قضايا اجتماعية

النساء في الجزائر نخبة المستقبل

هذا ما تؤكده مرة أخرى نتائج البكالوريا لهذه السنة في الجزائر. فمن مجموع ثلاثة مرشحين فازت فتاتان (65.39) مقابل ولد واحد (34.71) فقط. فالبنات في الجزائر لا يفزن أكثر من الذكور فقط، بل أحسن منهم من حيث المعدلات والمواقع الأولى. حالة جزائرية تؤكد مثيلاتها، في العديد من الدول التي تتشابه معها في الخصائص الثقافية والتاريخ.

نتائج البكالوريا التي يمكن استعمالها كمفتاح لقراءة خريطة نخبة المستقبل في الجزائر، بمفهومها الواسع. فزيادة على هذا التأنيث الواضح الذي بدأت ملامحه في الظهور منذ سنوات، يمكن أن نضيف ذلك الإقصاء من إنتاج النخبة الذي يميز بعض المناطق الجغرافية من الجزائر كالجنوب على سبيل المثال، إذا راعينا نتائج شهادة البكالوريا التي تبقى محددة كمقياس للدخول إلى الجامعات، وبالتالي إنتاج النخبة بمختلف أنواعها.

الجنوب الذي يعاني تاريخيا من ضعف واضح في إنتاج النخبة، أكدته نتائج شهادة البكالوريا لسنوات سابقة وليس هذه السنة فقط. ضعف يزداد وضوحا إذا ربطناه بمتغير انتشار اللغات الأجنبية، التي تحدد مسار الوصول الى مواقع النخبة العلمية والتميز داخل الجامعة الجزائرية، رغم كل الضعف الذي تعرفه. فقد أُهمل تعليم اللغات الأجنبية في المناطق الجنوبية مقارنة بشمال البلاد، مما يحرم أبناء هذه المناطق الفقيرة من الحضور في إنتاج النخب العلمية والتكنولوجية، التي ما زال التدريس فيها باللغة الفرنسية. وضع يمكن تعميمه على بعض مناطق الهضاب العليا كذلك، كما تشير إلى ذلك معطيات نتائج البكالوريا لعدة سنوات بكل الثقل الديموغرافي الذي يميز الهضاب العليا، عكس مناطق الجنوب وأقصى الجنوب.

سيطرة أبناء وبنات الشمال الذي يتميز داخله بشكل لافت أبناء منطقة القبائل، الذين يظهرون تفوقهم بشكل واضح منذ عقود على رأس نتائج كل الامتحانات والمسابقات المنظمة من قبل المؤسسة التعليمية في الجزائر بدءا من المرحلة الابتدائية. معطى يمكن تفسيره بكل سهولة إذا راعينا التاريخ الثقافي للجزائر على المدى الطويل. فقد استفادت منطقة القبائل، رغم طابعها الريفي من انتشار التعليم قبل بعض المدن، كما استفادت من قربها من العاصمة ومن الهجرة المكثفة لأبنائها الى مدن الشمال والعاصمة تحديدا.

استفادت منطقة القبائل من القرب الجغرافي من المدرسة إذن، لتنجح في تحويله إلى قرب سوسيولوجي واضح منها ، تؤكده المعطيات الكمية لعملية إنتاج النخبة في الجزائر، كما هو واضح من نتائج البكالوريا كل سنة، وغيرها من المؤشرات الأخرى التي لا تخفى على أي قراءة للحياة السياسية والاقتصادية في البلد، بما فيها خريطة توزيع مراكز السيطرة والجاه في جزائر ما بعد الاستقلال.
نقول هذا مع كل ما هو معروف عن مستوى التعليم في الجزائر، ضعيف التنافسية والانفتاح على قيم العصر لتبقى المدرسة الجزائرية العمومية، رغم ذلك أهم مؤسسة، غيًرت وجه البلد. فمن دون التعرف الدقيق على ما أنجزته المدرسة لا يمكن ان نفهم الخريطة الطبقية للجزائر، بما فيها طبعا عملية إنتاج النخبة بمفهومها الواسع المميزة لها بكل خصائصها السيو- ثقافية.

