1. تسنيم رحمن

    تسنيم رحمن عضو نجم المنتدى

    Country:
    Algeria
    إنضم إلينا في:
    ‏13 أكتوبر 2015
    المشاركات:
    4
    الإعجابات المتلقاة:
    9
    لقد تزايدت أهمية التجارة الدولية في النظام العالمي بعد ظهور العصر الصناعي، و قبل ظهور هذا العصر كانت التجارة الدولية تمثل مكانة ثانوية وحسب في الحياة الاقتصادية لمختلف الدول، وكانت تعتبر بمثابة فعالية سياسية بقدر ما هي اقتصادية، بمعنى أن هدف سياسة المتاجرة مع الخارج كان هو أن نربح على الخارج ويخسر هو؛ ولهذا السبب تبرع جان جاك روسو للقول بأنه من الأفضل أن يخضع النظام الدولي للسيادة المطلقة، أي أن يكون لكل دولة الحق في السيادة المطلقة على نفسها، ثم جاء مؤسسو الاقتصاد السياسي الليبرالي من أمثال آدم سميث ودافيد ريكاردو وغيّرا الأسس الفكرية في نص وجهة النظر هذه، وراحا ينظران للنزعة المركنتيلية التجارية، وهي نظام اقتصادي نشأ في أوروبا بعد تفسخ النظام الإقطاعي وانهياره، وكان يهدف إلى تعزيز ثروة الدولة عن طريق التنظيم الحكومي الصارم لكامل الاقتصاد الوطني وانتهاج سياسة تهدف إلى تطوير الزراعة والصناعة وإنشاء المكاتب التجارية في الخارج، وانعكس ذلك بالضرورة على العلاقات بين الدول، اي ما يدعى العلاقات الدولية، وكان لابد أن تتغير هذه العلاقات بسبب نمو التجارة الدولية بشكل متزايد في القرن العشرين.

    وهنا ظهر مفكر إنكليزي يدعى ريتشارد كوبدين وكان اكبر محام في إنكلترا عن التجارة الحرة، وهو الذي طرح السؤال الأساسي فيما يخص الموضوع: كان نظام الدولة المستقلة هو الذي طبق على الشؤون الخارجية في أوروبا قبل قرن من الزمان ولكن هل لا يزال النظام متناسباً مع الأوضاع المالية؟ بمعنى آخر: ألم يتجاوزه الزمن؟

    الحقيقة، أن تحرير رأس المال وتنامي قوة الأسواق المالية قد أديا إلى نتائج هامة بالنسبة للاقتصاد العالمي، لكن عملية تحرير حركة رؤوس الأموال أدت من جهة أخرى إلى تعقيد، بل وربما إلى تقليص - كما يعتقد البعض - هامش سيادة الدول، وكذلك تقليص صلاحيات الحكومات في مراقبة اقتصادياتها. وقد شكلت تدفقات رؤوس الأموال الدولية أحد أهم العوامل الحاسمة، هذا إذا لم يكن العامل الأكثر حسماً حسب رأي البعض، في تحديد معدلات مبادلة (على المدى القصير على الأقل) النقد. وزادت حرية الأسواق المالية في تداخل التجارة والنقد مع جوانب أخرى من الاقتصاد العالمي، وهنا برز دور الشركات متعددة الجنسية . وكان المؤرخ الاقتصادي "وليام باركر" قد أشار إلى أن النظام الرأسمالي الدولي كان قد بدأ يعرض بعض الانكفاءات منذ القرن التاسع عشر بسبب المزاوجة غير الناضجة بين شركات رأسمالية عملاقة ومصالح بعض الأوروبيين.

    وقد مثل النظام التجاري واحدا من أكبر تحولات النصف الثاني من القرن العشرين، هذا ما دلت عليه الجولات المتعددة للاتفاقية الخاصة بالتعرفة الجمركية الدولية والمعروفة باسم "الغات"، ابتداء من الجولة الأولى المعروفة باسم دورة كيندي خلال عقد الستينيات، والتي كان لها آثارها على تنظيم التجارة الدولية ورسم السياسات الخاصة بتوجيه الأسواق نحو مشاركة عالمية اكبر، وتحديد عدد من الضوابط في حقلي الاستيراد والتصدير.

    وينظر إلى "الاقتصاد السياسي" عموما بمثابة تداخل لعمل الأسواق مع مجموعة من القوى الفاعلة، إن الجمع بينهما أمر ضروري، ولا يمكن لأي منهما، على حدة، أن يدرك بشكل كامل آلية عمل الاقتصاديات المحلية أو الدولية، هذا لاسيما وان الدول والقوى الفاعلة الأخرى تميل أو تسعى إلى استغلال الأسواق من منظور خدمة مصالحها. وهذه الأسواق لها أيضا منطقها الخاص في مجال الأسعار وتحديد آليات التبادل والقيود والضوابط التي ترى من الضروري اللجوء إليها.

    إن طبيعة الاقتصاد الجديد والتداخل بين عمل الأسواق وسياسات الدول أدت إلى ظهور مفهوم جديد في الاقتصاد أطلق عليه تسمية المفهوم الكلاسيكي الجديد، وهنا تبحث أيضا عدة قضايا جوهرية مثل طبيعة الأسواق وطرق المقارنات الأخصائية، والحدود الفكرية التي يمكن الوصول إليها من اجل صياغة مثل هذا المفهوم.

    ولكن على الرغم من كل ذلك، لا بد من الاعتراف اليوم أن العديد من المقولات الاقتصادية السائدة هي ذات طبيعة تبسيطية ولا تلمّ بالآليات الاقتصادية بمجملها وبكل تعقيداتها، وعلى رأسها الكثير مما يقال حول العولمة والليبرالية الجديدة في ظل اقتصاد السوق، وبالتالي ينبغي لنا نحن تحديداً دول العالم الثالث عدم القبول سريعاً ببعض أشكال الخطابات السائدة التي تدعي امتلاك الحلول لجميع المشاكل المطروحة، وفي خانة مثل هذه الخطابات تلك التي تجد جذورها البعيدة في كتابات الاقتصادي الفرنسي اوغست والراك، الذي عاش في القرن التاسع عشر وعرض نظرياته الاقتصادية في كتاب يحمل عنوان "حول طبيعة الثروة وأصل القيمة"، والذي يشرح فيه "القيمة" بالاعتماد على "المردودية"، وكان أول من طبق قوانين الرياضيات على الوقائع الاقتصادية. وقد تبعه على خطاه ابنه ليون ماري والار، الذي كان هو الآخر باحثاً اقتصادياً شهيراً وقال بمنظومة اقتصادية تجمع بين "المنافسة الحرة" و"العدالة الاجتماعية".

    إن تعبير الاقتصاد الجديد بات يحمل في صميمه الكثير من الاستسهال ومن عدم الدقة، خاصة إذا فهم منه بان كل المعارف المتعلقة بالماضي لم تعد قابلة للاستخدام، وبأن كل ما نعرفه عن آليات الاقتصاد قد أصبحت طي الإهمال. بالمقابل لاشك بأن استخدام صفة الجديد للاقتصاد الراهن، اقتصاد العولمة، يعني بأن هناك ظواهر كبرى ومعطيات جوهرية قد استجدّت على مختلف المستويات التكنولوجية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية. وإذا كانت هذه الصفة تنقصها الدقة الكاملة فإن لها أيضا بالمقابل بعداً تعبوياً، بل وأيديولوجياً بالنسبة للعديدين.

    لا ريب بأن هناك بعض المناقب والميزات التي يوفرها الاقتصاد الجديد مثل تسارع وتيرة التنمية وتوفر منتوجات وخدمات جديدة وغياب التضخم.. أما المشاكل فإن بعضها يعود إلى طبيعة الشروط اللازمة للاستفادة من ميزات الاقتصاد الجديد وفي مقدمتها التوصل إلى تكدس هام لرأس المال وتوفر الموارد الهامة و اليد العاملة المؤهلة. ويتأتى البعض الأخر من النتائج الاجتماعية التي تترتب على هذا الاقتصاد الجديد . وهناك أيضا مشاكل ذات طبيعة قانونية مثل تلك المتعلقة بحق الملكية في ميدان السمعيات والبصريات مثلا، وذات طبيعة ضرائبية كما يبدو في صعوبة فرض رسوم على المبيعات بواسطة الإنترنت.

