فرضت نهاية الحرب الباردة كما العولمة على الولايات المتحدة الأمريكية، وتحت وطأة غرور القوة ووحشية الإعلام وطغيان المعنى والافتقار إلى حكمة التجربة، إعادة تقويم الموقف والتحديات الممكن أن تتعرض لها في المستقبل المنظور. وكان أحد أبرز الهيئات المكلفة بذلك، “هيئة التقديرات في البنتاغون”: وهي مجموعة تخطيط استراتيجي أشرف عليها الجنرال روبرت إيفاني. قائد كلية الحرب التابعة للبنتاغون. وقد خلصت الهيئة إلى تقدير موقف يقول بالنص: “إننا نستطيع أن نفترض أن أعداءنا أو خصومنا في المستقبل تلقوا وفهموا الدرس من حرب الخليج (عاصفة الصحراء). ولذلك فليس من المتوقع أن يحاول طرف منهم مواجهتنا في حرب تقليدية تعتمد على تشكيلات الدبابات والقوات الجوية والبحرية، ذلك أن النظر إلى هذه الميادين كلها يظهر تفوقاً ساحقاً في موازين القوة لصالح الولايات المتحدة، ويترتب على ذلك أن من يريد مواجهتنا من الأعداء أو الخصوم عليه أن يكشف وسائل جديدة تمكنه من تهديد مصالحنا أو قواتنا أو مواطنينا، وعليه أن يتأكد أن هذه الوسائل تستطيع أن تحقق له ميزات ينفذ بواسطتها إلى مواقع ضعف تكون عندنا”(4). ويعود إلى الجنرال هنري شلتون رئيس هيئة أركان القوات المشتركة الأمريكية، إطلاق صفة “الحرب اللامتماثلة” على هذه التحديات والأخطار، وقدم تعريفه لهذه الحرب، كما يلي:

 
“الحرب اللامتماثلة”: هي محاولة طرف يعادي الولايات المتحدة الأمريكية أن يلتف من حول قوتها ويستغل نقط ضعفها، معتمداً في ذلك على وسائل تختلف بطريقة كاملة عن نوع العمليات التي يمكن توقعها. وعدم التوازي، يعني أن يستخدم طاقة الحرب النفسية وما يصاحبها من شحنات الصدمة والعجز لكي ينتزع في يده زمام المبادرة وحرية الحركة والإرادة، وبأسلوب يستخدم وسائل مستحدثة، وتكتيكات غير تقليدية، وأسلحة وتكنولوجيات جرى التوصل إليها بالتفكير في غير المتوقع وغير المعقول، ثم تطبيقه على كل مستويات الحرب، من الإستراتيجية إلى التخطيط، إلى العمليات بعرض أفق عليه بدائل طار إليها خيال لا يخطر على البال منطقياً ولا يطرح نفسه عملياً في التقديرات التي نستطيع تصورها“(5). وهكذا أضاف العقل الأميركي المسكون بفلسفة وأخلاقية” الكاويوي“إلى نمط الحرب المعتادة” اللامتماثلة“بصيغها المتنوعة: الحرب الكلاسيكية أو حرب العصابات، نمط جديد من الحروب اللامتماثلة”. غير أن ثمة رؤية أخرى تقول أنه وقبل أن تستقر المؤسسة العسكرية الأميركية على مفهوم “الحرب اللامتماثلة”، بادر رجل أخر من خارج المشهد الثقافي-العسكري الغربي عامة، والأميركي على وجه الخصوص، إلى صك مصطلح يحمل مضامين مصطلح “الحرب اللامتماثلة” والمصطلح هو“الحرب العالمية الرابعة”. والرجل هو ماركوس قائد ثورة “الزاباتا” بالمكسيك.

وقد جاء ذلك في مقاله الموسوم بـ“الحرب العالمية الرابعة قد انطلقت!”(6). ونشرته صحيفة “لوموند دييلوتيك” الفرنسية في عددها الصادر في أب 1997. وكان قائد ثورة “الزاباتا” يقصد من وراء استخدامه لمفهوم الحرب العالمية الرابعة أن يبين بأن الحرب الباردة هي الحرب العالمية الثالثة والتي انتهت عملياً إلى هزيمة المعسكر الاشتراكي وانهيار الاتحاد السوفياتي، وهو القول الذي سيردده المحافظون الجدد ومعهم الإدارة الأمريكية في عهد بوش الابن، غير أن ماركوس أراد أن يبين أيضاً بأن الحرب العالمية الرابعة هي الحرب التي تخوضها النزعة النيو (الليبرالية المتوحشة)، ضد شعوب ومصالح دول العالم الثالث، في حين سيعتبر المحافظون الجدد وإدارة بوش الابن أن الحرب العالمية الرابعة ليست سوى الحرب التي تخوضها أميركا ضد الإرهاب العالمي، ويبدو ذلك جلياً في مقال إليوكوهين في مجلة “كومانتري” الناطقة بلسان المحافظين الجدد في عددها الصادر في تشرين الأول 2001، الذي دعا فيه المسؤولين الأميركيين إلى ضرورة التخلي عن مفهوم الحرب العالمية، على الإرهاب واستبداله بمفهوم الحرب العالمية الرابعة، وقد رأى في ذلك التعديل الاصطلاحي حاجة إستراتيجية بالغة الأهمية. ولاشك أن هذا الاستبدال يحمل في طياته دلالات واضحة لا تخطئها عين المحافظين الجدد. إذ ترمي إلى تأكيد المكاسب الإستراتيجية التي تريد أن تجنيها الولايات المتحدة، وهي على النحو التالي(7):

1-إن أميركا التي انتصرت في الحرب العالمية الثانية على النازية وانتصرت في الحرب العالمية الثالثة على الشيوعية، يمكنها أن تنتصر أيضاً في الحرب العالمية الرابعة على الإرهاب.

2-إن أميركا التي قادت المعسكر الغربي خلال حكم روزفلت إلى الانتصار في الحرب العالمية الثانية، وقادته خلال حكم ريغان إلى الانتصار في الحرب العالمية الثالثة، بإمكانها أن تقود “العالم الحر”مرة أخرى للانتصار في الحرب العالمية الرابعة!

3-إذا كانت الحرب العالمية الثالثة قد استمرت لما يناهز نصف قرن من الزمن، فعلينا أن نستعيد لحرب عالمية رابعة قد تستغرق أكثر من ذلك، بل قد تستغرق الحرب ألف عام بحسب التصور الألفي للأصوليات الأميركية.

4-من أجل الانتصار في الحرب العالمية الرابعة، وكما كان الشأن خلال الحروب السابقة، فإن مسألة الزعامة الأميركية يجب ألا تكون موضع خلاف.

من الواضح أن ما قصدته الأيادي التي أبدعت مفهوم الحرب العالمية الرابعة، هو الترويج لقصور يفيد وجود نوع من الاستمرارية في مسار الانتصارات الأميركية خلال الحروب العالمية السابقة. قصارى القول، أن مفهوم الحرب العالمية الرابعة الذي دخل فرنسا 1997 قادماً من أدغال الثورة الزاباتية بالمكسيك ليس هو نفسه الذي عاد إليها قادماً من مراكز الدراسات الإستراتيجية بالولايات المتحدة الأمريكية ولاشك أن ذلك من تداعيات أحداث 11أيلول 2001. ففيما كان يراد لهذا المفهوم أن يعبر عن الهجمة النيو ليبرالية على مصالح دول وشعوب العالم الثالث، أصبح يحيل على المواجهة المفتوحة بين الولايات المتحدة وتنظيم القاعدة.

الصينيون يطلقون على نمط الحرب اللامتماثلة اسم “الحرب غير المقيدة”. وهناك كتاب وضعه ضباط صينيون يحمل ذات العنوان. تضمن جملة إرشادات للرئيس الصربي سلوبودان ميلوزوفيتش حول كيفية مواجهته لقوات الناتو، دعوه فيه إلى مواجهة عمليات الناتو، بأسلوب الاقتراب غير المباشر باعتباره التعبير الأكثر ملاءمة للعمليات العسكرية في حالة الحرب اللامتماثلة. إذ بحسب اعتقاد الضباط الصينيين، سيمنح هذا الأسلوب الصرب قوة عبر هجمات “إرهابية” على منظمة الناتو والولايات المتحدة تطال مصالحها في إيطاليا(8). أي الخروج عن قيم الحرب التي وضعها الغرب من أجل الوقوف ضد قوته.
وهكذا فالحرب اللامتماثلة تنطوي على مترادفات: الحرب العالمية الرابعة، الحرب غير المقيدة. الحرب اللامتناظرة، الحرب غير المتوازية.

خصائص الحرب اللامتماثلة:

بالاستناد إلى نص تقرير “هيئة التقديرات”في البنتاغون، ترتسم ملامح وخصائص الحرب اللامتماثلة كما يلي(9):
1-ليس هناك ميدان يتقابل فيه المتحاربون أمام بعضهم مواجهة أو بالالتفاف.

2-يلي ذلك أن “السلاح”ليس“متماثلاً”حتى وإن اختلفت درجات قوته.

3-ليست هناك صلة بين فعل ورد فعل تجري ممارسته على ساحة معينة يدور فوقها اتصال.

4-يترتب على ذلك أن حفظ السلاح وفعل السلاح هنا خارج حساب أي منطق أو تصور يمكن توقعه. ومع أن الحشد وسرعة الحركة والمفاجأة أساليب مطلوبة في كل أنواع الحروب. . . إلا أنها في حالة الحرب اللامتماثلة ، مطلوبة أكثر لأنها لازمة لمدرسة التفكير فيما لا يمكن التفكير فيه مما لا يحكمه قيد أو أحد، لأنه على حد تعبير ورد في تقرير الجنرال شلتون“تفكير يوسوس به الهذيان والجنون ولا يؤدي إليه العلم أو توازن القوة مهما كانت دقة حساباته”.

5-إن هذا النوع من الحرب ليس مقيداً بمذاهب في الحرب مصنفة، إنما هو يلتقط الرسائل التي يفكر فيها بمصادفات الظروف، لكنه عندما يقابلها بالمصادفة يدرسها بعناية، مما يجعل التنبؤ المسبق بأعماله مهمة شاقة وعسيرة.

6-هذا النوع من الحرب جاهز بطبيعته لأعلى درجات المخاطرة لأن الخسارة بالنسبة إليه في الحالتين واحدة، وبالتالي فإن أعلى المخاطر تتساوى عنده مع أقلها؟

7-وهذا النوع من الحرب يمارس دورة بخلطة مزيج قوي المفعول بين ما هو “مادي” وما هو “نفسي”، وذلك أكثر ما يخدمه في الأساليب “اللامتماثلة” التي يستعملها.

8-يمتاز العدو في هذه الحرب بروح معنوية عالية لدى أفراده وتكنولوجيا متقدمة في عملياته، واستعداده لأقصى المخاطر بجعل ما لا يجوز التفكير فيه وارداً كما يجعله ممكناً حتى ولو كان في المقاييس الطبيعية من المستحيلات أو من ضروب الجنون.

9-كما تقتضي هذه الحرب “إرادة قوية” و“تنظيماً جديداً” و“صبراً” يراقب على مهل، لأنه ليس رد فعل يتحتم عليه (لدواع كثيرة)، أن يواجه فعلاً حيث يتوقع الطرف الأخر أن يجيء (زماناً ومكاناً).
وثمة من يضيف خصائص أخرى للحرب المتماثلة(10):

10-إن الخصم في الحرب اللامتماثلة لا يقوم بعملية “اضرب واهرب” كما في حروب العصابات، فهو موجود داخل المجتمعات الغربية، وربما يقوم بأدوار مختلفة، أي أنه ضمن تشكيل المؤسسات وبالتالي فإن أهدافه حساسة ولا متناهية، وفي الوقت نفسه لا يمكن إصابته بشكل مباشر لأنه يبقى ضمن النظام الاجتماعي قبل تنفيذه لأي عمل، أو حتى بعد التنفيذ، وبهذا الشكل يمكن اعتبار الخصم جزءاً منك طوال فترة الصراع اللامتماثل.

11- الحرب اللامتماثلة هي حرب ممتدة. إذ لا يمكن القضاء على الخصم بشكل نهائي. وبالتالي هي سلسلة من الجولات والجهد المتواصل والرقابة في محاولة للحد من عمليات التحول تجاه الإرهاب من غير أن يوجد ضمان أكيد لنهايتها طالما أنها تقوم على عدم التماثل. أي أنها تقوم على مبدأ خصب لإظهار العدو ولتأكيد الذات من قبل الخصوم اللامتماثلين. وتشكل حرب المعلومات واحدة من أهم مرتكزات إستراتيجية الحرب اللامتماثلة. والبعد المعلوماتي في الصراع خاصية مشتركة بين أنماط الحروب، لا يقتصر فقط على الحرب اللامتماثلة. وقد أصبح هذا البعد حاضرا منذ أن أوجدت الثورة المعلوماتية ما يسمى بالمجال المعلوماتي العالمي الموحد. وحول خطورة هذا البعد في الصراع نشير إلى تأكيد الخبراء والمحللين العسكريين الأميركيين والروس والصينيين إلى حجم الضرر الذي قد يلحق باقتصاد البلد، جراء حدوث خلل جوهري في الأداء الوظيفي لمنظومة الحواسيب الموجودة بكثافة في كافة التنظيمات القيادية الحكومية والمؤسسات المالية والمصرفية. ضرر يمكن مقارنته من حيث العواقب باستخدام السلاح النووي، الأمر الذي يؤدي إلى نتائج كارثية في بعض الحالات على مستوى حياة السكان. قد يؤدي بدوره إلى الاستياء العام والثورة الاجتماعية، وسقوط الدولة أحياناً، وغالباً ما يترافق ذلك مع وقوع ضحايا بشرية. فالخسارة في المجابهة المعلوماتية يمكن أن تشكل ظروفا ومقدمات ليصبح فيها البلد الخاسر متخلفا كثيرا عن ركب الدول ويتحول إلى بلد هامشي. بعبارة أخرى يحصل المنتصر على إمكانات غير محددة للتحكم بالدول المهزومة في الصراع المعلوماتي(11).

وحرب المعلومات يمكن أن تستخدم في ثلاثة مستويات مختلفة(12):

1-المستوى الأول يستهدف الفرد. وفق هذا المستوى فإن أي فرد مذنب حتى تثبت براءته (وذلك بعكس القاعدة الحقوقية السائدة)، وفي هذا المستوى تكون أسرار الأشخاص غير محمية، وكذلك الأسماء والرموز التي تمارس بشكل اعتيادي، تصبح مجال متاجرة. وبهذا الشكل فعند نشوب نزاع لا شيء يمنع الخصم من تهديد زعماء الناتو (أو أي من الجنود في المعركة)، عبر استهداف عائلاتهم، مستخدماً محتويات الحواسب والمعلومات التي توفرها لتنفيذ اعتداءات.

2-المستوى الثاني، ويشمل حرب المعلومات من خلال التجسس الصناعي والاقتصادي على الدول والمنظمات غير الحكومية. ووفقاً لمعلومات مكتب التحقيقات الفيدرالية الأميركية هناك (122) بلداً يمارس تجسساً مستمراً على الولايات المتحدة في المجال الصناعي والاقتصادي، وتقدر الخسائر الناجمة عن هذا الموضوع بـ(300) مليار دولار سنوياً.

3-المستوى الثالث، حرب معلومات موجه من أمة ضد أمة، ويمكن أن يتضمن التجسس على المجموعات المنظمة في إطار الحكومات، أو مجموعات الحرس الوطني، أو التشكيلات “الإرهابية” التي تمتلك نفس أدوات الحكومة.

تجدر الإشارة إلى أن الولايات المتحدة قد بدأت بدراسة قضية تحضير وتنفيذ حرب المعلومات في بداية التسعينات. وقد خلصت إلى تعريف لحرب المعلومات نصه: بأنها “التأثير المركب على منظومة القيادة الحكومية والعسكرية للطرف المقاوم وعلى قيادته السياسية والعسكرية، بحيث يؤدي هذا التأثير زمن السلم إلى اتخاذ القرارات الملائمة لأمريكا بحيث لا يسبب خلال سير المعارك شللا كاملا لبنية قيادة القوات”(13). وفي وثيقة لجنة رؤساء أركان القوات الأميركية حملت اسم “الآفاق الموحدة-2010”جاء أن السمة المميزة الأساسية للصراع المسلح سوف تكون التحول نحو التركيز على مجال الصراع المعلوماتي، وكذلك التركيز على أن تحقيق “التفوق المعلوماتي” سيكون الشرط اللازم لتحقيق النصر على أي عدو. الوثيقة التي اعتمدها رئيس اللجنة الموحدة لرؤساء أركان القوات المسلحة الأميركية الجنرال هنري شلتون بتاريخ 9\10\1998. عبارة عن ملخص لمجمل وجهات نظر القيادة العسكرية الأميركية حول طبيعة وتنظيم التأثير على الموارد المعلوماتية للعدو وحماية الموارد المعلوماتية الذاتية من التأثيرات المماثلة. وقد ذكر شلتون في مقدمة الوثيقة: “إن قدرة القوات المسلحة الأميركية على تحقيق السبق أو تلافي حدوث أزمات ونزاعات في زمن السلم وكذلك تحقيق النصر في زمن الحرب تتوقف بشكل أساسي على درجة فاعلية العمليات المعلوماتية في كافة مستويات الحرب وفي كامل طيف الأعمال القتالية المسلحة”(14). وإذا كانت حروب احتلال أفغانستان العام 2001، واحتلال العراق العام 2003 هي أولى حروب القرن الحادي والعشرين، وفق تعبير بوش الابن، من نمط الحروب اللامتماثلة. فإن أفضل من أبدع في ترجمة مفاهيم هذه الحرب على أرض الواقع هو الجنرال دافيد بترايوس القائد السابق للقيادة المركزية الأميركية،

المدير الحالي لوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية(CIA)-2011، وكان من جراء ذلك أن شهدت العقيدة العسكرية الأميركية معه تحولاً جذرياً من “عقيدة الصدمة والترويع”إلى عقيدة بترايوس. بعد ما ظهرت نقائص العقيدة الأولى، حين أغفلت التفكير في حرب اليوم التالي، أو حروب ما بعد الحرب الباردة اللامتماثلة، التي لا تنفع معها قوة نيران ولا سيطرة مطلقة على الجو والبر والبحر، لأنها ببساطة حروب استنزاف طويلة الأمد تقاتل خلالها “أشباحاً” لا جيوشاً نظامية، تعتمد تكتيكات لا علاقة لها بالحروب التقليدية. أطلق الجنرال ديفيد بترايوس على عقيدته إستراتجية أفعى “الأناكوندا”. وهي على ما يبدو استعادة لما كتبه اليهود الفرنسي ديفيد غالولا. في مؤلفه: “مقاومة التمرد: النظرية والتطبيق” وذلك بعد تطويعه لواقع العراق وأفغانستان وتوظيف إمكانات الولايات المتحدة الأمريكية الهائلة من دعم لوجستي وتقني متقدم وما توفره الثورة المعلوماتية من إمكانات، حتى أنه (بترايوس) ألزم كل فريق عمله وضباطه بالاطلاع عليه والنهل من تعاليمه. وتقوم إستراتيجية بترايوس على خنق حركة“التمرد” وذلك باعتماد مقاربة شاملة تجفف مصادرها وتقطع خطوط دعمها اللوجستي وتصفي قادتها وتعزل العناصر “المتشددة من المتمردين”عمن يمكن تأليف قلوبهم وعقولهم واستيعابهم. موضحاً: “أن الأفكار الكبرى، حول العيش بين السكان وكسب قلوبهم وعقولهم فرضت نفسها وأدت إلى اعتماد مناهج تدريب جديدة”. غني عن البيان أن إستراتيجية بترايوس تحتوي على ثلاثة عناصر: هجومية ودفاعية وتثبيت الموقف، تتوقف ثلاثتها على مدى كسب ود الأهالي ومشاركتهم، حتى أنه أوصى بوضع ملصق لضباطه كتب عليه: “ماذا فعلت اليوم لكسب قلوب العراقيين؟”ثم على الواقع والساحة والإمكانات والمهمة. ويؤكد بترايوس في إستراتيجيته على مسألة الشرعية كهدف أساسي، لأن وجود حكومة محليه ستسفه ما تعلنه حركة “التمرد”. وعلى تضافر الجهود والتجديف بتوحيد الخطاب وإن اختلفت الأهداف، تغليب العملية السياسية على العمليات العسكرية التي يجب أن تراعي المضاعفات، تفهم وتأقلم القوات المكافحة للتمرد مع مسرح الأحداث، لأن معرفة طبيعة المجتمع وثقافته وأدق تفاصيل تركيبته الإثنية والدينية والأيديولوجية عوامل حاسمة ومهمة، جمع المعلومات الميدانية وكل شاردة وواردة تتعلق بحركة التمرد، بدون عملاء تظل العمليات مضيعة للوقت ومصدر نتائج معاكسة، العمل على عزل “المتمردين” عن مجتمعهم وتسفيه قضيتهم وقطع مصادر دعمهم لا تقتيلهم وجعلهم أبطالاً، المسألة الأمنية كحجر الزاوية لتأليف قلوب الأهالي وتجريم المتمردين، التعجيل بتكليف قوات محلية من الشرطة وغيرها لتتولى بنفسها تلك المهام وكسر الحاجز النفسي، إعداد القوات وتحضيرها نفسياً لتقبل استراتيجياً نفس طويل وقادر على التدمير والإعمار في الوقت ذاته، استثمار المعلومات وسبرها وخلق تطلعات معقولة، لأن الشعوب بتقدير بترايوس “مصابة بعقدة الصعود إلى القمر” لذلك تطالب الأميركيين بصنع المستحيل وفي أسرع وقت! “ليحذر بعدها من مغبة السقوط في امتحان الوعود غير المحقة التي تدفع الأهالي إلى حضن المقاومة من جديد”، استعمال “معقول” للقوة بتحقيق المعادلة الصعبة بين حفظ أمن القوات والتخفيف من عدد قتلى الأهالي موصياً بضرورة تكليف القوات المحلية بالمهام القذرة، القدرة على التأقلم والتكيف مع المحيط(15).

العناصر اللامتماثلة في الحروب العربية – الصهيونية:

شكلت حرب الاستنزاف على الجبهة المصرية (1968-1970) الظهور الأول لمنطق الحرب اللامتماثلة. وقد جرى تنفيذه بأسلوب عمل محدود جداً. فمركز الثقل الصهيوني الذي أرادت مصر مهاجمته كان يتمثل في قدرة الصمود العسكري، وبشكل خاص قدرة الجبهة الداخلية للكيان الصهيوني على الصمود (وتعني رغبة القتال لدى المستوطنين والدعم الذي سيقدمونه للحكومة للاستمرار في القتال). لذا حاولت مصر إبعاد الحرب عن اختبار القدرات العسكرية للطرفين، وتوجيهها إلى اختبار القدرة على الصمود، بتأكيد حقيقة مفادها أن ثمن احتلال سيناء سيكون فادحاً. اعتمد أسلوب القتال المصري القصف المدفعي وشن هجمات على قوات الجيش الصهيوني المتقدمة المنتشرة في المجال الفعال على طول قناة السويس، ليس من أجل ضرب قدرة الجيش الصهيوني على العمل أو تدمير بنيته الأساسية، وإنما من أجل إجبار الكيان الصهيوني على نشر قوات إضافية على طول قناة السويس لفترة طويلة مكونة من قوات عسكرية كبيرة مركبة من وحدات نظامية واحتياطية. وهكذا نشأ عبء على الحقل الاقتصادي وعلى التجمع الاستيطاني الصهيوني بالتدريج ولفترة طويلة كان سيؤدي إلى تآكل إرادة القتال الصهيونية. وهذا التآكل كان سيتعزز نتيجة وقوع قتلى في صفوف الجنود الصهاينة بشكل دائم خلال روتين العمليات اليومية وليس في إطار معارك كبيرة يوجد إلى جانبها فائدة واضحة وقد استند المصريون في حرب الاستنزاف على فرضيتين:

(1): أن الكيان الصهيوني لن ينتقل من حرب الاستنزاف إلى حرب شاملة، ولن يعبر قناة السويس من أجل إخضاع الجيش المصري.

