1. politics-dz

    politics-dz مدير الموقع إداري politico نجم المنتدى

    Country:
    Algeria
    إنضم إلينا في:
    ‏22 فبراير 2015
    المشاركات:
    3,914
    الإعجابات المتلقاة:
    3,837
    نقاط الجائزة:
    113
    الجنس:
    ذكر
    الإقامة:
    الجزائر
    الصفحة الرئيسية:

    Print

    مقدمة
    وفقا لماركس وإنجلز، فان القانون الأساسي للرأسمالية، كنظام يتميز عن كافة الأنظمة الاقتصادية الأخرى، والقانون الذي تشتق منه جميع قوانين الرأسمالية الأخرى، هو قانون القيمة. “إن شكل القيمة للمنتجات يحمل بالفعل في طوره الجنيني نمط الإنتاج الرأسمالي بأسره، العداء بين الرأسماليين والعمال الأجراء، جيش الاحتياطي الصناعي، الأزمات”.(1) قانون القيمة، إذن، هو القانون الأساسي للاقتصاد السياسي الماركسي.

    في مقدمة كتابهما الدراسي في الاقتصاد السياسي، تساءل اقتصاديان سوفيتيان بارزان، هما لابيدوس وأوستروفيتيانوف، قائلين: هل الاقتصاد السياسي يدرس كافة العلاقات الإنتاجية بين الناس !” وكانت أجابتهما:

    لا، خذ مثلا الاقتصاد الطبيعي للفلاح الأبوي البدائي الذي يلبي حاجاته من الداخل ولا يدخل في أية علاقات تبادل مع الفلاحين الآخرين. لدينا هنا نوع خاص من علاقات الإنتاج. دعنا نقول أنها تتمثل في تنظيم جماعي للعمل… مع بعض الخضوع من جانب الجميع لرأس العائلة… على الرغم من الفارق الهائل بين الاقتصاد الطبيعي الفلاحي والاقتصاد الشيوعي، إلا أنه يوجد بينهما سمة مشتركة، إذ يتم تنظيم وتوجيه الاثنين بواسطة الإدارة الإنسانية الواعية… هناك، بلا شك، بعض القوانين التي تحكم العلاقات غير المنظمة للمجتمع الرأسمالي. إلا أن هذه القوانين عفوية، ومستقلة عن الإرادة الواعية والموجهة للمشاركين في هذه العملية الإنتاجية… و هذه القوانين الأولية العفوية هي التي تشكل موضوع الاقتصاد السياسي.(2)

    وبعد ذلك تساءلا: “كيف والى أي مدى تؤثر القوانين الرأسمالية للاقتصاد السياسي على الاقتصاد السوفيتي؟ ما هي العلاقة بين النشاط العفوي و المخطط في اقتصاد الاتحاد السوفيتي؟ ما هو الوزن المحدد لهذه العناصر، ما هو اتجاه تطورها؟ (3) وقد توصلا إلى أن الاقتصاد السياسي ينطبق فقط على العمليات العفوية وليس على اقتصاد مخطط كالاشتراكية، وأنه ينطبق على روسيا فقط باعتبار أن الاقتصاد الروسي ليس اشتراكيا بعد، و إنما في مرحلة الانتقال نحو الاشتراكية. وقد وافق جميع الاقتصاديين السوفييت الآخرين على هذا الرأي في ذلك الوقت.

    في ذلك الوقت، أجمع الاقتصاديون السوفييت على عدم وجود مكان لقانون القيمة في المجتمع الاشتراكي. وقد فسروا أية آثار لوجوده في الاتحاد السوفيتي على أنها انعكاس لوضعه الانتقالي، أي نتيجة لأنه لم يصل بعد بالكامل للاشتراكية، هكذا فقد كتب لابيدوس وأوستروفينيانوف:

    إذا طرح علينا السؤال: هل الاقتصاد السوفيتي رأسمالي أم اشتراكي، فان علينا بالطبع أن نعلق بأن الإجابة بأنه “رأسمالي” أو “اشتراكي” مستحيلة، حيث أن السمة المميزة للاقتصاد السوفيتي تتمثل… بالضبط في كونه انتقالي الطابع، يسير من الرأسمالية إلى الاشتراكية.. وبنفس الطريقة بالضبط سيكون علينا أن نجيب الشخص الذي يسألنا: هل يعمل قانون القيمة بالكامل هنا، أم أنه قد توقف عن العمل تماما وتم استبداله بالإدارة الواعية؟ إن تأكيد أن “هذا أو ذاك” صحيح هو أمر مستحيل، حيث أن الأمرين معا ليسا صحيحين، أما الصحيح فهو أمر ثالث: إننا نعيش عملية انتقال من الوضع الأول إلى الآخر. لم يختف قانون القيمة بعد وإنما هو مستمر في العمل في ظروفنا، ولكنه لا يعمل بنفس الشكل الذي كان يعمل به في النظام الرأسمالي، ذلك أنه يمر خلال عملية الزوال. (4)

    استخدم بريوبرازينسكي نفس الحجة التي تقول: “إن قانون القيمة وعنصر التخطيط الذي تتمثل سمته الأساسية في التراكم الاشتراكي، يتصارعان فيما بينهما، خلال فترة الانتقال من الرأسمالية إلى الاشتراكية، ومع انتصار الاشتراكية، سيختفي قانون القيمة”.(5)

    وكتب اقتصادي آخر، هو ليونتيف: “إن قانون القيمة هو قانون الحركة الخاص بالإنتاج السلعي الرأسمالي ” إن بذور كافة “تناقضات الرأسمالية تكمن في القيمة”. (6)

    كان بإمكان الاقتصاديين السوفيت أن يتوسعوا في الاعتماد على أعمال ماركس وإنجلز تأييدا لأفكارهم. فالفقرة التي اقتبسناها أعلاه من ضد دوهرنج تؤكد وجهة نظرهم. وفي موضع آخر من نفس الكتاب، يسخر إنجلز من تصور دوهرنج أن قانون القيمة الماركسي ينطبق على الاشتراكية: في ظل الاشتراكية، يكتب إنجلز سيكون باستطاعة الناس إدارة كل شيء ببساطة شديدة، دون تدخل قانون القيمة المعروف”. (7)

    وواصل إنجلز بأنه سيكون من العبث التام “أن يتم تنظيم مجتمع سيسطر فيه المنتجون في النهاية على منتجاتهم عن طريق التطبيق المنطقي لمقولة اقتصادية (القيمة) تعد التعبير الأكثر شمولا عن خضوع المنتجين لمنتجاتهم”. (8) وإذا اقتبسنا من ماركس قوله: “القيمة هي التعبير عن الطبيعة المميزة تحديدا لعملية الإنتاج الرأسمالي”. (9) وفي مناسبة أخرى، أثناء نقده لكتاب لفاجنر، يسخر ماركس من “فرضية أن نظرية القيمة، التي تم تطويرها لتفسير المجتمع “البرجوازي” تنطبق على “دولة ماركس الاشتراكية” (10) كانت مثل هذه الأفكار شبه بديهية بالنسبة لجميع الاقتصاديين السوفيت أثناء فترة العقد ونصف التالية للثورة.

    وبعد عقد من الصمت التام تقريبا حول هذه المسألة، دوت صاعقة في عام 1943، فقد نشرت المجلة النظرية للحزب، بود زيامينيم ماركسيزما، مقالا طويلا غير موقع بعنوان “بعض التساؤلات حول تدريس الاقتصاد السياسي”، أحدث قطيعة تامة مع الماضي. (11) لقد أخبر القارئ بأن “… تدريس الاقتصاد السياسي في كلياتنا قد استؤنف بعد غياب لبضع سنوات. قبل هذا الانقطاع، عانى تدريس الاقتصاد السياسي، بالإضافة إلى الكتب الدراسية القائمة والمنهج الدراسي، من عيوب خطيرة “، “فيما يتعلق بالقوانين الاقتصادية للاشتراكية، كثيرا ما تسللت أخطاء جوهرية عديدة إلى منهج الاقتصاد السياسي وكتبه الدراسية ” وزعم المقال بأن الخطأ الأساسي لما كان يدرس في السابق كان “إنكار عمل قانون القيمة في المجتمع الاشتراكي”. وعلى الفور سار جميع الاقتصاديين السوفييت على النهج الجديد.

    يمكن تفسير هذا التحول التام من خلال استعداد جديد لدى السلطات للإعلان الصريح في ذلك الوقت عن الكثير مما كان في الماضي مقبولا عمليا ولكن غير معترف به علنا مثل الشوفينية الروسية، وتمجيد التقاليد القيصرية، وأشياء أخرى كثيرة ذات طابع مماثل.

    ولكن يبدو أن الاقتصاديين السوفيت قد أصبحوا متورطين في تناقضات جديدة مع كتابات ماركس وإنجلز بحيث أصبح من المتعين أن تتم معالجة المشكلة مرارا وتكرارا. وحتى في تاريخ متأخر كفبراير 1952، وجد ستالين نفسه أنه من الضروري أن يكتب:

    أحيانا ما يسأل حول ما إذا كان قانون القيمة يوجد ويعمل في بلدنا، في ظل النظام الاشتراكي، نعم انه يوجد ويعمل.(12)

    على النقيض من كل التعاليم الماركسية حول الموضوع، يذكر ستالين: “هل قانون القيمة هو القانون الاقتصادي الأساسي للرأسمالية؟ لا. “(13) يذكر ماركس أنه حيثما تكون قوة العمل سلعة، فان النتيجة الطبيعية الحتمية لبيعها هي ظهور فائض القيمة، ظهور الاستغلال، يجد ستالين من المناسب أن يعلن أنه في حين يسود قانون القيمة في الاقتصاد الروسي، فانه لا يوجد بيع لقوة العمل وبالتالي لا يوجد فائض قيمة. انه يكتب ” “الحديث عن كون قوة العمل سلعة”، وعن “استئجار” العمال يبدو غير معقول “الآن” في ظل نظامنا: فكأن الطبقة العاملة التي تمتلك وسائل الإنتاج، تستأجر نفسها وتبيع قوة عملها لنفسها”.(14) (والافتراض الضمني، والذي لا سند له، لحجة ستالين هو بالطبع، أن الدولة التي تمتلك وسائل الإنتاج وتشتري قوة العمل هي بالفعل “مملوكة” للعمال ويسيطرون عليها. ولا تسيطر عليها بيروقراطية مطلقة السلطة). إضافة إلى ذلك، فهو يكتب: “أعتقد أن علينا… أن ننبذ بعض المفاهيم الأخرى المأخوذة من كتاب رأس المال لماركس – حيث كان ماركس معنيا بتحليل الرأسمالية – والمفروضة بشكل مصطنع على علاقتنا الاشتراكية، إنني أشير إلى مفاهيم مثل العمل “الضروري” و “الفائض”، والناتج “الضروري” و “الفائض”، والوقت “الضروري” و “الفائض”. (15)

    انه، بالطبع، من الأهمية القصوى أن نكتشف العلاقة الصحيحة بين قانون القيمة الماركسي والاقتصاد الروسي، آخذين في الاعتبار أن ماركس رأي ارتباطا بين هذا القانون وجميع تناقضات الرأسمالية.

    قانون القيمة الماركسي
    يمكن شرح نظرية القيمة لماركس باختصار كما يلي:

    في ظل الرأسمالية، وفي ظل الرأسمالية فقط، تتخذ كل، أو حتى أغلب المنتجات شكل السلع، (16) لكي تتحول المنتجات إلى سلع لابد من وجود تقسيم عمل داخل المجتمع. إلا أن هذا وحده لا يكفي. فقد كان هناك تقسيم عمل داخل القبائل البدائية، إلا أن سلعا لم تنتج. كما أن سلعا لم تنتج أيضا في نظام المجتمع القائم على اللاتيفنديات الرومانية القديمة بعملها العبودي واكتفائها الذاتي. وداخل كل مصنع رأسمالي، أيضا، يوجد تقسيم عمل، دون أن تصبح ثمار عمل كل عامل سلعة، فقط بين القبائل البدائية، أو بين اللاتيفنديات أو بين مصنع رأسمالي وآخر، يتم تبادل المنتجات، وبالتالي تتخذ شكل السلع. يكتب ماركس: ” إن المنتجات التي يمكن أن تصبح سلعا قابلة للتبادل، الواحدة لقاء الأخرى، هي فقط تلك الناتجة عن أنوع مختلفة من العمل، يتم كل منها مستقلا عن الآخر ولحساب أفراد ” (17) أو “مجموعات من الأفراد” (18)

    تعرف القيمة بأنها السمة المشتركة لكل السلع والتي يتم التبادل على أساسها. ليس للمنتجات قيمة تبادلية إلا بوصفها سلعا، حيث القيمة التبادلية هي تعبير عن العلاقات الاجتماعية بين منتجي السلع، أي تعبير عن الطابع الاجتماعي لعمل كل منتج. إنها، في الواقع، التعبير الوحيد عن الطابع الاجتماعي للعمل في مجتمع من المنتجين المستقلين. يكتب ماركس: “ولما كان المنتجون لا يتصلون ببعضهم البعض اجتماعيا إلا بواسطة تبادل منتجاتهم، فان الطابع الاجتماعي المحدد لعمل كل منتج لا يظهر إلا في عملية التبادل. وبكلمات أخرى، فان عمل الفرد يؤكد نفسه كجزء من عمل المجتمع، فقط عن طريق العلاقات التي تنشأ بفعل التبادل بين المنتجات بصورة مباشرة، و بصورة غير مباشرة، بين المنتجين”. (19)

    عندما يكتب ماركس أن السلعة هي قيمة، فانه يؤكد أنها عمل مجرد متجسد ماديا، ويؤكد أنها نتيجة قسم ما من إجمالي العمل المنتج للمجتمع. يعبر مقدار القيمة عن علاقة إنتاج اجتماعي، انه يعبر عن الصلة القائمة بالضرورة بين صنف معين ونسبة العمل الاجتماعي المطلوبة لإنتاجه”.(20)

    لماذا تكون القيمة التبادلية التعبير الوحيد عن هذه الصلة، ولماذا لا يمكن التعبير عن هذه العلاقة مباشرة، بدلا من التعبير عنها من خلال الأشياء؟ الإجابة هي أن الصلة الاجتماعية الوحيدة التي يمكن قيامها بين منتجين مستقلين هي من خلال الأشياء، من خلال تبادل السلع.

    في مجتمع من المنتجين المستقلين، يحدد قانون القيمة ما يلي:

    علاقة التبادل بين السلع المختلفة.

    الكمية الإجمالية للسلع من نوع معين التي سيتم إنتاجها بالمقارنة بالسلع من نوع آخر، وبالتالي،

    تقسيم وقت العمل الإجمالي للمجتمع بين المشروعات المختلفة.

    ومن هنا فانه يحدد علاقة التبادل بين قوة العمل كسلعة وغيرها من السلع، وبالتالي تقسيم يوم العمل إلى وقت ينفق على “العمل الضروري” (الذي يعيد العامل خلاله إنتاج قيمة قوة عمله) ووقت ينفق على “العمل الفائض” (الذي ينتج العامل خلاله فائض قيمة للرأسمالي). كما يتحكم قانون القيمة أيضا في نسبة العمل الاجتماعي المخصص لإنتاج السلع الإنتاجية والاستهلاكية، أي في العلاقة بين التراكم والاستهلاك (وهذه نتيجة لازمة للفقرة أ أعلاه).

    أجرى ماركس مقارنة بين تقسيم العمل في المجتمع الرأسمالي ككل (والذي يتم التعبير عنه من خلال ظهور القيم)وبين تقسيم العمل في داخل مصنع واحد (الذي لا يعبر عنه بهذا الشكل).

    تقسيم العمل في المجتمع يحدث من خلال شراء وبيع منتجات مختلف فروع الصناعة، في حين أن الصلة بين الأعمال الجزئية في المصنع هو نتيجة بيع قوة العمل الخاصة بعديد من العمال لرأسمالي واحد، يستخدمها بمثابة قوة عمل جماعية. إن تقسيم العمل في المصنع يقتضي تركيز وسائل الإنتاج في أيدي رأسمالي واحد، أما تقسيم العمل في المجتمع فيقتضي تفرقها بين العديد من منتجي السلع المستقلين. في حين أن قانون التناسبية الصارم داخل المصنع يخضع أعداد معينة من العمال لوظائف محددة، إلاّ أن المصادفة والهوى، في المجتمع خارج المصنع، يلعبان لعبتهما غير المقيدة في توزيع المنتجين ووسائل إنتاجهم على مختلف فروع الصناعة. صحيح أن مختلف دوائر الإنتاج تنزع إلى التوازن باستمرار: فمن جهة، في حين أنه ينبغي على كل منتج لسلعة أن ينتج قيمة استعمالية، أي أن يلبي حاجة اجتماعية معينة، وفي حين أن مقدار هذه الحاجات يختلف كميا، فثمة، مع ذلك، رابطة داخلية تنظم نسبها جميعا في نظام متناسق، ينمو عفويا، ومن جهة أخرى، فان قانون القيمة يحدد في آخر المطاف كم يستطيع المجتمع أن ينفق من وقت العمل المتيسر له على إنتاج كل نوع من أنواع السلع. ولكن هذا النزوع المستمر، لمختلف دوائر الإنتاج، إلى التوازن، يتم فقط كرد فعل للاضطراب المستمر لهذا التوازن. إن النظام الافتراضي الذي يتم على أساسه تقسيم العمل، داخل المصنع، يصبح في تقسيم العمل داخل المجتمع استدلاليا و ضرورة تفرضها الطبيعة، تحكم الهوى غير المنظم للمنتجين، ولا تظهر إلا في التقلبات في أسعار السوق. يقتضي تقسيم العمل داخل المصنع سلطة الرأسمالي المطلقة على ناس جرى تحويلهم إلى مجرد أعضاء في جهاز يملكه الرأسمالي.. أما تقسيم العمل داخل المجتمع، فهو ينشئ الاتصال بين منتجي السلع المستقلين، الذين لا يعترفون بسلطة غير سلطة المنافسة، ولا بقوة غير القوة القسرية التي تفرضها عليهم مصالحهم المتبادلة “. (21)

    هكذا فعلى الرغم من اختفاء التخطيط المركزي داخل مجتمع منتجي السلع، فان قانون القيمة يخلق النظام من اللانظام، من خلال التغير الدائم في الطلب والعرض الناتج عن المنافسة. ينشأ توازن معين في إنتاج السلع المختلفة، في تقسيم إجمالي وقت العمل الخاص بالمجتمع بين مختلف فروع الاقتصاد، إلى آخره. ومن ناحية أخرى، داخل المصنع الواحد، ليست الفوضى غير الشخصية وإنما الإدارة الواعية للرأسمالي هي التي تحدد تقسيم العمل وكمية مختلف السلع التي يتم إنتاجها.

    من البديهي أنه في جميع أشكال المجتمع، من المشاعية البدائية في الماضي القديم إلى مجتمع المستقبل الاشتراكي، يجب أن يكون هناك تقسيم معين لوقت العمل الخاص بالمجتمع، بين مختلف فروع الاقتصاد لكي يتم إنتاج كميات مناسبة من السلع التي يحتاج لها. إلا أن طريقة إجراء هذا التقسيم قد اختلفت مع اختلاف شكل المجتمع. “إن كل طفل يعرف”..، كتب ماركس:

    إن البلد الذي يتوقف عن العمل، لن أقول لسنة ولكن لأسابيع قليلة، سيموت. كما يعرف كل طفل أيضا أن مجموع المنتجات المقابلة للحاجات المختلفة تقتضي كميات مختلفة ومحددة كميا من إجمالي عمل المجتمع. ومن البديهي أن هذه الضرورة المتمثلة في توزيع العمل الاجتماعي بنسب محددة لا يمكن الاستغناء عنها بواسطة الشكل الخاص للإنتاج الاجتماعي، وإنما يمكن فقط أن تغير الشكل الذي تتخذه. لا يمكن الاستغناء عن القوانين الطبيعية. ما يمكن أن يتغير، بتغير الظروف التاريخية، هو الشكل الذي تعمل به هذه القوانين.. وفي حالة المجتمع الذي يظهر فيه الاتصال بين العمل الاجتماعي من خلال التبادل الفردي لمنتجات العمل الفردية، فان الشكل الذي يتخذه هذا التقسيم النسبي للعمل هو بالتحديد القيمة التبادلية لهذه المنتجات. (22)

    ولكي تكون القيمة التبادلية هي التعبير عن تقسيم وقت العمل الإجمالي للمجتمع بين إنتاج السلع المختلفة، فان الشرط الضروري لذلك هو أن تكون أنشطة الناس في عملية الإنتاج “تلقائية تماما”، ينبغي أن تكون هناك منافسة حرة بين المنتجين المستقلين وبين ملاك السلع المختلفة، بما في ذلك بائعي قوة العمل. وينبغي ألا تتحدد العلاقات بين أعضاء المجتمع أثناء عملية الإنتاج بواسطة الفعل الواعي.

    إمكانية تطبيق قانون القيمة على الاحتكار الرأسمالي
    في رأس المال، اتخذ ماركس من نظام المنافسة الحرة المطلقة نموذجا للرأسمالية. الاقتصادي الماركسي الوحيد الذي ناقش بالتفصيل قانون القيمة فيما يتعلق بالرأسمالية الاحتكارية هو رودولف هلفيردينج في كتابه، رأس المال المالي (فيينا، 1910). انه يذكر أنه من المستحيل أن نستنتج من نظرية القيمة لماركس أي قانون عام يتم من خلاله تفسير الأثر الكمي للاحتكار على علاقات التبادل بين السلع المختلفة، انه يكتب:

    الطلب هو العنصر غير المحدد وغير القابل للقياس في ظل حكم الاحتكارات. فلا يمكن التيقن من كيفية رد فعل الطلب على ارتفاع الأسعار. إن أسعار الاحتكار يمكن تحديدها عمليا، ولكن لا يمكن تحديد مستواها نظريا… إن علم الاقتصاد الكلاسيكي (هلفيردينج يضع ماركس ضمنه) يفهم الأسعار على أنها الشكل الذي يظهر به الإنتاج الاجتماعي الفوضوي، كما يعتبر مستوى الأسعار معتمدا على الإنتاجية الاجتماعية للعمل. قانون السعر الموضوعي لا يتحقق إلا من خلال المنافسة. وعندما تلغي الهيئات الاحتكارية المنافسة، فإنها تزيل معها الوسيلة الوحيدة التي يمكن من خلالها وضع قانون أسعار موضوعي.. ويتوقف السعر عن أن يكون مقدارا محددا موضوعيا، ويصبح مشكلة حسابية لأولئك الذين يحددونه بإرادة ووعي، وبدلا من أيكون نتيجة يصبح افتراضا، وبدلا من أن يكون موضوعيا يصبح ذاتيا، وبدلا من كونه حتميا ومستقلا عن إرادة ووعي الفاعلين سيصبح عشوائيا وعرضيا. يبدو أن تحقيق نظرية التركيز الماركسية – الاندماج الاحتكاري -سيؤدي إلى إبطال نظرية القيمة الماركسية. (23)

    يستحيل بالمثل تحديد الكميات التي ستنتج من السلع المختلفة والكيفية التي سيوزع بها إجمالي وقت العمل الخاص بالمجتمع بين مختلف أفرع الاقتصاد. ولكن من الممكن تقدير اتجاهات العوامل المذكورة أعلاه في ظل ظروف الاحتكار بالمقارنة بما يحتمل أن تكون عليه في ظل ظروف المنافسة الحرة. في ظل ظروف التوازن، فان القيمة التبادلية للسلع المنتجة بواسطة الاحتكارات ستزيد بالمقارنة بغيرها، وبالتالي فان عدد أقل منها سيتم إنتاجه بالمقارنة بالسلع غير الاحتكارية، ومن ثم فان نسبة إجمالي وقت عمل المجتمع المنفق في الصناعة المحتكرة ستقل. ويمكن التأكيد على أنه في ظل ظروف الاحتكار، فان علاقات التبادل بين السلع، والكميات المنتجة وتقسيم إجمالي وقت عمل المجتمع هي تعديلات على نفس العوامل التي كانت ستظهر في ظل المنافسة الحرة. فقانون القيمة ينتفي جزئيا، ولكنه يستمر في الوجود من حيث الجوهر، وان يكن بشكل معدل. ذلك أن المنافسة، وان لم تكن مطلقة، موجودة، وبالتالي فان أطروحة ماركس لا تزال صحيحة، أي أن “سلوك الناس في عملية الإنتاج الاجتماعي تلقائي تماما. ومن ثم فان العلاقات فيما بينهم في عملية الإنتاج تتخذ طابعا ماديا مستقلا عن سيطرتهم وعن أفعالهم الفردية الواعية”.(24)

    نظرا للمنافسة بين الاحتكارات المختلفة، سواء في نفس الفرع من الاقتصاد أو في فروع مختلفة، فان علاقات التبادل بين السلع ترتبط، و إن لم تكن متطابقة تماما، بوقت العمل المستغرق في إنتاجها أو معدلات تكاليف الإنتاج المترتبة على ذلك. وعلى الرغم من أن تقسيم العمل داخل المجتمع ككل ليس مستقلا تماما عن الأفعال الواعية للأفراد أو المجموعات (مثل الاحتكارات)، فان هذا التقسيم يمكن أن يختلف فقط في حدود ضيقة نسبيا عما يحتمل أن يكون عليه في ظل المنافسة الحرة تماما. وعلى الرغم من “التخطيط” بواسطة الاحتكارات فان التقسيم يظل عشوائيا ومختلفا تماما عن تقسيم العمل داخل المصنع، “ليس فقط في الدرجة، ولكن في النوع أيضا”. الرأسمالية الاحتكارية تعنى نفيا جزئيا لقانون القيمة الماركسي ولكن على أساس قانون القيمة ذاته، أنه نفي وتأكيد في نفس الوقت. إلا أن النفي الجزئي لقانون القيمة يقف عند أعتاب نفيه الكامل.

    رأسمالية الدولة الاحتكارية وقانون القيمة
    كيف يعمل قانون القيمة عندما تتدخل الدولة في النظام الاقتصادي بالتحكم في سعر السلع، وشراء جزء هام من منتجات الاقتصاد القومي، وتخصيص المواد الخام، والتحكم في استثمار رأس المال؟

    بالنسبة للينين: عندما يعمل الرأسماليون للدفاع، أي لخزانة الدولة، فمن البديهي أننا لا نكون أمام رأسمالية “خالصة”، وإنما شكل خاص للاقتصاد القومي. الرأسمالية الخالصة تعني الإنتاج السلعي. والإنتاج السلعي يعنى العمل لسوق مجهول وحر. ولكن الرأسمالي الذي “يعمل” للدفاع لا “يعمل” للسوق على الإطلاق. انه ينفذ طلبية للحكومة، وفي أغلب الأحوال مقابل أموال تقدمها له الخزانة مقدما” (25)

    هل يعني هذا أن إمداد المؤسسات الرأسمالية للدولة بالمنتجات يقع خارج نطاق قانون القيمة؟ في ألمانيا النازية – حيث اشترت الدولة أكثر من نصف، إجمالي الناتج القومي، وركزت في أيديها تخصيص المواد الخام، وتحكمت في تدفق رأس المال إلى فروع الاقتصاد المختلفة، وحددت أسعار السلع، وأخضعت سوق العمل لنظام عسكري – فان إدارة علاقات التبادل بين السلع المختلفة، والكميات النسبية للسلع المنتجة المختلفة، وتقسيم إجمالي وقت عمل المجتمع بين مختلف الصناعات، لم تترك للنشاط الأعمى التلقائي للسوق. صحيح أن الدولة النازية لم تتخذ كل القرارات المتعلقة بالإنتاج، إلا أنها اتخذت القرارات الأكثر حسما. في الاقتصاد النازي حددت الدولة كمية السلع الاستهلاكية المنتجة، ولم تكن هناك حرية في بيع قوة العمل، كما تحدد تقسيم إجمالي وقت عمل المجتمع بين فروع الصناعة المختلفة لا بواسطة آلية السوق، وإنما عن طريق تخصيص الدولة للطلبيات والمواد الخام وتحكمها في استثمار رأس المال. ولم يبق سوى مجال ضيق جدا للأنشطة المستقلة لمختلف المستثمرين داخل ألمانيا.

    وكما كتب هلفيردينج: “في ألمانيا… فان الدولة في سعيها للحفاظ على سلطتها وتقويتها، تحدد طبيعة الإنتاج والتراكم. والأسعار تفقد دورها التنظيمي وتصبح مجرد وسيلة للتوزيع. كما أن الاقتصاد، ومعه أصحاب النشاط الاقتصادي، يتم إخضاعهم بدرجة أو بأخرى للدولة، بحيث يصبحـوا تابعين لها”. (R. Hilfending, “State Capitalism or Totalitarian Economy “, Left, September, 1947 وقد كتب المقال في عام 1940)”.

    إن مصطلح “رأسمالية الدولة” يمكن أن يدل على اقتصاد الحرب الرأسمالي، وعلى المرحلة التي تصبح فيها الدولة الرأسمالية مستودع كل وسائل الإنتاج. فبوخارين، مثلا، استخدمه للدلالة على الاثنين. وعلى الرغم، كما سيظهر، من أنه لا يوجد فارق كيفي أساسي بين الاثنين فيما يتعلق بأثرهما على (أ) علاقة التبادل بين السلع، و (ب) الكميات النسبية المنتجة، و(ج) تقسيم إجمالي وقت عمل المجتمع، فإننا نعتقد أنه من الأفضل أن نفرق بين الاثنين لتجنب الارتباك. سنستخدم مصطلح “رأسمالية الدولة” فقط للدلالة على المرحلة التي تصبح فيها الدولة الرأسمالية مستودع وسائل الإنتاج، في حين سنسمي اقتصاد الحرب الرأسمالي “رأسمالية الدولة الاحتكارية”.

    إن رأسمالية الدولة الاحتكارية هي، في التحليل الأخير، تحت رحمة القوى الاقتصادية العمياء، وليست محكومة بالإرادة والقرارات الواعية لأي رجل أو رجال. على سبيل المثال، فان طلبيات الحكومة يتم تخصيصها وفقا للقدرات النسبية (معبر عنها بالسعة الإنتاجية) للشركات المختلفة التي تتقدم لها بعطاءات، هكذا، على كل شركة أن تحاول تحقيق معدل معين لتراكم رأس المال. انهم يدفعون لزيادة الأرباح على حساب الأجور. انهم يخلقون طلبا متزايدا على وسال الإنتاج مقارنة بالطلب على وسائل الاستهلاك إلي آخره. في ألمانيا، خلال الحكم النازي، لم يتحدد تقسيم إجمالي الناتج القومي بين الطبقات الاجتماعية المختلفة، وتوزيع إجمالي وقت العمل بين إنتاج السلع الاستهلاكية الرأسمالية، بواسطة قرار عشوائي للحكومة، وإنما بضغط المنافسة. وقد نتج نفس الشيء من الضغط التنافسي – الاقتصادي والعسكري معا – للقوى التي حاربت ألمانيا ضدها.

    قانون القيمة الماركسي والاقتصاد الروسي، من زاوية انعزاله عن الرأسمالية العالمية
    من الوهلة الأولى، تبدو العلاقة بين مختلف المؤسسات الإنتاجية في روسيا مماثلة للعلاقة بين مختلف المؤسسات التجارية في البلاد الرأسمالية التقليدية. ولكن هذا صحيح من الناحية الشكلية فقط. في مجتمع من المنتجين الأفراد، الفارق الأساسي بين تقسيم العمل داخل المصنع وتقسيم العمل داخل المجتمع ككل، هو أنه في الحالة الأولى تتركز ملكية وسائل الإنتاج في أيدي رجل واحد أو مجموعة واحدة من الرجال، في حين أنه في المجتمع الرأسمالي ككل لا يوجد مركز للقرارات، وإنما فقط “المتوسط الأعمى” الذي يحدد عدد العمال الذين ينبغي أن يعملوا في مختلف المؤسسات الإنتاجية، ونوع السلع التي ينبغي إنتاجها، وهكذا. لا يوجد اختلاف كهذا في روسيا، فكل من المؤسسات المفردة والاقتصاد ككل يخضع للإدارة المخططة للإنتاج. الاختلاف بين تقسيم العمل داخل مصنع جرارات مثلا، وتقسيم العمل بينه وبين مصنع الصلب الذي يوفر له الإمدادات، هو اختلاف في الدرجة فقط. إن تقسيم العمل داخل المجتمع الروسي من حيث الجوهر مماثل لتقسيم العمل داخل المصنع الواحد.

    من ناحية شكلية توزع المنتجات بين مختلف أفرع الاقتصاد من خلال وسيط التبادل. ولكن بما أن ملكية جميع المؤسسات الإنتاجية تتركز في هيئة واحدة، الدولة، فليس هناك تبادل حقيقي للسلع. “إن المنتجات التي يمكن أن تصبح سلعا للتبادل، الوحدة لقاء الأخرى، هي فقط تلك الناتجة عن أنواع مختلفة من العمل، يتم كل منها مستقلا عن غيره ولحساب أفراد، (26) أو “مجموعات من الأفراد”، (27) في مجتمع من المنتجين الأفراد، المتصلين ببعضهم البعض فقط من خلال التبادل، فان الوسيط الذي يحكم تقسيم العمل في المجتمع ككل هو التعبير النقدي عن القيمة التبادلية – السعر. في روسيا توجد صلة مباشرة بين المؤسسات الإنتاجية من خلال الدولة التي تسيطر على الإنتاج فيها كلها تقريبا وبالتالي فان السعر يتوقف عن أن تكون له تلك الأهمية الخاصة المتمثلة في كونه التعبير عن الطابع الاجتماعي للعمل، أو المنظم للإنتاج.

    إذا زاد الطلب على الأحذية عن عرضها في بلد رأسمالي تقليدي، فان سعر الأحذية سيرتفع تلقائيا مقارنة بسعر السلع الأخرى، ستزيد الأرباح في صناعة الأحذية، وسيتدفق رأس المال والعمل نحوها، وسينفق جزء أكبر من إجمالي وقت عمل المجتمع في إنتاج الأحذية. يميل قانون القيمة للموازنة بين العرض والطلب، وهي حالة يكون السعر فيها مساويا للقيمة، أو بصورة أصح مساويا لسعر الإنتاج. (العلاقة بين قيمة وسعر الإنتاج هي علاقة معقدة جدا، ولا يمكن أن نتناولها هنا. (أنظر رأس المال، الجزء الثالث، القسم الثاني) إذا زاد الطلب على الأحذية عن عرضها في روسيا، فعلى الرغم من أن سعر الأحذية سيرتفع إما رسميا أو في السوق السوداء، إلا أن إنتاج الأحذية لن يزداد، وبالتالي لن يزداد وقت العمل المخصص لإنتاجها.

    لنأخذ مثالا أخرا؛ في البلاد الرأسمالية التقليدية، تتحدد النسبة بين إنتاج السلع الإنتاجية والاستهلاكية بواسطة قانون القيمة. إذا كان عرض الأحذية أقل من الطلب عليها وعرض الماكينات أكثر من الطلب عليها، فان سعر الأحذية سيرتفع وسعر الماكينات سينخفض، ويتحول رأس المال والعمل من أحد أفرع الاقتصاد للآخر إلى أن تتم استعادة التوازن الصحيح. ولكن في روسيا تمتلك الدولة كلا القسمين الصناعيين، وبالتالي فان ارتفاع معدل الربح في إنتاج السلع الاستهلاكية لن يجذب رأس المال والعمل إلى هذا القطاع وخارج القطاع الآخر، والعكس بالعكس، وذلك لأن النسب القائمة بين القطاعين ليست ناتجة عن الآلية الحرة للسوق الداخلي الروسي.

    إن العلاقة بين إنتاج القسمين (إنتاج السلع الإنتاجية والسلع الاستهلاكية) تعتمد بشكل مباشر على العلاقة بين التراكم والاستهلاك. وفي حين أن المنافسة بين ملاك المصانع المختلفين في البلاد الرأسمالية التقليدية تدفعهم إلى تجميع رأس المال وزيادة التركيب العضوي لرأس المال، فان هذا العامل لا وجود له في روسيا حيث أن كل المصانع مملوكة لسلطة واحدة. هنا التراكم والتحسين التقني لا يتخذان كتدابير دفاعية في الحرب التنافسية مع المؤسسات الإنتاجية الأخرى.

    لقد رأينا أن السعر ليس هو الوسيط الذي يتم من خلاله تنظيم الإنتاج الروسي وتقسيم العمل في المجتمع الروسي ككل. فالحكومة هي التي تنظم ذلك. أما السعر فهو فقط أحد الأسلحة التي تستخدمها الدولة في هذا الشأن. انه ليس المحرك، وإنما حزام الحركة.

    هذا لا يعني أن نظام الأسعار في روسيا عشوائي، يعتمد تماما على نزوات البيروقراطية. أساس السعر هنا أيضا هو تكلفة الإنتاج. (الاستخدام واسع النطاق للدعم من ناحية، وضريبة المبيعات من ناحية أخرى، لا يناقضان ذلك..) وعلى الرغم من ذلك يوجد فارق جوهري بين هذا النظام السعري وبين ذلك القائم في الرأسمالية التقليدية. فالأخير يعبر عن النشاط المستقل للاقتصاد (الذي يكون في أكثر حالاته حرية في ظل المنافسة الحرة، وأقل حرية في ظل الاحتكار)، أما النظام السعري في روسيا فهو مؤشر على أن الاقتصاد لا يسير بالدفع الذاتي على الإطلاق. إن الفارق بين هذين النوعين من الأسعار سيصبح أوضح على الأرجح إذا أجرينا مقارنة بمجتمع أقل تعقيدا، مجتمع الفراعنة في مصر القديمة مثلا.

    كان على الفرعون أن يحسب كيف يقسم إجمالي وقت العمل – وهذا هو نفقة الإنتاج الحقيقية في أي مجتمع – لعبيده بين حاجات المجتمع. وكان يتبع طريقة مباشرة في هذا الحساب. تم وضع عدد معين من العبيد في إنتاج الطعام، وعدد معين في إنتاج السلع الكمالية، وآخرين في بناء نظام الري، وآخرين في بناء الأهرامات، وهكذا. وحيث أن عملية الإنتاج كانت بسيطة نسبيا، فلم تكن هناك ضرورة لأية فحوصات فيما عدا التأكد من توزيع عدد العبيد وفقا للخطة. في روسيا، أيضا، تضع الدولة مباشرة خطة كاملة تقريبا (“تقريبا” لأن هناك بعض الحالات الجانبية التي تكون فيها سيطرة الدولة غير كاملة. ووقت عمل عضو الكولخوز في قطعة الأرض الخاصة به، يعتبر مثال على ذلك. ونفس الشيء بالنسبة لعمل الحرفي. ولكن حتى لو لم تكن هذه الأنشطة مخططة بوعي بواسطة الدولة، فإنها ليست متحررة تماما من السيطرة. فمن خلال رافعات الأسعار والضرائب وبصفة خاصة تخطيط الدولة لمجال الإنتاج الرئيسي، تدفع هذه الأنشطة الهامشية أيضا إلى داخل قنوات تريدها الدولة.) لتقسيم إجمالي وقت العمل، ولكن حيث أن عملية الإنتاج أكثر تعقيدا بكثير مما كانت عليه قبل بضعة آلاف من السنين، فان مجرد التأكد من عدد العمال المنخرطين في مختلف الفروع، لا يكفي لكي يسير الاقتصاد وفقا للخطة، بعض النسب يجب تحديدها فيما بين استخدام الماكينات والعمال، واستخدام ماكينات من هذا النوع أو ذاك، الكمية المنتجة، والمادة الخام والوقود المستخدمين، إلى آخره. ومن أجل هذا العمل، ينبغي وجود مقياس مشترك لكل النفقات وكل المنتجات. يعمل السعر بوصفه هذا المقياس المشترك. إن الفارق بين تقسيم العمل بدون نظام سعري في ظل الفراعنة، وتقسيم العمل بنظام سعري في ظل ستالين، هو فارق في الدرجة، وليس في الجوهر. وبالمثل، فسواء أدار فورد جميع مشروعاته كوحدة إدارية واحدة، أو قسمها إلى وحدات أصغر لكي يجعل الحساب والإدارة أسهل، فان الفارق سيكون في الدرجة فقط، مادامت نفس الإدارة توجه الإنتاج.

    هنـاك شيء واحد في روسيا يظهر على السطح، ليفي بمتطلبات السلعة: قوة العمل. فإذا كانت قوة العمل سلعة، إذن فالسلع الاستهلاكية التي يحصل عليها العمال في مقابل قوة عملهم هي أيضا سلع، حيث أنها تنتج للتبادل. بذلك يكون لدينا، إن لم يكن دورة عالية التطور للسلع، نظام مقايضة ضخم يشمل إجمالي استهلاك العمال. ولكن ماركس يرى أن “دورة السلع تختلف عن التبادل المباشر للمنتجات (المقايضة)، ليس فقط في الشكل، وإنما في المضمون”. (28) و يواصل ماركس الفكرة مشيرا إلى أنه مع دوران السلع، “يخترق التبادل جميع الحدود المحلية والشخصية الملازمة للمقايضة المباشرة، ويحقق دوران منتجات العمل الاجتماعي”…إنه يخلق شبكة متكاملة من العلاقات الاجتماعية العفوية في نموها والخارجة بالكامل عن نطاق سيطرة الفاعلين”.(29)

    لكي نرى ما إذا كانت قوة العمل في روسيا سلعة بالفعل، كما هي في ظل الرأسمالية التقليدية، فمن الضروري أن نتناول تلك الشروط المحددة التي تعد ضرورية لجعل قوة العمل سلعة. يذكر ماركس شرطين لهذا: أولا، أن العامل يجب أن يبيع قوة عمله، حيث أنه لا يملك أخرى للكسب لكونه ‘حرا’ من وسائل الإنتاج، ثانيا أن العامل يستطيع أن يبيع قوة عمله حيث أنه المالك الوحيد لها، أي أنه حر في بيع قوة عمله. إن حرية العامل من ناحية، وعبوديته من ناحية أخرى، يظهران من خلال بيعه الدوري لنفسه، وتغييره لسادته، والتذبذبات في سعر قوة العمل في السوق”. (30) يقول ماركس إذن أنه لكي تصبح قوة العمل سلعة، فمن الضروري:

    “أن يبيع مالك قوة العمل قوة عمله لفترة محددة فقط، ذلك لأنه لو باعها جملة واحدة، مرة واحدة، فانه يبيع ذاته، محولا نفسه من حر إلى عبد، ومن مالك السلعة إلى سلعة. عليه على الدوام أن ينظر إلى قوة عمله كملكيته هو، كسلعته هو، وهو لا يستطيع أن يفعل ذلك إلا بوضعه قوة عمله تحت تصرف المشتري مؤقتا، لفترة زمنية محددة. وبهذه الطريقة يستطيع تجنب التخلي عن حقوق ملكيته لها. (31)

    إذا كـان هناك مخدم واحد فقط، فان “تغيير السادة” يكون مستحيلا ” يصبح بيعه الدوري لنفسه” مجرد مسألة صورية. ويصبح العقد أيضا مسألة صورية عندما يكون هناك عدة بائعين ومشتري واحد فقط. (ويتضح من نظام الغرامات والعقوبات، و “العمل التأديبي”، وما إلى ذلك، أن حتى هذا الجانب الصوري من العقد لا تتم مراعاته في روسيا).

    لاشك أن “التذبذبات في سعر قوة العمل في السوق” تحدث في روسيا، ربما أكثر منها في البلاد الأخرى. ولكن هنا أيضا، يتناقض الجوهر مع الشكل. تحتاج هذه النقطة لبعض الاستفاضة. في الاقتصاد الرأسمالي التقليدي، حيث توجد منافسة بين بائعي قوة العمل، وبين مشتري قوة العمل، وبين البائعين والمشترين، يتحدد سعر قوة العمال بواسطة الفوضى الناتجة عن هذه المنافسة. فلو كان معدل التراكم عاليا، يكون هناك تشغيل واسع مما يؤدي، في ظل الظروف العادية إلى زيادة الأجور الاسمية. يؤدي هذا إلى زيادة الطلب على السلع الاستهلاكية، وبالتالي يزداد إنتاج هذه السلع مما يرفع الأجور الحقيقيـة. (في ظل الظروف العادية للمنافسة الحرة، تعد هذه صورة حقيقية لما يحدث، إلا أن الاحتكارات تشوهها بعض الشيء.) هذه الزيادة في الأجور الحقيقية تؤثر تأثيرا عكسيا على معدل الربح، الذي يخفض بدوره معدل التراكم، وهكذا. على العكس من هذا، يتحدد المقدار الإجمالي للأجور والمرتبات الحقيقية في روسيا مسبقا عن طريق كمية السلع الاستهلاكية المستهدفة في الخطة. قد يحدث – وهذا هو ما يحدث غالبا – أنه، بسبب العيوب في إعداد وإنجاز الخطة، تكون كمية الأموال الموزعة كأجور ومرتبات أكبر من السعر الإجمالي للسلع الاستهلاكية المنتجة. إذا لم تتولى الدولة الفارق بين الاثنين، فان هذا سيسبب ارتفاعا في الأسعار (سواء في السوق الرسمي أو السوق السوداء) ولكن ليس ارتفاعا في الأجور الحقيقية. الطريقة الوحيدة التي يمكن أن يسفر بها هذا الوضع عن زيادة الأجور الحقيقية هي أن يدفع ارتفاع الأسعار الدولة لزيادة إنتاج ذلك الفرع الذي ترتفع فيه الأسعار. إلا أن الدولة الروسية لا تفعل هذا. (هنالك نقطة لا يمكن للأجور الحقيقية أن تنخفض عنها لأية فترة من الزمن. وهذه النقطة هي الحد الأدنى الطبيعي، الذي ينطبق على روسيا كما ينطبق على أي مجتمع آخر، سواء كان قائما على العمل العبودي، أو عمل الأقنان، أو العمل المأجور. وفيما يتعلق بالمشكلة التي نناقشها هنا، فان كون الأجور الحقيقية غير موزعة بالتساوي بين العمال الروس، يعد أمرا ثانويا بالمقارنة بكون إجمالي الأجور الحقيقية محدد مباشرة بواسطة الدولة).

    هكذا، فإذا فحص المرء العلاقات داخل الاقتصاد الروسي، مجردا إياها من علاقاتها بالاقتصاد العالمي، فلا بد له من استنتاج أن مصدر قانون القيمة، بوصفه محرك ومنظم للإنتاج، ليس موجودا في هذا الاقتصاد. من حيث الجوهر، فأن القوانين القائمة بين الوحدات الإنتاجية، وبين العمال والدولة المخدمة، لن تكون مختلفة سواء كانت روسيا مصنع واحد كبير يدار مباشرة من مركز واحد، أو كان جميع العمال يحصلون على السلع التي يستهلكونها مباشرة، ولو في صورة عينية.

    قانون القيمة الماركسي والاقتصاد الروسي، من زاوية علاقاته بالرأسمالية العالمية
    إن وضع الدولة الستالينية فيما يتعلق بإجمالي وقت عمل المجتمع الروسي مماثل لوضع مالك المصنع فيما يتصل بعمل مستخدميه. بعبارة أخرى، تقسيم العمل يتم وفق خطة. ولكن ما الذي يحدد التقسيم الفعلي لإجمالي وقت عمل المجتمع الروسي؟ لو لم يكن على روسيا أن تتنافس مع البلاد الأخرى، فان التقسيم كان سيكون عشوائيا تماما. ولكن في واقع الأمر تعتمد القرارات الستالينية على عوامل خارج سيطرتها، وهي بالتحديد الاقتصاد العالمي، والتنافس العالمي. من هذه الزاوية، فان الرأسمالية الروسية في وضع مماثل لمالك مشروع رأسمالي واحد في حالة تنافس مع مشاريع أخرى.

    إن معدل الاستغلال، أي النسبة بين فائض القيمة والأجور (ف ÷ م) (ف =فائض القيمة. م = رأس المال المتغير “المترجم”)، لا يعتمد على الإرادة المطلقة للحكومة الستالينية، وإنما تمليه الرأسمالية العالمية. ينطبق نفس الشيء على التحسينات في التقنية، أو – إذا استخدمنا جملة مماثلة بالمصطلحات الماركسية – العلاقة بين رأس المال الثابت والمتغير، أي العلاقة بيـن الماكينات والأبنية والمواد من ناحية، والأجور من ناحية أخرى (ث ÷ م) (ث = رأس المال الثابت. “المترجم”). ينطبق نفس الشيء إذن على تقسيم إجمالي وقت عمل المجتمع الروسي بين إنتاج وسائل الإنتاج ووسائل الاستهلاك. هكذا، فعندما ننظر إلى روسيا في نطاق الاقتصاد العالمي، فسوف نرى بوضوح السمات الأساسية للرأسمالية: الفوضى في التقسيم الاجتماعي للعمل والتعسف في تقسيم العمل داخل الورشة، شرطان يكمل أحدهما الآخر”…

    إذا حاولت روسيا إغراق السوق العالمي بمنتجاتها، أو إذا أغرقت البلاد الأخرى السوق الروسي بمنتجاتها، فان البيروقراطية الروسية ستضطر لخفض نفقات الإنتاج بتخفيض الأجور بالنسبة لإنتاجية العمل أو بشكل مطلق بزيادة (ف ÷ م)، أو من خلال التحسين التقني (بزيادة ث ÷ م)، أو زيادة إنتاج السلع الإنتاجية بالنسبة للسلع الاستهلاكية. وستكشف نفس النزعات عن نفسها إذا اتخذت المنافسة العالمية شكل الضغط العسكري بدلا من المنافسة التجارية العادية.

    حتى الآن، كان اقتصاد روسيا متخلفا بدرجة لا تسمح لها بإغراق الأسواق الأجنبية بسلعها. أما أسواقها هي، فهي محمية من احتمال إغراقها بالسلع الأجنبية بفضل احتكار الدولة للتجارة الخارجية، وهو احتكار لا يمكن كسره إلا بالقوة العسكرية. ومن هنا فان الصراع التجاري كان حتى الآن أقل أهمية (هكذا، فأثناء فترة الخطط الخمسية، عندما تضاعف الإنتاج الصناعي عدة مرات، فان كلا من الواردات والصادرات قد انخفضت بصورة ملموسة). من الصراع العسكري ولأن المنافسة العالمية تتخذ بالأساس شكلا عسكريا، فان قانون القيمة يعبر عن نفسه من خلال نقيضه أي السعي وراء القيم الاستعمالية.