    والمعضلة غير المرئية لدى البعض في اقتصاد السوق تتمثل في سيادة نوع من اللغة الخطابية، لمفهوم التسويق في القرية الكونية، التي أصبح سكان بعض المناطق الاستوائية يستخدمون فيها الحاسوب الصغير المحمول بينما تتعاطى جدات في صقلية تجارة الأدوات الإلكترونية. بل يمكن القول بوجود ثقافة نمطية عالمية، يتبناها مراهقون عالميون حسب القاموس السائد لدى شركات كبرى متعددة الجنسيات. وعلى أساس هذه الرؤية العالمية، وما بعد الوطنية، رسمت كل شركة من هذه الشركات الكبرى استراتيجياتها التسويقية.

    ويمكن أن نلحظ في هذا السياق الحملة الدعائية الطويلة التي قامت بها إحدى الشركات الأوروبية لإنتاج السيارات تحت شعار إيجاد الحلول من اجل عالم صغير، حيث عبرت تلك الحملة بأكبر قدر من البلاغة عن الوعد بتحقيق المساواة في كرة أرضية مرتبطة ببعضها البعض عبر شبكة واسعة من اللوجو.

    لكن موجة الحماس الذي أثارتها تعريفات محددة للعولمة خبت بسرعة كبيرة وتكشفت عن بعض الشروخ وراء الواجهة اللماعة. إذ خلال السنوات الخمس الأخيرة أمكن رؤية نوع آخر من القرية الكونية التي تتسع فيها الهوة الاقتصادية بينما تتقلص الخيارات الثقافية. كما أن ملامح القرية الكونية السائدة لا تتطابق مع وعود زيادة فرص استخدام التكنولوجيا لفائدة الجميع، و إنما هي على العكس تقدم على أساس استغلال البلدان الأكثر فقراً في العالم من اجل جني أرباح تفوق الخيال. إنها القرية التي يحقق فيها بيل غيتس ثروة تصل إلى 66مليار دولار أميركي بينما ثلث العاملين في مؤسساته هم من العمال المؤقتين، القرية التي يرتبط الأغنياء فيما بينهم بداخلها عبر شبكة من الدولارات التي تقوم تحتها الأحياء القصديرية في جاكارتا.

    ويمكن للمراقب تتبع مصدر أحذية رياضية من ماركة نايك وصولاً إلى فيتنام، وكذلك الأمر ببعض مكونات دمية باربي الشهيرة التي يتم تصنيعها في سومطرة، وقهوة ستاربوك الشهيرة من شمس غواتيمالا، وبترول شركة شل الذي يعود إلى القرى النيجيرية الفقيرة، التي تعرف درجة كبيرة من التلوث.

    وقبل عقود، كان ذلك أيضا قدر الملايين من سكان آسيا الاستوائية أن تموت جوعاً بسبب آليات النظام الاقتصادي الدولي المفروض عليها، وتحديدا في الفترة الواقعة بين عامي (1870وَ1914م) فعندئذ أصبحت ثمرة عملها ومنتوجاتها مصادرة لأول مرة من قبل النظام الرأسمالي العالمي، الذي كان يقع مركزه في أوروبا، وهذا يعني أن الملايين ماتوا في تلك المجاعة الطاحنة ليس خارج النظام العالمي الحديث وإنما من خلاله، ومن خلال الارتباط بمؤسساته الاقتصادية والسياسية. إنهم ماتوا في العصر الذهبي للرأسمالية الليبرالية.

    واليوم فان النمو الاقتصادي الحالي يتسم بخصوصية كبيرة تتمثل في الزيادة الكبيرة بحدة اللامساواة في المداخيل على مستوى الأفراد كما على مستوى البلدان، و بحيث أن البلدان الأكثر فقراً هي التي عرفت اكبر درجة من الإفقار الإضافي.

    إن عولمة الفقر لم تكن واسعة وكبيرة مثلما عليه الحال الآن، فمعظم سكان الكرة الأرضية يعيشون تحت مستوى الحد الأدنى للفقر ويملكون اقل من دولارين في اليوم، هذا إذا ما ملكوا شيئاً. في عالم العولمة يموت كل يوم 6آلاف طفل بسبب مرض الإسهال لأنهم لا يستطعيون الوصول إلى الماء النظيف. إن سكان الشمال الغني لا يرون ما يحدث في بلدان الجنوب الفقيرة، فمثلا شركة فورد للسيارات تزيد ميزانيتها عن ميزانية دولة مهمة كجنوب أفريقيا. وأما شركة "جنرال موتورز" فهي أغنى من الدانمارك.

    وبطبيعة الحال، لا يكفي الاعتماد على العلوم الاقتصادية وحدها، رغم أهميتها، من اجل تحليل مأزق التوزيع العالمي للثروة وطبيعة النشاطات الاقتصادية، وآثار عالم الاقتصاد على المصالح الوطنية الخاصة وحقيقة تواجد المنظومات الدولية، و لا بد أيضا من اعتماد مرجعيات سياسية واجتماعية.

    إن تقنيات التحليل المركب تشكل أدوات أساسية في دراسة السياسات الاقتصادية بشكل عام وفي السياسة الاقتصادية الدولية بشكل خاص، ذلك على أساس أن النشاطات الاقتصادية تختلف تبعاً للبنى الاجتماعية السياسية في مختلف المجتمعات، كما أن فهم الاقتصاد الدولي يستوجب أن يقوم على إدراك توجهات السياسات الاقتصادية الدولية والسياسات المحلية.

    إن منطق السياسة الحمائية يجب أن يكون حاضراً حيث تتعرض المصالح الوطنية لبلدان العالم الثالث لخطر التجريف، وغول السوق الدولية، ولا يجب أن يكون هناك تحفظ حيال ذلك. إن أوروبا اليوم، على سبيل المثال، تمارس سياسة حمائية واسعة بحق مجموعة كبيرة من السلع والمنتجات القادمة من العديد من دول آسيا، مع أنها في مقدمة الداعين لتحرير الأسواق.

    كما أن هناك تياراً في الولايات المتحدة يخشى العولمة لأنها تؤدي في رأيه إلى حصول منافسة غير شريفة مع دول العالم الثالث المصنعة، التي لا تدفع إلا أجوراً ضعيفة لعمالها، وبالتالي فهي تستطيع أن تخفض من قيمة سلعها بالقياس إلى قيمة السلع ذاتها في البلدان الغربية. وهكذا تستطيع ان تضرب السوق كما يقال، وتكسد بالتالي سلع أميركا التي تدفع أجوراً غالية لعمالها بالقياس إلى تايوان مثلاً أو كوريا الجنوبية أو ماليزيا أو بقية النمور الآسيوية.

    لقد اصبح العالم اكثر تداخلاً ولكنه لم يصبح بالضرورة اكثر تشابهاً، ولا شك بأن التكنولوجيات الجديدة قد ساهمت في رفع وتيرة تداخل العلاقات على صعيد العالم أجمع، لكنها إذا ألغت المسافات الجغرافية فإنها بالمقابل لم تلغ المسافات الاجتماعية. و لا تزال هناك فروقات كبيرة على صعيد التمايزات بميدان البيئة ومنظومات الضبط الاجتماعية والثقافية ذات الدلالة الحاسمة.

    وعلى الرغم من تزايد تأثير العولمة الاقتصادية وتكامل الاقتصادات الوطنية لا بد من التأكيد على ضرورة التمييز بين الاقتصادات الوطنية والدولية. إن الحدود السياسية فعلت وستفعل، والاقتصاد والسياسات الاقتصادية لأمة ما لا بد أن تختلف عن أمة أخرى، كما أن الاعتبارات السياسية ستميز النشاطات الاقتصادية لبلد ما عن بلد آخر. ثم إن الدول والقوى الفاعلة الأخرى ستحاول استخدام قوتها من اجل التأثير على النشاطات الاقتصادية وتجييرها بأقصى درجة ممكنة لمصالحها الاقتصادية والسياسية.

    ولكن كيف يمكن أن نجمع نحن دول العالم الثالث بين الديناميكية الاقتصادية من جهة، والعدالة الاجتماعية ومراعاة الهوية المحلية من جهة أخرى. لا ريب أنه ينبغي علينا أن نحافظ على اقتصاد دينامي بدون أن نقبل بعقيدة تطرف السوق أو الفلسفة اليمينية، فالتطرف هنا أثبت أنه ضار ويؤدي إلى التفاوتات الاجتماعية الصارخة وتشويه الهويات.
     
  2. politics-dz

    politics-dz مدير الموقع إداري politico نجم المنتدى

    Country:
    Algeria
    إنضم إلينا في:
    ‏22 فبراير 2015
    المشاركات:
    3,919
    الإعجابات المتلقاة:
    3,845
    شكرا مقال مفيد جدا
     
جاري تحميل الصفحة...