(2)-أن الكيان الصهيوني لا يستطيع الرد على مصر بنفس العملة التي تؤدي إلى إرهاقها(19).
أما في معارك الكيان الصهيوني الكبرى فيمكن تشخيص نشوء عدم تماثل، وتعقيدات متعددة الأبعاد في حرب تشرين 1973. إذ حاول العرب منذ ذلك الحين أن يرسموا وأن يفرضوا على الكيان الصهيوني حروباً تختبر القدرة على الصمود وطول النفس لدى الطرفين، بالإضافة إلى حشد المجموعة الدولية لصالحهم. وكان ذلك في مواجهة فرضيات الإستراتيجية الصهيونية التي افترضت من أن تواصل الإنجازات العسكرية التي خلقت حالة ردع كبيرة، سيجعل أي دولة عربية عاجزة عن دفع ثمن الحرب المتوقع. استند الكيان في فرضياته تلك على تحالفه الوثيق مع الولايات المتحدة. ولهذه الأسباب افترض الكيان الصهيوني أن الوضع الناجم عن حرب 1967 سيبقى مستقراً ولسوف يضطر العرب أجلاً أم عاجلاً إلى قبول حل سياسي وفقاً للشروط الصهيونية. وكانت بداية الرد العربي كامنة في عدم قبول فكرة الردع، والاستعداد لدفع الثمن المطلوب مادياً وبشرياً وبالتالي إفهام الكيان الصهيوني بأن عقيدة الأمن القائمة على أساس الردع “ليست درعاً فولاذياً لا يمكن اختراقه”.

الجدول التالي يرسم عناصر اللاتماثل في حرب تشرين على الجبهة المصرية(20)

 عناصر اللاتماثل في حرب تشرين على الجبهة المصرية 
بعد الحرب الخطط والفرضيات “الإسرائيلية” الهجوم المصري على الخطط والفرضيات “الإسرائيلية” الانجاز المصري

الإستراتيجية الكبرى تواصل عمليات حاسمه عسكرية للوصول إلى ردع كبير، تحالف وثيق مع الولايات المتحدة، وضع راهن مستقر، عاجلاً أم آجلاً سييأس المصريون وسيقبلون حل وسط سياسي وفقاً لشروطنا. مصر لن تًردع حتى إن دفعت ثمناً فادحاً، فقط الولايات المتحدة ستؤدي إلى انسحاب “إسرائيلي”، إقناع للولايات المتحدة بأن الوضع الراهن غير مستقر ويهدد الهدوء والاقتصاد العالمي، انتصار “إسرائيل” سيكلف الولايات المتحدة ثمناً فادحاً، الإيحاء “للمواطن الإسرائيلي” بأن الوضع الراهن سيؤدي إلى ثمن لا يطاق، تقويض الثقة بالنفس وخلق توتر بين الحكومة وبين الجيش و“المواطنين في إسرائيل”. انجاز عسكري محدود سيترجم إلى انجاز سياسي كامل. تم تنفيذه بشكل كامل
الإستراتيجية العسكرية سيناء كعمق استراتيجي، قوة نظامية صغيرة وسلاح الجو لكبح مؤقت وردع مسبق يتيح المجال للحشد، حسم عسكري صرف بشكل متدرج بين الجبهات، حيث مصر أولاً، حروب قصيرة لاختبار قدرات الطرفين. تغيير الأسلوب يحول عمق سيناء إلى عائق أما م الردع، هجوم مفاجئ مصري سوري (بدعم سوفياتي)في وقت واحد، دفع السوريين إلى أسلوب هجومي أكثر من مصر(يؤدي إلى سورية أولا)، اختبار قدرة الصمود لدى الطرفين وسحب فرصة الحسم من يد “إسرائيل”، تدخل دولي ووقف للنار لحماية إنجاز إقليمي محدود. ثم تنفيذه إلى حد كبير
البعد الميداني (حتى 14 أكتوبر) افتراض أن الهجوم المصري سيتقدم إلى عمق سيناء، خطة لتركيز الجهد مقابل جهود الحرب البرية المصرية لاختراق عمق سيناء ولكن عملياً مساعي موزعة بقوات صغيرة، حماية قوية على طول القناة على أساس المواقع، خطة لتدمير الجسور على يد سلاح الجو. البداية بعملية خاطفة لسلاح المشاة ومحدودة على طوال كل القناة (ألف وسيلة عبور خفيفة ومن دون جهد مركز)يتم إكمالها قبل وصول الاحتياط “الإسرائيلي”، البقاء كتشكيل دفاعي فعال. تم تنفيذه إلى حد كبير.
البعد الميداني (من 14 أكتوبر) جهد رئيسي في معركة (مدرعات ضد مدرعات)، وتدمير مكثف للعدو، العبور إلى الضفة الغربية لقناة السويس عبر الثغرة بين الجيوش، تطويق الجيش الثالث والتهديد على خطوط دعم الجيش الثاني، تجسيد الحضور في الطريق إلى القاهرة. نقل الاحتياط من غربي القناة إلى شرقها، مع إضعاف مركب العمق لتشكيل الدفاع وإضعاف الحماية على الضفة الغربية للقناة وعلى الطريق إلى القاهرة، معركة مدرعات-مدرعات كبيرة مع حركة في المنطقة المفتوحة خارج إطار الدفاع الجوي والدفاع ضد الدروع. فشل مصري وحسم عسكري “إسرائيلي”.

البعد التكتيكي في البداية حماية المواقع ،هجمات مضادة جبهوية و موزعة بواسطة قوات مدرعة صغيرة .ولاحقاً-جهد رئيسي مركز في معارك متحركة بمشاركة مدرعات و سلاح المشاة و المدفعية و سلاح الجو. التشخيص بأن المواقع ليست خط دفاع (التفاف ،عزل استنزاف ،مهاجمة من الخلف)،استغلال المفاجئة لتفوق عددي مقابل الخط الأمامي. كل قوة تعبر من تشكيل دفاعها بدون حركة عرضية أو تغيير انتشار مسبقين ،تحصن للدفاع ضد المدرعات و نثر الألغام ،تقليص عمق رأس الجسر يتيح المجال لزيادة كثافة مضادات الدروع والنيران، تشكيل دفاع متواصل بدون جناح. تم تنفيذه بشكل جزئي في نهاية تراجع تكتيكي.

البعد التكنوتكيكي الدبابة والطائرة في الجوهر، وزن كبير للتسليح الذي لم يناسب العمل ضد سلاح المشاة، القناة، الساتر الترابي وعائق أخر لاحقاً-مدرعات ضد صواريخ أرض- جو، وسلاح الجو ضد المدرعات. تشكيل مضاد للدروع تتكون من عدة خطوط دفاعية متوالية من قوة اختصاصية لقدرة متجانسة، صواريخ أرض-جو ضد الطائرات، مدفعية مركزة كبديل للمساعدة الجوية، خراطيم مياه ومعدات هندسية أخرى لمواجهة العوائق. تم تنفيذه إلى حد كبير في البداية. تراجع مع تكيف الجيش الإسرائيلي.

بروز العناصر اللامتماثلة في الأداء العربي خلال حرب تشرين 1973 كانت إيذانا بولادة المدرسة العسكرية العربية، التي ساهمت مساهمة فذة في الفن العسكري، حيث بفعل حرب تشرين انتقلت العسكرية العربية لأول مرة كما يقول العالم المصري د. جمال حمدان “من مرحلة التلمذة الحربية والنقل إلى مرحلة الخلق والابتكار”، حتى أن البعض راح يردد علنا أن“الدبابة خلقها الإنكليز وخنقها العرب”. إذ انتقلت سيادة الحرب البرية عموما“من الدبابة إلى الصواريخ المضادة للدروع وعلى رأسها المشاة الصاروخية”. ولعل هذا ما حدا بالمنظر الاستراتيجي الفرنسي أندرية بوفر إلى القول عن الأداء العربي الخلاق في حرب تشرين“لقد دخل العرب مدرسة الحرب الحديثة وبنجاح”. قصارى القول لقد أسقطت حرب تشرين أعمدة العقيدة القتالية الصهيونية الثلاث “الردع، الإنذار، الحسم”، وكسرت“نظرية الحدود الآمنة”. وحين أعاد الكيان الصهيوني بعد حرب1973 ترميم عقيدته القتالية وخاض حرب اجتياح لبنان عام1982، تبين أنه فقد آخر مقومات عقيدته القتالية التقليدية كما صاغها ديفيد بن غوريون في سنوات الخمسينات من القرن العشرين، حيث أسقطت أحد أهم أركان هذه العقيدة، ركن الحرب الخاطفة القصيرة المدى. يقول الراحل حامد ربيع“إن جيش إسرائيل حارب في لبنان بعد أن أعاد صياغة عقيدته في ضوء فشله ونجاحه في سيناء والجولان، دون أيدرك أن لبنان ليست سيناء، وأن الحرب العام 1982، ليست تكرارا لحروب سابقة إلا جزئياً. فحروب إسرائيل السابقة لم تكن إلا صدامات الجيوش في صحراء متسعة تسمح بالكر والفر وسرعة الحركة، مع سيطرة سلاح الجو من جانب وسلاح المدرعات من جانب آخر والقدرة على التحكم في الاستخبارات في العمق من جانب ثالث. ولكن حرب لبنان 1982 حرب جبال وحرب مدن، ولم يعرف الجيش الصهيوني حرب المدن إلا جزئيا في عام 1956و1973، ولكنه لقن درسا لم تستطع القيادة الصهيونية أن تعي معناه الحقيقي”. وكان من نتائج حرب تشرين المجيدة أن سرعت في يقظة الوطنية الفلسطينية في الأراضي المحتلة العام 1967، بشهادة الباحث الصهيوني في مركز “جافي” مارك هلر، فكانت الانتفاضة الكبرى“1987-1993”، التي تحول بفضلها الجيش الصهيوني من قوة قتال إلى قوة قتل على غرار عصابات المافيا، وفرق الموت، حتى أن150 ألف جندي صهيوني ممن شاركوا في قمع تلك الانتفاضة لم يتلقوا أي تدريبات قتالية طوال سنوات، الأمر الذي شكل إرهاقا وعاملا جديدا في تهشيم القوة العسكرية الصهيونية، وأفقد الجيش الصهيوني القدرة على خوض حرب شاملة، وهذا ما نقع عليه في الحديث الذي دار بين رئيس الوزراء الصهيوني المقتول اسحق رابين والصحافي حاييم بار من صحيفة “يديعوت أحرنوت” وكشف النقاب عنه في أعقاب حرب تموز العام 2006. إذ نقل الصحافي عن رابين خشيته من أن يدخل الجيش الصهيوني في حرب شاملة، خوفا من أن ينتهي إلى الفشل. ويفصل الصحافي حاييم بار ذلك، فيشير إلى أن الحديث جرى في شقة الأخير في تل أبيب في“نافيه افيفيم”. يقول لدى سؤالي رابين بشكل مباشر: لماذا ذهبت إلى أسلو؟ كان رده هو أن “الجميع يقولون أن الجيش قوي، ولكن الجيش الإسرائيلي ليس كما يظنون. إن صورته قوية، ولكني أعرف ما هو الجيش الإسرائيلي”. لم يقف حاييم بار عند هذا الحد، إذ مضى إلى القول أنه فهم من رابين بأنه يعتقد “إذا ما وقعت حرب شاملة فلن ينجح الجيش، ولهذا فمن المجدي لإسرائيل أن تتوصل الآن إلى اتفاق مع الفلسطينيين، طالما كانت صورة الجيش قوية”، واستخدم رلبين، حسب قول حاييم بار نموذج مندوب شركة التأمين، فقال: “أحيانا ترى مندوب تأمين يقود سيارة بونتياك ويلبس لباسا فخما ويأكل في مطاعم راقية فتظن أنه رجل غني، وتستعد لشراء بوليصة تأمين منه. أما أن تكون السيارة مقترضة والملابس مسروقة فهذا لا يغير من الأمر شيئا فقد عقدت الصفقة معه”(21).

انتفاضة الأقصى:

فرضت انتفاضة الأقصى المباركة نفسها بقوة على مسيرة الحركة الوطنية الفلسطينية محدثة تفاعلاً عميقاً في اتجاه تطورها، ورافدة الصراع العربي الصهيوني بسلاح غير خاضع لشروط قانون التسلح التقليدي، ومحددات الموازين الإقليمية، ورابطة بين الثورة الفلسطينية وحركة الشارع العربي، حيث انطوت (الانتفاضة) على فلسفة في الصراع تأخذ على محمل الجد في حسابات موازين القوى دور القوة الناعمة: الحضارية والثقافية والروحية والمعنوية، في صورة مكافئة وموازية لعوامل القوة المادية الصلبة: الاقتصادية والتكنولوجية والعسكرية، وفق متلازمة التحدي والاستجابة للمؤرخ الانكليزي الشهير أرنولد توينبي: “الأمم عادة ما تواجه العديد من التحديات، والأمم الحية هي التي تتولد لديها الرغبة في المقاومة، وصولا إلى بلورة الاستجابة الملائمة للتحدي الذي تواجهه وعندما تنجح في ذلك تتوالى التحديات والاستجابات الناجحة” ويضيف ((إنّ هذه العملية تعمل على إطلاق طاقات المجتمع من عقالها لتستجيب للتحديات التي تبدو، بعد ذلك داخل النفس أكثر منها خارجها، ومن ثم تكون الاستجابة للتحدي روحانية الطابع أكثر منه مادية))

ولعل حضور العوامل المعنوية الغائبة عن حسابات العقل السياسي الغربي كعقل يستند إلى القوة الخشنة الصلبة، هو أحد مصادر حيرة الدوائر السياسية والاستخباراتية الغربية في فهم الآلية الداخلية الخاصة بانتفاضة الأقصى ومنابع ضخها بالزخم اليومي، لاسيما العمل الاستشهادي المشهود في أقاصي الدنيا، بفعل الثورة الإعلامية. لذا يمكن الركون على العوامل المعنوية في تفسير اندلاع الانتفاضة. فحضورها في تحريك الفاعل الإنساني الفلسطيني يبدو جلياً، من خلال تماسك هوية الشعب الفلسطيني، وتجذره في تراثه الحضاري والديني ومدى إدراكه لإمكانيته وعوامل الحياة، والانطلاق داخله وفي الوقت نفسه إدراك مدى تخثر العدو وعوامل الموت داخله(22). وعلى هذه الخلفية وفي ضوء تجربة المقاومة اللبنانية المظفرة، ولدت نظرية (بيت العنكبوت) المنسوبة إلى سماحة السيد حسن نصر الله الأمين العام لحزب الله التي فسرها رئيس الأركان الإسرائيلي الأسبق الجنرال موشي يعلون، وفق الآتي ((إنَّ إسرائيل هي دولة عسكرية، ولكن مجتمعها المدني، هو مجتمع ثري، مدلل غير مستعد للكفاح أكثر، الجيش الإسرائيلي قوي، ولإسرائيل تفوق تكنولوجي، وينسبون لها قدرة إستراتيجية ولكن مواطنيها غير مستعدين للتضحية بحياتهم من اجل الدفاع عن مصالحهم وأهدافهم الوطنية ولذلك فإن دولة إسرائيل هي مثل بيت العنكبوت، تبدو قوية من الخارج ولكن حين تلمسها تتفكك))(23).

والحديث عن هشاشة البناء الصهيوني ليس حكراً على الاتجاهات المقاومة لدى العرب، وإنما تطال أيضاً الأوساط الصهيونية والغربية كما يظهر في عبارات(24): ((هل نغلق دكان الصهيونية؟ ((الملك يحتضر)) ((صهيونية دون روح صهيونية))، ((انحسار الصهيونية)) أي أننا بإزاء ما يمكن تسميته ((تآكل العقد الاجتماعي الصهيوني)) وهو ما يلقي الضوء عليه آلان ديكوف مدير الأبحاث في المركز الوطني للبحث العلمي في فرنسا، والأستاذ في معهد الدراسات السياسية في باريس، بقوله: ((إنَّ المرحلة التأسيسية التي مرت بها الدولة العبرية، والتي تتطلب وحدة وطنية متينة، وإجماعاً إيديولوجيا واسعاً، ونزعة قومية متوثبة، قد انتهت، وباتت إسرائيل تقف اليوم على عتبة مرحلة انتقالية))(25).
ولا شك أنَّ ذلك حصيلة تعلم شعبنا الفلسطيني من تجربته التاريخية وتجارب الشعوب الأخرى ومراكمته إبداعات جديدة في سياق هذه التجربة تقول: أنّ الضعف والخسائر يمكن تحويلها إلى هزائم تلحق بالعدو، إنْ طال زمن القتال.

وفي هذا الصدد يقول إميل لوسو: ((الانتفاضة يجب أن تكون هجومية ويجب أن تفاجئ العدو لا أن تفسح المجال لمفاجئتها أن تهاجم لا أن تدافع ويجب أن يهاجم المتمردون في الوقت الأكثر ملائمة لهم دون الاهتمام بالمسؤوليات الأخلاقية والسياسية ويجب أن يعلموا أنّ متطلبات الانتفاضة مشابهة لمتطلبات الحرب بل يجب أن يكون الانتصار وليس التقيد بآداب السلوك وحسن التصرف فالهجوم لا يجب أن يقتصر على اليوم الأول، يجب أن يكون من سلسلة من الهجمات التدريجية والمتصاعدة عنفاً وإقداماً لا تتوقف لتترسخ إلا يوم تهزم كل القوة العدوة أو تدميرها))(26) ولاشك أنّ انتفاضة الأقصى شكلت حالة هجوم في مختلف الحقول السياسية والاقتصادية والعسكرية وفق عملية اتسمت بالتصعيد الأفقي الذي يتضمن إبداع أشكال جديدة من النضال هي استمرار للأشكال القائمة وربما تحسين لها ولكنها ليست تصعيداً كمياً لها، حيث يأخذ شكل تزايد الخبرة عند الجماعة البشرية الفلسطينية المنتفضة. لقد سدت انتفاضة الأقصى الطريق أمام محاولة الكيان الصهيوني التغلب على أزماته، أو على الأقل منع تحولها إلى أزمات متفجرة، من خلال منعه من تحقيق غايته المرجوة في التحول من كيان طارئ على الجغرافية والتاريخ إلى كيان أصيل فيهما، بحيث تصير الجغرافيا العربية طوع بنان خرافاته وأساطير التوراتية والتلمودية. كما تمكنت الانتفاضة من اختراق الدورة الاقتصادية الصهيونية المألوفة، وجعلتها مفتوحة على إمكانية الانهيار، بسبب من اعتماد الاقتصاد الصهيوني على الحروب للخروج من أزمته الاقتصادية الدورية كما يبدو من معالم هذه الدورة: رخاء ـ أزمة ـ حرب ـ توسع ـ رخاء من جديد(27). والسبب الذي يجعلها مفتوحة على إمكانية الانهيار أن الدورة رسمت في ضوء كسب الكيان الصهيوني حروبه ضد العرب بالضربة الصاعقة، لكن الحرب ضد الانتفاضة فوتت عليه ذلك وأجبرته على الدخول في حرب طويلة. وهذا ما اعترف به العديد من الاستراتجيين الصهاينة، وبالتالي لا منفذ إلا الدعم الخارجي فقط.

الانجازات العسكرية – الأمنية: 

لا يلغي التماثل النسبي في المشهد بين الانتفاضة الكبرى وانتفاضة الأقصى لناحية الشبان المسلحين بالحجارة في مواجهة أقوى آلة عسكرية، ومسيرات الشهداء وعروبة الشبان الملثمين … حقيقة أن وتيرة الأحداث في انتفاضة الأقصى أكثف، والمجازر اعنف وردات الفعل أسرع. إذ رفضت الانتفاضة أن تكون أسيرة الطابع الشعبي المدني وحده، فانتقلت إلى ممارسة الكفاح المسلح على نطاق واسع، بحيث رجحت كفته على ما عداه من أساليب وقد تحوّل إلى حرب استنزاف تدمي العدو الصهيوني، حيث تميزت بانتهاج تكتيك القنص والعبوات الناسفة والكمائن والعمليات الاستشهادية، وكذلك اقتحام المستوطنات ومعسكرات الجيش الصهيوني، وصلت إلى تصفية رموز سياسية من المستوى الأول في الكيان الصهيوني من وزن رحبعام زئيفي وزير السياحة في حكومة شارون وزعيم حركة ((موليدت))، وكذلك استهداف المستوطنين ووسائل النقل الصهيونية في أراضي 1948 و1967 على السواء ولاسيما الطرق الالتفافية. ولاشك أن هذا يندرج في سياق تجريد العدو من مكاسبه الميدانية المتحصلة بفعل اتفاق أوسلو، ولتحويل الوجود الاستيطاني في الضفة الغربية وقطاع غزة إلى وجود مكلف. ويبدو نجاح الانتفاضة في تجريد العدو من مكاسبه واضحة، وتتمثل هذه المكاسب في حصر ساحة المواجهة مع الانتفاضة في نقاط محددة، هي نقاط التماس مع جيشه على مداخل المدن. المناطق (أ)، بنفس الوقت تؤمن الطرق الالتفافية للمستوطنين الابتعاد عن التجمعات الفلسطينية، كما أن التقسيم إلى مناطق (أ) و(ب) و(جـ) مكن العدو من تحييد دور القرى الفلسطينية في الانتفاضة بحيث بدت وكأنها انتفاضة المدن الفلسطينية، لكن لم يمتد زمن استفادة العدو من هذه المكاسب فمع دخولها الشهر الثالث نجحت الانتفاضة في قلب هذه المعادلة، حيث نقلت المواجهات من نقاط محددة لتشمل جميع الأراضي المحتلة 1967، وامتدت كذلك إلى عمق 1948، سواء بالهبات الشعبية أو في العمليات الاستشهادية لتحول مكاسب أوسلو إلى أعباء كبيرة وثقيلة، وكان لذلك أثره الواضح على الوجود الاستيطاني في الضفة الغربية وقطاع غزة. فتحولت المستوطنات إلى عبء أمني على الكيان الصهيوني، بعد أن وجدت لتكون خط الدفاع الأول عن الكيان، وهذا العبء لا يقوى على حمله جنود الاحتلال، مما أدى إلى ولادة قناعات لدى بعض الضباط الصهاينة عبروا عنها بقولهم ((الجيش الإسرائيلي لا يستطيع في ظل الانتفاضة الدفاع عن جميع المستوطنات وعن آلاف الكيلومترات من محاور الحركة على الطرق)) وهذا الاعتراف أدى إلى تفشي الرعب والقلق لدى المستوطنين الذين باتوا يخافون من التنقل على الطرقات في الضفة والقطاع وقد اعترف آمنون أفراموفيتش (مسؤول استيطاني بذلك) في ((ظل هذا الخطر لابدّ من تقليص محاور الطرق التي يتحرك فيها المستوطنون وذلك من خلال إزالة المستوطنات البعيدة عن حماية معتدلة لها)). وقد اضطرت الانتفاضة العدو إلى القيام بتحصين بعض السيارات التابعة لذوي الوظائف من المستوطنين. ثم أن انتفاضة الأقصى كما كل أشكال المقاومة العربية جعلت العدو يتساءل عن المنفعة الإستراتيجية من وراء سيطرته على أراضي عربية مكتظة بالسكان. يقول الباحث الصهيوني دافيد رودمان المحاضر في جامعة ميتشغان: (إنّ العنف الجماهيري الفلسطيني ابتداء من أواخر الثمانينات حتى وقتنا الحالي إضافة إلى حرب العصابات والإرهاب في المنطقة الأمنية في جنوب لبنان منذ العام 1985 وحتى العام 2000، وضعت تحت التساؤل درجة المنفعة الإستراتيجية المستخلصة من السيطرة على أراضي يقطنها سكان معادون). ولاشك إن هذا يذكرنا بقول رئيس المؤتمر اليهودي العالمي ناحوم جولدمان: ((إن الانتصارات الكبيرة تلقي على الشعوب أعباءً أكثر مما تلقي عليهم الهزائم، ذلك أن الهزائم الكبيرة غالباً ما يكون لها تأثير مؤاتٍ جداً، فهي تقود المجتمع إلى ممارسة النقد الذاتي وإلى التمعن في أوضاعه وتجعل منه أشد وطنية، وتلاحماً واستعداداً للتضحيات أما الانتصارات فعلى العكس، فهي تقود في الغالب إلى التلذذ بالأوهام، وإلى الكبرياء المفرطة والغطرسة والعدوان، أو على الأصح أنها تعمل على إضعاف القوة المعنوية للشعب)(28) وهذا ينقلنا إلى الآثار الأخرى التي تركتها الانتفاضة على العدو الصهيوني، وفي مقدمته استنزاف معنوياته، وتمثل أساساً في تزايد حالات الاضطراب النفسي لدى المستوطنين الصهاينة.

الحرب اللامتماثلة الأحدث: تموز 2006

حين تقدم الجيش الصهيوني في حربه الإجرامية على لبنان تموز العام 2006، كانت صورته عشية الحرب وعلى لسان كبار قادته لا تشذ عن رؤية رابين، وهي على الشكل الآتي:
11/7/2006 سمع رئيس الحكومة الصهيونية آنذاك إيهود أولمرت تحذيرا قاسيا من جانب رئيس شعبة التخطيط اللواء الاحتياط اسحق هرئيل قال فيه “نحن جيش فارغ”. من جانبه أضاف رئيس محكمة الاستئناف اللواء يشاي بار بأن “الجيش الإسرائيلي هو جيش متوسط مع جزر تفوق معدودة” وحذر بأنه في يوم الحسم سيتم اكتشاف أن أجزاء منه هي “بمثابة شيك من دون رصيد”(29). لقد شكلت حرب تموز 2006 الحالة الأحدث في الحرب اللامتماثلة كثيرة الأبعاد وكثيرة القدرات، إضافة إلى أنها أحد أكثر الأحداث التي هزت الكيان الصهيوني في العقود الأخيرة، حيث ترسخت عميقا في الإدراك الصهيوني ليس فقط بسبب المظاهر المثيرة للقلق التي ظهرت بشأن حصانة التجمع الاستيطاني الصهيوني، وبسبب ضعف القدرة التنفيذية للجيش، وعدم أهلية البنى التحتية الطارئة وطريقة سلوك القيادة السياسية، وإنما لأن هذه الحرب تركت تأثيرا شاملاً، فالشكل الذي ظهر فيه هذا التحدي جسد للكثيرين في الكيان الصهيوني حدوث تغيير في قوته وتحوله إلى تهديد خطير على أمن الكيان الصهيوني، بسبب من قدراته على الصعيد الفكري، وعلى رأسها الصمود الأيديولوجي، قدرة التحمل العالية، والنجاح في تحديد نقاط ضعف التجمع الاستيطاني، وتركيز الهجمات عليها. وبالنسبة لحركات كثيرة في المنطقة، فإن حزب الله نجح بواسطة هذه الميزات في إظهار قدرته على الصراع، وغرس أسس تفاؤل لاستمرار المواجهة مع الكيان الصهيوني. وفي أعقاب ذلك تم وصف حرب تموز كذروة في عملية صعود “المقاومة الحديثة”. وحسب رأي المحلل الصهيوني إيهود يعاري، فإنه بعد حوالي ثلاثين عاماً من الاعتقاد بأن العرب تخلوا عن أفكارهم بشأن تدمير “إسرائيل”جاءت هذه المواجهة وأعطت حافزاً جديداً لحركات المقاومة. فعلى الصعيد الإدراكي بينت حرب تموز أن هدف القضاء على “إسرائيل” قابل للتحقق، وبأنه تم العثور على الأدوات الأساسية لانجازه انطلاقاً من تحييد التفوق العسكري الواضح لـ“إسرائيل”. أما على الصعيد العسكري فقد تركت هذه الحرب انطباعاً قوياً في الوعي العربي، لدرجة أن الكثيرين من العرب وصفوها بأنها أحد أكثر الإنجازات أهمية للعالم العربي في حربه المستمرة مع “إسرائيل”. وحتى أن قادة كبار في سورية ذهبوا بعيداً وأعلنوا في نهاية المعركة بأنهم يدرسون إدراج أسلوب المقاومة، وأساليب القتال غير المتماثلة في إستراتيجية الجيش السوري “حتى قبل حرب لبنان الثانية تم القيام بإجراءات في هذا المجال، ولكن الحرب أعطتها دفعاً ملحوظاً وبرز ذلك بالتدريج في بلورة البنى التحتية التنظيمية وفي تعزيز الكفاءات في صفوف القوات المسلحة”في الدولة”(30).

ولا يجادل أحد في حقيقة أن هذه الحرب سطرت صفحة في علوم وفنون الحرب أقر بها العدو قبل الصديق، ولهذا أعلنت الأكاديمية البحرية الأميركية وقبل أن تتوقف العمليات الحربية أنها ستدرس هذه التجربة غير المسبوقة في القتال، والتي بفعلها لم تتضرر هيبة الردع الصهيونية فحسب، بل تضررت حتى الفكرة عن فاعلية سلاح الجو ضد مقاومة متخندقة بطريقة خلاقة في الأرض، وتتوافر على غطاء شعبي. تجدر الإشارة أن سلاح الجو الصهيوني خلال عدوان تموز 2006 استفاد من دروس حرب الناتو الجوية ضد صربيا خلال أزمة كوسوفو، وذلك من خلال المزواجة بين أسلوب الجنرال مايكل شورت قائد القوات الجوية المشتركة لدول الناتو، القاضي بضرب إرادة الزعامة الصربية، وضرب قدرتها على الاستمرار في التطهير العرقي بواسطة الضربات الجوية، وبين أسلوب الجنرال فايسلي كلارك. القائد الأعلى لقوات الناتو القاضي بتركيز الضرب مباشرة على قدرات القوات الصربية في كوسوفو، وبالتالي ضرب قدرتهم على الاستمرار في تنفيذ التطهير العرقي(31).

أما حزب الله فقد هاجم مركز الثقل الاستراتيجي الصهيوني “بيت العنكبوت”. و يعني ضرب الثقة بين الحكومة والجيش والمستوطنين. وقد أثبت حزب الله قدرة ناجحة ضد مركز الثقل الصهيوني لعدة أسباب ليس لها مثيل في تاريخ الحروب بين دول وبين منظمات وأحزاب سياسية وهي(32):

1- القرب الجغرافي لجنوب لبنان من مراكز سكانية رئيسة ل“إسرائيل” أعطى حزب الله القدرة على تحويل سلاح صاروخي قصير المدى، بسيط ورخيص إلى سلاح استراتيجي. فالوضع الجيو استراتيجي الخاص للكيان الصهيوني: الناجم عن غياب العمق بين الجبهة والمؤخرة أدى إلى أن سلاحا تكتيكيا يستطيع إنتاج ضربة إستراتيجية، وبشكل غير تقليدي للحروب بين “دولة” وبين حركات مسلحة، مما وفر لحزب الله القدرة على مهاجمة المؤخرة الصهيونية بشكل مباشر وكثيف ومستمر في أي وقت يشاء.

2- الدمج الخاص بين القدرات العسكرية على مستوى الدولة، وبين القدرة على الاختفاء مقابل جهود جمع المعلومات الإستخبارية خلال المعركة، وأيضا البقاء في مواجهة النيران: إن الأمر الذي يميز منظمة مسلحة “ليست دولة” هو الاندماج بالسكان المدنيين المحليين، والسرية والحساسية المحدودة حيال المساس بالدولة المضيفة، وإلى جانب القدرة على الاختفاء امتلك حزب الله أيضا القدرة على حماية وتحصين المواقع ضد النيران، ولاسيما في إطار محمياته الطبيعية.

3-أن حزب الله كان ممثلا موثوقا لسكان الجنوب اللبناني، الأمر الذي وفر له قدرة هائلة على الاندماج والاختفاء بين السكان، واستطاعة دائمة في أن يرمم قوته، لذلك لا يمكن اقتلاعه من المكان.
على خلفية هذه الظروف الخاصة طور حزب الله مفهوماً ذا رأسين، مباشر وغير مباشر لمهاجمة مركز الثقل الصهيوني. الرأس الأول يتيح له المجال لهجوم مباشر ضد مركز الثقل الاستراتيجي الصهيوني، وقد نجح حزب الله في تقويض مركز الثقل الصهيوني في عدة جوانب(33):

أ-في مجالات معينة وجدت حكومة“إسرائيل” صعوبة في توفير خدمات مطلوبة من الدولة(غذاء، أدوية وما شابه ذلك) للمناطق التي كانت تحت النيران، ومن هنا تضررت الثقة في محور الحكومة والمستوطنين.

ب- لم يحصل المستوطنون على الحماية المتوقعة من“الدولة” وبسب ذلك انهارت الثقة في محور الحكومة والمستوطنين أيضا.

ج- لم يوفر الجيش الصهيوني للحكومة النتائج العسكرية المتوقعة (إيقاف إطلاق صواريخ حزب الله) ومن هنا تم ضرب الثقة في محور الحكومة-الجيش.

في ضوء ذلك يمكن القول بأنه ليس الضرر المباشر لإطلاق الصواريخ هو الذي شكل الضرر لمركز الثقل الصهيوني، وإنما تأثيرات إطلاق هذه الصواريخ على الإطار السياسي “المدني”في الكيان الصهيوني.
ومن أجل مواجهة حالة قيام الكيان الصهيوني باختيار احتلال جنوب لبنان أقام حزب الله إلى جانب تشكيل الصواريخ أيضاً مجموعات مقاتلة، كان هدفه جباية ثمن دموي فادح من الكيان الصهيوني عند احتلال الجنوب. وبذلك يمكن مهاجمة مركز الثقل الاستراتيجي –المدني –السياسي للكيان الصهيوني بشكل غير مباشر. وعلى الرغم من أن التشكيل البري المقاتل لحزب الله كان مخصصاً للتمركز في ميدان المعركة، فإن مهمة هذا التشكيل البري لم تكن كبح الجيش الصهيوني في المجال الفعال وإنما إيجاد وضع: هو من جهة لا يطاق على المدى الطويل، ومن جهة ثانية لا يوجد له مخرج عسكري، وبذلك يتم بشكل غير مباشر تقويض إرادة القتال لدى المستوطنين ولدى الإطار السياسي في الكيان الصهيوني(34).

لهذا السبب وضع حزب الله الكيان الصهيوني أمام خيارين أحلاهما مر: كشف الجبهة الداخلية الصهيونية أمام ضربات إستراتيجية مباشرة كثيفة ومستمرة، أو احتلال جنوب لبنان. يشير ما تقدم إلى أن حزب الله بنى نفسه بشكل يؤهله للصمود أمام منطق وقدرات وأساليب عمل الجيش الصهيوني، وتكيفه كذلك لمواجهة التطورات على مستوى RAM)) التي تكرست في الجيش الصهيوني على ثلاث مستويات:

تكنوتكتيكية وميدانية، وإستراتيجية

  • فعلى المستوى التكنوتكتيكي استند الجيش الصهيوني على إمكانية جمع معلومات استخبارية ومهاجمة أهداف بوسائط بعيدة المدى، غير أنها كانت ضد أهداف مكشوفة، في حين أن حزب الله عمل بشكل خاص انطلاقاً من قدرته على الاختفاء والاندماج بالسكان والطبيعة. كما أن حزب الله تمتع بقدرة على الصمود وطول نفس عاليين، الأمر الذي مكنه من الاستمرار في توجيه الضربات الإستراتيجية الكثيفة والمتواصلة ضد المؤخرة الصهيونية. بالإضافة إلى ذلك عمل حزب الله على حماية ممتلكاته من أجل الصمود أمام النيران المضادة وذلك بواسطة إدخالها في مواقع تحت الأرض.
  • وعلى المستوى الميداني، تطلع الجيش الصهيوني إلى تحليل خصومه كمؤسسة واحدة تعمل بشكل مركزي مستقل، وفق خطط ثابتة، إلا أن حزب الله حاول ونجح إلى حد كبير قي أن يعمل كمنظمة من دون أداء كمؤسسة، حيث تبنى أسلوب البناء الموزع والمسطح، والمركب من شبكة خلايا تعمل تقريباً بشكل لا مركزي مستقل، وفقاً لأوامر مسبقة بالإضافة إلى القليل من الأوامر البسيطة والقصيرة التي يتم إعطاؤها في الوقت المناسب لقادة محليين، بل وحتى لصغار يتمتعون بالقدرة على اتخاذ القرار.
  • أما على المستوى الاستراتيجي فقد تطلع الجيش إلى مهاجمة مراكز الثقل الإستراتيجية لحزب الله بواسطة ضربات صاروخية بعيدة المدى، تجسد للعدو ثمن الحرب، وتؤدي إلى فقدان إرادة القتال لدى زعامة حزب الله وإلى انهيارها. وقد فهم الجيش الصهيوني مراكز الثقل هذه بشكل خاص على أنها ثروات إستراتيجية ذات قيمة كبيرة، بينما كانت قيادة حزب الله العليا مركز ثقل استراتيجي طبيعي، ولكن من غير الممكن بناء خطط الحرب على افتراض أنه بالإمكان مهاجمة أشخاص(35).

يمكن القول في ضوء ما تقدم أن حزب الله بنى نفسه في “المنطقة الميتة”لقدرات ومفاهيم الجيش الصهيوني. وبالتالي فإن حرب تموز تشكل حدثاً كاشفاً لعدم ملاءمة بعض مفاهيم الجيش الصهيوني التي تطورت في السنوات السابقة على حرب تموز مع طبيعة الحرب الملائمة للكيان الصهيوني. فمفاهيم المعركة بالنيران المضادة “القتال المتناثر والتجزئة الديناميكية” إذا كانت تمثل صور القتال الرئيسية فإنها مفاهيم مناسبة بشكل خاص لمن يريد الاختفاء من ميدان المعركة، ويريد تمديد فترة القتال وإرهاق خصمه بالنيران، وعملياً يريد أن يختبر طول نفس الطرفين(36).

لقد عجز الكيان الصهيوني أن يفهم طبيعة الحرب ضد حزب الله، وبالتالي كيف يهاجم خططه أو كيف يفرض عليه حرب ذات طبيعة ومنطق مختلفين؟. ومن هنا فإن بنية حزب الله، ومنطق وطبيعة حربه أديا إلى فقدان نجاعة الأسلوب الصهيوني إلى حد كبير حتى قبل إطلاق الطلقة الأولى. وقد ترك ذلك مفاعيله على مجمل الكيان الصهيوني. بقول د. عزمي بشارة في قراءته لنتائج حرب تموز على الكيان الصهيوني: “لم أذكر وضعاً لم تكن فيه لدى إسرائيل أية أفكار سياسية كما هي حالها الآن. دولة من دون مشروع سياسي من أي نوع لمواجهة القضايا المصيرية التي تواجهها”، أما صورة الجيش الصهيوني، وفق ما ذكره تقرير سري أعدته “شعبة القوى”في هيئة الأركان الصهيونية، وتم تسريب بعض محتوياته إلى الصحف الصهيونية، فقد غدت صورة جيش صغير منهك تتراجع فيه نسبة المتطوعين وتتزايد نسبة المرضى النفسيين، كما عاد الشك بقدرة الكيان الصهيوني على الاستمرار في الوجود تهيمن على أذهان المستوطنين الصهاينة، حتى أن استطلاعات الرأي العام داخل الكيان في أعقاب حرب تموز أظهرت أن مستوطناً واحداً من بين أربعة مستوطنين بات لا يثق باستمرار وجود “دولة إسرائيل”. ويقول منظمو الاستطلاع أن هذه واحدة من أهم التداعيات التي انعكست على “إسرائيل” من الحرب على البنان(37).

كما أثار الفشل في الحرب على لبنان أيضاً مخاوف يهود العالم على مستقبل الكيان الصهيوني. وقد أشارت التقديرات في أعقاب حرب تموز إلى أنه ومنذ سنوات طويلة لم يتعرض الجمهور اليهودي في أوربا وأميركا لمقالات وتعليقات تشير إلى احتمال زوال “الدولة اليهودية”أكثر من الفترة الأخيرة. وقد تعزز القلق في نفوس هذا الجمهور جراء ترسيخ حقيقة “أن إسرائيل” عادت في استطلاعات الرأي العام الدولية لتكون الدولة الوحيدة في العالم التي يتم التساؤل عن حقها في الوجود وعن مدى التأييد والمعارضة لوجودها(38).

أسلوب حزب الله القتالي(32)

 أسلوب حزب الله القتالي 
(2) رد حزب الله على قدرات وخطط الجيش الصهيوني(39):

 رد حزب الله على قدرات وخطط الجيش الصهيوني 
مقررات وخطط الجيش “الإسرائيلي” الفرضيات الأساسية للعمل بنجاعة رد حزب الله
على المستوى التكنوتكتيكي: استخدام نيران مضادة دقيقة ضد أهداف العدو. بنك أهداف نوعية كبيرة، قدرة إيجاد أهداف نوعية بمستوى سريع. اختفاء واندماج داخل السكان والطبيعة، مواقع محصنة وأنفاق.
على المستوى القتالي تعطيل فعالية العدو كمنظومة أجهزة. حرب تؤثر على عدو:

1-منتظم كإطار.

2-ذو نقاط ضعف يمكن مهاجمتها.

3-نقاط الضعف معروفة جيداً. تنظيم منتشر، موزع ومبني كشبكة خلايا مستقلة، قوات قتالية منشورة مسبقاً، تشكيل قيادة وسيطرة مختفي، سرية.

على المستوى الاستراتيجي ضربات نارية بعيدة المدى ضد مراكز ثقل العدو الإستراتيجية. وجود مراكز إستراتيجية، يؤدي ضربها إلى شل القدرة القتالية وحرية العمل. مراكز الثقل هذه بنيت كقدرات ذات ميزة طبيعية. غياب مركز ثقل استراتيجي طبيعي واضح سيؤدي ضربها إلى انهيار حزب الله+(مسائل الضاحية والقيادة العليا).

القدرة على السحق: قدرة سحق تستند على ضربة بالنيران الجوية وجود مراكز ثقل طبيعية ويمكن العمل ضدها بالقوة. خفض وتمويه مراكز الثقل، التركيز على قدرة صمود ذاتية، والتأثير على قدرة صمود المؤخرة “الإسرائيلية”.

الكيان الصهيوني، الرد على التحديات الجديدة

استفاق الكيان الصهيوني في حرب تموز على التآكل الحاصل في مقومات عقيدته القتالية التقليدية، والتغيير الحاصل في طابع الحرب، ونقاط الضعف في التجمع الاستيطاني الصهيوني، مما فرض عليه مواجهة حالة معقدة جداً ومركبة على الصعد: العسكرية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية والفكرية. وقد اتكأ الكيان الصهيوني لمواجهة هذه التحديات على نظرية الجنرال البريطاني روبرت سميث كما وردت في كتابه الموسوم“الفائدة في القوة- فن الحرب في العصر الحديث” الصادر العام 2005. وملخص هذه النظرية يقوم على الإدعاء أن“الحرب الصناعية” التي ميزت العصر الحديث لم تعد قائمة، وتبدلت بما يسميه “حرب وسط الناس”. وفي حين أن العالم سار ذات مرة وفق خط سلام-أزمة-حرب-حل-سلام، فإن الواقع الحالي يشهد صراعات مستمرة. فنحن أمام نموذج جديد لمعركة لا تدور في ميادين القتال التي تدور فيها المواجهات بين جيوش، وإنما يدور وسط البشر(مدن-بلدات، قرى، بيوت، حقول) والمواجهة العسكرية تحدث تقريبا في كل مكان، وتتميز بوجود مدنيين، كما أنها موجهة للمساس بهم أو للدفاع عنهم. وبحسب نظرية سميث، فإن هناك أهمية أقل لنتائج الصدام العسكري وأهمية أكبر لرسم صورة الحرب. ومن أجل الاستعداد للمعركة الجديدة يوصي سميث للقادة بأن يحددوا بشكل دقيق وواضح الأهداف الإستراتيجية التي يمكن أن يحققها استخدم القوة العسكرية بالإضافة إلى تحديد الأبعاد السياسية للإجراءات المزمع اتخاذها، كما تدعو النظرية القادة إلى فهم المعنى الكبير لوسائط الإعلام ورسم الوعي بين السكان من خلال الحرب(40). ومن أجل الوصول إلى مواجهة ناجحة لتحديات تعقيدات الحرب الجديدة، الحرب اللامتماثلة استدعت المخيلة الصهيونية، لعبة الأولاد (الحجر، الورقة والمقص)، لخوض هذه الحرب المتحولة المرنة. يقول صاحب استدعاء هذه اللعبة: “عندما نملك ميزة الحجر يطور العدو لنفسه ميزة الورقة، وحينها نضطر نحن إلى أن نطور لأنفسنا ميزة المقص، وكرد على ذلك يقوم العدو بتطوير ميزة الحجر وهكذا دواليك”، ويتابع قائلا: تماما مثلما في هذه اللعبة لا يوجد إجراء يمكن أن يخلق تفوقا مطلقا على الخصم، كذلك هو الأمر أيضا بالنسبة للحرب: هناك تغيير دائم للوزن بين الهجوم والقصف والوقاية، بين التحرك وبين إشباع ميدان المعركة بالقوات والعوائق، بين ميزات الدفاع والهجوم، وبين قوة الصمود وقوة السحق، أسلوب جديد يحل محل القديم وهكذا دواليك. فالثورة في الشؤون العسكرية أنتجت تفوقا واضحا في مجال تدمير الأهداف في مناطق مفتوحة، ولكنها لم تنتج قدرة على إزالة رد، ولم تؤد إلى وضع حد لتاريخ الحروب(41). مقتضيات التكيف الصهيوني مع التحولات في فلسفة الحرب ومواجهة التحديات الجديدة، كما عبرت عن نفسها في حرب تموز، وتطوير الطرف العربي المقاوم لطاقاته وفلسفة الحرب، استدعت من الاستراتيجيين الصهاينة ‘إعادة النظر في مفاهيم فلسفة الحرب بأبعادها العسكرية والقانونية والسياسية، عكستها المبادئ التالية(42):

1-التزود بطول النفس. فالصراع مع المقاومة هو صراع طويل، وملئ بحالات المد والجزر، وخطير بأثمانه ولا يدور وفق معادلات تقول بأن تليين الموقف، وتحسين الوضع الاقتصادي والاجتماعي للجمهور الخصم سيؤدي إلى تجفيف مستنقع “الإرهاب” أي المقاومة. إضافة إلى ذلك فإن على القائد أن يحدد أهدافا عملية في المواجهة مع حركات المقاومة، وأن يمتنع عن تطوير أمال مبالغ فيها، استعدادا لمعركة عسكرية ضد هذه الحركات أو خلال هذه المعركة.

2-على القائد الامتناع عن الوصول إلى حرب استنزاف طويلة، سواء كانت حرب ذات قوة منخفضة أو متوسطة. فحركات المقاومة تستمد جوهر قوتها من مواجهة من هذا النوع، تؤدي إلى إلحاق إضرار مستمر بـ“الدولة” وبالجمهور “المدني” فيها، وتعطي حركة المقاومة فرصة لتطوير نفسها وتطوير الكفاءة العسكرية لتشكيلها المقاتل، كما أنها تدفعها بشكل عام إلى استغلال الكفاح المسلح من أجل تعزيز سيطرتها على الجمهور الذي تعمل من داخله.