    هذه النقطة تحتاج لبعض الاستفاضة. فبقدر ما أن القيمة هي التعبير الوحيد عن الطابع الاجتماعي للعمل في مجتمع من المنتجين المستقلين، فان الرأسمالي يحاول أن يقوي نفسه ضد منافسيه بزيادة إجمالي القيم التي يمتلكها. وحيث أن القيمة يعبر عنها بالمال، فلا فارق لديه بين استثمار مليون جنيه مثلا في إنتاج الأحذية والحصول على ربح قدره 100,000 جنيه، أو في إنتاج السلاح والحصول على ربح قدره 100,000 جنيه. فطالما أن ما ينتجه له قيمة استعمالية ما، فانه ليس معنيا بنوع هذه القيمة الاستعمالية. ففي معادلة دوران رأس المال، نقود – سلعة – نقود

    (ن1 – س – ن2)، تظهر س فقط كجسر بين ن1 و ن2 (حيث تكون ن2، إذا سار كل شيء على ما يرام بالنسبة للرأسمالي، اكبر من ن1).

    إذا كانت روسيا تتاجر بشكل موسع مع البلاد خارج إمبراطوريتها، فإنها كانت ستحاول إنتاج سلع يكون لها سعر مرتفع في السوق العالمي، وشراء السلع الأرخص من الخارج، هكذا فإنها كانت ستسعى، مثل الرأسمالي الخاص، لزيادة مجموع القيم تحت تصرفها بإنتاج هذه القيمة الاستعمالية أو تلك، بغض النظر عن طبيعة القيمة الاستعمالية. (هذا العامل له تأثير كبير على تجارة روسيا مع توابعها). (33)

    ولكن بما أن المنافسة مع البلاد الأخرى هي منافسة عسكرية في المقام الأول، فان الدولة كمستهلك تكون معنية ببعض القيم الاستعمالية المحددة، مثل الدبابات والطائرات وما إلى ذلك. القيمة هي التعبير عن المنافسة بين المنتجين المستقلين، وتنافس روسيا مع بقية العالم يتم التعبير عنه من خلال رفع القيم الاستعمالية إلى مرتبة الغاية، تخدم الغاية النهائية المتمثلة في الانتصار في المنافسة. فعلى الرغم من كونها غاية، تظل القيم الاستعمالية وسيلة.

    تحدث عملية مشابهة في البلدان الرأسمالية التقليدية أيضا، وان يكن بطريقة أقل وضوحا. فليس هناك فارق بالنسبة لصانع السلاح الفرد بين استثمار رأس ماله في إنتاج المدافع أو الزبد، مادام يحقق ربحا. إلا أن الدولة التي ينتمي إليها معنية بشدة بالقيمة الاستعمالية لمنتجاته. فعلاقاته مع الدولة هي علاقات البائع والمشتري، حيث يكون الأول معنيا فقط بالقيمة، والأخير بالقيمة الاستعمالية. ولكن علاقات التبادل هذه هي في الواقع صورية فقط. فالدولة لا تقدم سلعة أخرى في مقابل السلاح إنها تدفع ثمنه من الضرائب والقروض المفروضة على الاقتصاد كله. (بعبارة أخرى يوزع عبء التسلح على الاقتصاد ككل بدرجة أو بأخرى، ويصبح هذا واضحا كل الوضوح عندما تقوم الدولة بإنتاج الأسلحة بنفسها، بدلا من جمع الضرائب والحصول على القروض لشرائها من الشركات الخاصة).

    إن شعار ” المدافع قبل الزبد” يعني أن المنافسة بين القوى الرأسمالية قد وصلت المرحلة التي يحدث فيها خللا في تقسيم العمل العالمي، ويتم استبدال المنافسة من خلال الشراء والبيع بالمنافسة العسكرية المباشرة. لقد أصبحت القيم الاستعمالية هدف الإنتاج الرأسمالي.

    يقدم الفارق بين التقدم التقني في الحرب وفي السلام دليلا إضافيا على هذا. في اقتصاد الحرب لا يوجد فعليا حدود للسوق، كما لا توجد حاجة لخفض نفقات الإنتاج لصالح المنافسة التجارية. فالحاجة الساحقة تكون زيادة كمية السلع المتوفرة. ومن هنا أدخلت أثناء الحرب العالمية الثانية تحسينات تقنية كانت الاحتكارات والكارتلات تعارضها وقت السلم. كون أن الاقتصاد الروسي موجه نحو إنتاج قيم استعمالية معينة لا يجعله اقتصادا اشتراكيا، على الرغم من أن الأخير كان أيضا سيكون موجها نحو إنتاج قيم استعمالية (مختلفة جدا). بل على العكس، انهما نقيضان كاملان. فمعدل الاستغلال المتزايد، الإخضاع المتزايد للعمال لوسائل الإنتاج في روسيا مصحوبين بإنتاج هائل للمدافع وليس للزبد، يسفر عن تكثيف وليس تقليل اضطهاد الشعب.

    هكذا، فعندما ينظر إلى الهيكل الاقتصادي الروسي في إطار الوضع التاريخي القائم اليوم – السوق العالمي الفوضوي – فان قانون القيمة يظهر بوصفه المنظم المتحكم في هذا الهيكل.

    هل يمكن قيام نظام رأسمالية دولة عالمي؟
    إذا سيطرت هيئة واحدة على الإنتاج العالمي كله، أي إذا كان بوسع البيروقراطية الستالينية أن توحد العالم تحت حكمها، وإذا أجبرت الجماهير على القبول بنظام كهذا، فان الاقتصاد الناتج عن ذلك سيكون نظاما للاستغلال غير خاضع لقانون القيمة وكل ما يستتبعه. في دراسته للمشكلة – في شكل افتراض بالطبع في ذلك الوقت (عام 1915) – توصل بوخارين إلى نفس هذا الاستنتاج. ففي كتابه الاقتصاد العالمي والإمبريالية. يشرح بوخارين أنه إذا نظمت الدولة الوطنية الاقتصاد الوطني، فان الإنتاج السلعي سيبقى “في السوق العالمي في المقام الأول”، وسيكون الاقتصاد، بالتالي، اقتصاد رأسمالية دولة. ولكن إذا حدث “تنظيم الاقتصاد العالمي كله كاتحاد احتكاري دولاتي عملاق واحد، (وهو ما لم يكن بوخارين يعتقد بإمكانية حدوثه)، “فإننا سنكون أمام شكل اقتصادي جديد ومتفرد تماما. ولن يكون هذا الشكل رأسماليا، لأن إنتاج السلع سيكون قد اختفى، ولكنه لن يكون اشتراكيا أيضا، حيث أن سيطرة طبقة على أخرى ستكون مستمرة (وربما تكون قد أصبحت أقوى). هيكلا اقتصاديا كهذا سيشبه في أغلب الأحوال اقتصاد العبد – السيد، مع غياب سوق العبيد “. (34)

    (بسبب الصراعات الوطنية والاجتماعية، فانه من المشكوك فيه جدا أن تتواجد مثل هذه الإمبراطورية العالمية).

    نظرية الأزمة الرأسمالية لماركس
    من المستحيل في إطار هذا الكتاب أن نتناول بشكل واف تحليل ماركس لأزمة الإنتاج الزائد في النظام الرأسمالي. لابد لنا أن نقتصر على تلخيص موجز.

    بخلاف جميع أشكال الإنتاج “قبل الرأسمالية” تضطر الرأسمالية لتجميع المزيد والمزيد من رأس المال. ولكن هذه العملية يعوقها عاملان متكاملان، وان كانا متناقضين، يبرزان من داخل النظام نفسه، أحدهما هو انخفاض معدل الربح، الذي يعني تقلص مصادر التراكم الإضافي، والآخر هو زيادة الإنتاج بما يفوق القدرة الاستيعابية للسوق. لولا التناقض الأول لكان حل الأزمة المسمى بحل “نظرية تدني الاستهلاك” – زيادة أجور العمال” – حلا بسيطا وممتازا. ولولا التناقض الثاني لكانت الفاشية قد استطاعت من خلال التخفيض المستمر للأجور، أن نتجنب الأزمة لفترة طويلة على الأقل.

    في تناوله للشق الثاني لمعضلة الرأسمالية، القوة الشرائية المنخفضة للجماهير، كتب ماركس:
    إن مجموع السلع كله، الناتج الإجمالي – والذي يحتوي على قسم يعيد إنتاج رأس المال الثابت والمتغير بالإضافة إلى قسم يمثل فائض القيمة – ينبغي أن يباع. إذا لم يحدث هذا، أو تحقق جزئيا فقط، أو بأسعار أقل من أسعار الإنتاج، فان هذا يعني أن العامل قد تم استغلاله، إلا أن استغلاله لم يحقق نفس المقدار للرأسمالي، قد لا يدر هذا الاستغلال أي فائض قيمة على الإطلاق للرأسمالي، أو قد يحقق جزءا فقط من فائض القيمة المنتج، بل وقد يعني خسارة جزئية أو كاملة لرأسماله. لا يوجد تطابق بين ظروف الاستغلال المباشر وظروف تحقيق فائض القيمة. انهما منفصلان منطقيا فضلا عن الانفصال الزماني والمكاني. فالأولى لا تتحدد إلا بواسطة القوة الإنتاجية للمجتمع. أما الأخيرة، فتتحدد بواسطة العلاقات التناسبية لمختلف فروع الإنتاج والقوة الاستهلاكية للمجتمع. وهذه القوة المذكورة أخيرا لا تتحدد بواسطة القوة الإنتاجية المطلقة ولا القوة الاستهلاكية المطلقة، وإنما بواسطة القوة الاستهلاكية القائمة على علاقات التوزيع العدائية والتي تقلل استهلاك الغالبية العظمى من السكان إلى حد أدنى متغير داخل حدود ضيقة بقدر أو بآخر. وفضلا عن ذلك، تتقيد القوة الاستهلاكية عن طريق الميل لتجميع رأس المال، والنهم لتوسيع رأس المال وإنتاج فائض قيمة على نطاق واسع. (35)

    كما يضيف:
    القوة الإنتاجية الهائلة التي تنمو في ظل نمط الإنتاج الرأسمالي بالمقارنة بالسكان، والزيادة، وان لم تكن بنفس النسبة، في القيم الرأسمالية (ليس مضمونها المادي)، والتي نمت أسرع كثيرا من السكان، تناقض الأساس الذي يتضاءل بشكل متزايد بالمقارنة بالثروة المتنامية. والذي تعمل هذه القوة الإنتاجية الضخمة لأجله، كما تناقض الظروف التي يرفع رأس المال من قيمته في ظلها. هذا هو سبب الأزمة. (36)

    وفي موضع آخر عبر عن نفس الفكرة بهذه الكلمات:

    السبب الأخير لكل الأزمات الحقيقية يظل دائما فقر الجماهير واستهلاكها المقيد بالمقارنة بميل الإنتاج الرأسمالي لتنمية القوى الإنتاجية بحيث لا يحدها سوى القوة الاستهلاكية المطلقة للمجتمع كله(37)

    في التحليل الأخير، سبب الأزمة الرأسمالية هو أن جزءا متزايدا باستمرار من دخل المجتمع يتركز في أيدي الطبقة الرأسمالية، وأن جزءا متزايدا من هذا الدخل يوجه ليس نحو شراء وسائل الاستهلاك، وإنما وسائل الإنتاج، أي انه يوجه نحو تراكم رأس المال. ولكن، حيث أن جميع وسائل الإنتاج هي وسائل استهلاك -أي بعد فترة زمنية معينة تتجسد قيمة وسائل الإنتاج في وسائل الاستهلاك- فان الزيادة النسبية في ذلك الجزء من الدخل القومي الموجه للتراكم بالمقارنة بالجزء الموجه للاستهلاك، لابد أن تؤدي إلى الإنتاج الزائد. وهذه عملية تراكمية، فالزيادة في التراكم تصحبها العقلنة، التي تسفر عن معدل متزايد للاستغلال. وكلما ازداد معدل الاستغلال، كلما كبر المصدر الذي يستمد منه التراكم، بالمقارنة بأجور العمال ودخل الرأسمالي. التراكم يولد التراكم.

    إذا كان “فقر الجماهير واستهلاكها المحدود” هو السبب الوحيد للأزمة الرأسمالية، فان الأزمة ستكون دائمة، لان أجور العمال، بصفة عامة، دائما ما تتخلف عن زيادة إنتاجية العمل. وفي هذه الحالة، لم نكن سنعرف المعادلة المأساوية الآنية للعناصر المختلفة، وإنما كساد دائم.

    ولكن هناك الشق الآخر للمعضلة، انخفاض معدل الربح. إن عملية تراكم رأس المال يصحبها ارتفاع في التركيب العضوي لرأس المال، أي إحلال للعمل الميت (المتجسد في الماكينات، الخ…) محل العمل الحي. ولما كان الأخير ينتج فائض القيمة في حين أن الأول لا يفعل، فان هناك ميلا ثابتا لانخفاض معدل الربح. وهذا الانخفاض بدوره يجعل المنافسة بين الرأسماليين أكثر حدة، حيث يتعين على كل واحد أن يحاول زيادة أرباحه الإجمالية على حساب منافسيه. المنافسة تؤدي إلى الترشيد، وبالتالي إلى زيادة أكبر دائما في التركيب العضوي لرأس المال. ولا يوجد مهرب من هذه الحلقة المفرغة.

    وهذا الميل ليس في ذاته سبب دورة الصحوة، الانتعاش، الأزمة، الركود. يشرح ماركس أن الانخفاض في معدل الربح هو عملية بطيئة جدا،(38) تخضع للعديد من القوى المعوقة لها. ومع ذلك فإنها تمثل خلفية الدورة الاقتصادية. الأسباب المباشرة للدورة هي التغيرات في معدل الأجور الناتجة عن التغيرات في الطلب على قوة العمل التي تصاحب عملية التراكم. حول انخفاض معدل الربح، كتب ماركس: “انه يعزز الإنتاج الزائد، والمضاربة، والأزمات، وفائض رأس المال بالإضافة إلى فائض السكان”. (39) “تصبح العقبة أمام نمط الإنتاج الرأسمالي واضحة… من حيث أن تطور القوة الإنتاجية للعمل يخلق، في صورة معدل الربح المائل للانخفاض، قانونا يتحول إلى عدو لنمط الإنتاج هذا عند نقطة معينة، وهو عدو تتطلب هزيمته أزمات دورية”. (40)

    وحول الارتفاع في مستوى الأجور في أعقاب توظيف متزايد أثناء فترة انتعاش، أعلن أنه إذا قيل “إن الطبقة العاملة تحصل على نصيب منخفض جدا من إنتاجها، وانه من الممكن معالجة الخلل بإعطائها نصيبا أكبر منه، أو زيادة أجور العمال، فعلينا أن نرد بأن الأزمات دائما ما تسبقها فترة ترتفع فيها الأجور عموما وتحصل فيها الطبقة العاملة فعليا على نصيب أكبر من الناتج السنوي المقرر للاستهلاك”.(41)

    وحول الصلة بين دورة التجارة، ومعدل الربح، ومستوى الأجور، ومقدار التوظيف، عندما يكون هذا العامل الأخير ذا أهمية حاسمة حيث يشير نهاية الانتعاش وبداية الأزمة، كتب ماركس:

    يعتمد شكل حركة الصناعة الحديثة، إذن، على التحول الثابت لجزء من السكان العاملين إلى أيدي عاطلة أو نصف عاملة… وكما أن الأجسام السماوية، متى دفعت إلى حركة محددة معينة، تظل تكرر هذه الحركة دائما، فالأمر كذلك مع الإنتاج الاجتماعي عندما يدفع إلى هذه الحركة من التوسع والانكماش المتناوبين. النتائج، بدورها، تصبح أسبابا، والحوادث المتفاوتة للعملية كلها، والتي تعيد دائما إنتاج شروطها، تتخذ شكل الدورية”. (42)

    وفقا لتحليله، فإن معدل الربح يحدد معدل التراكم، ومعدل التراكم يحدد مقدار التوظيف، ومقدار التوظيف يحدد مستوى الأجور، ومستوى الأجور يحدد معدل الربح، وهكذا في حلقة مفرغة. فمعدل ربح مرتفع يعني تراكما سريعا، وبالتالي زيادة في التشغيل وارتفاع في الأجور. وتستمر هذه العملية إلى الحد الذي يؤثر عنده ارتفاع معدل الأجور سلبا على معدل الربح، بحيث ينخفض التراكم بشكل مأساوي أو يتوقف تماما.

    إن دورة معدل الربح ودورة التراكم ودورة التوظيف هي دورة حياة رأس المال الثابت (أي الماكينات والمباني.. الخ.):

    بمقدار ما أن حجم قيمة وأمد رأس المال الثابت ينموان مع تطور نمط الإنتاج الرأسمالي، فان حياة الصناعة ورأس المال الصناعي تنمو أيضا مع كل استثمار معين إلى حياة من سنوات عديدة، قل عشر سنوات في المتوسط. وإذا كان نمو رأس المال الثابت يطيل هذه الحياة من ناحية، فأنها من ناحية أخرى تقصر بسبب الثورة المستمرة لأدوات الإنتاج، التي تزيد كذلك بلا انقطاع مع نمو الإنتاج الرأسمالي. يعني هذا تغيرا في أدوات الإنتاج وضرورة استبدالها المستمر على أساس الاستعمال والتداول، وذلك قبل وقت طويل من بلائها من الناحية المادية. يستطيع المرء أن يفترض أن دورة الحياة هذه، في الفروع الأساسية للصناعة الكبيرة، تبلغ حاليا عشر سنوات في المتوسط. ومع ذلك، فان المسألة هنا ليست أي عدد محدد. فمن الواضح على الأقل أن هذه الدورة التي تستغرق عددا من السنوات، ويضطر رأس المال من خلالها لتجاوز الجزء الثابت منه، توفر أساسا ماديا للأزمات التجارية الدورية حيث تمر الأعمال بفترات متتالية من النشاط والنشاط المتوسط، والسرعة الزائدة، والأزمة. صحيح أن الفترات التي يستثمر فيها رأس المال تختلف في الزمان والمكان. ولكن الأزمة هي دائما نقطة البداية لمقدار كبير من الاستثمارات الجديدة. وبالتالي فأنها أيضا تشكل، من وجهة نظر المجتمع، أساسا ماديا جديدا بقدر أو بآخر لدورة دوران رأس المال القادمة. (43)

    تفسر هذه النظرية كيف أنه، على الرغم من نمط التوزيع العدائي وميل معدل الربح للانخفاض، فلا توجد مع ذلك أزمة إنتاج زائد دائمة، وإنما حركة دورية للاقتصاد. فأثناء الفترة التي يتعرض خلالها رأس المال الثابت للتجديد والإضافة، لا يؤدي إدخال وسائل إنتاج جديدة مباشرة إلى عرض إضافي للسلع النهائية. ولكن بعد فترة، ربما بضع سنوات، تبدأ قيمة وسائل الإنتاج الجديدة في التجسد في منتجات جديدة، في شكل وسائل إنتاج ووسائل استهلاك معا. يحدث هذا بدون استثمار أي رأسمال، أو باستثمار مقدار ضئيل نسبيا من رأس المال، في ذلك الوقت، وبكلمات أخرى، فلبضع سنوات تكون الاستثمارات في بناء صناعات جديدة أو توسيع الصناعات القائمة كبيرة جدا بالمقارنة بالزيادة في إنتاج السلع الاستهلاكية. هذه هي سنوات الانتعاش، ويتلوها فترة يتوسع فيها بشكل ملحوظ إنتاج السلع النهائية، في نفس الوقت تقريبا الذي يحدث فيه انخفاض في معدل التراكم. هذا هو أوج الانتعاش وتباشير الأزمة القادمة. ثم تأتي الأزمة: ينخفض الإنتاج بشكل مأساوي في حين يتوقف الاستثمار أو حتى يتحول استثمار بالسالب.

    هناك عامل آخر يجب بحثه في هذا الصدد؛ عدم التناسب بين الصناعات المختلفة. قد يكون هذا النتيجة المباشرة للطابع الفوضوي للإنتاج الرأسمالي. قد يبالغ الرأسماليون في إحدى الصناعات في تقدير الطلب على منتجات هذه الصناعة وبالتالي يبالغون في توسيع قدرتها الإنتاجية. وحيث أن هناك العديد من الرأسماليين، فان الرأسمالي لا يعي أن العرض قد زاد على الطلب إلا بعد إنتاج السلع، ومن خلال السوق، يؤدي هذا إلى هبوط في الأسعار، وانخفاض الأرباح، وتقييد وانخفاض الطلب على قوة العمل، والمواد الخام والماكينات المنتجة بواسطة المصانع الأخرى، وهكذا. وهذا الانكماش لا يعوضه بالضرورة توسع الإنتاج في صناعات أخرى بل على العكس، قد يؤدي انكماش الإنتاج في صناعة واحدة إلى نتائج مماثلة في صناعات أخرى تعتمد عليها بطريقة مباشرة أو غير مباشرة. إذا كانت الصناعة التي تعاني من الإنتاج الزائد صناعة هامة، فان أزمة عامة قد تنتج عن ذلك. “لكي تصبح الأزمة (وبالتالي أيضا الإنتاج الزائد) عامة، فيكفي أن تلحق بالمواد الأساسية للتجارة” (44)

    في هذه الحالة، يكون عدم التناسب بين الصناعات المختلفة سبب الانخفاض في معدل الربح وانخفاض استهلاك الجماهير، وتؤدي هذه العوامل الثلاثة مجتمعة للأزمة.

    ولكن عدم التناسب بين الصناعات المختلفة قد يكون نتيجة الانخفاض في معدل الربح أو قلة استهلاك الجماهير كما أنه، بدوره، سببهما. فإذا حدث أنه على أساس معدل ربح معين كان هناك معدل تراكم معين، فان معدل الربح يحدد الطلب على وسائل الإنتاج ويؤدي إلى علاقة معينة بين الطلب على السلع الإنتاجية والاستهلاكية. الانخفاض في معدل الربح، بتسببه في هبوط معدل التراكم، يغير فوريا نمط الطلب، وبالتالي يخل بتوازن الطلب على نوعي الإنتاج. توجد علاقة مماثلة بين انخفاض استهلاك الجماهير والتناسب أو عدم التناسب بين مختلف الصناعات. “القوة الاستهلاكية للمجتمع”، و “تناسب مختلف فروع الإنتاج” – ليسا على الإطلاق أمرين فرديين مستقلين غير متصلين. على العكس، إن حالة معينة للاستهلاك لهي أحد عناصر التناسب”. (45)

    إن أحد أعراض عدم التناسب بين الصناعات المختلفة هو التغير في العلاقة بين إنتاج المواد الخام والطلب عليها. بصفة عامة في بداية الصحوة يزيد عرض المواد الخام عن الطلب عليها، وتكون الأسعار بالتالي منخفضة. ومع تزايد النشاط الاقتصادي، ترتفع هذه الأسعار وبالتالي تزداد تكلفة الإنتاج، مما يؤثر سلبا على معدل الربح. (46) أثناء الانتعاش، عادة ما ترتفع أسعار المواد الخام أكثر من أسعار السلع النهائية، وأثناء الأزمة تهبط بشكل أكثر حده: السبب في هذا هو أن عرض المواد الخام أقل مرونة بكثير من عرض السلع النهائية.

    و مؤشر آخر لعدم التناسب نفسه، والذي يعتبر نتيجة وليس سببا في الدورة الاقتصادية ولكن، مع ذلك، له تأثير انعكاسي هام، هو معدل الفائدة. فرجال الأعمال الرأسماليون لا يحصلون على كل فائض القيمة المنتج من مشروعاتهم، وإنما فقط ما يتبقى بعد خصم الإيجار والضرائب والفائدة. في بداية صحوة تجارية، توجد عادة زيادة في الائتمان عن الطلب عليه. وبالتالي يكون معدل الفائدة منخفضا، وهذا بدوره يؤدي لتنشيط الانتعاش. وأثناء الرخاء يظل معدل الفائدة منخفضا حتى وقت قصير قبل نهاية الانتعاش عندما يرتفع بحدة، إلى أن يصل إلى حده الأقصى مع بداية الأزمة. وبعد ذلك يهبط معدل الفائدة بشكل حاد. (47) هكذا، ففي حين أن منحنى معدل الربح العام ومنحنى الدورة الاقتصادية ككل يتطابقان على وجه التقريب، فان منحنى معدل الفائدة يظهر تعرجات أكبر كثيرا تتقاطع مع منحنى الدورة الاقتصادية. فالتغيرات في معدل الفائدة تدفع الصحوة للأمام بسرعة أكثر جموحا على الدوام من ناحية، ومن ناحية أخرى تغرق النظام الاقتصادي في أزمات أكثر عمقا على الدوام.

    الائتمان وفر للرأسمالية إمكانية النمو بسرعة إيقاع غير مسبوقة، ولكنه أيضا يزيد عدم استقرار النظام. انه يعمي الصناعيين عن الحالة الحقيقية للسوق، بحيث يظلون يوسعون الإنتاج إلى أبعد من المدى الذي كانوا سيتوقفون عنده لو كانت كل المدفوعات تتم نقدا. إن هذا يؤجل بداية الأزمة، ولكن فقط لكي يجعلها أكثر خطورة.

    هناك عامل إضافي يساهم في بداية الأزمة وهو وجود سلسلة من الوسطاء بين رأس المال الصناعي والمستهلكين. فبسبب نشاطهم، يمكن للإنتاج، داخل حدود معينة، أن يزيد دون حدوث زيادة موازية في بيع المنتجات للمستهلكين. تبقى المنتجات غير المباعة مخزونة في أيدي التجار، مما يجعل الأزمة، عندما تأتي، أشد قسوة. هذه هي، باختصار، نظرية الأزمة الرأسمالية لماركس.

