قضايا أمنية

عودة الجهاديين ومركب الأمن الهجين

دشن إعلان الرئيس الأمريكي عن إستراتيجية الأمن القومي الجديدة عهد جديدا في العلاقات الإستراتيجية الدولية تحاكي تلك التي أطلقها سلفه رونالد ريغان عام 1983؛ المفارقة أن ظروف ومبررات المبادرتين كانت متشابهة تقريبا. إذا اتهم آنذاك رونالد ريغان منافسه في الانتخابات الرئاسية من الحزب الديمقراطي جيمي كارتر بأنه تبنى سياسة خارجية ضعيفة ومتساهلة أمام غزو الاتحاد السوفياتي لأفغانستان، والفشل في معالجة مسألة الرهائن الأمريكيين في طهران وضعف الحلف الأطلسي أمام حلف وارسو. كذلك كرر ترامب في خطابه الاتهام لإدارة باراك أوباما بالمسئولية عن تراجع أمريكا في العالم والتنازل لإيران والضعف أمام بوتين. لذلك، اتخذ مجموعة من القرارات قبل أن يعلن إستراتيجيته وهي رفع ميزانية الدفاع إلى 700 مليار دولار وهي الأعلى في تاريخ أمريكا، ورفع أجور أفراد الجيش؛ على عكس رونالد ريغان الذي أعلن عن مبادرة الدفاع ثم طالب من الكونغرس تمويلها.

تضمنت إستراتيجية الأمن القومي الجديدة اعتبار الصين وروسيا منافستين يعملان على تقويض المصالح الأمريكية، زيادة الرفاهية الاقتصادية، وزيادة نفوذ الولايات المتحدة في العلاقات الدولية؛ وكان خطابه مستعارا من الحرب الباردة، في إشارة واضحة إلى أن المرحلة القادمة سوف تشهد زيادة تدخل الولايات المتحدة عسكريا في الأزمات الدولية، زيادة نشر أعداد القوات الأمريكية في الخارج، وربما شن الحروب في مناطق معينة.

المناطق الهشة أمنيا مجال للمنافسة الإستراتيجية
كان رد فعل الصين وروسيا عنيفا على إستراتيجية ترامب الجديدة ووصفت بأنها عدائية من قبل الرئيس الروسي، وأعلن عن سياسة روسيا في تطوير القدرات الصاروخية للتحضير لأي اشتباك بالأسلحة النووية، في نفس الوقت وصف أعمال الحلف الأطلسي في أوربا بالعدائية تهدد الأمن القومي الروسي، خاصة عند تحذيره الإدارة الأمريكية تزويد اوكرانيا بأسلحة جديدة. وإذا كانت الصين أكثر هدوءً في رد فعلها إلا أنها تأخذ الموقف الأمريكي على محمل الجد خاصة فيما يتعلق بإمكانية قيام أمريكا بإعاقة تقدم نفوذها الاقتصادي في العالم وخلق النزاعات في بحر الصين الجنوبي وعبر قناة تايوان.
في كل الأحوال هناك خمسة دول هشة أمنيا التي سوف تكون ميدانا للمنافسة الإستراتيجية وتأجيج الحرب بالوكالة أو بشكل مباشر وهي: سوريا، ليبيا، أفغانستان، ليبيا، أوكرانيا، ومنطقة الساحل. بدأت مؤشرات النزاع الأولية تظهر في أوكرانيا وسوريا على وجه التحديد، عندما أعلنت الولايات المتحدة أنها سوف تزود أوكرانيا بأسلحة هجومية جديدة لتوريط روسيا في حرب إقليمية طويلة؛ والمؤشر الثاني إعلان أمريكا المفاجئ بأنها سوف تبقي قواتها فوق الأراضي السورية على المدى طويل، بعدما كانت تعلن تكرارا بأن قواتها في سوريا هي فقط لمحاربة داعش وأنها سوف تقوم بسحبها عند إنهاء مهامها. الأكثر من ذلك، أنها أعلنت عن برنامج تدريب قوات عربية وكردية في شمال سوريا، وهذا يعني خلق بؤرة نزاع طويلة المدى تدير بواسطتها الحرب بالوكالة.

ما العمل؟
لمواجهة تداعيات المنافسة الإستراتيجية العالمية بين القوى العظمى فوق المناطق الهشة أمنيا، يجب تبني مقاربة مجموعات العمل الجماعي المحدودة في العدد وحول مجال قضية محدد بدقة يحمل مصالح حيوية لكل الأطراف المشاركة. بالنسبة للمنطقة العربية والجزائر على وجه التحديد، يمكن إنشاء مجموعة عمل حول سوريا مكونة من: سوريا، العراق، تركيا، إيران وروسيا؛ مهمتها الأساسية محاربة الإرهاب، إنهاء مشكلة اللاجئين، وتحقيق الحل السياسي الذي يوقف الدماء ويؤمّن الطريق أمام عودة الناس إلى مدنهم وإعمارها.
المجموعة الثانية حول ليبيا، والمكونة من حكومة الوفاق، الجزائر، مصر، تونس وإيطاليا؛ مهتمها الأساسية إنهاء المرحلة الانتقالية، توحيد الجيش، تعزيز قوات الأمن وإنهاء مشكلة المهاجرين، ومحاربة الإرهاب.
المجموعة الثالثة حول منطقة الساحل المكونة من دول الميدان والإكواس أو على الأقل جلب نيجيريا بالإضافة إلى فرنسا، مهتمها المساعدة على استقرار حكومات المنطقة ومحاربة الإرهاب والجريمة المنظمة والحد من تدفق المهاجرين. في هذه المجموعة، يجب أن تندفع الجزائر نحو دول الساحل بالإضافة إلى بعض دول الإكواس مثل نيجيريا والكامرون، من أجل تفادي تهميشها في المنطقة وزيادة التدخل الأمريكي-الفرنسي.

عامر مصباح
جامعة الجزائر 3

اظهر المزيد

الموسوعة الجزائرية للدراسات السياسية

مدون جزائري، مهتم بالشأن السياسي و الأمني العربي و الدولي.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock