1. samirDZ

    samirDZ عضو نجم المنتدى

    Country:
    Algeria
    إنضم إلينا في:
    ‏27 فبراير 2015
    المشاركات:
    131
    الإعجابات المتلقاة:
    115
    الدولة الوطنية في دول العالم الثالث بين تحدي التحولات المعولمة وإمكانية تفعيل بدائل الاستجابة
    الأستاذة : علاق جميلة
    أستاذة مساعدة بقسم العلوم السياسية
    جامعة منتوري ، قسنطينة

    1- مقدمة
    شكل سقوط جدار برلين ومعه نهاية الحرب الباردة نقطة انعطاف حاسمة على صعيد النقاشات التي مست العلاقات الدولية .
    فانهيار نظام الثنائية القطبية ووضع حد للصراع الإيديولوجي بين الشرق و الغرب كان كفيلا بفتح الباب أمام أشكال مستجدة من الصراعات ، من السوسيو ثقافية إلى الاقتصادية و الأمنية ساهم هدا في احتدام النقاش حول ضرورة إعادة النظر في كثير من الافتراضات الأساسية التي كانت ترتكز عليها حركية و سيرورة العلاقات الدولية هده الأخيرة أضحت محكومة بمضامين العولمة و مساراتها .
    فالتحولات العميقة التي يشهدها واقعنا اليوم باتت مرتبطة بالثورة الصناعية الثالثة وهي ثورة تستند إلى تدفق المعرفة ، الاتصالات والمواصلات ، بهدف عولمة الحركية الاقتصادية والاجتماعية .
    ولما أفرز هدا الواقع نهاية الإيديولوجيا فانه كان حافزا لتوارد نهايات من شاكلة "نهاية التاريخ" ، "نهاية الجغرافيا" ، "نهاية السياسة" وصولا إلى "نهاية الدولة-الأمة" ونشير بهدا إلى الاتجاه الذي أخد بشق طريقه نحو التبلور وتتأسس جل افتراضاته على تجاوز الدولة ، و التشكيك في يقينية اعتبارها الفاعل العقلاني الوحدوي الوحيد و محرك العلاقات الدولية ، في مقابل تنامي تدفقات متسارعة لفاعلين جدد من قبيل القوى المتنافسة للدولة الوطنية سواء على المستوى التحتي أو الفوقي ، التي أخد دورها بتعاظم ضمن تفاعلات السياسية العالمية.
    هذه التغيرات وضعت دول العالم الثالث أمام تحديات جسيمة ، حيث تراجع مفهوم ودور الحدود الجغرافية والسياسية ، كما أن السيادة لم تعد تلك القوة المطلقة ، التي لا يمكن المساس بها تحصيلا لحجم الاختراقات التي أضحت واقعا مفروضا لتسهيل حركة الرساميل التجارية ، ونشر قيم الديمقراطية وفرض احترام حقوق الإنسان.
    وقد اثبت واقع الحال أن الدولة الوطنية في العالم الثالث وسواه عاجزة عن إدارة الكثير من القضايا الدولية وحتى الوطنية بصفة منفردة ، مما يفرض عليها أكثر من أي وقت مضى ضرورة البحث الجاد عن سبيل لتفعيل آليات كفيلة برفع تحديات المرحلة الراهنة بهدف تحقيق التكيف أو على الأقل إدارة معضلاتها الاجتماعية الاقتصادية ، السياسية والأمنية .
    وهدا ما يدفعنا لبلورة التساؤل الآتي : كيف ستؤثر التحولات الجديدة على أدوار و وظائف الدولة الوطنية؟ ثم ما طبيعة هذا التحول على مستوى دول العالم الثالث؟
    بهدف تحليل هدا التساؤل ، ومن تم قياس قدرة الدولة الوطنية في العالم الثالث على الاستجابة للتحديات الإقليمية و العالمية ، سوف تتجه المداخلة نحو معالجة العناصر التالية :
    1-مدلولات التحولات الدولية بعد الحرب الباردة
    2-دوافع التحول في ادوار الدولة الوطنية
    أ-على المستوى الداخلي
    ب-على المستوى الخارجي
    3-التحديات الراهنة للدولة الوطنية العالم ثالثية.
    أ-كثافة حجم المخاطرالامنية الجديدة .
    ب-التدخل الدولي لأغراض إنسانية.
