ربما كانت الثورة الفرنسية أولى سيرورات الفوضى البناءة القابلة للطرح النظري كمرجعية للمقارنة. وهي إنطلقت من شعارات حرية- عدالة – مساواة. وهذا النموذج المثالي للفوضى لا يرقى فوق المحاذير القاتلة للفوضى. وإذا كان التوظيف المخابراتي لمبدأ الفوضى البناءة يستوجب وقفة تحليلية معمقة لفوضى الثورة الفرنسية فإننا في سياقنا نكتفي بالتذكير بالعقابيل والآثار الجانبية الضارة لتلك الثورة وفي مقدمتها التالية:

1. سيطرة الرعاع التي سرعان ما إنقلبت الى فوضى غير منظمة.

2. عدم ثبات المرجعيات الفكرية والسياسية لدى الرعاع بما أدى الى أن تأكل الثورة أبناءها والى إعادتها للملكية الى فرنسا.

3.  إندلاع الشوفينية الفرنسية التي ارادت تصدير فوضاها الثورية الى أوروبا دون مراعاة لظروف كل بلد على حدة ودون مراجعة ثغرات الثورة وضبط فوضاها.

4.  إعادة إطلاق الأحقاد التاريخية الفرنسية – الألمانية التي لم تنتهي لغاية اليوم برأينا.

ونكتفي بهذه العقابيل المؤلمة للثورة الفرنسية لنجد ملامحها في كل الثورات اللاحقة التي كرست شعار: “الثــورة تـأكل أبنــاءها”. فكل الثورات أكلت أبناءها خلال فوضاها أو بعدها خلال إعادة ترتيب البيت. وغالباً ما عاد الملك أو حاشيته الى السلطة بقناع أو بآخر. وهذا ما يفسر عودة الشيوعيون القدامى لحكم أوروبا الشرقية ولو بطروحات تطويرية.

ولو نحن أردنا العودة الى الفوضى المضادة لوجدنا في عودة الملك لحكم فرنسا بعد الثورة أولى تجارب الفوضى المضادة. أما في وقت لاحق فإن المثال المناسب قد نجده في تحضير المخابرات الأميركية للإنقلاب على حكم مصدق في إيران وإعادة الشاه الى الحكم. وهو ما فشلت فيه تلك المخابرات عقب الثورة الإسلامية فإنتقلت الى فوضى الإحتواء المزدوج فكانت الحرب العراقية – الإيرانية.

لاحقاً وبعد سقوط الشيوعية إنتقلت المخابرات الأميركية الى الفعل الفوضوي البناء. إذ طالما آلمتها حركات العنف الثوري الماركسية وأوجعتها. ولطالما أعجبت بهذه الحركات دون أن تتمكن من تقليدها. وجاءت الفرصة بسقوط جدار برلين فكانت التجربة العملية الأولى للفوضى البناءة الأميركية في مظاهرات مدينة تيميشوارا الرومانية. التي سرعان ما إمتدت الى العاصمة بوخارست وأسقطت نظام تشاوشيسكو الأقوى في الكتلة الشرقية. ومن يعرف بنية النظام الروماني يكاد يجزم بإستحالة إزاحته. ومن هنا نموذجية الفوضى الأميركية المصطنعة في رومانيا وأهميتها لكونها إتخذت قالباً لتفجير الفوضى في البلدان الأخرى.

الفوضى الرومانية نموذجاً

هنا نكتفي بعرض ملامح الضعف الموظفة في الفوضى الرومانية وهي:

1. الخلل الجيوبوليتيكي الناجم عن إعادة تقسيم أوروبا عقب الحرب العالمية الأولى وفق معاهدة فرساي. التي ضمت الى رومانيا أقاليم من هنغاريا ومولدافيا ويوغسلافيا. فكان سكانها أقليات تشعر بالإضطهاد وتحن للعودة الى بلدانها الأصلية. وإن كبتتها قوة مخابرات تشاوشيسكو.