3-ينبغي على القائد أن يمتنع عن حلول بصورة احتلال كامل وطويل لمنطقة تعمل فيها حركة مقاومة، لأن حركات المقاومة تتطلع إلى حدوث وضع كهذا وذلك لأنها تجد فيه فائدة كبيرة لمواصلة نضالها ضد العدو من خلال توريطه في قتال داخل منطقة مدنية.

4-إن السياسة التي تبدو جيدة أكثر هي عملية عسكرية واسعة نسبيا بوتيرة معركة كل عدة سنوات، بحيث يتم تحديد حجم المعركة ووتيرتها وفقا للتهديد الذي تشكله حركة المقاومة، ووفقا لطابع القتال، ووفقا للظروف الإقليمية والدولية خلال المعركة. وينبغي أن يتم فتح الحرب بضربة مفاجئة وقوية، ومن الأفضل ضربة جوية، بحيث يتم توجيهها ضد كل المراكز الإستراتيجية لحركات المقاومة: مقرات قيادة، بيوت نشطاء كبار، مؤسسات إدارية، وأجهزة أمنية، وأيضا بنى تحتية مدنية مركزية يتم استخدامها كمراكز اتصال مركزية بين الحركات والجمهور. وفي المرحلة الثانية من الضروري تنفيذ عملية برية واسعة داخل منطقة العدو، بحيث يتم تعطيل قدراته العسكرية.

5-مطلوب من القائد“الإسرائيلي” أن يدير معركة إعلامية على جبهتين:

أ‌- جبهة الداخل التي سيوضح فيها الثمن الذي سيدفعه “السكان” في داخل“إسرائيل” في المواجهات مع حركات المقاومة، والتأكيد على أنه لا يمكن الوصول إلى حسم سريع أو انتصار سريع للجيش“الإسرائيلي”.

ب‌- الجبهة الثانية يجب أن تكون مقابل الساحة الدولية، ويتم فيها توضيح تعقيدات الحرب والمواجهة مع حركات المقاومة، وتوضيح الضرورات التي يفرضها الخصم على“إسرائيل” وعلى رأسها القتال في داخل تجمعات سكانية كثيفة.

وفي سياق توفير إمكانية ترجمة هذه المبادئ على أرض الواقع قام الكيان الصهيوني بإعادة الاعتبار لدور سلاح البر المهم في خطط الجيش الصهيوني، وقد برز هذا التوجه بعد شهور معدودة من حرب لبنان الثانية، حين طلب رئيس الأركان الجنرال غابي أشكنازي من قيادة القوات البرية العمل على بلورة مفهوم أساس، يحدد التحديات المتوقعة أمام القوات البرية خلال السنوات العشر القادمة، ووفقا لذلك تم تحديد أساس بناء القوة. وفي كل الأحوال فإنه ومنذ حرب لبنان الثانية، وفي إطار الخطة الخمسية “توفن” تم إدراج كل المشاريع الكبيرة للجيش الصهيوني، من كل الأذرع، ومن ضمن ذلك“مشروع جيش بري ديجيتالي” في ميزانية مركزية مخصصة لتعزيز القوة وليس في ميزانيات الأذرع المختلفة. وقد انتهت تقريبا المرحلة الأساسية لمشروع جيش بري ديجتيالي، التي في إطارها تحولت عدة فرق إلى تشكيلات تستند على المشروع. ووفقا لمعايير الكفاءة، تم تعزيز حجم تدريبات القوات البرية بمئات النسب المئوية، ووفقا للمفهوم الأساسي الذي يتوقع حدوث قتال في المناطق كثيفة السكان، فإنه يتم التأكيد على إجراء التدريبات تبعا لسيناريوهات إدارة القتال في مناطق معمورة، ومن أجل ذلك أقيمت في المركز القومي للتدريب في“تسئيلم” مدينة تدريب تشبه قرى عربية، كما أن منشأة للتدريب على القتال في المناطق المعمورة أقيمت في مدرسة اختصاصات الهندسة بالقرب من إيلات. ويكرس الجيش الصهيوني حاليا 30% من التدريبات لحالات دفاع أساسية؟ إضافة إلى تطوير وسائط وقاية فعالة ضد الصواريخ المضادة للدروع على غرار جهاز“المعطف الهوائي” و“جهاز القبة الحديدية”. وفي أعقاب حرب لبنان الثانية تم الاتفاق على أن مهمة مشاركة سلاح الجو في المعركة البرية ستحتل مكانا عاليا جدا في سلم أفضليات الجيش الصهيوني، كما تم إلغاء عادة رسم“الخط الأصفر” على الخرائط، هذا الخط الذي فصل بشكل مصطنع ولكن مطلق- وحتى ذهني- بين العمليات الهجومية للقوات الجوية وعمليات القوات البرية في ساحة لبنان. كذلك فإن أسراب جوية مختلفة تبنت ألوية وفرق برية، مما عزز من العلاقة الجارية بين سلاح البر والجو. كما اجتازت شعبة الاستخبارات العسكرية (أمان)، مثل باقي أذرع الجيش تغييرات كبرى في أعقاب حرب تموز. وهدف هذه التغييرات تعزيز الجهود الإستخبارية الموجهة نحو تحقيق أهداف وغايات متواضعة. فبعد الحرب تم تعديل كل الخرائط أكثر من مرة، وتحددت إجراءات جديدة تضمن تدفق المعلومات المناسبة، وفي هذا السياق أيضا تم العمل على تحسين قدرات سرايا الرصد والمراقبة. كما حدثت ثورة في مجال معالجة الجبهة الداخلية، وقد برز ذلك في ميدان الانتقال من الحالة“الفردية” إلى الحالة “الجماعية”، بحيث بات قائد الجبهة الداخلية بنفسه ليس مسؤولا فقط عن إخلاء المدنيين من مناطق المباني المهدمة في وقت الحاجة، وعن إطلاق صافرات الإنذار، وتوجيه السكان حول كيفية حماية أنفسهم من الأسلحة التقليدية وغير التقليدية، وإنما المسؤول كذلك عن المناعة الاجتماعية، حتى لو كان الأمر يتعلق بمهام من المقرر أن تنفذها هيئات مدنية تماما. غني عن البيان أن فهم أن الجبهة الداخلية هي جزء مهم من كل حرب، لم يولد في حرب لبنان الثانية، بل بدءا من حرب الخليج الأولى 1991، والتي جرى خلالها تحديد “صمود” التجمع الاستيطاني كنقطة ضعف، وبالتالي صارت الجبهة الداخلية جزءا لا يتجزأ من كل مواجهة، حتى أنها باتت تشكل “هدفا مفضلا بالنسبة للأعداء”. وتضم القوة الرئيسية التابعة لقيادة الجبهة الداخلية حاليا 24كتيبة إغاثة وإنقاذ، 12كتيبة مختصة بمعالجة الأسلحة الكيميائية والبيولوجية، و14مشفى و10 كتائب لحفظ النظام، جميعها في 18 منطقة، كل منطقة منها تمثل منطقة لوائية موسعة. كما قسمت المدن الكبرى إلى“مربعات أمنية” وعينت مئات الضباط كضباط اتصال في أوقات الطوارئ لمختلف المناطق، إضافة إلى تقسيم فلسطين المحتلة إلى27 منطقة إنذار مقارنة مع 10 مناطق عام 2006(43).

وفي إطار إعادة التكيف مع فلسفة وقواعد الحرب اللامتماثلة، وفي ضوء اعتبار الكيان الصهيوني التهديد السياسي والقانوني جزءا من المعركة العسكرية، يتوسل الكيان الصهيوني انطلاقا من مفهوم“الحرب العادلة”، إنتاج عقائد وقواعد أخلاقية جديدة في الحرب المنوي الخروج إليها، تتيح له التفلت من القانون الدولي بصيغته المعروفة، باعتباره غير ملائم للحروب غير النظامية، لا بل وتحوله إلى سلاح بيد المقاومة، وأداة لضرب شرعية الكيان الصهيوني السياسية والقانونية، وإسقاط أسطورة“الجيش الأكثر أخلاقية في العالم” كما أوضح تقرير غولدستون، وقبله التحقيق في مجزرة مخيم جنين الخ. . . ويعتبر البروفيسور أسا كاشير عميد الفلسفة في جامعة تل أبيب أبرز دعاة هذا التوجه. حيث يقول: “إسرائيل ملزمة في أن تشجع كل دولة موجودة في حالة حرب غير نظامية من نوع معين أن تطور عقيدتها للحرب غير النظامية من هذا النوع، وليس فقط العقيدة في المفهوم التنفيذي، وإنما العقيدة الأخلاقية بشأن الحرب غير النظامية”ويتابع قائلا: “في هذه الطريقة يمكن في نهاية الأمر تطوير ما يمكن تسميته بالقانون الدولي العرفي: فإذا عملت كل الدول الديمقراطية التي تخوض حروبا غير نظامية من نوع معين وفقا للعقيدة الأخلاقية نفسها، أو وفقا لعقائد أخلاقية ذات قاسم مشترك واسع، فإنه حينها بالإمكان القول بشكل جاد إن هذا هو القانون الدولي”(44).

كما يولي الكيان الصهيوني أهمية كبيرة للصراع في المجال المعلوماتي حتى أنه يصنفه في الخانة السابعة في سلسلة التحديات الإستراتيجية التي عليه مواجهتها في القرن الحادي والعشرين. والاهتمام الصهيوني بهذا البعد هو وليد الإدراك العميق الذي تشكل في أعقاب حرب تشرين 1973، حيث تبين أهمية التفوق الحاسم في هذا المجال في السياسة الردعية الصهيونية، وفي اتخاذ القرار عند الضرورة، وكذلك من أجل التصدي لمحاولات معسكر المقاومة تهديد الأمن الصهيوني والحد من قدراته الدفاعية والهجومية من خلال استخدام الصواريخ الضاربة الدقيقة والأسلحة المتقدمة المضادة للدروع وأجهزة الكمبيوتر المتطورة والأقمار الصناعية وما شابه ذلك. لاسيما أن الصهاينة يتحدثون عن أن نظم الحياة التي تحفظ حياتهم تتم السيطرة عليها كليا من خلال شبكات الكمبيوتر، وبالتالي هم حريصون على حماية هذه النظم. ونشير في هذا الصدد إلى التساؤل الذي طرحه رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية(أمان)الجنرال عاموس يادلين: “لنتصور حجم الدمار الذي يمكن أن يحدث، إذا استطاع أحد اختراق نظام السيطرة الكمبيوترية للبنية التحتية وشركات النقل والاتصالات؟” ويخلص إلى القول: إن حرب الفضاء الإلكتروني تناسب تماما مفهوم الأمن“الإسرائيلي”. وهذا لا يتطلب تمويلا كبيرا ولا موارد أو كنوز طبيعية، نحن نتحدث عن مشروع يعمل بقدرات إسرائيلية مستقلة عن أي مساعدة تكنولوجية أجنبية”(45).

وفي هذا الإطار أعلن الكيان الصهيوني في تشرين الأول العام 2010 عن إنشاء هيئة عمليات تكتيكية خاصة مكلفة بالتنظيم والتخطيط والقيادة المركزية للصراع المعلوماتي. تجدر الإشارة إلى أن الكيان الصهيوني قد شهد في السنوات الأخيرة من العقد التاسع من القرن المنصرم إحداث شبكة حكومية كبيرة من نوع“الإنترنت العسكري”. كما تم تزويد الجيش الصهيوني بما يزيد عن(3500) حاسوب شخصي، حيث تم تخصيص حاسوب لكل ضابط من رتبة رائد فما فوق، وكل ضابط يستطيع الدخول على شبكة الإنترنت أو شبكة المعلومات الحكومية. ولا شك أن وجود قاعدة علمية-فنية وتقنية وكذلك التعاون الوثيق في هذا المجال مع الولايات المتحدة الأمريكية يمكن الكيان الصهيوني من تحضير وتنفيذ ليس فقط العمليات المعلوماتية-النفسية ضد الدول العربية وإنما الاستخدام المركب لأحدث وسائط وطرق التأثير المعلوماتي-الفني(46).

