كتاباته في المقام الأول على المسيحية واليهودية، فقد بدأ المسلمون مع مواجهة هذا الانتقاد ومع الوعي بالأزمة البيئية بالانشغال بالموضوع الإيكولوجي.

لقد كانت انطلاقة تيار الفقه البيئي الإسلامي المؤلف من فلسفة إيكولوجية إسلامية وقوانين بيئية تستند للشريعة وحركة بيئية إسلامية فاعلة، على يد أكاديميين وعلماء مسلمين كثيرا ما يكونون قد نشأوا في دول ذات غالبية مسلمة ثم عاشوا لاحقا أو يعيشون في بلدان غربية. ومع المواجهة الجديدة مع مشكلة البيئة بدأ نقاش حول موقف دينهم من الخطاب البيئي. ومنذ ذلك الحين انتشر البعد البيئي للإسلام ووجد تطبيقا له في منظمات ومبادرات للمسلمين في مختلف أنحاء العالم.

الإسلام البيئي على شبكة الإنترنت وخارجها

“حملة الخطبة الخضراء” و”دليل الحج الأخضر” و “دليل المسلم الأخضر للحد من التغير المناخي” و “تخضير رمضان” و “حملة المدينة النظيفة” تُظهر أسماء هذه المبادرات والمشاريع والحملات من الوهلة الأولى أنها تتمحور حول علاقة الإسلام بالطبيعة. وقد ترسخت شعارات كالإسلام الأخضر” أو الإسلام البيئي Eco-Islam في السنوات الأخيرة باعتبارها وصفا لهذا التيار المعاصر. مع ذلك لا يعني هذا أن أنصار هذا التيار يتحدثون عن إسلام “خاص“ بهم، وإنما يشير المفهوم بالأحرى إلى إعلاء قيمة البيئة وخلق الله وإلى جعل طريقة الحياة القائمة على الاستدامة من الضرورات المرتبطة بالإسلام. ومن أهدافهم أيضا توعية مسلمين آخرين بالإمكانيات الكامنة في الإسلام.

وتُستخدم الأعياد والمناسبات الإسلامية المهمة على وجه الخصوص للترويج لهذه الأفكار، على سبيل المثال شهر رمضان، باعتباره شهرا للتأمل والتفكر. ولأن المرء يصوم في رمضان ما بين الفجر وغروب الشمس، تقوم الكثير من العائلات بإعداد ولائم كبيرة للإفطار، ما يؤدي في النهاية إلى التخلص من الكثير من الأطعمة التي لم يتم تناولها. ولذلك دعت مدونات عديدة متخصصة فقط في موضوع الإسلام والبيئة مثل موقع www.theecomuslim.com أو www.khaleafa.com في عدة مقالات قبل رمضان إلى “رمضان أخضر” وإلى سلوك بيئي مستدام. وتضمن ذلك في السياق الغربي استخدام منتجات “التجارة العادلة” والدعوة لأن يقوم الناس بزراعة الخضر والفاكهة بأنفسهم، وإذا لم يكن ذلك ممكنا شراء منتجات محلية والاقتصاد في استخدام المياه أثناء الوضوء.

كما يتيح الحج وعيد الأضحى وعيد الفطر فرصة للمنظمات البيئية الإسلامية أو للمدونات لمخاطبة الضمير الديني وعبره تتم مخاطبة الضمير البيئي.

لقد أطلق الناشط البيئي المسلم معاذ نصير “حملة الخطبة الخضراء” بمناسبة “يوم الأرض” عام 2012. وقد كُتبت لهذه لحملة التي دعمها 75 إماما ومنظمة في أمريكا الشمالية خطبة جمعة نموذجية حول موضوع البيئة. وكان الهدف هو تشجيع المساجد والمؤسسات الإسلامية على تخصيص خطبة الجمعة في “يوم الأرض” لموضوع الوعي المتنامي بالتحديات البيئية التي يواجهها الإنسان. يعيش معاذ نصير في تورنتو بكندا وكان مبدأ خلافة الإنسان في الأرض هو ما ألهمه لإنشاء www.khalefa.com وهو يربط في مدونته ما بين هويتيه الكندية والإسلامية اللتين لهما حسب رأيه علاقة قوية بالطبيعة. وهكذا يستخدم أحداثا بيئية للتفكير فيها برؤية إسلامية، كـ “يوم الأرض” أو “أسبوع التلقيح العالمي” الذي يتخذه مناسبة للكتابة عن دور النحل في الإسلام. كما ينتهز “أسبوع تقليل النفايات” الكندي للتوعية بأن الإسلام يحث أيضا على تقليل النفايات.

أما “دليل الحج الأخضر” الذي كلف ائتلاف الأديان والحفـاظ على البيئة (ARC) منظمـتي Global one 2015 و EcoMuslim بإعداده ونُشر عام 2011، فيهدف إلى تغيير سلوك البيئي للمسلمين أثناء الحج، إذ يكون الحجاج في حالة طهارة تحرم عليهم صيد أوقتل الحيوانات أو قطع أو تحطيم الأشجار والنباتات. ولأن الحج هو الركن الخامس من أركان الإسلام ويذهب إليه سنويا نحو مليونين ونصف مليون حاج وقد انتوى معظمهم أن يلتزم على نحو أفضل بتعاليم الدين، فإن هذه المناسبة تكون فرصة مواتية للوصول إلى قلوب الحجاج وحثهم على العيش بطريقة بيئية مستدامة. ويتضمن الدليل مقدمة لمفتي الديار المصرية على جمعة ويتضمن أفكارا ونصائح عن كيفية استخدام منتجات وخدمات صديقة للبيئة أثناء الجح، وتقليل الاستهلاك والنفايات والعيش بطريقة تحافظ على البيئة. على الحجاج التخلي عن السفر بالطائرات وإذا لم يتمكن الحاج من ذلك فعليه أن يتبرع لمشروع بيئي تعويضا عن هذه الأميال التي تلوث فيها الجو بالكربون. كما يدعو “دليل الحج الأخضر” أيضا إلى الاستغناء عن القنينات البلاستيكية واستخدام المواصلات العامة كمترو مكة أثناء الحج، وأداء فريضة الحج مرة واحدة فقط كما تقضي بذلك تعاليم الإسلام.

دليل المسلم الأخضر

عمال يعملون على تعزيز ضفة تهر سولو في جزيرة جاوا بإندونيسيا. من معرض RiverScapes. Photo: Budi N. D. Dharmawan © Goethe-Institut
 

ثمة كتيب آخر صدر عام 2008 عن منظمة صناع الحياة في بريطانيا (التي أسسها الداعية عمرو خالد) والمؤسسة الإسلامية للإيكولوجيا والعلوم البيئية (IFEES) ومقرها بيرمنغهام وهو “دليل المسلم الأخضر للحد من التغير المناخي”. ويتناول الكتيب تعليمات عملية عن كيفية تعامل المسلمين مع التغير المناخي. ويقدم نصائح يومية لموضوعات كتوفير الطاقة أثناء الطهي أو الغسيل أو تدوير المنتجات أو استخدام وسائل النقل العامة أو الدراجات، ومصحوبة بآيات قرآنية تحث على ذلك. وعلى هذا النحو يشرح الدليل السبب في ضرورة أن يكون المسلم نشطا وفعالا في مجال حماية البيئة ويبين أن ذلك من صميم العقيدة. كما نظمت المؤسسة الإسلامية للإيكولوجيا وعلوم البيئة فعالية أخرى أيضا عام 2008 بعنوان “حملة المدينة النظيفة” وذلك في بيرمنغهام. وكان شعارها “إنها حملة، إنه فيلم، إنه جهاد!”، حيث صور مسلمون بالفيديو قيامهم بكنس الشوارع وتنظيفها، كما قاموا أيضا بحث مسلمين آخرين في المدينة على القيام بفعاليات مماثلة. وتعتبر المؤسسة الإسلامية للإيكولوجيا والعلوم البيئية هي المنظمة الأم للمنظمات البيئية الإسلامية، وهي تدير مشروعات محلية ودولية عديدة وقد أسسها فضلون خالد في ثمانينات القرن الماضي. وقد وُلد خالد وترترع في سريلانكا ثم انتقل للعيش في انجلترا منذ 1953 وهو يعتبر أحد المؤسسين لحركة الإسلام البيئي ويتميز بأنه يجمع بين كونه مختصا في الفقه البيئي الإسلامي وناشطا بيئيا.ويوجد حاليا عدد كبير من النشاطات الدولية المشابهة لما سلف ذكره، ويجري استخدام الإنترنت بصورة متنامية كوسيلة لنشر الأفكار ومقترحات الحلول وتشبيك الناشطين الإسلاميين. كما توجد بالإضافة إلى المواقع الإرشادية، مدونات وأيضا صفحات ومجموعات عديدة على “الفيسبوك”، يديرها ويستخدمها أشخاص من مختلف البلدان، لمناقشة الموضوعات البيئية مع الاستعانة بمقالات وفيديوهات وروابط حول هذه الموضوعات. ومن هنا يتحدث ا. م. شفينكه استنادا إلى أوليفير روي عن الإسلام البيئي المعولم Globalised Eco-Islam. تضم مدونة www.theecomuslim.com السالف ذكرها للبريطانية زاوفيشان إقبال طيفا واسعا من الموضوعات، بدءا التغذية البيئية الحلال، مع وصفات الأطعمة، ومرورا بالموضة الأخلاقية، والمساجد البيئية، ووصولا إلى مراجعات كتب عن موضوعات بيئية وتقارير عن التطورات على المستويين الوطني والمحلي. وهي تعنون مدونتها بـ “الجهاد البيئي” وهي تلعب في نضالها من أجل بيئة صحية على ما يستدعيه مفهوم “الجهاد” من تصورات في الغرب.
أسس السلوك البيئي الإسلامي
يعد الفيلسوف الإيراني المولد سيد حسين نصر هو الأب المؤسس للفقه البيئي الإسلامي، وقد ألف في عام 1967 كتابا بالإنجليزية بعنوان “الإنسان والطبيعية. الأزمة الروحية للإنسان المعاصر” وكان حينها سابقا لعصره. وتجد الأخلاق البيئية الإسلامية أسانيدها في القرآن والسنة. ووفقا لهذا التفسير يعتبر الحفاظ على الطبيعة والخليقة، وهذا يعني بوجه خاص عالمي النباتات والحيوان والماء، من أهم واجبات المسلم. للماء في الإسلام أهمية كبرى فهو أصل كل شيء حي، بالإضافة إلى أن له أهمية كبيرة في الوضوء والاغتسال. وثمة أحاديث نبوية كثيرة تحث على ضرورة الاقتصاد في استهلاك الماء وتحرم تلويثه.
كل الخليقة منوطة بتسبيح الله، وفي كل تفصيلة من تفاصيل الأرض يدرك المسلم آية من آيات الله. هذا يعني أن وجود الله كلي، ما يقود ضمنيا إلى أنه يجب حماية الطبيعة لأجل الله فحسب. علاوة على ذلك، فإنه يُنظر للطبيعة في مجملها كعناصر تكمل بعضها بعضا. فبالإضافة إلى تسبيح الله يوجد لكل عنصر من عناصر الطبيعة دور ومهمة ضرورية في منظومة الخلق، ما يؤدي إلى اعتماد متبادل لكافة الأشياء على بعضها البعض.
يصنف الحيوان في منظومة الخليقة الإسلامية تحت الإنسان الذي يملك العقل ويستطيع أن يفرق بين الإيمان والكفر. ولحماية الحيوان في الإسلام أهمية كبرى، وهذا ما تثبته كثير من الأحاديث النبوية. وكانت القطط من الحيوانات المحببة جدا إلى النبي. ويقال إن النبي قطع كمه ليقوم للصلاة حتى لا يزعج قطة نائمة.
كما أن للنباتات دورا في الإسلام. فهي غذاء الإنسان والحيوان (سورة عبس، الآيات 24 ــ 32) وهي توفر للإنسان الأوكسجين اللازم لحياته. كما أن زراعة نبتة لها أجر كبير عند الله في الإسلام، فثمة حديث يقول بأن ما من مسلم يغرس غرسا أو يزرع زرعا فيأكل منه إنسان أو بهيمة إلا كان له به صدقة. كما أن ثمة مؤسسات للشريعة الإسلامية تضمن حماية الطبيعة في أماكن بعينها، مثلا في مناطق الحرم والحمى، وهي مناطق تشبه المحميات الطبيعية، ويُعنى فيها بحماية موارد المياه والغابات والمراعي.
يقف الإنسان في التصور الإسلامي في مركز الخليقة، ما يمنحه وفقا للخُلق البيئي الإسلامي حقوقا معينة، لكنه يُلزمه في الوقت نفسه بواجبات. وإذا أراد المرء الحديث عن مفهوم الخلق البيئي الإسلامي، فغالبا ما يتأسس ذلك على مبادئ قرآنية عدة يتم تفسيرها وفقا لتصور إيكولوجي. وتعتبر المبادئ الستة التالية، إلى جانب القناعة والزهد والعدل، هي الأكثر شيوعا وهي تهدف لوضع حدود لتصرفات الإنسان:
مبدأ التوحيد: يشير مبدأ التوحيد في الفقه البيئي الإسلامي إلى ثلاثة مستويات من التفسير. فهو من ناحية يقدم وصفا لله الواحد في مقابل تعدد الآلهة وعبادة الأصنام ما قبل الإسلام، ومن ناحية أخرى يؤكد على أن الله واحد أحد على النقيض من مفهوم الثالثوث المسيحي الذي يعارضه القرآن وثالثا يعبر مبدأ التوحيد عن وحدة الله مع سائر الخلق. وتعني وحدة الخلق هذه أن كل الأشياء في العالم هي جزء من الخلق وأنها مرتبطة ببعضها البعض ولهذا فإن كل العالم مهم وقيم وجدير بالحفاظ عليه. كما أن التفسير يشير إلى أن التوحيد يعني الإيمان بأن الله هو الإله الواحد الأوحد لكل الوجود، ما يعني بالضرورة أن يحرص المرء على التقوى في التعامل مع أي مخلوق من مخلوقاته.
مبدأ الفطرة: تُفهم الفطرة في الخطاب البيئي الإسلامي على أنها الحالة الأصلية للخلق، الطبيعة الأصلية للأشياء. وهي تتضمن في المقام الأول الحالة الطبيعية للإنسان في تناغمه مع الطبيعة. ومنها تم التوصل لأهمية دور الإنسان وواجبه في حماية الطبيعة. ويدلل فضلون خالد على ذلك مثلا بالقول إن الناس قد عاشوا في الماضي على الفطرة وحافظوا عن غير وعي على الحدود غير المكتوبة. لكن ذلك تغير مع التصنيع. صحيح أن البشر كانت لديهم في الماضي الصفات السلبية والإيجابية نفسها، لكن الميل إلى التصرفات الحسنة أو السيئة ظل في حدود النظام الطبيعي. ولهذا لم تخلف الحضارات الأولى أي آثار سلبية باقية مثل المواد الضارة أو السموم المدمرة أو النفايات المشعة. ويظهر ذلك أن مسؤولية الإنسان في عصرنا أكبر بكثير من ذي قبل، لأن هناك فعلا إمكانيات عديدة قائمة لتدمير الطبيعة. لذا فإن الهدف هو الرجوع إلى حالة الفطرة والحفاظ على الأرض.
مبدأ الخلافة: يتولى الإنسان دور الخليفة على الأرض. وهذا يعني أنه يضطلع بالأمانة التي حمله الله إياها، وقد عُهد إليه بالأرض التي ذللها الله له. وهو ليس بمالكها ولا سيدها لأنها ملك لله، لكن له منزلة مهمة بين الخلائق. ولهذا تدعو الحركة البيئية الإسلامية إلى أن يقوم الإنسان بدوره كخليفة لله في أرضه وألا يستمر في إخضاع الطبيعة لمصالحه.
مبدأ الأمانة: يرتبط مبدأ الأمانة ارتباطا وثيقا بمبدأ الخلافة، فهو يعني تحمل المسؤولية في كل جوانب الحياة. إنها الأمانة التي تقع على عاتق خليفة الله في الأرض والتي رضي الإنسان بتحملها عندما عرضها الله عليه. وعادة ما تذكر في هذا السياق الآية 72 من سورة الأحزاب: “إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها واشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا”. وبالطبع تعني الأمانة تقييدا وعبئا أخلاقيا على الخليفة. ووفقا للخلق البيئي الإسلامي فإن المنزلة العليا للإنسان لا تكمن في سلطته العليا وسيادته على المخلوقات، بل بالأحرى في أنه سيحاسب وحده أمام الله.
مبدأ العبودية: يعبر مبدأ العبودية عن حالة الإنسان كعبد لله وهو مكمل لمبدأي الخلافة والأمانة، فدور العبد يقلص سلطة الإنسان. ويفسر علماء الفقه البيئي هذا المبدأ على أنه على المسلمين كعباد لله أن يلتزموا بالقوانين بما فيها قوانين العناية بالطبيعة والحفاظ على النظام البيئي والتعامل السليم مع الموارد الطبيعية.
مبدأ الميزان: يعنى بمبدأ الميزان في الخلق البيئي الإسلامي التوازن البيئي أو السعي لطريق وسطي. ويتطلب هذا المبدأ الحفاظ على التوازن البيئي وإعادة هذا التوازن للأرض، سواء على مستوى التناغم البيئي، أو على مستوى العدالة الإنسانية والتعامل الأخلاقي في الحياة اليومية، فقد خلق الله الأرض وكل الكون بإتقان وتوازن وبلا عيوب. ومن واجب الإنسان الحفاظ على ذلك. وحسب فقهاء البيئة المسلمين تظهر مشاكل كارتفاع درجة حرارة الأرض والزالزل وارتفاع مستوى سطح البحر فقدان الأرض للتوازن الإلهي.
هل ثمة طريق إسلامي للخروج من مأزق التغير المناخي؟
يكمن حل مشاكل البيئة حسب الخلق البيئي الإسلامي، في إحياء العقيدة والروحانيات. هذا لا يعني الابتعاد عن العلم والتطور، لكن لا بد من رفض مجتمع الاستهلاك والتصرفات الخالية من المسؤولية. لا توجد منظومة واحدة للفقه البيئي الإسلامي ووفقا لذلك فإن التيار المسمى بـ “الإسلام البيئي” لا يزال ناشئا وثمة توجهات وتفسيرات عديدة، لكنها كلها تشترك في أن هدفها هو حماية البيئة والحفاظ على الخليقة.
وفي نهاية المطاف يجمع موضوع البيئة وحماية الأرض بين أتباع ديانات مختلفة في نضالهم المشترك من أجل الحفاظ على أساس الحياة لكل الكائنات وقد تبين أن هذا الموضوع من الأعمدة الأساسية للحوار بين الأديان. صحيح أن التعامل مع القضية من منظور الدين ليس كافيا لحل مشكلة التغير المناخي، لكنه قد يسهم في تغيير الوعي. لقد تطور الخطاب البيئي الإسلامي بصورة متنامية في شبكة الإنترنت على وجه الخصوص ويبدو أن الكثير من المسلمين يجدون شيئا ملهما في كون دينهم يحض على السلوك الرفيق بالبيئة ويدعمه.

شدد عدد من القادة الدينيين والمسؤولين والباحثين من ديانات ودول مختلفة، على دور التربية على الحفاظ على البيئة، و”الجهاد الأخضر” لمواجهة التغييرات المناخية المتعاظمة والتي تهدد العالم، إضافة إلى سن اتفاقيات دولية من الأمم المتحدة لإلزام القوى والشركات الكبرى على احترام البيئة.

جاء ذلك في مؤتمر، حول دور القادة الدينيين في المحافظة على البيئة ومواجهة التغيرات المناخية، اليوم السبت، ضمن فعاليات منتدى “كرانس مونتانا”، بمدينة الداخلة بإقليم الصحراء المتنازع عليه بين المغرب وجبهة البوليساريو.

ودعا سوامي اكنيفيتش، وزير سابق في الهند، ومؤسس جمعية “سارفا” بالهند، إلى تغيير جذري كي يتغير العالم الرأسمالي في تعامله مع البيئة، ومع موضوع التغيرات المناخية، والعودة إلى الاحتياجات الأساسية للإنسان.

وقال إنه “يجب أن يكون النظام العالمي قائم على احترام الطبيعة ومواردها، وليس نظام الأثرياء على حساب غالبية البشرية من البسطاء”، كما ودعا إلى تغير جذري في تعامل الإنسان المعاصر مع البيئة حتى ننقذ مستقبل البشرية، معتبرا أن التربية هي المدخل لذلك.

وشدد على دور القادة الدينيين من مختلف الديانات في التوعية بالمخاطر التغيرات المناخية، وإيجاد خطة واقعية وعملية للتربية على احترام البيئة، من خلال “نطام ومنظور روحاني لاحتواء الطبيعة، باعتبارها مقدسة وهبة من الله”، موضحا أنه “إذا لم نحترم الطبيعة والبيئة، فهذا يعني أننا لا نحترم الله”.