    2- مدلولات التحولات الدولية بعد الحرب الباردة
    شهد النظام الدولي مند سقوط جدار برلين موجة من التحولات الكبرى التي تتسم بالعمق ، الديناميكية و الوتيرة المتسارعة ، وهي المرة الأولى حسب المحللين التي يحدث فيها تغيير بهدا الحجم دون توظيف الآلة الحربية حيث اهتزت كليا منظومة القيم و المفاهيم التي سادت مرحلة الحرب الباردة إلى بروز مقاربة عالمية تدور حول قيم الحرية والتعددية السياسية، الديمقراطية وحقوق الإنسان ، الرشادة والانفتاح الاقتصادي ، تحاول فرض نفسها بأدوات مختلفة ،كالمؤسسات المالية الدولية ، بعض المنظمات الدولية الحكومية وغير الحكومية .
    ويمكن رصدها ضمن ثلاث أبعاد رئيسية من المشهد الجيوسياسي إلى الاقتصادي ، و انتهاءا بالثقافي الاجتماعي.
    أ- التحول في بنية الخريطة الجيوسياسية :
    ترتب عن نهاية الحرب الباردة تحولات مست بنية النظام الدولي من خلال إعادة توزيع القوة بين أطراف في مقدمتها الولايات المتحدة و تظهر تجليات هدا التحول في المظاهر التالية :
    * التحولات الكبرى التي مست الكتلة الشرقية ، مع انهيار الاتحاد السوفيتي وتفجر مسالة الحدود و القوميات على المستوى العالمي ، حيث أضحى متغير العرقية أهم محرك للتفاعلات النزاعية العالمية.
    * انحسار الإيديولوجية الشيوعية وضع حد لنظام يالطا و التناقص شرق- غرب ، وفي المقابل العمل جار لخلق عدو جديد.
    * تحولات ما بعد الحرب الباردة جعلت نظام وستفاليا(1) الذي ولد الدولة الأمة قيد التساؤل ، فتراجع دور الدولة من فاعل رئيسي إلى أحد الشركاء من بين عدة شركاء في إدارة شؤون الدولة و المجتمع(2) .
    * تراجع التناقض شرق-غرب واندماج موسكو في المحيط الدولي الجديد أدى إلى تآكل التحالف الغربي(3)، وبالتالي لابد من البحث عن مصادر شرعية جديدة تصورها الغرب في التهديد القادم من دول العالم الثالث .
    وقد وظف في هدا الإطار جملة من المقاربات بعضها قديم والأخر جديد مثل نظرية "التحدي والاستجابة" لتوينبي التي تؤكد أن وحدها المدنيات التي تكون محاطة بالمخاطر والتحديات تزدهر وتنمو أما غياب الخطِِِِر عنها فيؤهلها إلى الانحلال والتفكك ، ثم نظرية "الكتلة المزدوجة"لكانيتي التي تتمحور حول معطى أن الإمكانية الوحيدة التي تملكها كتلة ما لضمان قوتها وتماسكها ، هو وجود كتلة ثانية تلعب دور السند لها(4) وهو ما توفر للوم أ بعد خروجها من عزلتها دون أن ننسى الإشارة إلى أطروحة "صدام الحضارات" لصمويل هنتنغتون التي جعلت من الثقافة والحضارة قيم مؤهلة للتصارع من أجل البقاء .
    * بروز الجنوب كمصدر لتهديد الأمن العالمي ، تبعا لما بات يفرزه من مخاطر ، الهجرة غير الشرعية الإرهاب الجريمة المنظمة ، الاتجار بالأسلحة ،...وما يمكن أن تفرزه على الأمن الوطني ، الإقليمي والعالمي.
    ب-عولمة التفاعلات الاقتصادية :
    لاشك أن العولمة في منطلقها الأساسي اتخذت المظاهر الاقتصادية فجذورها إقتصادية ، مكوناتها اقتصادية و فضاء اشتغالها اقتصادي ، لكن المفارقة الأساسية أن تبعاتها غالبا ما تطال ليس الاقتصاد فحسب بل حتى الأبعاد السياسية ، من خلال تشعب وكثافة التفاعلات والمعاملات التجارية التي فرضتها ديناميكية اقتصاد السوق .