المدرسة نجحت البنات بقوة في استعمالها للإفلات من الصورة النمطية، التي تحاول الثقافة التقليدية أن تبقيهن داخلها. نجاح تحققه البنات بمساعدة الأب في الكثير من الأحيان وليس الأم فقط، رغم معارضة الأخ وأبناء الحي. بنات يكتشفن بسرعة ان مقاييس النجاح في المدرسة المبنية على التنافس والشفافية والجهد ليست هي التي تجدها أمامها عندما تنجح وتتخرج لتدخل معركة الحياة، بقيمها الذكورية المتخلفة التي تعاملها كأنثى قبل كل شيء في الفضاء العام والحزب ومكان العمل الخ، مهما كانت شهادتها وتأهيلها.

قيم المجتمع وثقافة التنشئة التي تميزه وطنيا وجهويا التي نجدها هي الأخرى حاضرة في تفسير نتائج البكالوريا، وبالتالي عملية إنتاج النخبة التي تفرزها، وإلا بماذا نفسر تلك الفروق الشاسعة في كل المسابقات والامتحانات من المرحلة الابتدائية ولعقود من الزمن، من منطقة لأخرى، للمدرسة العمومية نفسها، بكل نقاط قوتها مثل طابعها المجاني وعيوبها المعروفة الأخرى، التي تفاقمت مع الوقت، كالاكتظاظ ونسب الرسوب العالية. أكدتها نتائج البكالوريا هذه السنة التي بينت أن 44.12 من المتقدمين لهذه الشهادة فشلوا في الحصول عليها، رغم النسبة العالية للمكررين والمترشحين الأحرار (40%). بما يطرح بحدة مسألة فعالية هذا النوع من التعليم الذي ما زالت الدولة هي الراعية الأول له والممول الوحيد له.

المدرسة لم تعد تحظى بإجماع الجزائريين الذين تتباين مواقفهم منها بحدة، كما يعكسه الصراع الثقافي ـ اللغوي بتعبيراته السياسية والحزبية. فقد ابتعدت عنها الفئات الشعبية الفقيرة، التي لم تعد تعول عليها كثيرا «كمصعد اجتماعي»، كما كان الحال في السنوات الأولى للاستقلال. ليبرز في المقابل «نفور» الفئات الوسطى وشرائحها العليا من هذه المدرسة التي لم تعد تضمن تميز أبناء هذه الفئات التي تريد إعادة إنتاج سيطرتها الطبقية التي حصلت عليها في وقت سابق، عن طريق المدرسة العمومية نفسها.

فئات وسطى وعليا لم تنجح حتى الآن، في تقديم بديل جدي عن طريق المدرسة الخاصة، التي عولت عليها كمنافس للمدرسة العمومية المتهمة بتفريخ الإرهابيين ونشر الفكر الظلامي، حسب بعض القراءات الأيديولوجية المتشنجة، ما قد يجعل هذه الفئات تتجه نحو المدرسة الأجنبية لفرض سيطرتها التي لم تعد تضمنها عن طريق المدرسة العمومية. وضع بدأ في التأكد منذ سنوات، يمكن ملاحظته بسهولة ونحن نشاهد الطلب الكبير على الجامعات الفرنسية والغربية لدى هذه الفئات التي مازالت تعول كثيرا على المدرسة والشهادة لتأكيد سيطرتها التي حققتها في الاقتصاد والمال.

صراعات داخل وحول المدرسة في الجزائر، بكل ملابساتها الثقافية واللغوية وطابعها السياسي، تؤكد ان النخبة التي ستحكم الجزائر لن تكون بالطابع الشعبي والوطني الذي عرفته حتى الآن. فهي لن تكون كما كانت جزئيا على الأقل، ممثلة بالدرجة نفسها لكل الجهات ولمختلف الفئات والشرائح الاجتماعية. باستثناء حقيقة واحدة، أن نخبة الجزائر ستكون مؤنثة، مهما كانت العراقيل والحواجز التي ستجدها بناتنا خارج أسوار المدرسة.

ناصر جابي

Jul 23, 2018

كاتب جزائري

اظهر المزيد

الموسوعة الجزائرية للدراسات السياسية

مدون جزائري، مهتم بالشأن السياسي و الأمني العربي و الدولي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock