1. تسنيم رحمن

    تسنيم رحمن عضو نجم المنتدى

    Country:
    Algeria
    إنضم إلينا في:
    ‏13 أكتوبر 2015
    المشاركات:
    4
    الإعجابات المتلقاة:
    9
    نقاط الجائزة:
    1
    الجنس:
    أنثى
    الإقامة:
    الشلف

    Print

    إن فكرة العولمة ليست جديدة من حيث المبدأ على الفكر الإنساني وعلى أحلام البشر، بيد أن العولمة بالصيغة المطروحة حاليا تؤكد على بعد الزمان وتلغي بعد المكان ،،

    ترتبط معايير تقييم أية حضارة من الحضارات بطيف كبير من العوامل ذات صلة بالمعتقدات الدينية والأيديولوجيات وبالنظم الزراعية والغذائية والتكنولوجيات المستخدمة ومفاهيم الدولة والفنون، ومعايير أخرى كثيرة قد تكون أحياناً ذات طبيعة تعسفية من حيث تبنيها من قبل مجموعات بشرية و رفضها من قبل أخرى قد تصفها بالبربرية والتوحش أو البدائية. بيد أن "البربرية والتوحش والبدائية" هي ذاتها تعابير غائمة مشوشة ومتميزة وزاخرة بأحكام القيمة المسبقة. وكان استخدام هذه المصطلحات قد بدأ فعلياً في أوروبا خلال القرن الثامن عشر، خاصة من قبل نخبة أعلنت انتماءها لـ "العقلانية" في مواجهة "غرائز الطبيعة الإنسانية" وبالتالي يغدو التقدم بمثابة التخلي عن الطبيعة الغريزية البدائية، حسب هذا المنظور، الإشكالي بطبعه.

    وقد اعتبر العديدون أن الحضارة تستخدم عامة للدلالة على مرحلة تتجه فيها المسيرة التاريخية للمجتمعات المعنية بها نحو نقطة اكتمالها، بيد أن مثل هذا التعريف يلغي مقولة أساسية هي أن كافة المجتمعات في حالة تبدل دائم وبآليات مختلفة.

    كما أن معايير التبدل نفسها تتغير تبعاً لـ "تبدل الحقب التاريخية" .إن هذه المقولة تشكك بوضوح بأطروحة "الحضارة ـ النموذج"، حيث إن التاريخ لا يكرر نفسه، و أن المجتمعات لا يمكن نسخها الواحد عن الآخر.

    على أن السجال حول حضارة الشعوب، وتبعا ثقافاتها وتقاليدها الاجتماعية، دخل مرحلة أكثر شدة، أو لنقل أكثر تعقيدا، مع إطلالة عصر العولمة، وما يمكن تسميته بعولمة القيم والثقافات، بما يعني ذلك من نزع قسري وعنيف للخصوصيات المحلية، وفرض نماذج فوق قومية وفوق قارية في إطار بيئة كونية معولمة، يبدو العالم الثالث فيها طرفا متلقيا بما يفوق كثيرا قدرته على التأثير على بقية اللاعبين.

    إن فكرة العولمة ليست جديدة من حيث المبدأ على الفكر الإنساني وعلى أحلام البشر، بيد أن العولمة بالصيغة المطروحة حاليا تؤكد على بعد الزمان وتلغي بعد المكان، وهي بذلك تحاول أن تلغي الجغرافيا على الرغم من أن الجغرافيا إحدى ثوابت التاريخ.

    إن التمسك بالجغرافيا يعني ضرورة أن لا تحل العولمة محل مفاهيم الهوية المحلية، بحيث لا يؤدي التداخل بين المجالات الجغرافية إلى خلق نوع من النمطية الأحادية في الفكر والسلوك. إن المطلوب بدلا من ذلك صياغة روابط جديدة بين الكون المعولم ومختلف الأنماط الاجتماعية المحلية، التي تتمتع بقدر كبير من الاختلاف والتنوع، مع احترام الخصوصيات التاريخية والثقافية لكل منها، مع الإقرار في الوقت نفسه بأن المحلية والإقليمية والقومية مفاهيم نسبية المضمون، وإنها ترتدي في نهاية المطاف شيئاً من العالمية.

    لقد بدأ الجغرافيون مبكرا في التفكير بالفضاء الجغرافي للإنسانية ليبلوروا مفاهيم أولية للمجتمعات المحلية والتراث الثقافي للشعوب، وبعد ذلك جاء علماء الاجتماع وعلماء الأنثروبولوجيا ليعطوا مزيدا من العناية إلى دور المكان في رسم صورة العلاقات الاجتماعية.

    إن مساقات علمية متنوعة وصلت إلى استنتاج محدد، وهو أن أشكال الفضاء الجغرافي لا يمكن أن تفصل عن العناصر الاجتماعية التي أثارت موضوع تشكيلاتها، وان تحليل المجتمع لا بد أن يحمل في مكوناته اعتبارات الجغرافيا.

    ويمكن أن نشير هنا إلى أن العديد من الدراسات الأنثروبولوجية التي أسهبت في تحليل العلاقة بين المجتمع وإطاره المكاني قد كان حافزها في معظم الحالات تقديم قاعدة علمية للمشاريع الاقتصادية العملاقة للشركات المتعددة الجنسيات، وإن علم الأنثروبولوجيا قد ترعرع في كنف هذه الشركات، التي تبدو اليوم أكبر المنقلبين على حقائقه، في ظل سيادة الاتجاه الأكثر تطرفا للرأسمالية الليبرالية الجديدة، وانتعاش فكرة المجتمع العالمي المفتوح.

    إن تأثير العولمة على صعيد المجتمع خارج سياق المكان وخصوصياته تعني أن يتحول البشر إلى مجرد منتجين ومستهلكين وأصحاب أسهم وبائعي سندات، وأن لا يرتبط الأفراد ارتباطا وجدانيا بالمكان، بل يغدوا بشراً مرتحلين، كما تنبأ ذات يوم المفكر الفرنسي جاك أتالي، لأنهم لن يرتبطوا بأرض معينة أو حدود معينة بل سيعيشون حياة الارتحال لأن الأشياء التي يمتلكونها تتميز بالارتحال والتنقل.

    المجتمع المفتوح

    إن فكرة المجتمع المفتوح تستحق منا الكثير من الدراسة والتحليل لأنها تمثل قمة المدلول الاجتماعي للعولمة، أو لنقل قمة الأخطار المحتملة لظاهرة العولمة على النسيج الاجتماعي للمجتمعات المحلية.

    إن أول من استخدم تعبير المجتمع المفتوح كان هنري برجسون في كتاب له صدر في العام 1932تحت عنوان:"مصدران (لتكريس) التدين والأخلاق"، حيث اعتبر أن أحد هذين المصدرين هو قبلي أو عائلي أما الآخر فهو كوني، وزعم برجسون أن المصدر الأول يؤدي الى قيام "مجتمع مغلق" ، وأن الثاني يقود إلى "مجتمع مفتوح". واستخدام الفيلسوف الالماني كارل بوبرنيما بعد ذلك تعبير "المجتمع المفتوح واعداؤه" كعنوان لأحد كتبه. أما المفكر و رجل الأعمال الأميركي جورج سوروس فإنه يتبنى اليوم هذا التعبير على أساس الجمع بين الفكر و الواقع للوصول إلى إرساء أسس "مجتمع مفتوح"، وسورس يعتبر اليوم من أكبر أنصار المدرسة الليبرالية الجديدة.

    وبالنسبة لهذه المدرسة، فإن مفهومي المجتمع المفتوح واقتصاد السوق مرتبطان تمام الارتباط. ومن هنا يوجه سورس نقده الشديد لما يسميه بـ "اصولية السوق" ويتبنى مقولة الترابط بين العلوم الطبيعية والعلوم الاجتماعية عبر تحليل الأسواق على أساس أنها تتدرج في مسيرة تطورية تاريخية شاملة. ويسهب سورس كثيرا في شرح الفوارق بين "المركز" و "المحيط" في المنظومة الرأسمالية الدولية.

    ولقد باتت مدرسة المجتمع المفتوح لجورج سورس مصدر تتلمذ العديد من الدارسين من أبناء العالم الثالث، بل ربما أمكن القول أنها المدرسة الأكثر حضورا على هذا الصعيد.