    * تتحدد معالم ما بعد نظام بريتن وودز الذي حكم الاقتصاد العالمي مع منتصف أربعينيات القرن الماضي في كثافة حجم ووتيرة الاعتماد المتبادل بين محركي الاقتصاد العالمي وهو ما كان أدعى لتكريس سياسة التكتلات الإقليمية ، التي تدرجت اقتصادية لتغدو متكاملة سياسية وأمنية.
    * سمحت التحولات المعولمة على المستوى الاقتصادي ببروز عالم دون حدود عززته ثورة تكنولوجيا الإعلام و الاتصال من خلال تآكل الحدود الجغرافية أمام امتداد المصلحة والامتيازات التجارية و بهدا يحل النفوذ الأفقي للسوق محل القدرة الراسية للدولة .
    * تراجع قوة الدولة في أدائها لوظائفها ، حيث ترجمت فكرة العصرنة في البداية في تثمين دور الدولة المخططة ، الضابطة والمقاولة اعتقادا بأنها القادرة على النهوض بالاقتصاديات الهشة من خلال تطوير "نموذج التدخل" (5) الذي سريعا ما تخلت عنه تحت تأثير الأزمات الدولية .
    * اتجاه التفاعلات الاقتصادية نحو تكريس الإقليمية التي تجسد أدوارها ثلاث قوى : الوم أ ، الاتحاد الأوروبي و اليابان ساهمت في التركيز المتزايد للحركية الاقتصادية كل ضمن نفوذه الجغرافي الإقليمي( التافطا ، الاتحاد الأوروبي ، و تجمع الآسيان) و تزايد حدة الاعتماد المتبادل على مستوى كل قطب على حدى وضمن بعضها البعض من شأنه أن يؤدي للتنافس الحاد ، تمهيدا للدخول في نزاعات ثم اللاأمن ، إذن فقد تحول ميكانيزم الاعتماد التبادل إلى مهدد لسيادات الدول كونه يحافظ على علاقات المصالح و التبعية بينها .
    *لم تكن دول العالم الثالث بمنأى عن مسرح هذه التحولات ، إذ أصبحت في قفص الاتهام من قبل الغرب الذي بات يرى فيها بؤرة عفنة تورد له الآفات والأزمات الاجتماعية ، الاقتصادية و الأمنية و مع دلك هو غير قادر على الاستغناء عن الخدمات الجليلة التي باتت تقدمها له ، كالدور الذي باتت تلعبه المكسيك في إطار تجمع النافطا ودول الضفة الجنوبية للمتوسط كتخوم تقف دون تسرب التوترات من الجنوب لتهديد قلعة الشمال .
    ج-التحول من المتغير الإيديولوجي إلى المتغير الثقافي والاجتماعي :
    تميل اغلب الدراسات إلى اعتبار العولمة (globalisation) نتاجا للثورة التقنية المتسارعة التي اكتسحت مجال المعلوماتية تحول معها مجتمع المعلومات إلى أهم مظاهر التغير الاجتماعي في العالم المعاصر.
    و يكشف الواقع أن المتغير الثقافي و الاجتماعي لم يبرز بحدة قبل و إبان الحرب الباردة ، نظرا لهيمنة المحدد الايديولوجي و نلخص أهم تجلياته صمن المظاهر التالية :
    * لتدفقات الثقافية العالمية انعكاسا لتطور وسائل المواصلات و الاتصالات وأثرها على منظومة القيم الثقافية ونقضها للطابع الإقليمي للثقافة (detrritorialization of culture )و من أهم تحديات العولمة الثقافية هو ما إذا كانت ستؤدي إلى التوحيد أم إلى ظهور أشكال جديدة من التنوع(6) .
    * رغم وجود تقارير تؤكد على خطورة التوحيد في شكل الأمركة (Americanisation) و المكدلة (mcdonalization) و الكوكلة(cocacolonization) (7) إلا أن الاتجاه الرئيسي يؤكد على خطاب التنوع التشعب والغزارة في هويات الشعوب وخصوصياتها الثقافية ، مما يدحض الفرضية التي تأسست عليها أطروحة" نهاية التاريخ " لقوكوياما التي حاولت تبني رؤية كلانية تختصر العالم في نموذج واحد غالبا هو الديمقراطية الحرة .
    * برز توجه تزعمه الغرب لإحلال الإسلام محل الشيوعية ، بتوظيف مسالة الهوية أو الحضارة للتأكيد على أن الخطر الأكبر في المستقبل يكمن في القطيعة الثقافية بين الشمال والجنوب ، و هو ما بررت له المقاربة الصدامية لصاحبها هنتنغتون .
    * مع تآكل شرعية الغرب و انكشاف هشاشتة خاصة بعد حرب الخليج الثانية و تصاعد حدة التناقضات بين أطرافه التي لم تضع نهاية الحرب الباردة حدا لها إنما أعادت هيكلتها فقط ، إذ لابد أن تبحث عن عدو ممكن يؤدي دور الفزاعة التي يضمن تماسك الغرب(8) و هو ما سعوا لإيجاده في الإسلام ونعته بالتطرف والإرهاب.
    وعليه باتت العولمة تكتسح كافة أوجه الحياة الاقتصادية ، السياسية ، الاجتماعية و الثقافية بوصفها نزعة شمولية توسعية تتجاوز حدود الزمان والمكان ، باتت معها الخصوصيات المحلية والذاتية للأفراد والجماعات و حتى الدول قيد التشكيك والتساؤل .



    3- دوافع التحول في أدوار الدولة الوطنية :
    لم تكن الدولة الوطنية منذ نشأتها بمفهومها الحديث بمنأى عن التأثر بمجموع التغييرات المستجدة ضمن حدودها وخارجها والتي كان لها تأثير المباشر وغير المباشر على أدوار الدولة الوطنية التي رغم تشعبها وصعوبة إمكانية الفصل بينها نوجزها في محددين أساسيين :
    أولا : المحـددات الداخليـة :
    يشهد نسيج الأبنية السياسية ، الاجتماعية والثقافية في مختلف الدول خاصة العالم ثالثية منها تحولات عميقة من شأنها أن تلقي بتبعاتها على وظائف هذه الأخيرة ، والتي نوردها في نقاط محددة كما يلي :
    * تراجع مؤشر السيادة الوطنية للدول ، حيث لم تعد تلك القوة العليا المهيمنة داخليا وخارجيا غير القابلة للتجزئة أو المساس بها ، فسيادة الدولة العالم ثالثية باتت محدودة أمام الانكشاف في عصر العولمة وتزايد حدة الاختراقات السياسية و الاقتصادية و الأمنية .
    فقد شهد مفهوم السيادة منذ منتصف القرن العشرين تغيرا بشكل ملموس تدهورت معه قدرة الدول على إدارة دفة وظائفها التقليدية كفرض الضرائب ، توجيه حركة الاستثمار وتنقل رؤوس الأموال وباتت السوق هي المنافس الشرس لهيمنة الدولة الوطنية .
    وفي هذا الإطار توسعت المنظومة القانونية الدولية إلى الحد الذي أصبح بالإمكان تحديد إملاءات على الدول بما تستطيع فعله وما لا تستطيع ، خاصة في القصايا شديدة الحساسية ، ولا أشد حساسية من علاقة الدولة بالمجتمع(9).
    * تراجع دور الدولة في ظل التدفقات تحت وعبر- الوطنية ، فقد انتقلت الدولة الوطنية من فاعل رئيسي إلى أحد الشركاء من بين عدة شركاء في إدارة شؤون الدولة والمجتمع .
    فعلى صعيد إدارة الأنشطة الاقتصادية، ترجمت في البداية فكرة العصرنة بتثمين دور الدولة المخططة الظابطة ، المراقبة والمقاولة ، اعتقادا بأنها القادرة على تدارك والنهوض بالاقتصاديات المتأخرة من خلال " نموذج التدخل "(10) متراجعة عنه تحت تأثير الأزمات الاقتصادية المستعصية وتبعاتها كارتفاع معدلات التضخم ، البطالة والكساد العالمي .
    من ناحية أخرى أدت سياسات الخصخصة إلى إضعاف القدرة الاقتصادية للحكومات الوطنية وتخفيف قبضتها في تنظيم الفعاليات الاقتصادية على الصعيد الداخلي وحتى الخارجي ، خاصة بعد تصفية القطاع العام .
    وعليه فقد هيأت العولمة لإضعاف الدولة الوطنية التي باتت عاجزة عن أن تكون في مستوى طموح مواطنيها ونشير في هذا الإطار إلى أن الشركات متعددة الجنسيات ومختلف مؤسسات العولمة عبرت بوضوح عن تملصها من تحول مسؤولياتها تجاه الآثار الجانبية التي يمكن أن تنجز عن نطاق مشروعاتها ، ونطالب فـي المقابل بتـدخل الدولـة (11) .
    * تراجع الولاء الوطني نحو تحقيق الانتماءات على النطاق المحلي، فقد كان الزلزال السوفيتي بمثابة الشرارة نحو تفجر القوميات على الصعيد العالمي من دول أوروبا الشرقية إلى آسيا وإفريقيا .
    ساد في البداية نوع من التفاؤل من أن نمو الاتصالات وشيوع قيم المدنية والثقافة داخل المجتمعات كفيل بإذابة العلاقات الأولية (Primordiale ties ) واستبدالها بعلاقات حديثة أساسها الولاء للدولة ومؤسساتها ، إلا أن تفاؤل هذه الفرضية لم يدم طويلا أمام انفجار نزاعات الأقليات العرقية والإثنية شرقا وغربا ، شمالا وجنوبا ما جعل أطروحة "وعاء الانصهار" مشكوكا في إمكانية صمودها .
    وهكذا يبدو أن العودة إلى التركيز على الانتماء العرقي أو الديني أو القبلي الضيق يعد من الإفرازات الخطيرة للعولمة ، لما لها من آثار سلبية على التكامل السياسي للعديد من المجتمعات والعالم ثالثية التي تعبر عن مناطق محتضرة يمكن للنزاعات فيها أن تؤدي إلى دمار شامل خاصة في ظل سواد ظاهرة الدولة الفاشلة غير القادرة على إنتاج استمرارها السياسي والأمني .
    ثانيا : المحددات الخارجية المؤثرة في أدوار الدولة الوطنية :
    باتت البيئة العالمية في عصر العولمة ومجتمع المعلومات مفتوحة على موجة من التغيرات ، التي أخذت تتضح معالمها وتلقي بظلالها على أدوار الدولة الوطنية، ليس العالم ثالثية فحسب بل على مستوى أكثر اتساعا و شمولية .
    و لما أشرنا إلى بعض تلك المتغيرات فيما سبق ، يبقى أن نوجز بعضها الآخر على النمو الآتي :
    * ساهم تفكك الإتحاد السوفيتي ومعه دول المنظومة الشرقية في تهاوي المنتظمات القائمة على الظاهرة الشمولية التي تعظم دور الدولة باعتبارها تتموقع في طليعة القوى الاجتماعية .
    * مع تراجع قدرة الدولة على إدارة أنشطتها الاقتصادية و الاجتماعية، بدأت تحل تدريجيا القدرة الأفقية للسوق محل القدرة الرأسية للدولة ومسار قانون العرض والطلب هو أفضل الأنظمة المتاحة خاصة بعد تصفية القطاع العام والاتجاه نحو الخصخصة وتحرير التجارة على مستوى العالمي ، وهذا ما جعل البعض يرى أن الدولة الوطنية في العالم الثالث فقدت في خضم هذه التحولات استقلالها و مصالحها الوطنية و تحولت إلى رهينة للقوى الاقتصادية العالمية ، و أصبحت الدول تقيم على مدى توافقها مع المعايير التي تجعل منها قادرة على الإنسجام و الذوبان في سياسات العولمة الاقتصادية و ملحقاتها السياسية و الثقافية (12) .
    * بات التحول الديمقراطي من أهم القيم المتدفقة على الصعيد العالمي ويعد هذا أمرا طبيعيا في ظل صعود نجم الليبرالية التي تجعل من الحرية شعارا لها في جميع المجالات .
    وإذا كانت الديمقراطية الحرة في مرحلة ما نهجا اختياريا فهي لم تعد كذلك الآن بعد تحولها على يد الغرب إلى حتمية مفروضة للتأثير خاصة على دول العالم الثالث لتبني سياسات الإصلاح والترشيد المملاة ، وقد لحض فرانسيس فوكوياما هذا التوجه في مقولته الشهيرة "إن الديمقراطية اللبيرالية تشكل مطاف التطور الإيديولوجي للإنسانية و الصيغة الأخيرة لنظام الحكم البشري المنشود وبالتالي فهي تمثل نهاية التاريخ" (13) .
    * تنامي النزعة الدولية نحو تكريس التكامل الإقليمي الذي تحول إلى أهم مؤشرات الاستدلال على مرحلة ما بعد الحرب الباردة و تعبر الإقليمية في جوهرها عن رغبة الدول/الأطراف المعنية في التنازل إن لزم الأمر عن بعض مظاهر سيادتها لصالح الكيان الإقليمي الجديد الذي قد يؤدي دورا وظيفيا كوسيلة لحماية الدولة الوطنية وتعزيز قدرتها التنافسية عالميا خاصة في المجال الإقتصادي .
    ورغم جدلية الارتباط بين ظاهرتي العولمة و الإقليمية ، إلا أنه بات واضحا حسب كينيشي أوماي (Kenichi Ohmae) إلا أن الدولة الإقليمية (Region state) ستحل محل الدولة الوطنية .
    فالأولى تعبر حسبه عن " مناطق اقتصادية طبيعية قد تظم أقاليم تنتمي إلى أكثر من دولة وطنية ، كما أنها قد تقع في مناطق جغرافية متباعدة غير أن أبرز ما تتسم به هو أنها تملك – مجتمعة – المقومات الرئيسية للمشاركة الاقتصادية الناجحة في الاقتصاد العالمي(14)
    و يبدو أن السياسات العامة في دول العالم الثالث لا زالت تسير بتحفظ شديد نحو تشجيع روح المبادرة التكاملية ومع أن الساحة لا تخلو من تجارب تكاملية إلا أنها بقيت في معظمها هياكل دون أرواح .
    * بروز فواعل جدد في إدارة حقل العلاقات الدولية على المستويين الفوقي والتحتي ، شهدت معه الدول أزمة سيادة حقيقية تراجعت قدرتها على إدارة و التعاطي مع مشكلاتها .
    و نشير في هذا الإطار مقاربة جيمس روزنو ( J. Roseneau) الذي تحدث عن بداية زوال عالم الدول الذي تأسس منتصف القرن السابع عشر مع معاهدة وستفاليا في 1648 ، و تحليل السياسة الدولية كسياسة دولاتية (Interétatique) أصبح غير ذي معنى أمام الدور الذي أصبح يلعبه الفرد ، جماعات المصالح ، المنظمات غير الحكومية ، الشركات الاقتصادية الكبرى وغيرها ، و يذهب أبعد من خلال القول أن السائح و الإرهابي شخصيتان ترمزان للمرحلة الراهنة وهناك إمكانية بأن تكونا حفارتا قبر الدولة (15) .
    4- التحديات التي تواجهها الدولة الوطنية في العالم الثالث :
    مع الإنكماش الحاد الذي أصاب الأدوار و الوظائف التقليدية للدولة الوطنية على الصعيد العالمي و الذي لم تسلم من تبعاته القوى الكبرى و حتى الدول العالم ثالثية ، هذه الأخيرة فقدت تدريجيا قدرتها على التأثير والفعالية التي اكتسبتها خلال مرحلة البناء و التشييد ، و في المقابل أصبحت خاضعة لتأثير الفواعل من غير الدول التي شهدت استقطابا قوي من قبل الأفراد و المجموعات و هو ما إن انعكس على حالة الفوضى العالمية غير المتحكم فيها.
    و مع كثافة حجم التحديات التي باتت تواجهها دول العالم الثالث في ظل الوضع الراهن سنركز على مظهرين أساسيين :
    أولا : كثافة حجم المخاطر الأمنية :
    لا شك أن التحول في ظل العولمة كان مصحوبا بانحسار الحدود السياسية و ما صاحبها من مظاهر التغير في بنية الهرم الاجتماعي و الاقتصادي للمجتمعات تحولت معه الدولة إلى نفق مظلم ، و خير من عبر عن هذا الوضع عالم الاجتماع الأمريكي دانيال بيل بالقول : " أصبحت الدولة أصغر من أن تتعامل مع المشكلات الكبرى وأكبر من أن تتعاطى بفعالية مع المشكلات الصغرى" The state is bicaming too small to handle really big (
    problems and too large to deal effectively with small ones)
    فقد ساهم التقدم الحاصل في الاتصالات و المعلوماتية في التحول الحاسم في طبيعة العلاقات الدولية التي أضحت أكثر تشعبا وتعقيدا و غدا الطابع الأهم هو الانتقال من مفهوم التهديدات إلى مفهوم المخاطر خاصة بعد تحول الفرد و الإنسانية إلى مرجعية أساسية .