    رأسمالية الدولة والأزمة – طرح المشكلة:
    من الواضح أن بعض أسباب أزمات الإنتاج الزائد في الرأسمالية التقليدية ما كانت لتوجد في نظام رأسمالية الدولة. فعلى سبيل المثال، الوسطاء ليس فقط ما كانوا ليوجدوا في ظل رأسمالية الدولة ولكن حتى في المشروع الفردي يمكن التخلص منهم من خلال بيع صاحب المصنع لمنتجه مباشرة للمستهلك عن طريق الشبكة التجارية الخاصة به. كذلك، فأن الائتمان سيتوقف عن أن يكون عاملا إذا كانت كل المدفوعات تتم نقدا. أيضا في ظل رأسمالية الدولة، لم يكن معدل الفائدة ليسهم في التذبذبات في سرعة إيقاع الإنتاج. فحيث أن الدولة تملك كل رأس المال، فان استخدام الائتمان لن يكون مختلفا عن استخدام كل رأسمالي لرأسماله. كما أن عدم التناسب بين فروع الاقتصاد المختلفة لم يكن ليعمل كالسبب الأول للازمة. ورغم أنه يمكن حدوث سوء حساب في الاستثمار، ويمكن لعرض منتج معين أن يتجاوز الطلب، فكون أن الدولة تخطط الإنتاج والطلب يجعل أي احتمال لحدوث عدم تناسب خطير أمرا مستحيلا. إضافة إلى ذلك، بما أن الدولة تملك كل الصناعات، فلن تحدث العملية التراكمية بسبب انتشار انخفاض الأسعار وتدني معدل الربح من صناعة لأخرى، وإنما سينتشر أثر الإنتاج الزائد الجزئي مباشرة عبر الاقتصاد كله. وعندما تبدأ دورة الإنتاج التالية سيتم تخفيض إنتاج بعض السلع واستعادة التوازن.

    إلا أن الصحيح هو أن هذه العوامل ستتوقف عن أن تكون ذات تأثير فقط إذا كان اقتصاد رأسمالية الدولة مكتفي ذاتيا. أما إذا كان ينتج للسوق العالمي، ويحصل على ائتمان من البلاد الأخرى، الخ. فان هذه العوامل سيكون لها إذن تأثير معين.

    ولكن ماذا عن المأزق الأساسي الذي يواجه الرأسمالية التقليدية؟ كيف يمكن تحقيق معدل ربح عالي مع تحقيق فائض قيمة؟ كيف يمكن إنجاز مهمة تراكم رأس المال بسرعة دون إضعاف السوق الذي يحتاج إليه؟ في مرحلة معينة من الدورة – الانتعاش – تحل الرأسمالية التقليدية المشكلة مؤقتا: فمعدل الربح المرتفع يؤدي إلى تراكم سريع، أي زيادة كبيرة في إنتاج وسائل الإنتاج بالمقارنة بإنتاج وسائل الاستهلاك. ومن ثم فان جزءا كبيرا من فائض القيمة يمكن تحقيقه في صناعات وسائل الإنتاج، أي داخل نظام الإنتاج نفسه. (إن هذا وحده يكفي لتفسير لماذا لا يسبب انخفاض استهلاك الجماهير أزمة دائمة – ولا يعوق التوسع في الإنتاج في ظل الرأسمالية.) لو استطاعت الرأسمالية تحويل الانتعاش من مرحلة مؤقتة إلى حالة دائمة، لما وجد الإنتاج الزائد. هل تستطيع رأسمالية الدولة أن تفعل هذا؟ هل تستطيع أن تضمن معدل ربح عالي ومعدل تراكم عالي، ومستوى إنتاج عالي، في نفس الوقت الذي تحتفظ فيه بطريقة التوزيع العدائية، “فقر الجماهير واستهلاكها المحدود”؟

    بوخارين حول الأزمة في رأسمالية الدولة
    كان بوخارين هو الاقتصادي الماركسي الوحيد الذي تناول المشكلة النظرية لأزمة الإنتاج الزائد في اقتصاد رأسمالية الدولة. في مناقشته لنظرية التراكم لروزا لكسمبورج، يطرح بوخارين، ضمن مشكلات أخرى، كيفية حدوث إعادة الإنتاج على نطاق واسع في ظل رأسمالية الدولة (يعرف بوخارين رأسمالية الدولة بهذه الكلمات: الطبقة الرأسمالية متحدة في اتحاد احتكاري واحد، اقتصاد منظم ولكنه في الوقت نفسه، من وجهة نظر الطبقات، عدائي)(48) ويناقش ما إذا كان سيكون هناك أزمة إنتاج زائد فيكتب كما يلي:

    هل التراكم ممكن هنا؟ طبعا. إن رأس المال الثابت ينمو، ما دام استهلاك الرأسماليين ينمو. يتم دائما إقامة فروع إنتاج جديدة، تقابل الحاجات الجديدة، كما ينمو استهلاك العمال، رغم أن قيودا محددة تفرض عليه. ورغم انخفاض استهلاك الجماهير، فان الأزمات لا تنشأ، حيث أن طلب فروع الإنتاج المختلفة لمنتجات كل منها بالإضافة إلى طلب المستهلكين، رأسماليين وعمال، يحدد مسبقا. (بدلا من الفوضى في الإنتاج، يوجد ما يعد، من وجهة نظر رأس المال، خطة عقلانية.) إذا وقع خطأ في السلع الإنتاجية، يضاف الفائض إلى المستودع ويحدث تصحيح مقابل في فترة الإنتاج التالية. إذا وقع خطأ في سلع استهلاك العمال، يمكن توزيع الفائض بين العمال أو تدميره. وأيضا في حالة وقوع خطأ في إنتاج السلع الترفيهية، فان المخرج واضح. ومن ثم لا يمكن أن توجد أزمة إنتاج زائد عامة من أي نوع. إن استهلاك الرأسماليين هو القوة المحركة للإنتاج ولخطة الإنتاج. وبالتالي فالموجود في هذه الحالة ليس نموا سريعا بشكل خاص للإنتاج (هناك عدد ضئيل من الرأسماليين.)

    كلمات بوخارين “في هذه الحالة ليس نموا سريعا بشكل خاص للإنتاج” قد تكون خادعة. فالإنتاج لن يكون فقط “ليس سريعا بشكل خاص” وإنما سيبطئ بالمقارنة بالقدرة الإنتاجية الهائلة للاقتصاد الرأسمالي الحر: سيكون هناك ركود فعلي.

    من المهم أن نلاحظ أن ماركس ربط بين الركود أو “حالة البيات” وانخفاض عدد الرأسماليين إلى مجرد حفنة في العالم كله. وقد كتب أن معدل الربح، أي الإضافة النسبية لرأس المال، هو قبل كل شيء مهم لكل السلالات الجديدة لرأس المال الباحثة عن مكان مستقل. وبمجرد سقوط تكوين رأس المال في أيدي عدد قليل من رؤوس الأموال الضخمة ذات المركز الوطيد، والتي تعوضها ضخامة الأرباح عن الخسارة التي تحدث من خلال انخفاض معدل الربح، فان نار حيوية الإنتاج اليومية ستنطفئ وستتدهور إلى حالة البيات.(50)

    “حل” توجان – بارانوفسكي
    ألا يمكن وجود نمط إنتاج رأسمالي بمستوى إنتاج عالي ومتنامي باستمرار إلى جانب نمط التوزيع العدائي الحالي؟

    سيكون من الممكن بناء نموذج على الأسس التالية. كل ارتفاع في إنتاجية العمل سيكون مصحوبا بارتفاع مماثل في إنتاج وسائل الإنتاج، في حين أن إنتاج وسائل الاستهلاك لن يتخطى معدل نمو السكان واستهلاك الطبقة الرأسمالية. ومع تغير التقنية سيتم تحويل العمال ورأس المال من إنتاج وسائل الاستهلاك إلى إنتاج وسائل الإنتاج: سيكون عدد أكبر من الناس ومقدار أكبر من رأس المال منشغلا في إنتاج الماكينات من أجل إنتاج الماكينات، من أجل إنتاج الماكينات، وهكذا، في حين أن إنتاج وسائل الاستهلاك لن يزيد تناسبيا مع القدرة الإنتاجية للمجتمع. سيصبح الإنتاج غير مباشر أكثر فأكثر، وبذلك سيكون السوق الذي تنتج له الرأسمالية في داخلها. ومع الحفاظ على العلاقة السليمة بين قطاعي الصناعة، فانه لن توجد أزمة إنتاج زائد مهما كان مستوى انخفاض القوى الشرائية للجماهير.

    كانت هذه حجة ميخائيل توجان – بارانوفسكي، وهو اقتصادي روسي غير ماركسي. لقد كتب:

    تثبت الأفكار المقتبسة أعلاه مبدءا يمكن أن يواجه باعتراضات إذا لم يفهم العملية جيدا، ألا وهو أن الإنتاج الرأسمالي يخلق سوقا لنفسه. طالما أنه من الممكن توسيع الإنتاج الاجتماعي – إذا كانت القوى الإنتاجية كافية لذلك – فان التقسيم المتناسب للإنتاج الاجتماعي ينبغي أن يسفر كذلك عن توسع موازي في الطلب، حيث أنه في ظل مثل هذه الظروف، تمثل كل سلعة منتجة حديثا قوة شرائية مخلوقة حديثا، للحصول على سلع أخرى. ومن خلال مقارنة إعادة الإنتاج البسيطة لرأس المال الاجتماعي بإعادة إنتاجه على نطاق أوسع، فان أهم استنتاج يمكن استنباطه هو أن الطلب على السلع في الاقتصاد الرأسمالي هو بمعنى ما مستقل عن الحجم الإجمالي للاستهلاك الاجتماعي: من الممكن أن ينخفض الحجم الإجمالي للاستهلاك الاجتماعي وينمو إجمالي الطلب الاجتماعي على السلع في نفس الوقت، مهما بدا ذلك عبثيا بالنسبة لـ ” الفهم العام”. (51)

    يمكن فقط لمعدل غير متناسب لتوسع قطاعي الصناعة أن يسبب أزمة. “.00 إذا كان توسع الإنتاج غير محدود عمليا، إذن فعلينا أن نفترض أن توسع الأسواق غير محدود بالمثل، ذلك أنه لو كان الإنتاج الاجتماعي موزعا بشكل متناسـب، فانه لا يوجد حد لتوسع السوق إلا القوى الإنتاجية المتاحة للمجتمع”.(52)

    يتم التعبير عن التقدم التقني من خلال ازدياد أهمية وسيلة العمل، الماكينة، أكثر فأكثر بالمقارنة بالعمل الحي.. العامل نفسه. تلعب وسائل الإنتاج دورا متزايدا باستمرار في عملية الإنتاج وفي سوق السلع. وبالمقارنة بالماكينة، يتراجع العامل إلى الخلف أكثر فأكثر، ويتراجع أيضا بالتالي الطلب الناتج عن استهلاك العمال بالمقارنة بالطلب الناتج عن الاستهلاك الإنتاجي لوسائل الإنتاج. وتتخذ جميع آليات الاقتصاد الرأسمالي طابع الآلية القائمة من أجل ذاتها، والتي يبدو الاستهلاك الإنساني فيها كلحظة بسيطة في عملية إعادة إنتاج ودوران رؤوس الأموال. (53)

    في كتاب آخر أنزل توجان – بارانوفسكي فكرته إلى مستوى العبث:
    إذا اختفى جميع العمال وبقى واحد فقط، وتم استبدالهم بالماكينات، فان هذا العامل الوحيد سيحرك كتلة الماكينات الضخمة كلها، وسينتج بمساعدتها ماكينات جديدة – بالإضافة إلى السلع الاستهلاكية للرأسماليين. ستختفي الطبقة العاملة، وهو أمر لن يصيب عملية التوسع الذاتي لرأس المال بأدنى اضطراب. ولن يحصل الرأسماليون على مقدار أقل من السلع الاستهلاكية، فالناتج الإجمالي لكل سنة سيتحقق، ويستعمل بواسطة إنتاج واستهلاك الرأسماليين في السنة التالية. وحتى إذا رغب الرأسماليون في الحد من استهلاكهم، فان هذا لن يشكل أية صعوبة، في هذه الحالة يتوقف جزئيا إنتاج السلع الاستهلاكية للرأسماليين، ويتكون جزء أكبر من الناتج الاجتماعي من وسائل الإنتاج، التي تخدم غرض التوسع الإضافي للإنتاج، فعلى سبيل المثال، يتم إنتاج حديد وفحم يستخدمان دائما في توسع إنتاج الحديد والفحم. يستخدم الإنتاج المتزايد من الحديد والفحم في كل سنة تالية الكتلة المتزايدة من المنتجات التي وفرتها السنة السابقة حتى يتم استنفاذ عرض المعادن الضرورية”. (54)

    من الواضح، كما يلاحظ توجان بارانوفسكي نفسه، أن النقطة الأساسية في تحليله ليست هي “الافتراض العشوائي تماما وغير الواقعي القائل بأن استبدال العمل اليدوي بالماكينات يؤدي إلى انخفاض مطلق في عدد العمال… وإنما هي أطروحة إن الانخفاض في الاستهلاك الاجتماعي غير قادر على أن يسفر عن إنتاج زائد، بشرط وجود توزيع متناسب للإنتاج الاجتماعي”. (55)

    يستحيل تطبيق حل توجان بارانوفسكي، في ظل الرأسمالية الفردية، بسبب اعتماد كل من قطاعي الاقتصاد على الآخر، وبسبب التبادل غير المنظم فيما بينهما.