    وفي إحدى أبعادها، ترتبط فكرة المجتمع المفتوح بمقولة أخرى قيد الصيرورة أيضا، هي مقولة المجتمع المعلوماتي، وإذا أردنا العودة إلى التاريخ القريب، يمكن القول بأن الظهور الأول لهذا المصطلح كان سنة ألف وتسعمائة وسبعين من القرن الماضي، ولكنه لم يشع إلا بعد عقد من ذلك التاريخ، وكان فريتز ماجلوب ومارك بورات من أوائل المفكرين الغربيين الذين تحدثوا عن التحولات التي أدت إلى نشأة المجتمع المعلوماتي.

    وهناك معايير تحكم نشأة المجتمع المعلوماتي منها المعيار التقاني والمعيار الاجتماعي والمعيار الاقتصادي والمعيار السياسي والمعيار الثقافي.

    وقد يلاحظ المرء التشابه القائم بين المجتمع المعلوماتي والمجتمع الصناعي، ولكن الحقيقة أن ثمة اختلافاً في جزئيات كل معيار من المعايير السابقة. مع التأكيد أيضاً أن المجتمع الصناعي أكثر نضجاً وانتشاراً من المجتمع المعلوماتي الذي ما زال في طور النشأة. ولكن هذا لا يمنع من الوقوف على بعض الانتقادات التي وجّهت إلى المجتمع المعلوماتي، وتتلخص تلك الانتقادات على الصعيد الاجتماعي في اختراق خصوصيات الفرد الشخصية، والاستعمار الإلكتروني، والإخفاق في حل المشكلات الأسرية.

    ومن التداعيات الاجتماعية الأخرى زيادة الهوة بين الأجيال بحكم الكم الهائل من المعلومات والتكنولوجيا المستخدمة فيها والتي يحصل عليها الجيل الجديد خلافاً لجيل آبائهم.

    ولا يستقيم الحديث عن التداعيات الاجتماعية للمجتمع المعلوماتي دون الحديث عن الدور الهائل لوسائل الإعلام العابرة للدول في تشكيل الثقافة والسلوك.

    فمجتمع اليوم يعيش على وسائل الإعلام دون توقف، ولم يعد المرء يعرف عدد القنوات التلفزيونية التي تنهمر عليه بصورها وأصواتها. ووسائل الإعلام في جريها اللاهث وراء الجدة والانبهار تسلب المرء وتكاد تشغله حتى عن نفسه.

    إن هذا الوضع الجديد وغير المسبوق في تاريخ البشرية يعودنا على المشاعر العابرة، والعلاقات السطحية، ويشكل نوعا من الغسل لأدمغتنا. وفي نهاية المطاف فانه يهدد حرية الإنسان لأننا لا نعود نحن الذين نشكل أفكارنا و إنما تصبح وسائل الإعلام هي التي تشكله بالنيابة عنا.

    وهناك قضية أخرى في هذا السياق هي تسلل دعايات الشركات متعددة الجنسيات إلى المدارس العامة والجامعات في عدد من دول العالم الثالث، وصولاً إلى المقاصف والقاعات المشتركة.

    إن عددا من الجامعات في آسيا قد وقعت عقوداً تسمح فيها لشركات معينة لبيع مختلف أنواع المشروبات الغازية والكمبيوترات المحمولة. وهنا أصبحت الدراسات الجامعية تتشابه إلى حد بعيد، وبإيقاع متعاظم، مع عملية البحث في مجال التسوق.

    إن مصدر القلق من تنامي الحضور الإعلاني، في المؤسسات التعليمية يكمن في كون أن هذه المؤسسات غدت تعطي الأولوية للمناهج التي تؤهل اكثر لبلوغ الشراكة مع القطاع الخاص، وذلك على حساب المناهج التربوية الأساسية نفسها.

    زيادة الفجوة المعيشية

    ومن التداعيات الأخرى ذات البعد الاجتماعي للعولمة، ظاهرة اللامساواة التي تتعاظم اكثر فأكثر، على مستوى الثروة والمداخيل بين بلدان العالم الفقيرة والغنية، الى حد أن باحثا اقتصاديا مثل كريستوفر فلافن يتحدث اليوم عما اسماه بالكوكبين، كوكب الأغنياء، وكوكب الفقراء، حيث تظهر الإحصائيات مثلا أن عدد سكان الصين قد بلغ في العام 2000ما يزيد على 1265مليون نسمة بينما بلغ مجمل إنتاجها القومي لعام 1998ما يعادل 924مليار دولار، بينما بلغ عدد سكان الاتحاد الأوروبي 375مليون نسمة فقط ومجمل الدخل القومي لبداية عام 1998دائما حوالي 8312مليار دولار، والولايات المتحدة 276مليون نسمة و 7903مليار دولار، أما اليابان فتدل الإحصائيات القائمة على نفس الأسس إلى عدد سكان بلغ 127مليون نسمة في العام 1998مقابل دخل قومي إجمالي قيمته 4089مليار دولار أميركي. و إن إحصائيات أخرى كثيرة في مختلف الميادين تصل بنا إلى نفس الحقيقة، التي كان من نتائجها المباشرة زيادة تدفق سيل الهجرة من الجنوب إلى الشمال، وزيادة أحزمة البؤس حول المدن الغنية في العالم وتزايد معدلات الجريمة، وزيادة الضغط على البنى الاجتماعية والأسرية في الدول المصدرة للعمالة.

    وما يمكن أن نقوله اليوم، على مستوى الخيارات الممكن لدول العالم الثالث اتباعها، أن اندلاع الأزمة النقدية في آسيا في العقد الماضي وامتدادها إلى روسيا والبرازيل ، قد أثبت بما لا يقبل الشك ان السوق الرأسمالية العالمية لم تعد طوقا للنجاة، وفي الوقت الذي كانت فيه الأسواق المالية تمتطي صهوات أفراسها، تبين لنا مدى الضرر الذي يمكن ان يلحق بالاقتصاديات المختلفة.

    ان تحقيق النمو الاجتماعي الشامل والقائم على أسس سليمة ينبغي أن يقل اعتماده على تهويمات (كازينوهات) الأسواق المالية، وان يكثر اعتماده على موارده الخاصة ومدخراته المحلية وقواعده التنظيمية وثقافته المدنية والسياسية. وعلى دول عالمنا الثالث أن تبدأ بمساعدة نفسها أولا حتى يمكنها الاستفادة من تدفقات رأس المال عبر حدود دول العالم. وأصبح من الواضح انه في الوقت الذي تقدمت فيه العولمة قبل اقتصاديات الدول الناشئة، تراجع العديد من هذه الدول خطوات للوراء وكان الثمن باهظا والهوة تتسع وتزداد عمقا.

    على أن هذه الحقائق الصعبة التي بين أيدينا، لا تمنع على الرغم من كل ذلك من ادراك حقيقة مفادها أن العولمة أصبحت القوة الانفتاحية للتغيير فيما يخص الحياة الاجتماعية والاقتصادية سواء في الدول المتقدمة أم في دول العالم الثالث. وغالباً ما يشاطر مؤيدو العولمة ومعارضيها بعضهم البعض قناعة أخرى هي أن المنافسة بين الأمم تقلل من الخيارات الاقتصادية والاجتماعية، وان مواصلة تحقيق الأهداف الأخلاقية والاجتماعية واقع تحت ضغوط هذه المنافسة بالذات.

    إن إحدى السمات الأساسية لأزمات عصرنا تتمثل في تداخلها الكبير بحيث تختلط أبعادها السياسية والاقتصادية والتكنولوجية والبيئية إلى درجة أنها تكون أحيانا مستعصية على التحليل.

    و أن القضية الاجتماعية الراهنة لا تمثّل مشكلة خاصة بفئة معينة، بل هي حالة جديدة برزت على سطح مجتمعات العالم الثالث فأحدثت تغييراً سلوكياً ومعيارياً في بعض الأحيان وفكرياً في أحيان أخرى.

    وفي مواجهة هذا الوضع، لا بد أن تجد مجتمعات العالم الثالث نفسها محكومة باستخدام قدراتها الإبداعية، إذا كانت تريد بالفعل أن تحسن من أوضاعها وتتلمس الطريق الصحيح لحل مشاكلها. وان مزيدا من الإبداع يعني قدرة الأفكار على التحرر والانطلاق.
     
    nova ،nail و politics-dz معجبون بهذا.
جاري تحميل الصفحة...