    فإذا كان بالإمكان التكهن بوقوع الأولى وبالتالي مواجهتها ، فإن الثانية من طبيعة أكثر تشعبا ويصعب تصور تبعاتها وآثارها و بالتالي فإن أدوات التصدي لها سوف لن تكون عسكرية في المقام الأول .
    و تتخذ المخاطر الجديدة المهددة للأمن الوطني مظاهر عدة : النشاط المتنامي لحركات الإرهاب الدولي والتطرف الديني ، الجريمة المنظمة ، التدهور البيئي ، غسيل الأموال ، فجوات الصحة والتعليم ، تفشي أمراض العصر المستعصية كالسيدا ، تصاعد حدة الإنقسامات القبلية والطائفية...إلخ
    رغم أن هذه المخاطر ليست حكرا على أقاليم معنية إنما تشتد تفاقما على المستويين الأفقي والعمودي خاصة في الدول الفقيرة و الفاشلة المثقلة بأزماتها السياسية و الأمنية و معضلاتها الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية .
    فتحولت مثلا منطقة الساحل الإفريقي ، البحيرات الكبرى و القرن الإفريقي إلى مناطق رخوة أمنيا ومرتعا خصبا لنمو هذه المخاطر و ما لذلك من انعكاسات على أمن دولها القومي ثم الإقليمي وحتى المنظومة الأمنية العالمية من خلال انتقال عدوى اللااستقرار و تدفقات حركات الهجرة ومعه ارتفاع معدلات الفر والنزاعات المسلحة.
    ثانيا : التلويح بآلة التدخل الدولي الإنساني :
    رغم كثافة حجم التحديات التي باتت تهدد أدور الدولة الوطنية على مستوى العالم الثالث غير أن هذا لا يعد نهاية المطاف فقد أفرزت تفاعلات السياسة العالمية في العقدين الأخيرين تجديا من قبيل آخر أضحى يصطلح عليه بالتدخل الدولي الإنساني ضاربا سيادة الدولة الوطنية في مقتلها .
    فنحن نشهد مع التحول إلى الأحادية وزعامة الو.م. أ إعادة صياغة لمبدأ التدخل الدولي من خلال عقلنته وتبريره تحت ذريعة الاعتبارات الإنسانية ، و نسجل هنا جمل من الملاحظات :
    الأولى : ارتباط معنى التدخل الإنساني بالتوسع الرأسمالي العالمي وقبل ذلك الظاهرة الاستعمارية امتداد لما يطلق عليه بـ : "رسالة الرجل الأبيض للتمدين" ، و ما أصبح يعرف فيما بعد "مسؤولية حماية لسكان" .
    الثانية : باتت الـ و.م. أ خاصة بعد أحداث الحادية عشر من سبتمبر 2001 تتشدق باسم الشرعية الدولية لاستحداث آليات مرنة تضمن وجودها هنا وهناك كلما تطلب الأمر .


    وعادة ما يجري تطبيق مبدأ التدخل على أساس انتقائي وإلا كيف تفسر المعيارية التي توجهه نحو مناطق معينة كأفغانستان ، العراق ، الصومال ، في حين تبرر الانتهاكات التي ترتكبها إسرائيل ضد الإنسانية بأنها دفاع شرعي عن النفس .
    الثالثة : لطالما كانت دول العالم الثالث وتحديدا القارة السمراء الأكثر استهدافا بالتدخل العسكري الدولي من منطقة البحيرات الكبرى إلى غرب إفريقيا ، سيراليون ، ليبيريا ،... نظرا لفشل الية الدولة الحديثة فيها و عدم القدرة على إنتاج استقرارها السياسي الداخلي .
    الرابعة : لا شك أن الدولة الوطنية في العالم الثالث هي حديثة العهد بالاستقلال وبالتالي لم تتح لها فرصة استكمال بناء مشروعها الوطني ، من خلال الضغط الناجم عن أدوات العولمة في مقدمتها صندوق النقد الدولي الذي دفعها ربما لتبني سياسات التكييف الهيكلي أدى لتفكك علاقة الدولة بالمجتمع ، هشاشة التماسك الداخلي مما يعني عدم حيوية الطلب على النظام وانعدام الحاجة حتى لوجود قوة تدعم سيادة الدولة(16) .
    فهكذا تدخلات عسكرية تعزز ما اصطلح عليه البعض بـ "الفوضى البناءة" التي تعني التقاطع مع الـدول الفاشلـة، فالإستراتجية الأمريكية تتضمن ضرب نموذج الدولة ذات الثقل كما حدث في العراق ، وكل ما يجري من تدخل تحت المسوغات الإنسانية هو تزكية هكذا دول رخوة فاشلة شرط أن لا يصل هذا الفشل حدا مأساويا مما يبقيها دائما في حاجة لعون الو م أ و غيرها .
    و عليه يمكن القول أن التدخل الإنساني ليس إلا سلاحا في يد القوى الكبرى تلوح به مرارا لتهديد الوحدة الوطنية و البناء الاجتماعي لدول العالم الثالث .
    5- خاتمـة :
    اعتمادا عما سبق يمكن القول أن مجموع التغيرات التي مست هرمية السياسة العالمية بنيويا و هيكليـا يضاف إليه تداعيات الثورة التكنولوجية الثالثة المحكومة بالتقانة و المعلوماتية كان لها الأثر الحاسم على تآكل نظام الدولة الأمة ، خاصة في العالم الثالث ، أمام عجز هذه الأخيرة عن إدارة معضلاتها الاقتصادية و الاجتماعية و أزماتها السياسية و الأمنية .
    و قد تحولت الدولة الأكثر ذكاءا إلى تلك القادرة على تحقيق واشباع حاجيات مواطينها، و هي صيغة بعيدة المنال بالنظر لواقع مجتمعاتنا .
    و عليه إذا كان من المجازفة العلمية القول بأن العولمة لا تعمل على حل كيان الدولة و تفتيته ، إلا أنها في المقال لم تتركه سليما تماما .




    6- الهوامـش:

    (1) سلوى شعراوي جمعة، مفهوم إدارة شؤون الدولة و المجتمع

    (2) المحكوم بثلاثة مبادئ أساسية هي:
    -احترام سيادة الدول
    -مبدأ المساواة بين الدول
    -عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول

    (3) مصطفى بخوش، مضامين ومدلولات الدولية بعد الحرب الباردة ، مجلة العلوم الإنسانية ، العدد03 ، اكتوبر 2002، جامعة محمد خيضر ، بسكرة ص 162.
    (4) نفس المرجع ، ص163.
    (5) سعيد مقدم ، التنمية والإدارة في ظل تحديات العولمة : حالة الجزائر ، إدارة مجلة المدرسة الوطنية للإدارة ، المجلد 16 ، العدد 31، 2006 ص 11.
    (6) بوران توربون ، العولملت:الأبعاد و الموجهات التاريخية و المؤثرات الإقليمية و توجيه الحكم المعياري ، ترجمة بدر الرفاعي ، الثقافة العالمية ، العدد 106، مايو 2001 ص08 .
    (7) نفس المرجع ، نفس الصفحة .
    (8) ، مرجع سابق ص 168 .
    (9) منصر جمال ، العولمة وانعكاستها على أدوار الدولة الوطنية مذكرة ماجستير (غير منشورة ) كلية الحقوق والعلوم السياسية ، جامعة قسنطينة 2005 ص67 .
    (10) سعيد مقدم ، ، ص 15.
    (11) سنصر جمال ، مرجع سابق ، ص 69.
    (12) نجيب غلاب ،الدولة الوطنية و تناقض الأمركة مع العولمة ، الحوار المتمدن ، العدد2334 ، 06جويلية 2008 .
    (13) منصر جمال ، مرجع سابق ، ص78 .
    (14) بخوش مصطفى ، التحول في مفهوم الأمن وانعكاساته على الترتيبات الأمنية في المتوسط ، ورقة بحثية قدمت إلى ملتقى الجزائر و الأمن في المتوسط واقع وآفاق ، كلية والعلوم السياسية جامعة قسنطينة 2008 ، ص 05 .
    (15) أنظر في هذا الصدد مؤلف ذائع الصيت فرنسيس فوكوياما ، نهاية التاريخ وخاتم البشر ، ترجمة : حسين الشيخ (بيروت دار العلوم العربية 1993 )
    (16) أنظر : منصر جمال ، مرجع سابق ، ص ص 102- 103 .
     
جاري تحميل الصفحة...