استخلاصات عامة:

الاهتمام الصهيوني بمفاهيم وفلسفة الحرب اللامتماثلة وإدراجها في العقيدة القتالية الصهيونية لا يعني أبدا اعتمادها نمطا وحيدا للحرب القادمة. ولا غرو في ذلك، فالكيان الصهيوني يرى أن التحدي الذي يواجهه هو التغير المستمر في ديناميكية ساحة المعركة، لذلك هو لا يبني عقيدته القتالية على ضوء الحرب اللامتماثلة فحسب، وإنما أيضا على ضوء نمطين آخرين من الحرب هما:

1- الحرب المتماثلة، صراع جيش نظامي مع جيش نظامي.

2-الحرب الهجينة، التي تجمع بين خصائص الحرب المتماثلة من خلال امتلاك صواريخ بعيدة المدى، وخصائص الحرب اللامتماثلة بإتباع أسلوب حركات المقاومة.

ولاشك أن بناء العقيدة القتالية الصهيونية في ظل أنماط الحرب الثلاث هي من قبيل التعبير عن امتلاك خاصية المرونة القتالية والقدرة على التعاطي مع أطراف معادلة لعبة“الحجر، الورقة، المقص”. أي أن الكيان يعلن أنه لن يفاجأ بأي أسلوب قتالي آخر كما جرى في حرب تموز العام 2006، وأنه قادر على تحقيق الحسم في أي معركة قادمة بحيث لا يترك مجالا للتساؤل من المنتصر ومن المهزوم، وفق كلام رئيس الأركان الصهيوني الجنرال غابي اشكنازي يوم 12/10/2010، خلال مناورة عسكرية صهيونية على احتلال قرية سورية. لكن هل يستقيم هذا الكلام مع القاعدة القتالية التي تقول: “الحرب هي الحرب”؟ اللافت للنظر في الأمر أن هذا الحديث يشكل استجابة وترجمة لدعوات العديد من أقطاب الفكر العسكري الصهيوني الداعين إلى ضرورة تحديث وتطبيق مصطلحي “الحسم”و“الردع” في المواجهات مع دول ومنظمات فدائية ذات شبه سيادة، وفق التعبير الصهيوني، في دول الطوق الأول، وإسقاط مصطلح “الإنذار المبكر” واستدعاء مصطلح “الاستيعاب” وليس “الدفاع عن النفس” أو “الدفاع”. إضافة إلى مصطلحات أخرى أضيفت إلى العقيدة القتالية الصهيونية، مع الاستنتاجات المناسبة المستقاة منها: “العرقلة” أو “المنع” و“الإحباط المركز” و“الشلل، إبطال المفعول” و“الغطاء الدولي” و“التعاون الأمني المشترك”. هذه المصطلحات الثمانية الأساسية، سواء كانت منفصلة أو متشابكة، سوف تؤدي مع مزيد من الوقت إلى أسس ذات صلة بمكونات العقيدة القتالية: بناء القوة، استخدام القوة، وتنظيم التعاون بين المؤسسات الأمنية والعسكرية(47). وذلك في ضوء فقدان التهديد العسكري التقليدي مركزيته، وبروز تهديدات المقاومة والأسلحة غير التقليدية، والحرب اللامتماثلة، الدعامة الأساسية للاعتبارات الأمنية والإستراتيجية. غني عن البيان أن الكيان الصهيوني شهد منذ أوائل العقد التاسع من القرن العشرين محاولات عدة لاختبار مفهوم الأمن، لكن ذلك لم يؤد إلى أي تبدل جوهري في الإستراتيجية الأمنية، لأن الحاجة إلى تحديثها لم ينظر إليه على أنه قضية ملحة وخطيرة. بكل الأحوال فإن العقيدة القتالية الصهيونية التقليدية كانت تستدعي شن حرب شاملة على الدول العربية كل عشر سنوات، بينما العقيدة القتالية الجديدة تقتضي الخروج إلى حرب عسكرية محدودة كل ثلاث أو أربع سنوات(48). وتلحظ العقيدة القتالية الجديدة، ضرورة الجمع بين الردع والحسم ضد الجيش السوري مع إمكانية الأخذ بعين الاعتبار“الشلل”، “إبطال المفعول” بدلا من“الحسم” لأن الحرمان من القدرات الكامنة في الشلل وإبطال المفعول يمكن أن يكون له تأثير حقيقي على التطورات السياسية في اليوم التالي، ويمكن إنجازه بتكاليف مدنية وعسكرية قليلة بالنسبة للكيان الصهيوني. وفيما يتعلق بحزب الله من الممكن اتخاذ خطوة تربط بين العرقلة والردع. إذا كان هناك قرار بالبدء في حملة عسكرية يمكن إضافة عنصر“الاستيعاب”، “الامتصاص” على عنصر الشلل وإبطال المفعول. المقاربة البديلة هي اعتبار“الحسم” ضرورة لانجاز هدف نزع سلاح الحزب من قبل الحكومة اللبنانية أو الاحتفاظ بفترة هدوء أمني لفترة قد تدوم لعقد أو أكثر. أما بالنسبة لحماس فمن الممكن الجمع بين الإعاقة والاستيعاب، وفي مرحلة معينة التحول إلى الشلل أو“الحسم”، بمعنى البدء بحرب من أجل استعادة السلطة الفلسطينية لقطاع غزة. في أية حرب ضد حماس هناك أهمية قصوى لمصطلح “الغطاء الدولي”، أما مبدأ“التعاون الأمني المشترك” فيظهر دوره في الحوار الأمني مع دول في الساحة الدولية والأقليمية لمنع حماس من بناء قدرات عسكرية في غزة. وفي السياق الإيراني من المهم مناقشة مبدأ التركيز على التعاون الأمني المشترك باهتمام(49).
إن الجهد الذي يكرسه الكيان الصهيوني لفلسفة وفكر وممارسة الحرب يؤكد أن الحرب هي محور وجود واستمرارية الكيان، وبالتالي فإن سياسته تنوس ما بين الحرب والاستعداد للحرب. أما التسوية فليس سوى الحرب بوسائل أخرى. إذ ليس لها سوى هدف واحد: تجريد العرب من عناصر قوتهم وحقوقهم، وتجزئة الصف العربي، وتثبيت شرعية الوجود الصهيوني على الأرض العربية، وتوفير المناخات المؤاتية لابتلاع الأرض العربية المحتلة، واستكمال ما لم ينجز في حرب 1948، ترحيل ما تبقى على أرض فلسطين من عربها. لذلك لا خيار سوى الاستمرار بالصراع مع العدو الصهيوني، لأن القضية هي قضية أرض وحقوق أمة لا يجوز التلاعب بهما.

الهوامش:
1- محمد حسنين هيكل، الزمن الأمريكي: من نيويورك إلى كابول، نقلا عن هنري كيسنجر، المصرية للنشر العربي والدولي، ط: يونيو 2003، ص16،
2- مازن بلال، الحرب غير المتوازية“الإرهاب”، مطبعة اليازجي، ط1: شباط، ، 2002، ص6،
3- المصدر السابق، ص67
4- هيكل، المصدر السابق، ص109
5- المصدر السابق، ص115
6- سعيد ناشيد، ما بعد الحرب العالمية الرابعة، صحيفة السفير البيروتية 14/8/2010
7- المصدر السابق.
8- مازن بلال مصدر سابق، ص54
9- هيكل، مصدر سابق، 119، 118، 117
10- بلال مصدر سابق، ص64، 65
11- العماد حسن توركماني، الصراع المعلوماتي: السمة الأساسية لحروب المستقبل، دار الأولى، بدون تاريخ، ص9، 10
12- بلال مصدر سابق، ص56، 57
13- توركماني، مصدر سابق، ص 171
14- المصدر السابق، ص174، 175
15- نبيل نايلي، العقيدة العسكرية الأمريكية: من الصدمة والترويع إلى دليل مكافحة التمرد، صحيفة السفير12/8/2010
16- هيكل، مصدر سابق، ص127
17- رون طيرة، الصراع على طبيعة الحرب القادمة، مركز اللغات والترجمة، حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين، كانون الثاني2010، ص25
18- المصدر السابق، ص5، 6
19- المصدر السابق، ص68
20- المصدر السابق، ص53، 54
21- عبد الله الحسن، الذكرى ال37، حرب تشرين في ضوء إنجازات الوعد الصادق، صحيفة الثبات البيروتية7/10/2010
22- موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية، د. عبد الوهاب المسيري، دار الشرق، ط1 =1999 ص163
23- صحيفة السفير 2/9/2002 مقتطفات من مقابلة مع رئيس الأركان الجديد ت: حلمي موسى
24- النهج، العدد 8، ربيع 2002 إسرائيل إزاء تحديات الهوية، عرض ماهر الشريف
25- المصدر السابق
26- نظرية الانتفاضة، إميل لوسو: جوزيف عبد الله، المؤسسة العربية للدراسات والنشر ط1 =1984، ص12
27- الاقتصاد السياسي لإسرائيل، د. فؤاد مرسي، دار الوحدة، ط1=1983، ص123
28- إسرائيل إلى أين؟، مركز الدراسات الفلسطينية، ط1=1980، ناحوم غولدمان، ص
29- عامير رببوت، الجيش“الإسرائيلي” والعبر المستخلصة من حرب تموز 2006، مركز(بيغن-السادات)للأبحاث الإستراتيجية، جامعة بار إيلان، اب2010، ترجمة مركز اللغات والترجمة، حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين.
30- ميخائيل ميلشتاين، تعاظم تحدي المقاومة وأثره على نظرية الأمن القومي“الإسرائيلي” معهد أبحاث الأمن القومي“الإسرائيلي”، شباط 2010، مركز اللغات والترجمة، حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين، ص35
31- رون طيره، مصدر سابق، ص25
32- المصدر السابق، ص99
33- المصدر السابق، ص101
34- المصدر السابق، ص101
35- المصدر السابق، ص104، 105
36- المصدر السابق، ص106
37- عريب الرنتاوي، الدستور الأردنية، 23/9/2006
38- حلمي موسى، السفير6/9/2006
39- رون طيره، مصدر سابق، ص102، الشكل6
40- المصدر السابق، ص107، القائمة7
41- ميخائيل ميلشتاين، مصدر سابق، ص49، 48.
42- رون طيره، مصدر سابق، ص140.
43- ميلشتاين، مصدر سابق، ، 107، 106، 105.
44- العبر المستخلصة من حرب تموز، مصدر سابق، المعلومات مقتبسة من الفصل الثاني، بناء القوة والجاهزية.
45- أسا كاشير، الجوانب الأخلاقية للرد، كتاب تحديات أمنية لتهديدات متغيرة، معهد أبحاث الأمن القومي“الإسرائيلي”تموز2010، مركز اللغات والترجمة، حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين.
46- عاموس يادلين، التحديات الإستراتيجية أمام “إسرائيل”، أعمال المؤتمر السنوي الثالث لمعهد أبحاث الأمن القومي “الإسرائيلي”أيلول2010، مركز اللغات والترجمة، حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين، ص25، 24.
47- حسن توركماني، مصدر سابق، ص185، 184.
48- شاي شبتاي، مفهوم الأمن القومي “الإسرائيلي”مصطلحات أساسية جديدة في المجال الأمني-العسكري، معهد أبحاث الأمن “الإسرائيلي”تشرين الأول 2010، ترجمة: مركز اللغات الترجمة، حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين، ص4.
49- المصدر السابق، ص12.

نظرية الامن «الاسرائيلي» للدكتور محمد المصري

نظرية الامن الاسرائيلي للدكتور محمد المصري

يعتبر كتاب نظرية الامن الاسرائيلي للدكتور محمد المصري اضافة حقيقية ومهمة للمكتبة الامنية العربية نظرا لما عرف عن الكاتب من دراية وبحث مهني وعلمي رصين في كافة مؤلفاته .
ودنيا الوطن تنشر النص الكامل للكتاب نظرية الامن الاسرائيلي لتحقيق الفائدة لدى القراء والمختصين:

Print Friendly, PDF & Email