    في ظل الرأسمالية يتم إنتاج كل من القيم الاستعمالية والقيم. وغرض الأول هو تلبية الحاجات الإنسانية، بغض النظر عن شكل الاقتصاد، ولكن غرض الأخير (إنتاج القيم) هو التراكم – وذلك، كما عبر ماركس، من أجل “غزو عالم الثروة الاجتماعية، وزيادة عدد الأشخاص الذين يستغلهم الرأسمالي”. (56)

    على الرغم من أن الرأسمالي قد يعتبر أن القيمة الاستعمالية فقط هي حاملة القيمة، وعلى الرغم من أنه قد يعتبر الاستهلاك وسيلة فقط وليس هدفا، إلاّ أن الوسيلة مع ذلك جوهرية، لأنه بدونها لا يمكن أن يتحقق الهدف. “الاستهلاك يولد الإنتاج بخلق الضرورة للإنتاج الجديد… لا حاجات، لا إنتاج، ولكن الاستهلاك يعيد إنتاج الحاجة”. (57)

    إن اعتماد التراكم على الاستهلاك يعني أن قطاع الاقتصاد المنتج للسلع الرأسمالية يعتمد على القطاع المنتج لوسائل الاستهلاك. في ظل الرأسمالية الفردية، يتم تحقيق هذه العلاقة دون تخطيط واعي. فإذا تجاوز عرض السلع الرأسمالية الطلب عليها بمقدار أكبر من تجاوز عرض السلع الاستهلاكية للطلب عليها، فان سعر الأولى سينخفض بالنسبة لسعر الأخيرة. وبالتالي ينخفض معدل الربح في الصناعات المنتجة لوسائل الإنتاج ويرتفع في الصناعات المنتجة لوسائل الاستهلاك. يؤدي هذا إلى هبوط التراكم في الأولى وزيادة معدل التراكم في القطاع الآخر من الاقتصاد. سيتحول رأس المال إذن من القطاع الأول إلى الثاني حتى يتم استعادة التوازن بين الاثنين.

    تقتضي هذه العملية حرية في حركة أسعار السلع، وحرية في حركة رأس المال من قطاع لآخر، وارتفاع معدلات الأجور الناتجة عن العمالة المتزايدة في القطاع الأول التي تسبب أصلا زيادة في الطلب على منتجات صناعات السلع الاستهلاكية.

    تجعل هذه العوامل تطبيق حل توجان بارانوفسكي مستحيلا في ظل الرأسمالية الفردية. ومع ذلك، فانه يحتوى، من وجهة نظر رأسمالية، على عنصر صائب. انه في الحقيقة امتداد لمرحلة الصحوة والانتعاش في الدورة الاقتصادية، وهي مرحلة يزداد خلالها التراكم أكثر من الاستهلاك، ويزداد إنتاج وسائل الإنتاج أسرع من إنتاج وسائل الاستهلاك، ولعدد من السنوات يمكن للتراكم أن يتجاوز كثيرا الاستهلاك دون الإخلال بتوازن الاقتصاد. إن هذه الحقيقة بالإضافة إلى كون الصلة بين دورات معدل الربح والتراكم والتوظيف هي معدل استهلاك رأس المال الثابت (الماكينة والمباني الخ.)، يشيران إلى أنه لو أمكن منع زيادة إنتاج السلع الاستهلاكية، في الوقت الذي يزيد فيه بانتظام إنتاج السلع الرأسمالية، فان الانتعاش قد يستمر لفترة أطول من المعتاد في الدورة العشرية. إن هذا جائز في ظل رأسمالية الدولة، لأن الدولة تملك كل رأسمال المجتمع، وتستطيع أن تتحكم في حركته بين قطاع وآخر.

    تقضي رأسمالية الدولة على عامل آخر يسبب في ظل الرأسمالية الفردية التحول من الانتعاش إلى الأزمة، وهي بذلك تجعل حل توجان بارانوفسكي ممكنا لبعض الوقت. في ظل الرأسمالية الفردية، يؤدي معدل الربح المرتفع إلى تراكم سريع، ومستوى تشغيل مرتفع وأجور مرتفعة. تصل هذه العملية إلى نقطة تكون الأجور عندها عالية جدا، حتى أنها تؤدي إلى تآكل معدل الربح الذي يهبط بحدة، ساحبا معه إلى أسفل التراكم والتشغيل والأجور. وحيث أن العمال أحرار في المساومة حول بيع قوة عملهم، فان فائض السكان النسبي هو المحور الذي يعمل على أساسه قانون العرض والطلب. انه يحد مجال عمل هذا القانون داخل الحدود المناسبة تماما لنشاط الاستغلال ولسيطرة رأس المال. (58)

    في ظل نظام رأسمالية دولة شمولي، حتى لو لم يوجد من الناحية العملية فائض في السكان، وحتى لو توفر التوظيف الكامل، فان الأجور يمكن أن تظل لفترة طويلة “في الحدود المريحة تماما لنشاط الاستغلال وهيمنة رأس المال “.

    إن حل توجان بارانوفسكي إذن ممكن في ظل رأسمالية الدولة، إذا كانت متخلفة بالمقارنة بالرأسمالية العالمية، وإذا كانت وسائل الإنتاج نادرة، وإذا كانت بالتالي الحاجة الأساسية للاقتصاد هي إنتاج الماكينات من اجل إنتاج المزيد من الماكينات، وهكذا. ولكن عندما ينجح إنتاج الماكينات في رفع الاقتصاد إلى مستوى بقية العالم، فهل سيواجه نظام رأسمالية الدولة هذا بأزمة الإنتاج الزائد؟ لا يوجد سوى رد واحد على هذا السؤال، وهو الذي قدمه بوخارين، وهو أن الاقتصاد سيكون راكدا من الناحية العملية. لأول وهلة يبدو وصف بوخارين للعلاقة بين رأسمالية الدولة وأزمة الإنتاج الزائد على النقيض تماما من حل توجان بارانوفسكي. يتحدث توجان بارانوفسكي عن نظام رأسمالي فيه ارتفاع سريع جدا في الإنتاج والتراكم، أما بوخارين فيتحدث عن نظام يكون فيه الإنتاج والتراكم على نطاق ضيق جدا. يصف الأول التراكم بأنه يتزايد بمعزل عن الاستهلاك، ويصفه الأخير بأنه يلازم الاستهلاك ويعتمد عليه. ومع ذلك، فالنظريتان بينهما نقطة مشتركة: تشير الاثنتان إلى التناقض الجوهري في الرأسمالية بين التراكم والاستهلاك. يقترح الأول أن هذا التناقض يمكن حله بتحرير التراكم والإنتاج بالكامل من الاستهلاك، واقترح الأخير إمكان حله بإبطاء التراكم والإنتاج إلى سرعة الاستهلاك. يقول الأول أن زيادة الإنتاج يمكن أن تحدث باستفادة التراكم فقط من هذه الزيادة، ويذهب الأخير إلى أن التراكم السريع مستحيل وأن الإنتاج يجب بالتالي أن يبطئ. يعكس الأول الانتعاش في الدورة الرأسمالية، في حين يعكس الأخير الأزمة. ويترك الحلان العامل خاضعا لرأس المال.

    إن حل توجان بارانوفسكي جائز في ظل نظام رأسمالية دولة في بلد متخلف. أما وصف بوخارين فينطبق على رأسمالية الدولة التي تصل إلى نقطة التشبع في وسائل الإنتاج. الأخيرة هي رأسمالية تعتبر في الواقع في أزمة دائمة رغم أنها تبدو خالية من الأزمات، ذلك، لأنه إذا كان الإنتاج لا يتجاوز الطلب، فان الإنتاج يتقيد بالطلب. والاثنان هما نتاج التناقض بين القوى الإنتاجية وعلاقات الإنتاج والتوزيع الرأسمالية. ولكن إلى جانب هذه الحلول هناك وسيلة أخرى تستطيع رأسمالية الدولة بفضلها أن تقضي على الأزمة، وهي اقتصاد الحرب.

    إنتاج واستهلاك وسائل الدمار
    وفقا لماركس، فان السمة المميزة لاستهلاك الرأسماليين هي أنه لا يشكل جزءا من عملية إعادة الإنتاج. يؤدي استهلاك وسائل الإنتاج (تآكل الماكينات الخ.) إلى خلق وسائل إنتاج جديدة أو وسائل استهلاك جديدة، كما يسفر استهلاك العمال عن إعادة إنتاج قوة العمل، إلا أن المنتجات التي يستهلكها الرأسماليون لا تسهم أبدا في دورة الإنتاج الجديدة، ولكن مع ذلك، هناك شكل للاستهلاك يتسم بأنه، رغم امتلاكه لهذه السمة نفسها، يعتبر وسيلة للحصول على رأسمال جديد وإمكانيات جديدة للتراكم، “وسيلة لغزو عالم الثروة الاجتماعية وزيادة عدد الأشخاص المستغلين”. وهذا الشكل الاستهلاكي هو إنتاج الحرب.

    مثل أزمة الإنتاج الزائد، فان اقتصاد الحرب، في حين أنه جزء لا يتجزأ من الرأسمالية، إلاّ أنه يتخلص من العقبات التي تواجه نمط الإنتاج الرأسمالي، والموجودة داخل النظام ذاته. وفضلا عن ذلك، تؤدي الحرب الرأسمالية ليس فقط لوقف التراكم وتدمير رأس المال على نطاق واسع بما يكفي لكي يبدأ التراكم من جديد، ولكن أيضا بقدر من الدمار يخلق نزعة نحو النفي الكامل للرأسمالية والعودة للبربرية.

    على الرغم من التشابهات الظاهرية، إلا أن اقتصاد الحرب والاقتصاد الاشتراكي يعتبران قطبان متضادان. ففي اقتصاد الحرب، كما في الاقتصاد الاشتراكي، تسيطر الدولة على الاقتصاد، وتخطط الإنتاج والتوزيع. في اقتصاد الحـرب، كـما فـي الاقتصاد الاشتراكي، يتم تحقيق أقصى مستوى للإنتاج. ولكن إذا كانت علاقات التوزيع عدائية، وإذا كان التراكم الهائل في الماضي يعيق التراكم الجديد، فان الحد الأقصى من الإنتاج يكون ممكنا فقط إذا لم يتم تبادل جزء كبير من المنتجات، أي إذا تم إنتاجه ليس كقيم ولكن كقيم استعمالية. في الاقتصاد الاشتراكي، الهدف من الإنتاج هو خلق قيم استعمالية، والهدف الأساسي لاقتصاد الحرب أيضا هو إنتاج قيم استعمالية. ولكن في مجتمع اشتراكي، القيم الاستعمالية هي تلك التي يحتاجها الشعب، في حين أنها في اقتصاد الحرب مدافع ومعدات عسكرية وذخيرة – قيم استعمالية معادية لمصالح الشعب. واقتصاد الحرب يكون بالضرورة مصحوبا لا بأزمة إنتاج زائد، وإنما بأزمة نقص إنتاج، لأن الطلب على السلع يتجاوز القدرة الإنتاجية للاقتصاد. ودائما ما يصحب التضخم سواء كان على نطاق واسع أو ضيق، أزمة نقص الإنتاج.

    إن الدور الذي تلعبه الاستعدادات الحربية والحرب في رأسمالية الدولة الروسية هو أنها لم تضطر بعد لمواجهة حل بوخارين. وبما أن الاقتصاد موجه ليس لإنتاج وسائل الدمار وإنما وسائل الإنتاج من اجل إنتاج وسائل الإنتاج وهكذا، فإنها تتبع حل توجان بارانوفسكي. وفي كل الأحوال، يقل إنتاج وسائل الاستهلاك كثيرا عن إنتاج كل من مواد الحرب والسلع الرأسمالية.

    وبالنظر إلى الوضع العالمي الراهن، يبدو أن حل اقتصاد الحرب هو الحيلة الوحيدة للبيروقراطية الروسية إلى أن يحين الوقت الذي ستقضي فيه الاشتراكية أو البربرية على الحاجة إلى إيجاد حل، حل للتناقضات الملازمة للرأسمالية – سواء كانت رأسمالية تقليدية أو رأسمالية دولة.
     
جاري تحميل الصفحة...