المؤلفان: جون اركيلا ودايفيد روزنفلت

  انبثاق سياسة المعرفة (The Emergence of Noopolitik) كان عنوان كتاب ظهر في العام 1999 لمؤلفين أميركيين مصنفين في عداد الاستراتيحيين-الأكاديميين وهما: جون اركيلا، الاستاذ في جامعة مونترامي والمتخصص في الاعلام الى جانب كونه عسكرياً سابقاً من رجال البحرية الاميركية والثاني هو دافيد روزنفلت الذي يعمل محللاً في مركز رائد للأبحاث الذي يقدم استشاراته لجهاز المخابرات العسكرية الأميركية, لكن الكتاب لم يلق الاهتمام الكافي وذلك لأسباب موضوعية عدة أهمها:

1-    الانهماك الأميركي في حرب كوسوفو والذي بلغ حدود الحرج بزيادة بالمدة المقدرة لها حتى وصلت ال79 يوماً وأيضاً باضطرار أميركا لممارسة ضغوطات عديدة على حلفائها الأوروبيين واضطرارها لإعلان عدم قدرتها على اتخاذ خطوة الإنزال البري وبالتالي إعلان الحرب.

2-    وهو سبب يعود بدوره إلى حرب كوسوفو التي خاضها كلينتون كواحدة من حروبه الرمزية (استخدام التفوق العسكري والتهديد بزيادته ولكن دون إعلان الحرب). في المقابل يطرح الكتاب مبدأ “الحرب الإفتراضية” وهو متعارض مع “الحرب الرمزية” ومحرج لها على أكثر من صعيد.

3-    إن الكتاب، وعلى الرغم من طابعه المستقبلي – التنبّوئي الرائج، لم يقدم شائعة قابلة للرواج الشعبي وللتداول بين عامة  الجمهور. بل على العكس فإن الكتاب يطرح مصطلحات جديدة يجهد المؤلفان لتفسيرها ولتبيان سبل تطبيقها على الوقائع.

4-    إن المؤلفان يستعجلان نقلة، لم يحن أوانها بعد، في مفهوم الصراع والحرب. ومن وجوه هذه النقلة اعتبار المصالح لا تبرر وحدها خوض الصراع إذا كان ذلك سيسقط ضحايا بين حلفاء يجب حمايتهم، على غرار ما حصل للكوسوفار.

وهذه الأسباب تستتبع السؤال عن مدى قابلية أصحاب القرار لمناقشة طروحات الكتاب وآراء مؤلفيه؟ وهل يتسم موقف هؤلاء باللامبالاة ذاتها التي لقيها الكتاب؟ من ا لصعب طبعاً إعطاء إجابة كافية عن هذا السؤال. إلاّ أن مجلس النواب قبل دعوة المؤلفين لإجراء مداخلة عرضا فيها آراءهما في موضوع الحرب الإفتراضية، وتبدو المداخلة أكاديمية من النوع الذي يحتاج إلى إثبات فاعليته الإجرائية. أما أوساط الدفاع الأميركية فهي لا تعطي الوجاهة لهذا النوع من الأفكار الذي يهمل أهمية ملكية العدو المفترض لجهاز تلفزيون حتى نتمكن من التأثير فيه عبر محطات بثنا التلفزيوني. فالكتاب ومؤلفاه يضعان ثورة الاتصالات كمرتكز أساسي للصراع. وهما يتجاهلان أن توزيع أدوات الاتصال العالمي لا يتسم بالعدالة!

ولكن لماذا التوقف عند هذا الكتاب وقراءته على الرغم من كل الشوائب المذكورة أعلاه. والتي تدعو لإهماله أكثر مما تدعو لمناقشته؟ وهذا تساؤل واجب التبرير والإجابة كي نملك قابلية الإطلاع على الكتاب واستشفاف نواحي القوة والموضوعية فيه.

بالنسبة إلينا فقد رأينا في هذا الكتاب بعض التصورات المستقبلية الدقيقة حتى بدا لنا الكتاب وكأنه قد بكر في ظهوره بضع سنين فقط. وبمعنى آخر فقد رأينا أن العديد من أفكار الكتاب المهملة والمهمّشة راهناً يمكنها أن تتحول في المستقبل القريب إلى أفكار مهيمنة، خصوصاً أن غالبية الأسباب المؤدية لإهمال الكتاب سوف تنتهي بمجرد خروج كلينتون من البيت الأبيض. وعندها ستعاود هذه الأفكار ظهورها وتستعيد قدرتها على إثارة النقاش وربما على القيام بتحليل رجعي للصراعات الأميركية منذ سقوط جدار برلين وحتى تاريخه.

ونأتي إلى عرض الأفكار الرئيسية للكتاب ولمؤلفيه. وبالتالي فإن عرضنا هو عرض مفاهيم وليس عرض محتويات. والمفهوم الرئيسي فيها أن حروب المستقبل يجب أن تواكب التحولات الإجتماعية العميقة في بنى المجتمعات. وعليه فإن إدارتها الرئيسية ستكون متمثلة بالإعلام وليس بالأسلحة التقليدية أو بأسلحة الدمار الشامل أو حتى بالأسلحة الذكية. وعلى هذا الأساس يرى الكتاب أن الإعلام هو ميزة فيزيائية مثله مثل الطاقة والمادة. وبذلك يصبح من السذاجة الاستمرار في قبول التعريفات التقليدية للإعلام على أنه مرسل ورسالة وأداة اتصال ومستقبل. ومفهوم الكتاب يحيل كلاً من المرسل والمستقبل وأداة الاتصال (ارسال واستقبال) إلى مجرد عناصر. أما القيمة الرئيسية فهي للرسالة. فعن طريق الرسالة يمكن خوض الحرب عبر الشبكات (Netwar). فحروب الغد لا يكسبها من يملك القنبلة الأكبر بل يربحها ذلك الذي يخبر الرسالة (الرواية) الفضلى! بهذا يطرح الكتاب وبجرأة مفهوماً جديداً للقوة. إذ يتنبأ بتحول القوة من عسكرية (أسلحة وعتاد) إلى إعلامية (علاقات إنسانية). وبمعنى آخر فإن القوة ستتحول من مادية إلى لا مادية. وييصبح الصراع مرتكزاً على قطبي التنظيم / الإرباك (حيث النصر للطرف الأكثر تنظيماً والأقل إرباكاً). وعندها تصبح القدرة على إرباك العدو مساوية للقدرة على تدميره. وعلى هذه الأسس تحديداً يبني المؤلفان مفهومهما لما يسميانه بالحرب الإفتراضية (Cyber war). حيث يتحول الإعلام إلى بعد استراتيجي رئيسي يمكنه الحلول مكان البعد العسكري (الحروب التدميرية) في حل الصراعات . وبهذا يتحول الإعلام إلى “سلطة لطيفة” قادرة على تجسيد الأفكار والقيم والمعايير والقوانين والأخلاق بالصورة الملائمة لعصر تتزاوج فيه “سياسة  المعرفة” مع “عصر الإتصالات” : وبهذا يكون الكتاب قد استجاب لدعوة المستقبليين ألفن وهايدي توفر من أجل تطوير فهم جديد للعلاقات بين الحرب وبين المجتمع الداخل في تطور سريع. والحاجة إلى هذا الفهم الجديد هي وراء تحذير المؤلفين من خطر الإصرار على اعتماد الطرائق التقليدية لإدارة شؤون الدولة مما يؤدي إلى احتمال استمرارية استخدام القوة العسكرية بصورة غير فاعلة وغير متناسبة.

ويلخص المؤلفان رؤيتهما للسلطة اللطيفة (الإعلام) بتوزيع مفهومهما للإعلام على أربعة صعد هي:

1-    يعتبر أن “كل بنية تحوي إعلاماً”. وبما أن الإعلام يدخل في مقومات البنية فإنه يتجاوز مفهوم الاتصال. بل هما يعتبران أن الإعلام هو الذي يعطي البنية شكلها.

2-    إن تطور تكنولوجيا الإعلام يتيح إمكانات متزايدة لتحقيق التنظيم عبر الشبكة، حيث يميز الكتاب بين أربعة تجليات للتنظيم هي: القبائل والمؤسسات والأسواق والشبكات. ويزيد روزنفلت أن التكنولوجيا تتطور باتجاه تعزيز دور الشبكة على حساب بقية أنواع التنظيم.

3-    إن نظام الشبكة يتيح تفرق المعركة (Swarm Battle) والمنتصر هو الناجح في السيطرة على الإعلام (أي على الشبكة، كون هذه السيطرة تؤمن له التفوق في المعلومات وفي الاتصالات).

4-    إن “السلطة اللطيفة” (الإعلام كبعد استراتيجي) تتيح إمكانية اعتماد استراتيجيا شاملة تقوم على مبدأ “الانفتاح الحذر” (Guarde dopenness). وهذا الانفتاح يقترن بحرية تجوال المعلومات وهو تجوال في مصلحة الولايات المتحدة لأنها الأقدر على الإفادة منه حسب قناعة المؤلفين.

وبعد هذه المتابعة لنظرية الحرب الافتراضية، التي يطرحها الكتاب، يحق لنا الاستنتاج بأنهما ينظران إلى حرب كوسوفو على أنها حماقة كبرى. في المقابل يحق لمعارضيهما أن يتخذوا من كوسوفو منطلقاً للقول بأن نظريتهما قد دفنت حتى قبل ولادتها!.

لقد حاول المؤلفان توضيح موقفهما من حرب كوسوفو عبر مقال نشراه في صحيفة “لوس انجلوس تايمز” بتاريخ 20 / 6 / 99. وفيه أصرّا على أن حسم النزاع كان بفضل نشر وحدات صغيرة من الكوسوفار (وعدد ضئيل من الحلفاء) مما أجبر الصرب على المناورة وإطلاق النار فأدى ذلك إلى تحديد المواقع الصربية وقصفها. وبذلك فإن حرب كوسوفو تستجيب برأيهما لمبادىء الحرب الإفتراضية التي تقتضي إشراك وحدات صغيرة على اتصال في ما بينها، مما يمكنها من شن هجمات منسقة (متفرقة مندمجة ومنتشرة) بصورة متحررة. بذلك يمكن تجنب الإعتماد على القوى الأرضية التقليدية. أما عن حجم هذه الوحدات فيكفي أن يكون عشر عدد جنود العدو. ورأى الباحثان في مقالتهما أن ا لعوة للإنزال البري كانت خاطئة. ويخلص المؤلفان إلى طرح “الحرب الإفتراضية” كبديل في الحالات التي تعجز فيها العقوبات الإقتصادية والقصف الجوي المدمر والدموي عن حسم  المعركة.

ونأتي إلى تقويم الكتاب من وجهة نظرنا لنجد فيه محاولة تطبيقية لآراء توفلر في كتابه “تحول السلطة”. وربما بذل الباحثان الجهود للاستجابة لجملة الضرورات وتوقعات التغيير التي اقترحها توفلر. فإذا ما استثنينا التقاء طروحات الكتاب مع طروحات توفلر فإننا نجد أنه أصلح لأن ينتج لعبة ديبلوماسية جديدة (شبيهة بلعبة المونوبولي) من أن ينتج استراتيجية جديدة. ويتركز نقدنا للكتاب حول المسألة الآتية: يركز الكتاب على أهمية البنى التحتية التكنولوجية ويعترف للبنى الفوقية بأهمية شبيهة وهذا خطأ، فأفكار البنى الفوقية هي المحدودة، وستبقى كذلك على المدى المنظور، خصوصاً أن هذه البنى هي، منتجة الرسائل وهي التي تصوغها. وللدلالة على ذلك نسأل هل كان جورج بوش ليخوض حرب كوسوفو كما خاضها كلينتون؟ وهذا السؤال يستتبع قائمة من الأسئلة الأخرى منها السؤال عن علاقة حرب كوسوفو بالحاجة الأميركية الملحّة للدخول إلى منطقة القوقاز ولبلقنة المنطقة المحيطة بها لحماية المصالح الأميركية في القوقاز؟ وماذا عنن ضرب السفارة الصينية الذي اعتبر خطأً معلوماتياً (أي هزيمة لمبدأ الحرب الإفتراضية) وهل هو كذلك فعلاً؟ بل ماذا عن مستقبل الصراع في كوسوفو؟!

عنوان الكتاب: The emergence of Noopoli-tik Toward of Americam Strateay.

الناشر: Rand Monograph Report Rand, Sanga Monica ,California , 1999.

 

Print Friendly, PDF & Email