من جهته دعا روبير رومان، رئيس الحكومة الرومانية الأسبق، إلى “الانكباب الجدي” على مشكل التغييرات المناخية والهجرة الجماعية، مشددا على ضرورة “اتخاذ قرارات حاسمة لمواجهة التغييرات المناخية التي تهدد البشرية”.واعتبر أن “الأمر اليوم لم يعد يتعلق بالانكباب على الحديث عن التغيرات المناخية فقط، بل سن اتفاقيات دولية في هذا المجال”.

وقال رومان إن منظمة الأمم المتحدة هي الوحيدة القادرة عالميا على مجابهة هذا الموضوع، مضيفا أنه “في منظومة الأمم المتحدة يجب اتخاذ القرارات وتحمل المسؤولية بشجاعة من أجل كل الشعوب والدول، ورغم أن هناك قوى وكبرى لها مصالحها، لكن يجب التحرك”.

أما الشيخ شعبان رمضان موباخ، مفتي أوغندا، فاختار أن يعرض تجربة المجلس الإسلامي بهذه الدولة، من خلال مشروع ديني للتربية على البيئة، أطلقوا عليه “الجمعة الخضراء”، ويقوم هذا المشروع الذي انطلق في 2010، على أن تخصص الجمعة الثانية من رمضان من كل سنة، للحديث عن البيئة والحث على المحافظة عليها في خطب الجمعة بمختلف مساجد البلاد، والقيام عقب الصلاة مباشرة بزرع الأشجار المثمرة في محيط المسجد والبيوت، وقال إنه “بعد خمس سنوات، وصلنا إلى 250 ألف شجرة، والآن نأكل من هذه الأشجار فواكه مختلفة، ورغم أننا لم نصل إلى العدد المنشود، لكن لا تزال الفكرة والآمل قائمان”.

ودعا إلى “رفع التحدي البيئي بالتوعية”، وقال “إننا نقترب أكثر من نهاية العالم، إذ لم نقم بالعمل المطلوب من أجل حماية البيئة من خلال التربية والتعليم وتطبيق ما نعلم ونتعلم”.

بدروه دعا إريك جو فروا، الأستاذ بجامعة ستراسبورغ فرنسا، والمتخصص في التصوف الإسلامي، إلى ما سماه “الجهاد الأخضر”، مذكرا بتجربة زاوية صوفية في السنغال والجزائر تقوم على “ايقاظ الوعي بالبيئة”، و”تعبئة الصوفيين لحماية البيئة”، باعتبار الإنسان “خليفة الله في الأرض”، كون هذا العمل “التزام واقعي بحماية البيئة والتنوع البيئي”.

كما عرض إريك جو فروا، لتجربة شخصية انخرط فيها، اعتبرها رسالة “صوفية ووعي”، تقوم على “الجهاد الأخضر”، وخلص إلى أن “الروحانية هي السبيل الوحيد لمحاربة التطرف ورفع التحديات البيئية التي تواجهها البشرية”.

أما رشيد شار، مدير تنمية البحث التربوي بجامعة أليكرا بالهند، فدعا إلى قراءة جديدة للنصوص الدينية من أجل التأكيد على الوعي بالطبيعة والحفاظ على البيئة وتغيير طريقة وأسلوب حياة الناس في علاقتهم بالبيئة، انطلاقا من الفهم المتجدد للنصوص الدينية، و”القيام بما يلزم اتجاه الطبيعة، لأنه جزء من القيام بالواجب اتجاه الله”.

كما دعا المسلمين إلى الانفتاح أكثر من أي وقت مضى في فهم نصوص الرسالة الإسلامي، وعدم ارتكاب الأخطاء الجسيمة في علاقتهم بالبيئة، وأن تصبح موضوعا دينيا واجتماعيا متداولا.

وقال إن العالم الإسلامي بإمكانه أن يأخذ مبادرات حاسمة من أجل مصلحة العالم، انطلاقا من موقعه الاستراتيجي ومن رسالته، وإرساء بيئي عالم متوازن.

مونيكا زبيدي
باحثة في قسم الدراسات الإسلامية بجامعة إرلانغن نورنبرغ.
ترجمة: أحمد فاروق
الوسوم
اظهر المزيد

الموسوعة الجزائرية للدراسات السياسية

مدون جزائري، مهتم بالشأن السياسي و الأمني العربي و الدولي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock