تتنامى ظاهرة التطرف الفكري والديني بشكل عنيف ومخيف، في الوقت الذي يعرف الأمن العربي تحولات يمكن وصفها بالعميقة تزامنًا مع الانتقال من نمط النزاعات بين الدول إلى نزاعات داخل الدولة الواحدة، تحت مسميات عديدة «طائفية، إثنية…» مع نهاية الحرب الباردة، وتبعا للمستجدات الأمنية التي ترتبت على إثر أحداث 11 سبتمبر (أيلول) 2001 ؛ إذ تم إعلان حرب عالمية على الإرهاب، هذه الحرب غير المتماثلة وغير المتكافئة، والتي تورطت فيها بعض الدول، إذ دخلت في لعبة الغرب؛ فصارت قبلة للإرهابيين كحال باكستان. يضاف إلى ذلك أن العولمة قد فرضت تحديات حقيقية على صانع القرار، ترتب على ذلك صعوبة إيجاد حلول داخل الحدود الوطنية الضيقة، والعمل على مراجعة العقيدة الأمنية لعدد من الدول بما يواكب التحولات الاستراتيجية الحالية، في وقت أصبحت الدولة أكبر من أن تتعامل مع المشكلات الصغرى وأصغر من أن تتعامل مع المشكلات الكبرى على حد تعبير عالم الاجتماع الأمريكي «دانييل بال».

فما هي «ميكانيزمات» إنتاج التطرف في المنطقة العربية في ظل الحراك العربي المستمر؟

التطرف والإرهاب

نجد أن مفهوم التطرف غامض أحيانًا ومثير للجدل، وهو في الأصل يشير إلى الإفراط في الشيء أو التفريط فيه، غير أن الشائع استخدامه للدلالة على التشدد في الأمر وعدم الرفق فيه. إن التطرف ظاهرة مركبة ويعتبر في صلته بالأعمال العنيفة والإرهابية شكلًا من أشكال التهديد الأمني غير المتماثل. والحقيقة أن التطرف هو ما ظل في حدود الفكر، ولم يصل إلى درجة ممارسته؛ لأن ممارسة التطرف عمليا هي الخطر الأكبر.

و قد بدأت الأدبيات الغربية في استخدام مصطلح«التطرف العنيف» بعد أحداث 11 سبتمبر (أيلول) 2001  للإشارة إلى التطرف المسلح، كما استخدمته الإدارة الأمريكية العام الماضي في قمة مكافحة التطرف العنيف التي عقدت بواشنطن، وقد أكد «باراك أوباما» خلالها على أن بلاده ليست في حرب مع الإسلام، بل مع من يشوهون صورته.

بالنسبة لمفهوم الإرهاب، فقد عرف في اجتماع تونس عام 1989 كالآتي «فعل منظم من أفعال العنف أو التهديد به، يسبب فزعًا أو رعبًا من خلال أعمال القتل أو الاغتيال أو حجز الرهائن أو اختطاف الطائرات..ويستهدف تحقيق أهداف سياسية». فالعمل الإرهابي هو الذي يخلق حالة من الرعب، و تكون  أهدافه سياسية محضة. فضلًا عن الطابع الرمزي، بحيث إنه قد يتضمن إهانة رموز الدولة، كما يتراوح بين عمل عنيف منظم يتسم بالتخطيط والتدبير، وعفوي تنتجه مستجدات معينة.

آليات تكوين وإنتاج التطرف

في هذا العنصر اخترنا التركيز على شق هو في اعتقادنا هام جدًا، يتعلق الأمر أولًا بالعجز في أبنية النظام السياسي في الدول العربية عمومًا، أو ما نطلق عليه هنا «أزمة بناء الدولة»، بحيث تواجه عملية بناء الدولة الحديثة معوقات داخلية وخارجية متنوعة.

إن المتتبع لحراك الجماعات المتطرفة في المنطقة العربية يجد بأنها لا تنشأ من فراغ، بل هي واقعة تحت تأثير الظروف المختلفة بما فيها السياسية داخل البلاد بالدرجة الأولى بحيث فقدت الأنظمة السياسية شرعيتها ومشروعيتها، وهو ما يؤكده الامتداد التاريخي لظاهرة التطرف في المنطقة.

إن فقدان الثقة في النظام السياسي بهياكله وأدواره مشكلة كبيرة جدًا تقود إلى خلق أزمات عديدة، كما تناولها «لوسيان باي»، وأطلق عليها تسمية أزمات التنمية السياسية. فهشاشة معيار عنصر الثقة تقود إلى ممارسة التطرف، سواء من طرف جماعات قد تكون ذات صبغة دينية  أو سياسية، لافتقارها لروح المواطنة؛ نتيجة حدة أزمة الهوية، وفشل الدولة في عملية التغلغل، فضلًا عن عاطفة الحرمان؛ لكونها تعيش على هامش النظام وفي بيئة منعزلة، كما قد يأتي التطرف من جانب السلطة ذاتها عبر ممارسة الاغتيالات السياسية مثلًا.

ومن المفارقات التي أنتجها الحراك العربي أنه جاء لكسر الطغيان، وإسقاط الممارسات الديكتاتورية والتسلطية، غير أنه في مقابل ذلك أنتج موجات من العنف المتنامي استثمرت في الفراغ المؤسسي والمجتمعي الذي أنتجته ممارسات الأنظمة السابقة.

النقطة الثانية التي تشد الانتباه هي العنف الذي تمارسه السلطة في متابعة تحركات الجماعات الإرهابية المتطرفة. فالتاريخ يثبت أن تعنت السلطات المصرية، على سبيل المثال، تجاه جماعة «الإخوان المسلمين» منذ عهد «جمال عبد الناصر» ثم «السادات»، لم يؤتِ أكله، بحيث امتد فكر الخوارج التطرفي خارج حدود مصر، وتنامت ظاهرة الإرهاب في المنطقة العربية، كذلك نفس الأمر حدث مع الجزائر خلال تسعينيات القرن الماضي. فالعنف لا يولد سوى العنف. كذلك ساهم قمع نظام «صدام حسين» لشيعة العراق في تنامي التطرف الشيعي العنيف بالمنطقة، وأيضًا «التطرف اللا ديني» الذي يعكس حالة متقدمة من فقدان الثقة بدين أو مذهب بات يوظف خدمة للسياسة.

إن التطرف في الوطن العربي، وبعيدًا عن نظرية المؤامرة، منشؤه الأول هو العجز الحاصل على مستوى أبنية ووظائف النظم السياسية، فالمتطرف شخص يشعر بالحرمان والاغتراب داخل بلده، ولا سبيل للتصدي للأمر، إلا بتحديث الخطاب السياسي أولًا، ومعالجة ظروف البيئة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية من خلال الحوار، وبعيدًا عن العنف، فالعنف لا يولد سوى المزيد منه، وهو ما أثبته التاريخ. كما أن التعاون والتنسيق الأمني على الصعيد الجهوي والإقليمي كفيل بلعب دور مهم في ذات الصدد، فالدولة لم تعد بمفردها قادرة على تحمل أعباء ضمان الأمن والاستقرار لمواطنيها.

كما أن استراتيجية مكافحة التطرف والإرهاب الناتج عنه في حاجة لأن تكون أشمل، بدلًا من التركيز على الشق العسكري وحده، فالأمن ليس عسكريًا فقط، بل هو نتيجة لتنمية متعددة الأبعاد يتقاطع فيها الجانب الاقتصادي والثقافي والتربوي.

الجزائر – عمارية عمروس

Print Friendly, PDF & Email