2. دعم المخابرات السوفياتية السابقة ( كي جي بي) التي أصبحت صديقة لأميركا مع تاريخ عداء لتشاوشيسكو.

3. الإختراق المخابراتي الأميركي المزمن للأقليات المذكورة أعلاه.

4. توظيف الأقلية اليهودية بعد تحضيرها وضغط اليهود الرومان الهاربون من رومانيا.

5. إطلاق المظاهرات من مدينة تيميشوارا الواقعة على حدود يوغوسلافيا والمتعددة الأعراق.

6.   توظيف التفرد الأميركي العالمي كعنصر تهديد ضد إستخدام النظام للعنف. ولولا ذلك التهديد لتمكنت مخابرات رومانيا من القضاء على التظاهرات خلال ساعات.

وبمراجعة مظاهرات جورجيا واوكرانيا وغيرها نجد أن تهديد القوة الأميركي هو العنصر الحاسم في نجاح هذه المظاهرات التي مثلت شرارة الفوضى البناءة الأميركية. وحدها مظاهرات فنزويلا أفلتت من نظام الفوضى الأميركي لأن جماهير الفقراء هي التي كانت تقوم بالمهمة فتقمع المظاهرات الإستعراضية المبرمجة مخابراتياً. وكانت النتيجة لجوء الأميركيين الى عملياتهم القذرة وهي محاولة إغتيال الرئيس الفنزويلي شافيز. بما يؤكد أن التظاهرات التي تطلقها الفوضى الاميركية المنظمة او “الهايد باركات” الأميركية لا تملك البدائل ولا هي تستند الى قواعد شعبية حقيقية.

الفوضى الداخلية الاميركية

على الوجه المقابل للعملة نجد أن الداخل الأميركي ينظم فوضاه الخاصة. وهي شديدة الخطورة بالمقارنة مع الفوضى المفتعلة أميركياً لتغيير الانظمة والجغرافيا اي لاحداث تغييرات جيوبوليتيكية تخدم المشروع الاميركي اتكريس الآحادية القطبية.

وهذه الحركات الفوضوية الاميركية الداخلية على ندرتها مستقلة وصادقة وليست مفبركة مخابراتياً. كما أنها تتسبب بأضرار فائقة على الإقتصاد والمجتمع الأميركيين وتشكك بصدقيتهما. ومن الأمثلة الحديثة على الفوضى المضادة الداخلية نذكر بحوادث مدينة سينسيناتي الأميركية المندلعة في 1 أبريل 2001 والتي فضحت صقور بوش إذ تعاملوا معها على الطريقة الستالينية وفق توصيف الصحافة الأميركية. ثم نذكر إضراب عمال الموانيء الأميركية في اوكتوبر 2003 حيث كلف الإضراب الخزينة الأميركية ملياري دولار يومياً. وبالعودة الى الوراء نبدأ بحوادث وول ستريت وليتل روك ولوس أنجلوس وغيرها من حوادث الشغب العنصري. ومعها إضرابات عمال البريد وعمال جنرال الكتريك وكلها تشير الى تغلغل الفوضى في النظام الأميركي رغم كل محاولاته تصديرها الى الخارج على شكل حروب أو صراع حضارات وحرب ضد الإرهاب أو غيرها من المسميات. وهنا يطرح السؤال عن مدى إستفادة المخابرات الأميركية من فوضاها الداخلية في تجاربها لإطلاق الفوضى في أنحاء العالم؟.

مما لا شك به أن المخابرات الأميركية تدرك مكامن القوة في نظامها وهي مكامن الضعف في الأنظمة الأخرى بسبب إختلاف المنطلقات والأولويات الفكرية والسياسية. وعليه فإن الولايات المتحدة تتحصن بمكامن القوة التالية:

1. وجود الإعلام الأميركي تحت السيطرة والتوجيه رغم هوامشه الواسعة. مع التحكم الفاعل بالميديا بأساليب متطورة والتركيز على الرخاء ونمط الحياة الأميركي على حساب باقي الأحداث السياسية. وهو ما يعرف بتربية المواطن الصالح الأميركي.

2. وجود قوانين حاسمة تنظم المجتمع المدني الأميركي وتحدد صلاحياته فاصلة ما بينه وبين السياسة. بحيث يمنع تسرب العاملين فيه الى السياسة. على عكس القادة المصنعين في جمعيات الرفق بالحيوان والمدفوعين الى السياسة في مجتمعات العالم الثالث والمجتمعات العربية خصوصاً.

3. الرخاء الإقتصادي وهو علاج فعال للأزمات الاجتماعية في مقابل تفجير القفر وسياسات الإفقار لهذه الأزمات كما هو حاصل في بلادنا مثلاً.

4. إخراج المعتقدات والممارسات الطقسية اليومية وابدالها بنمط الحياة الأميركية.

5. ممارسة التمييز العنصري بضغط إحتكار الثروات. مثال ذلك أن الدستور الأميركي لا يشير الى ديانة أو مذهب او لون رئيس البلاد. لكن تركز الثروات بأيدي الآريين البروتستانت يجعلهم يحتلون مقعد الرئاسة بصورة دائمة. وغياب مثل هذه الفروق المالية في الدول الأخرى يدفعها الى بحث مواصفات الرئيس في دساتيرها بما قد يفجر تناقضاتها الداخلية.

هكذا نسجل إنتقال السياسة الخارجية الأميركية من لعبة الإحتواء المزدوج أيام الإتحاد السوفياتي الى لعبة أمركة العالم بالقوة وتغيير جغرافيته وأنظمته عن طريق الفوضى البناءة أو الإحتلال لو إقتضى الأمر فالردع غائب وعولمة نظام السوق الأميركية فرصة وواجب يتصدى له كل رئيس على طريقته الخاصة. فقد بدأ ريغان بحرب النجوم لتهويل القوة التي تهدد بها أميركا العالم بالخصاء. ثم جاء بوش الأب ونظم العالم في حرب مختلقة لتحرير الكويت. ونظمه كلينتون في حرب مختلقة أخرى هي حرب كوسوفو. لكن الجنوح الأكبر والجشع كان مبدأ بوش الإبن الذي يقرر علماء النفس معاناته من وهم كونه المسيح المخلص. ومن هنا تهوره وتطاوله وتجاوزه بإعتبار نفسه إلهاً لا يخسر مهما بدت علائم الخسارة واضحة. فعندها تحل القوة كل المشاكل. ….

بهذه العقلية يخوض بوش الإبن معاركه لأمركة العالم ويطلق الفوضى البناءة في أنحاء العالم. من هنا فإنه من الضروري متابعة فهم هذا الرئيس لهذه المواضيع كي نفهم تطبيقاتها. ولنتابع بوش منذ لحظة حدوث 11 سبتمبر كي لا نغرق في تاريخه الشخصي. فقد أبلغ ووكر بوش بحوادث 11 ايلول في ما كان يتلقى دورة تدريبية حول القراءة السريعة. إذ أن مسؤولياته الرئاسية لم تعد تسمح له بالبقاء خارج إطار الثقافة العامة. خاصة بعد أن فضحته المقابلات المتلفزة وأظهرت ضآلة محصلته الثقافية. فكانت سبباً في خسارته للأصوات الضامنة لتفوقه في الانتخابات. وذهب البعض يومها الى أن هذه الضآلة هي المسؤولة عن تدني نسبة التأييد والإحترام للرئيس الجديد.

الصحافة الاميركية بدورها لم تقصر في ابرازها نقاط ضعف المرشح بوش ولاحقاً الرئيس. فقالت في ما قالته أن ووكر بوش لا يشتهر بالذكاء و أنه غبي وضحل الثقافة. كما أثارت الصحافة مسألة إدمانه للكحول ، ولمحت لتعاطيه الكوكايين. إضافة لفشله في ادارة شركة من الدرجة الثانية واساءة استغلاله لنفوذ أبيه الرئيس يومذاك لتعويض خسارته. وبعد فضائح افلاس الشركات تبينت مسؤولية بوش وضلوعه في هذه الفضائح. ولولا الخوف الأميركي من عقابيل  11سبتمبر لكان قسم كبير من صقور الرئيس موضع محاكمة. وهي محاكمات تورط الرئيس نفسه. حتى قيل أن الرئيس وفريقه هم الأكثر انتفاعاً من فوضى ما بعد 11سبتمبر. للتعمق انظر بوش بطة عرجاء منذ البداية:

أما عن أسلوب آل بوش في اختيار معاوني ووكر بوش فتصفه الصحافة الأميركية على النحو التالي: ان هؤلاء المساعدين ينقسمون الى فئتين: الأولى من كبار الأثرياء وممثليهم ممن يستطيعون دعم الحملة الانتخابية ومشاريع الرئيس عبر لعبة المصالح المشتركة. أما الفئة الثانية فهي من الخبراء والمتخصصين الذين يحسنون تبسيط الأمور المعقدة وهو تبسيط يحتاجه بوش.

هكذا كان بوش ملزماً بالعمل على تطوير نفسه مما جعله يتعب نفسه ويتبع دورات تأهيلية مكثفة لتعويض هذه الثغرات في شخصيته. وينقل العارفون بيوميات الرئيس أنه يرهق نفسه بهذه التدريبات. أما وقد تعلم بوش القراءة فإن الفضول يطرح السؤال عما قرأه هذا الرئيس؟. إذ أننا أمام رئيس محدث ثقافة وسياسة وهو متأثر بالكتب التي يقرأها راهناً وبأولئك الذين يختارون له هذه الكتب. وعليه فإن الفكر السياسي الحاكم للفوضى البناءة التي تهدد العالم الثالث بالخصاء نابعة من هذه الكتب ولنبدأ بإستعراض ما نراه أكثر تأثيراً من بينها:

1. كتاب ناتان شارنسكي المعنون: Nathan Sharansky, The Case for Democracy. The Power of Freedom to Overcome Tyranny & Terror, Public Affairs, New York, 2004. حيث يعترف يعترف الرئيس بوش، في مقابلة مع صحيفة “واشنطن تايمز”، أنّ الكتاب يمثل “الخريطة الجينية لرئاسته. فما هي هذه الآراء الشارنسكية المكونة لجينيات سياسة بوش؟. الجواب نجده في الكتاب وفي فكر وتاريخ مؤلفه حيث يظهر هذا الكتاب لمؤلّفه المنشقّ السوفياتي المهاجر الى اسرائيل، الذي شغل لبعض الوقت منصباً وزارياً في حكومة آريل شارون، وهو بعنوان “قضية الديموقراطية” ، كمرافعة عن الحاجة الملحّة لنشر الديموقراطية في العالم العربي، وكشرط لا غنى عنه من اجل توقيع اتفاق للسلام الشامل في الشرق الاوسط ومن اجل ترسيخ السلم العالمي. وفي سبيل تحقيق هذا الهدف، لن تتردّد الولايات المتحدة في اعادة النظر بالاوضاع القائمة في الشرق الاوسط منذ عقود، “مهما كانت المخاطر الناجمة عن ذلك”، بحسب قول وزير الخارجية الاميركية كوندوليزا رايس. ولعلنا نجد ذلك التأثير واضحاً في أول تصريح لرايس بعد توليها ميرية الأمن القومي في الفترة البوشية الأولى إذ أعلنت عن تخيل مماثل للحل في الشرق الأوسط ووعدت بإقامة فيديرالية تضم فلسطين والاردن وإسرائيل وإلحاقات أخرى لاحقة. وهذه الرؤية تستعيد أهمّ طروحات التوجّه الاستشراقي التي تصف العالم العربي بكونه تجمّعاً لأقلّيات دينية وعرقية عاجزة عن العيش سوية في كيانات دولة وطنية. وترتكز الحلول المقترحة من اجل خدمة الديموقراطية ومصالح اميركا معاً، والمفترض انهما مترابطان، على استخدام صريح للطائفية في الدول العربية في اطار استراتجية تعرف بالـ”فوضى البنّاءة”. ومن أصحاب هذه الرؤية يستوحي الرئيس بوش إطلاق مصطلح “رجل القرن الحادي والعشرين المريض” على العالم العربي مقارنة بالامبراطورية العثمانية مريضة القرن التاسع عشر. وهؤلاء المحيطون ببوش لا يخفون أملهم في رؤية الوطن العربي ومعه الشرق الأوسط النفطي يلقى المصير الذي لقيه رجل القرن التاسع عشر المريض، الامبراطورية العثمانية، من تقسيم غداة الحرب العالمية الاولى. ومن هنا بدعة تغيير الخارطة العربية المنطلقة من مراكز الأبحاث الأميركية. والتي تكاد تطل علينا من خلال مشاريع جاهزة لتقسيم معظم دول المنطقة بدءاً بالعراق ولبنان والسعودية.

أما عن نظرة السيد شارانسكي الى الاسلام، فيرى فيه حركة ارهابية في الأساس، وعلى انه تهديد ليس فقط لوجود اسرائيل بل للعالم الغربي أجمع. فاستئصال الارهاب لا يمكن ان ينتج فقط من عمل أمني بحت، في مواجهة هذه المنظمات، أو من طريق تجفيف منابع تمويلها. إذ انه من الملحّ معالجة الاسباب العميقة للارهاب، وهي النابعة حصراً من سياسات الانظمة العربية الاستبدادية والفاسدة، كما من ثقافة الكراهية التي تنشرها. وبحسب هذا المنشقّ السابق، فانّ السياسة الاميركية في الشرق الاوسط، كما الاحتلال الاسرائيلي للاراضي الفلسطينية، لا تتحمّل بالطبع المسؤولية في هذا المجال. ومن هنا منطلق جديد يدعم طرح هنتنغتون للإسلام كعدو حضاري للغرب وكبؤرة تركز عليها الحرب على الإرهاب.وهذا يعيدنا الى السيد هنتنغتون وكتابه.

2-كتاب صدام الحضارات / هنتنغتون صموئيل: خلال بحثه عن عدو بديل للشيوعية إقترح صموئيل هنتنغتون الكونفوشية والإسلام عدواً بديلاً. ورغم أن الطرح لم يلقى بداية كثير تأييد علني على الأقل فإن خطوات بوش اللاحقة بينت تبنيه لهذا الطرح بمناسبة حوادث 11 سبتمبر إذ بدأ الأمر على شكل هفوات ما لبثت وأن تحولت الى عقيدة بوشية. وبداية هفوات بوش في هذا المجال تذكرنا بهفوته عندما استعمل الفاظاً نابية نعت بها أحد الصحفيين خلال الحملة الانتخابية. يومها لم ينتبه المرشح بوش الى أن الجمهور لايزال يسمعه عبر مكبرات الصوت. فكانت هذه الألفاظ فضيحة اضطرت المرشح بوش للاعتذار. وفي عودة الى التحليل النفسي نجد أن الهفوة هي الأصدق والألصق بحقيقة المشاعر وبمكبوتات اللاوعي. بل أن فرويد كان يعتبر أن الرواية الأولى هي الأصدق وباقي الروايات اللاحقة هي مجرد تجميلات تدخل بمساهمة الدفاعات النفسية. وبمعنى آخر فان التحليل النفسي يؤكد على مجموعة معطيات ليست في صالح الرئيس الأميركي. وأهم هذه المعطيات هي:

1.    أنه اعلن عن بداية صدام الحضارات على المستوى العسكري. متوجاً التطرف الاسلامي زعيماً للارهاب الدولي. مع اصرار عنيد على توظيف التناقضات الاسلامية من عرقية ومذهبية واقتصادية وتاريخية.

2.    أنه شخصية نزوية غير قادرة على تعقيل ردود فعلها وتالياً على تحمل الاحباطات وتقبل الواقع. والاندفاعات الغريزية لهذه الشخصية تكون في غاية الخطورة أمام الوضع الدولي الراهن.

3.    ان هذه الشخصية سهلة الانقياد وتابعة للآخرين. ونتيجة لهذه التبعية مضافاً اليها عدم تحمل الاحباطات كان يمكن التوقع بأن بوش سيترك الأمور لصقوره –  رامسفيلد ورايس خاصة- ( وهذا ما حصل فعلاً ويستمر) كي يسيروها ليبقى هو ظلاً لهذه الشخصيات.

4.    افتقاده للمرونة الفكرية والنفسية وميله للتوحد بريغان (وأعضاء فريقه ممن لايزالون على قيد الحياة). دون ادراك واقعة أن مرونة ريغان هي التي كانت تنقذه في الظروف الصعبة والمعقدة. اذ كان معروفا” عنه أنه يملأ الدنيا ضجيجا” ثم يسكت ليحل المشكلة بهدوء وبمساعدة اصدقائه.

5.    تجاهله ،وفريقه، لواقعة أن دولاً عربية واسلامية عديدة كانت تطارد بن لادن والتطرف الاسلامي عموماً. بل أنها كانت تطالب بتسليمهم لها من أجل محاكمتهم. فلو ارادت الادارة الأميركية محاكمة الارهاب لكان بامكانها تلزيم هذه المحاكمة الى هذه الدول لتبقي أيديها نظيفة.

هذه النقاط مجتمعة تشير الى اصرار عنيد من جانب الصقور في أميركا على اعادة اصدار صدام الحضارات في طبعة جديدة منقحة ومزيدة!؟.

ومن سمات الاصدار الجديد الاعتماد الكلي على استشارة  اليهود لمعرفتهم بطباع العرب والمسلمين. حيث تتميز الطبعة الجديدة بفصل المسارات ،على الطريقة الاسرائيلية، لاستفراد كل فئة لوحدها منعاً لقيام ردة فعل موحدة تجاه هذا الصدام. فالتقارير الاستراتيجية الأميركية تشير الى انهيار الاقتصاد الأميركي ما لم تتم السيطرة الكاملة على نفط الشرق الأوسط. حتى لو اقتضت هذه السيطرة استعمار اميركا العسكري للشرق الأوسط ( وهو ما بدأه بوش فعلياً في العراق وينوي متابعته في دول أخرى). ولعل نقطة الضعف الوحيدة في الطبعة الجديدة هي ما يغيب دائماً عن عقل اليهودي الذي يعتبر أن جنته هي على هذه الأرض. بينما يعتبرها المسلمون في السماء. وهو اعتبار يفسر جهوزية الموت لدى العرب والمسلمين. وربما كانت هذه الجهوزية وراء تراجع بوش وصقوره عن الحرب والإحتلال وإعتماد إثارة الفوضى الداخلية البناءة في هذه الدول كبديل عن القوة الشرسة بإعتبار الفوضى قوة لينة!؟.

القيادة العليا – الجيش ورجال الدولة و الزعامة في زمن الحرب / أليوت كوهين.

وتتلخص آراء الكتاب ومؤلفه في جملة من المقالات المنشورة التي يتناول فيها شؤوناً راهنة، واحدة نشرتها مجلة “ناشونال ريفيو” غداة هجمات 11 أيلول 2001 ويشرح فيها ضرورة قيام الولايات المتحدة بتوجيه ضربات ساحقة إلى أعدائها. عنوان المقالة “اصنع الحرب وليس العدالة” ولعلها أول مقالة تصدر بعد تدمير مركز التجارة العالمي واحد أجنحة وزارة الدفاع، تحدد بدقة الأهداف التي يجب أن تحققها السياسة الأميركية في المرحلة التي أعقبت الأحداث معتبراً أن من نفذوا الهجمات ليسوا مجرمين بل أعداء الولايات المتحدة وبالتالي يجب أن تشن الحرب للقضاء عليهم لا أن تجري مطاردتهم وتقديمهم إلى العدالة. وتبرز في هذه المقالة صياغة مبكرة للمقولات التي طرحها بوش في خطبه اللاحقة وخصوصاً في كلمته أمام الكونغرس عن رفض الموقف الحيادي من الحرب على الإرهاب واعتبار أي طرف يعلن حياده قد اختار التحالف مع الإرهابيين وعليه أن يدفع ثمن هذا التحالف المعادي لأميركا حتى من دون اللّجوء إلى  العنف.

وفي مقالة في “وول ستريت جورنال” (20/11/2001) يعتبر ان الحملة على الإرهاب هي الحرب العالمية الرابعة (إذا كانت الحرب الباردة هي الثالثة) وأن على الولايات المتحدة ان تنتصر في الحرب على الإسلام الأصولي.

ومقابل الانتقادات الشديدة في الكتاب والمقالات، لباول الذي يحمله مسؤولية الوضع الراهن في العراق منذ دوره في حرب الخليج وصولاً إلى عمله اليوم على إبطاء الإندفاعة الأميركية إلى  الحرب، يشيد بوزير الدفاع دونالد رامسفيلد (“فورين افيرز” عدد أيار – حزيران 2002) باعتباره “وزير حرب” تبرز كفاءته في أوقات الشدة والتحدي. رامسفيلد هو السياسي المدني. مرة أخرى، يقود الجنرالات ولا يسمح أن يقاد. وبذلك يبدو واضحاً إنحياز المؤلف الإنتقائي لصقور بوش وزعامتهم على حساب الخبراء العسكريين. وهو ما يبرر تخلص بوش من كولن باول في رئاسته الثانية.

على أن الوقائع المتعاقبة منذ إحتلال العراق ولغاية اليوم تشير الى أنه كان على كوهين أن يتخذ من حرب أفغانستان نموذجاً لتدخل الدجاج ( الصقور) في الحرب. وعندها كان لكتابه قيمة استراتيجية فائقة لأنه كان سيحسم الجدل ويستنتج بديهة مفادها ” أبعدوا المدنيين الذين ارتكبوا حماقة الحرب الأفغانية عن القرار العسكري”. فقد تكون هذه الحرب علاجاً طارئاً لهستيريا الجمهور الأميركي وأيضاً للإقتصاد بعد 11 أيلول. لكن الآثار الجانبية لهذا العلاح تورط الإدارة بعلاجات متابعة لها. واذا كانت أضرار حرب أفغانستان محدودة فإن اضرار علاجها بحروب أخرى ستجعل في جعل الولايات المتحدة كالأفعى المحاصرة في وكرها. وهذا ما بينته حرب العراق وستبينه حروب الصقور المقبلة ولو بأساليب القوة اللينة والفوضى البناءة.

تجدر الإشارة الى أن المعتدلين الأميركيين يسفهون هذا التطرف والإدعاءات التي يستند اليها. ومنهم على هذا الموقع المحلل السياسي الاميركي ويليام بلوم الذي يملك رؤية مخالفة لكوهين حول الحروب الاميركية القادمة.كما أنه من المفيد مراجعة الحروي الاميركية خلال القرن الماضي. وهي مراجعة توضح إغفال كوهين لمفاصل تاريخية أساسية

 

Print Friendly, PDF & Email