1. politics-dz

    politics-dz مدير الموقع
    طاقم الإدارة politico نجم المنتدى

    إنضم إلينا في:
    ‏22 فبراير 2015
    المشاركات:
    4,183
    الإعجابات المتلقاة:
    4,432
    تثير موجة الثورات التي تشهدها الدول العربية، منذ بدايات عام 2011، العديد من التساؤلات حول مستقبل المنطقة وقضاياها وأدوار مختلف الفاعلين فيها. وتزداد في هذا السياق أهمية تحليل كيفية تعامل تركيا مع هذه التغيرات والتأثيرات المتوقعة لها في الدور التركي في منطقة الشرق الأوسط. وفيما يلي عرض لأهم أبعاد الدور التركي والرؤية الحاكمة له في مرحلة ما قبل الثورات، ثم تحليل أولي للتأثيرات المباشرة للثورات في هذا الدور، ومحاولة لاستشراف آفاقه.

    أولا- الدور التركي قبل الثورات العربية 2002-2010 :

    شهدت السنوات الأخيرة تزايد الاهتمام بالدور التركي في منطقة الشرق الأوسط وقضاياها، لاسيما بعد وصول حزب العدالة والتنمية إلي السلطة في تركيا في نوفمبر 2002، وحرص قيادات الحكومة الجديدة علي تأكيد تبنيهم رؤية مختلفة نوعيا لسياسة تركيا وعلاقاتها الخارجية في الدوائر المختلفة، وبخاصة في الدائرة الشرق الأوسطية. وعزز من هذا الاهتمام ما شهدته عناصر القوة التركية من تطورات إيجابية خلال هذه الفترة، لاسيما في أبعادها الاقتصادية، حيث نجحت تركيا في احتلال المرتبة الأولي بين اقتصادات المنطقة (والسادسة عشرة علي المستوي العالمي) من حيث حجم الناتج المحلي الإجمالي. وصاحب ذلك زيادة حضور الدور التركي ونشاطه في العديد من القضايا المحورية في المنطقة، سواء فيما يتعلق بالقضية العراقية، أو الصراع العربي - الإسرائيلي بمساراته المتعددة، أو أزمة البرنامج النووي الإيراني، أو طرح تركيا كنموذج في قضايا الإصلاح في المنطقة بأبعاده المختلفة، وغيرها من القضايا(1).

    وقد أثار هذا الدور التركي النشط بأبعاده المتعددة الجدل حول طبيعته وحقيقة الدوافع المحركة له بين اتجاهات تبرز الطابع البراجماتي للسياسة التركية وتركيزها علي تحقيق المصالح الوطنية، وفقا لحسابات قصيرة الأمد، وأخري تؤكد تحول السياسة الخارجية نحو الشرق في إطار استعادة تركيا ذاتها الحضارية الإسلامية تحت قيادة حزب ذي مرجعية إسلامية، وثالثة تؤكد استمرار التوجه الغربي لتركيا وأدوارها بالوكالة في المنطقة مع ارتباط نشاط تركيا بمساعيها لزيادة أهميتها الاستراتيجية لتعزيز فرص انضمامها للاتحاد الأوروبي. وفي مقابل ذلك، تزايدت تدريجيا مساحة أنصار الخطاب التركي الرسمي لحكومة العدالة من استرشاد السياسة التركية في عهدهم برؤية جديدة متعددة الأبعاد، تري تكاملا لا تعارضا بين الهويات والتوجهات المتعددة للسياسة التركية، وتتمثل عناصرها الأساسية في(2):

    * ضرورة تنشيط الدور التركي في المنطقة بما يتجاوز حدودها المباشرة.

    * تغليب الحوار السياسي والمبادرات الدبلوماسية في معالجة الأزمات، ورفض سياسات الحصار والعزل، وتشجيع سياسات الانخراط الإيجابي.

    * الاهتمام بالمدخل الاقتصادي لمعالجة الخلافات، وتعزيز الاعتماد المتبادل بين اقتصادات المنطقة.

    * ضرورة الحفاظ علي وحدة الكيانات القائمة وطابعها المتعدد في إطار تعزيز التعايش الثقافي.

    * أهمية التنسيق الأمني ورفض سياسات المحاور وتأكيد مفهوم الأمن للجميع، مع عدم استبعاد إمكانية استخدام القوة العسكرية، لكن في إطار التوظيف الذكي لعناصر القوة التركية.

    وجسدت هذه الرؤية - جنبا إلي جنب مع الأدوار التركية الفعلية تجاه قضايا المنطقة - محاولة حكومة العدالة الالتزام بنهج توفيقي توازني علي كافة المستويات الداخلية والإقليمية والدولية، بين التركيز علي المصالح الوطنية التركية (الأمنية والاقتصادية والسياسية) من جهة، وإعادة صياغتها وتقديمها في إطار يوفق بين هذه المصالح ومصالح القوي الإقليمية المتعددة من جهة أخري، وبين السعي لزيادة استقلالية الرؤية التركية كدولة إقليمية لها مصالحها المحددة ذاتيا بشكل مستقل عن التبعية لارتباطاتها الغربية من ناحية، وتجنب الصدام المباشر مع رؤي ومصالح وترتيبات الولايات المتحدة والقوي الكبري في المنطقة من ناحية أخري.

    إلا أن الدور التركي واجهته العديد من الصعوبات، من أهمها: حدود القدرات الذاتية، وصعوبة الحفاظ علي الصياغات والمعادلات التوازنية علي كافة المستويات الداخلية والإقليمية والدولية بشكل متزامن، واعتماد العديد من هذه الصياغات التوفيقية علي تعاون الفاعلين المؤثرين علي المستويات كافة. ومثلت الثورات العربية مناسبة جديدة لإعادة استحضار هذه الإشكاليات والجدالات المحيطة بالدور التركي.

    ثانيا- تركيا والثورات العربية :

    تبنت تركيا مداخل بدت مختلفة نسبيا في التعامل مع الثورات العربية. فابتداء، التزمت تركيا مدخل المتابعة الحذرة للأوضاع في تونس. ثم كان الموقف التركي أكثر وضوحا في الحالة المصرية في دعوة النظام القائم إلي إدخال إصلاحات، والاستجابة لمطالب الشعب، ثم التحول بعد ذلك إلي نقد النظام علنا ومطالبته بالرحيل، في خطاب أردوغان أمام البرلمان التركي في بداية فبراير 2011، فيما ع د تحولا نوعيا في السياسة التركية نحو التدخل المباشر في الشئون الداخلية لدول أخري، غير مرتبطة بشكل مباشر بالأمن الوطني لتركيا، وسابقة في العلاقات بين القوي الرئيسية في المنطقة(3). لكن السياسة التركية جاءت أكثر تحفظا بشكل عام إزاء التدخلات الخارجية في ليبيا، حيث عارضت فرض العقوبات وخطط التدخل العسكري بقيادة فرنسا ثم الناتو، وبدت تركيا أقرب إلي تبني مدخل الإسهام في جهود الإغاثة الإنسانية، مع الإبقاء علي قنوات مفتوحة مع طرفي الصراع لأداء دور الوسيط. وجاء الموقف التركي أكثر حذرا في حالة البحرين. فرغم الجهود الدبلوماسية والاتصالات التركية بقيادات البحرين والسعودية وإيران، فإن الموقف التركي اكتفي بدعوة الأطراف كافة إلي ضبط النفس، والدعوة للإصلاح بشكل عام دون انتقاد مباشر للنظام البحريني، ومطالبة المحتجين بالاستجابة لمبادرات الإصلاح في الآن ذاته، مع التحذير من مخاطر الانقسام السني - الشيعي في المنطقة. وبالمثل، تراجع بروز الدور التركي في الحالة اليمنية، حيث تجنبت التدخل المباشر، واكتفت بمناشدات عامة لتحسين مستقبل اليمن من خلال التحول الديمقراطي، وعبرت عن دعمها المبادرة الخليجية لانتقال السلطة لمعالجة الأزمة اليمنية. وأخيرا، تبنت تركيا مدخلا مزدوجا في التعامل مع تطورات الأوضاع في سوريا، يجمع بين حماية النظام الصديق لتركيا ودعمه من جهة، والتعاطف مع الثوار والتأييد الضمني لهم ولمطالبهم من جهة أخري، مع تنشيط دور المجتمع المدني التركي في استضافة أنشطتهم علي الأراضي التركية(4).

    وقد تعددت التفسيرات والدلالات المطروحة لهذه المواقف التركية والاختلافات بينها. فثمة من يراها مؤشرا علي الطابع البراجماتي وتغليب مصالح تركيا الاقتصادية بالأساس. وهناك من يراها مؤشرا علي ارتباك السياسة الخارجية التركية، نتيجة وقوعها في إسار سياساتها التوازنية وعدم انحيازها بوضوح لمطالب الشعوب بالتغيير. ويراها آخرون مؤشرا علي الارتباك والتخلي عن الأسس التوازنية لرؤية العمق الاستراتيجي بتدخلها في الشئون الداخلية لدول المنطقة وانحيازها لأطراف دون أخري. ويتلاقي الاتجاه الأخير مع تفسيرات تركز علي المرجعية الإسلامية لحزب العدالة والتنمية، وارتباطه بالإخوان المسلمين في مصر وسوريا. وهناك اتجاهات أخري تفسر المواقف التركية باعتبارها تتبع إلي حد كبير مواقف العواصم الغربية، وهو ما يناقض تفسيرات تبرز رفض التدخل العسكري الخارجي في دول المنطقة كأحد المحددات الأساسية للموقف التركي، لاسيما أن مثل هذا التدخل قد يتم استدعاؤه لاحقا ضد تركيا ذاتها(5).

    وفي المقابل، يبدو التفسير الرسمي أقل أحادية، وأكثر شمولا ومرونة، إذ يؤكد اتفاق المواقف التركية مع الرؤية الحاكمة لسياستها الخارجية بشكل عام، واستمرار مساعيها لتحقيق مصالحها الوطنية ومصالح جميع الأطراف في إطار إعطاء الأولوية للاستقرار في المنطقة، مع إدراك أن تحقيق الاستقرار في الظروف الراهنة غير ممكن إلا من خلال دعم الإصلاحات الديمقراطية. ويفسر الخطاب الرسمي اختلاف الآليات التركية من حالة لأخري، حسب تقديرات تركيا لطبيعة كل حالة، ومتطلبات الموازنة بين الحرية والأمن/الاستقرار فيها، علي ضوء طبيعة التكوين الإثني للمجتمعات المختلفة، ودرجة استجابة قيادات النظم المعنية، ودوافع الأطراف الخارجية من التدخل، وتقدير حدود إمكانيات تركيا وقدراتها في كل حالة(6).

    وبغض النظر عن التفسيرات السابقة، فقد أثرت التطورات التي تشهدها المنطقة في الدور التركي، سياسيا واقتصاديا وعسكريا:

    1- من الناحية السياسية، أدت الثورات العربية لإعادة استدعاء الدور التركي كنموذج، مع تجدد الجدل حول كيفية ومدي الاستفادة من الخبرة التركية. ويظهر هذا الجدل بشكل خاص فيما يتعلق بتنظيم العلاقة بين الديني والسياسي، حيث يمكن التمييز بين عدة اتجاهات، أولها يركز علي آليات ضبط حركات الإسلام السياسي وضمان علمانية/مدنية الدولة، من خلال دور الجيش، وترتيبات دستورية ومؤسسية وحوافز وضغوط الأطراف الخارجية. ويركز ثانيها علي دلالات نجاح الإسلام السياسي التركي وما تعكسه من تطور في رؤية حزب العدالة ونجاحه في الوصول لصيغ توافقية داخليا وخارجيا. وثمة اتجاه ثالث يري أن حالات بعض الدول العربية -مثل مصر- قد أصبحت في وضع أفضل من تركيا، ومتجاوزة لها من منظور عدم وجود مشكلة العلمانية المتطرفة، وطبيعة العلاقات المدنية - العسكرية، وتراجع القيود الواردة علي تيارات الإسلام السياسي، وإمكانيات التعبير عن رؤية هذا التيار وتطبيقها بشكل أكثر وضوحا(7).

    وبجانب الدور التركي كنموذج، وفرت الثورات مجالا لنشاط تركيا في طرح دورها كطرف ثالث ووسيط في معالجة الخلافات العربية الداخلية، ومحاولة الحد من امتداداتها الإقليمية والتدخلات الدولية فيها، مع التركيز التركي علي المداخل السياسية والدبلوماسية بشكل أساسي، سواء في صورة الضغط السياسي بدرجات متفاوتة علي الحكومات، أو باستضافة مؤتمرات لبعض قوي المعارضة (كما في حالة سوريا وبدرجة أقل ليبيا)، واقتراح مبادرات توازن بين اعتبارات الحرية والحفاظ علي الأمن والاستقرار، من خلال وقف العنف وبدء عمليات إصلاح قد تصل إلي ترتيبات لنقل السلطة. وظهر هذا المنهج التركي بوضوح فيما أعلنه أردوغان في 7 أبريل 2011 عن "خريطة طريق" لمعالجة الوضع في ليبيا من خلال ثلاثة محاور، هي: وقف فوري لإطلاق النار وانسحاب القوات الحكومية من المدن وإعادة إمدادات الإعاشة لها، وتشكيل نطاقات إنسانية آمنة توفر تدفق المساعدات الإنسانية للجميع، وإطلاق فوري لعملية شاملة للتحول الديمقراطي تستوعب جميع الأطراف(8). لكن ظهور النشاط السياسي التركي صاحبه جدل حول دوافعه ومدي توازنه، وكذلك التساؤل حول مدي فاعليته. فتزايد حدة الاستقطابات بين أطراف الصراعات الدائرة واستخدام السلاح، كلها عوامل تقيد من فاعلية الدور التركي في تحقيق النتائج المطلوبة وتظهر حدوده، سواء من منظور القدرة علي المعالجة الناجحة لأزمات المنطقة، أو حتي توظيف النشاط السياسي والدبلوماسي التركي في تعزيز مكانة تركيا.

    2- من الناحية الاقتصادية، تعاني تركيا حاليا خسائر اقتصادية في علاقاتها مع الدول التي تشهد ثورات، فصادرات تركيا خلال الأشهر الثلاثة الأولي من عام 2011 تراجعت بنسبة 24% لكل من مصر واليمن، و20% لتونس، و43% لليبيا، و5% لسوريا، مع توقع تصاعد هذه النسب في الدولتين الأخيرتين مع تدهور الأوضاع فيهما، فضلا عن خسائر المتعاقدين وشركات البناء التركية في ليبيا، حيث تشكل السوق الثانية للمتعاقدين الأتراك في الخارج بعد روسيا، مع وجود أكثر من 120 شركة تركية عاملة في ليبيا، وفق تقديرات عام 9002.

    لكن من الضروري عدم المبالغة في التأثيرات السلبية في اقتصاد تركيا. فمن ناحية، فتحت هذه الأوضاع المجال لاستحضار دور تركي مساهم في إنقاذ اقتصادات هذه الدول، في إطار الحديث عن مشروعات تعكس سعي تركيا لتنشيط علاقاتها التجارية والاستثمارية معها. كما نجد أن أغلب الشركاء التجاريين الأساسيين لتركيا خارج المنطقة، كما أن النسبة التي تشكلها الصادرات التركية لكل من مصر وليبيا وسوريا لإجمالي حجم الصادرات التركية لا تتعدي من 1 إلي 1.5% لكل منها. كذلك، فإن انخفاض حجم الصادرات التركية لبعض دول المنطقة عوضته زيادة الصادرات لدول أخري، مثل إيران والعراق والإمارات. وفي السياق ذاته، أعلن تجمع المصدرين الأتراك عزمه علي تعزيز الصادرات التركية شرقا نحو الهند وإندونيسيا والصين لزيادة تنويع وجهات الصادرات التركية. ولعل أحد المؤشرات اللافتة للنظر أن الصادرات التركية وصلت قيمتها إلي 55.5 مليار دولار في الأشهر الخمسة الأولي من عام 2011 بزيادة قدرها 20% عن الفترة نفسها من العام السابق.

    لا يمنع ذلك أن ارتفاع أسعار النفط، بسبب تطورات الأوضاع في المنطقة، أسهم في ارتفاع الواردات التركية وزيادة عجز الميزان التجاري، خاصة بالنظر إلي اعتماد تركيا علي الاستيراد للوفاء بأكثر من 90% من احتياجاتها من النفط والغاز والفحم. وتكشف المقارنة بين حجم الصادرات والواردات التركية عن تضاعف حجم العجز في ميزان التجارة الخارجية، من 5.5 مليار دولار في أبريل 2010 إلي 9 مليارات دولار في أبريل 2011(9).

    3- من الناحية الأمنية، أدت الأزمات التي تشهدها دول المنطقة إلي بروز أدوار أمنية عسكرية تركية علي نحو ما ظهر في ليبيا بشكل خاص، في إطار المشاركة التركية في حملة الناتو لفرض حظر التسلح وإيصال المساعدات الإنسانية(10). كذلك، أثارت بعض التحليلات وجود خطط تركية للتدخل وإقامة مناطق آمنة داخل الأراضي السورية، في حالة تدهور الأوضاع فيها، للحد من امتداد التأثيرات السلبية وتدفق اللاجئين داخل الأراضي التركية. ورغم نفي الأتراك هذه الأنباء(11)، فإن دلالة إثارتها تظل لافتة، حيث تمثل بشكل أو آخر إعادة استدعاء للأدوار الأمنية التركية في مرحلة ما قبل العدالة والتنمية. كما كشفت عن حدود قدرة تركيا علي الحد من التدخلات العسكرية الأجنبية في المنطقة، والاضطرار للمشاركة في هذه الترتيبات بشكل أو آخر، وهو ما ظهر في الحالة الليبية، وقد يفرض نفسه في الحالة السورية، حال تصاعدها.

    ثالثا- آفاق الدور التركي :

    إذا كانت عملية الاستشراف بطبيعتها محاطة بالعديد من الصعوبات، فإن هذا التحفظ يبدو أكثر حضورا بالنظر إلي حالة عدم الاستقرار والتغيرات المتلاحقة والممتدة التي تشهدها المنطقة في الوقت الراهن. ومن ثم، فإن الأفكار المطروحة حول مستقبل الدور التركي تظل أقرب للاجتهادات الأولية التي تتطلب المراجعة مع زيادة تبلور آثار هذه التغيرات. ويمكن الحديث بشكل عام عن ثلاثة تصورات لمستقبل الدور التركي في المنطقة، وذلك علي النحو التالي:

    1- تصور تعزيز حضور الدور التركي وفاعليته: يقوم هذا التصور علي أن التغيرات الراهنة من شأنها أن تعزز من حضور تركيا في المنطقة، مع زيادة جاذبية أدوارها، وذلك في إطار مسارين مختلفين نسبيا، هما:

    أ- مسار تعزيز الدور التركي مع تراجع القوي العربية: وذلك في إطار توقع زيادة فاعلية الدورين التركي والإيراني لملء الفراغ الإقليمي المتزايد الذي سينجم عن انشغال دول المنطقة بقضاياها الداخلية، وعجزها عن النهوض بأدوارها الخارجية بفاعلية، وهو ما يشكل امتدادا للأوضاع في مرحلة ما قبل الثورة، حيث كان تراجع الأدوار العربية أحد مصادر بروز أدوار القوي الأخري في المنطقة. ويمكن تصور ارتباط هذا الصعود في الدور التركي بتزايد التنسيق التركي - الإيراني، أو التركي - الخليجي، مع استدعاء تحليلات أخري لإمكانية تأثير التغيرات في المنطقة في تعزيز أهمية تركيا في الفكر الاستراتيجي الغربي كحليف ديمقراطي أكثر استقرارا، و دفع إسرائيل لمعالجة أسرع لخلافاتها مع تركيا لتحجيم السيناريوهات السلبية التي قد تنجم عن تغير البيئة الإقليمية(12).

    ب- مسار تعزيز الدور التركي مرتبطا بنجاح الثورات وتفعيل التعاون العربي - التركي: فمن الناحية الاقتصادية مثلا، يمكن للإصلاحات السياسية والاقتصادية في المنطقة أن تسهم في تحسين إمكانيات التعاون الاقتصادي بين تركيا ودول المنطقة، وتفعيل مشروعات التكامل الاقتصادي وتقسيم العمل(13).

    وبشكل أكثر شمولا، فإن ديناميات الثورات داخليا وخارجيا يفترض أن تدفع النظم العربية لمراجعة سياساتها الخارجية، وزيادة استقلاليتها من خلال بدائل استراتيجية. وتمثل تركيا بديلا استراتيجيا إقليميا مهما، وإن كان تفعيل التعاون المتوازن معه يتطلب تحقق شروط معينة، من أهمها تطوير القدرات العربية، ووجود رؤية عربية مشتركة، وزيادة التوافق الوطني داخل تركيا نفسها، ووضوح أولوياتها مع نجاحها في معالجة مشكلاتها الداخلية(14). وأحد المسارات المطروحة لتحقيق هذا التعاون العربي مع تركيا (وإيران) هو تحقق درجة أكبر من التقارب بين أنظمة الحكم فيها، مع السيطرة المتوقعة للقوي ذات المرجعية الدينية، بحيث تصبح نظم الحكم في المنطقة ذات وعي أكبر بهويتها الحضارية ومسئولياتها تجاه شعوبها، وأقل تبعية للخارج، وبحيث تزداد إمكانيات تفعيل المثلث المصري - التركي - الإيراني(15).

    2- تصور استمرارية حضور الدور التركي وجاذبيته مع محدودية فاعليته: وهو ما يمثل استمرارا للوضع القائم بدرجة أو أخري، وامتدادا للسياسة التركية التي تجلت في التعامل مع الثورات العربية. وبخلاف التصور الإيجابي لتعزيز الدور التركي، فإن هذا التصور لا يشترط حدوث تحولات أو تغييرات جذرية، داخلية وإقليمية، بقدر ما يقوم علي افتراض استقرار الداخل التركي، وعدم امتداد مظاهر عدم الاستقرار إليه. لكن تسارع وتيرة التغيرات الإقليمية قد يكون من شأنه الكشف بشكل أكبر عن الإشكاليات الكامنة في الدور التركي، ورؤيته ومحدودية قدرته علي تحقيق نتائج ملموسة بشكل يؤثر سلبا في الاهتمام بهذا الدور وجاذبيته، بما يدفع إلي تراجعه تدريجيا.

    3- تصور تراجع الدور التركي: سواء علي مستوي الحضور أو الجاذبية والاهتمام، أو الفاعلية والتأثير. وقد ينتج ذلك جزئيا بسبب أسلوب تعامل تركيا في الشهور الأخيرة مع الثورات العربية، والإدراك السلبي لدلالات هذه السياسة، سواء من قبل الشعوب، أو النخب الحاكمة العربية "القديمة". فتذبذب المواقف التركية إزاء الثورات يهدد تركيا بفقدان مصداقيتها لدي الشعوب العربية كدولة تؤسس سياستها الخارجية علي مبادئ الحرية والعدالة والإنسانية، وهو ما ظهر أحد مؤشراته في احتجاجات ثوار ليبيا علي السياسة التركية المنحازة للقذافي في تقديرهم(16). وفي المقابل، فإن حذر النخب العربية "القديمة" سيتزايد إزاء تركيا بسبب ربط المواقف التركية بالعلاقات بين حزب العدالة وتنظيمات الإسلام السياسي في المنطقة. وقد دفع ذلك بعض التحليلات إلي تأكيد "نهاية سياسة العمق الاستراتيجي التركية" مع ظهور عدم حيادية تركيا في تدخلاتها في المنطقة، بما يؤثر سلبا في السياسة التركية بشكل عام، و"يعرض علاقاتها وكل استراتيجياتها العميقة للانكسار، وعلي كل الأصعدة، ليس فقط مع سوريا، بل مع المحور كله من طهران إلي بيروت مرورا ببغداد"(17).

    وإذا كانت السيناريوهات السابقة تفترض في غالبيتها استمرار النظم القائمة، فإن سيناريوهات نجاح الثورات العربية واكتمالها قد تؤثر بدورها سلبا في الدور التركي. فعودة الدور المصري خلال الفترة القادمة، حال نجاح مصر في تجاوز مرحلة عدم الاستقرار الراهنة وتفعيل وجودها في الدوائر التقليدية للسياسة المصرية، من شأنه تقليل حالة الفراغ الإقليمي التي مثلت أحد مصادر بروز الدور التركي خلال السنوات الأخيرة. كذلك، قد تتزايد الصعوبات التي قد تواجه تركيا مستقبلا، حال سعيها لتطوير علاقات اقتصادية غير متكافئة مع دول المنطقة، مع زيادة ديمقراطية صنع قرارات السياسات الخارجية. كما أن الطابع الشعبوي لصناعة السياسة الخارجية قد يحمل مخاطر إثارة القضايا الخلافية في العلاقات العربية - التركية، مثل قضايا المياه والحدود، لاسيما أن سياسة تصفير المشكلات التركية لم تقدم سوي معالجات جزئية تصب في غالبيتها لصالح تركيا(18).

    أخيرا، قد يتراجع الدور التركي نتيجة انكفاء تركيا علي ذاتها، حال امتداد تأثيرات التطورات الراهنة في المنطقة في صورة تصدير الثورة، أو عدم الاستقرار إلي داخل تركيا ذاتها بسبب عوامل الضعف الكامنة في بنية مجتمعها. ويشير المسئولون الأتراك بوضوح في هذا الصدد إلي المخاوف من تأثير الأوضاع في سوريا تحديدا في تعزيز قدرات حزب العمال الكردستاني علي التخطيط والحركة عبر الحدود السورية - التركية، مع تخوف أكبر من انتشار تأثيرات الأوضاع في المنطقة عامة وسوريا خاصة -لاسيما حال استدعاء الأبعاد الطائفية والإثنية- علي نحو يؤجج مطالب الأكراد والعلويين في تركيا. وأحد المؤشرات المقلقة لتركيا في هذا الصدد هو تزامن التوترات في المنطقة مع تهديدات حزب العمال الكردستاني بتصعيد أعمال العنف، عقب الانتخابات البرلمانية التركية مباشرة، حال عدم جدية الحكومة في معالجة القضية الكردية(19).

    خاتمة :

    وأخيرا، يمكن القول إنه إذا كانت غالبية التصورات تشير إلي إمكانية استمرار بروز الأدوار التركية في المنطقة (دون زيادة فاعليتها بالضرورة)، فإن الأكثر أهمية هو ما يكشف عنه العرض السابق من عدم وجود علاقة خطية بالضرورة بين تعزيز الدور التركي وتعظيم المصالح العربية أو العكس. ومن ثم، يصبح من الضروري - من المنظور العربي - إدراك حدود التلاقي والاختلاف بين المصالح التركية والعربية، مع إعطاء الأولوية لتعظيم إيجابيات التغيرات الراهنة علي القدرات الذاتية العربية، والتقييم الموضوعي لإمكانية الاستفادة من الأدوار التركية في هذا الصدد، دون تهوين أو مبالغة.

    الهوامش :

    1- بولنت أراس وبينار أكبينار، السياسة الخارجية الجديدة لتركيا وانعكاساتها علي الشرق الأوسط، مجلة شرق نامه (القاهرة: مركز الشرق للدراسات الإقليمية والاستراتيجية، 2010)، و: علي جلال معوض، العثمانية الجديدة .. الدور الإقليمي التركي في الشرق الأوسط، سلسلة قضايا (القاهرة: المركز الدولي للدراسات المستقبلية والاستراتيجية، أكتوبر 2009)، و:

    - Graham E. Fuller، The New Turkish Republic: Turkey as a Pivotal State in the Muslim World (Washington، DC: United States Institute of Peace، 2008).

    2- أحمد داود أوغلو، العمق الاستراتيجي .. موقع تركيا ودورها في الساحة الدولية، ترجمة: محمد جابر ثلجي وطارق عبدالجليل (الدوحة: مركز الجزيرة للدراسات والدار العربية للنشر، 2010) 605-446.

    3- محمد نورالدين، أين أصاب أردوغان وأين أخطأ؟، السفير، 3 فبراير 2011.

    4- Burhan Koroglu، زTurkey's Position Towards the popular Arab Revolutionsس، Afro-Middle East Center، April 2011، عفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا

    5- محمد نورالدين، تركيا وسوريا .. نهاية العمق الاستراتيجي، السفير، 17 مايو 2011، و: إبراهيم البيومي غانم، تركيا لا تكاد تصحح مواقفها، موقع السبيل، 8 مايو 2011،

    عفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا

    6- Press Statement by H.E. Recep Tayyip Erdogan، The Prime Minister of the Republic of Turkey on Libya، 3 May 2011، Republic of Turkey-Minstry of Foreign Affairs Website (TMOFA) Website، عفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا FATMA DEM?RELL?، 'Democracy or stability? Turkey opts to go case-by-case in Mideast،' Today's Zaman، 2/11/2011.

    7- علي جلال معوض، الدور الإقليمي لتركيا..، مرجع سابق، 135-204، انظر أيضا: صلاح سالم، أثر الثورة المصرية في المحيط العربي والبيئة الإقليمية، شئون عربية، عدد 145، ربيع 2011، 69-72 .

    8- Press Statement by H.E. Recep Tayyip Erdo?an، Op.cit.

    9- زForeign Trade Statistics April 2011"، Prime Ministry Republic of Turkey-Turkish Statistical Institute Website، عفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا 'Turkish exports hit new peak in first quarter'، Hurriyet Daily News،4/1/2011.

    10- Mehmet Ali Birand، 'Turkey's Military Carves Out New Role In Libya، Leaves Domestic Power Struggles Behind،' HURRIYET/Worldcrunch، 2011/5/2، عفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا

    11- عبر التدخل في الأراضي السورية: تركيا تنفي التخطيط لإقامة مناطق آمنة للنازحين من سوريا، الأهرام، 31 مايو 2011.

    12- Mohammed Ayoob، زBeyond the Democratic Wave in the Arab World: The Middle East's Turko-Persian Futureس، Insight Turkey،Vol13.، No. 2 (June 2011): 57-70.

    - Foreign Policy Research Institute، 'Rise And Future Fall of Turkey-Iran Axis Analysis'، Eurasia Review: News and Analysis، 8-5-2011، عفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا

    13- Ibrahim Ozturk، زTurkish Economy in the Age of Arab Revolutionsس، Today's Zaman،2011/2/3; 'Higher oil prices to raise burden of imports'،Hurriyet Daily News، 3/1/2011.

    14- محمد السيد سليم، تركيا بديل استراتيجي إقليمي مهم، ملف العرب وتركيا .. تحديات الحاضر ورهانات المستقبل، موقع المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 29 مايو 2011:

    عفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا

    15- أحمد داود أوغلو، العالم الإسلامي في مهب التحولات الحضارية، ترجمة وتعريب: إبراهيم البيومي غانم، (القاهرة: مكتبة الشروق الدولية، 2006)، صدر العمل الأصلي في 1994، ص ص182-491.

    16- إبراهيم البيومي غانم، مرجع سابق.

    17- محمد نورالدين، تركيا وسوريا .. نهاية العمق الاستراتيجي، مرجع سابق.

    18- FERAi TINC، 'The Arab Spring and Turkey's new role،' Hurriyet Daily News and Economic Review، 5/9/2011.

    19- Chris Zambelis، 'Unrest in Syria Inspires New Wave of Kurdish Activism،' The Jamestown Foundation: Terrorism Monitor،Vol9.،No22.،6/2/2011.

    تعريف الكاتب:
    عفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا
    مدرس مساعد بقسم العلوم السياسية، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة

    التعليق
     
  2. politics-dz

    politics-dz مدير الموقع
    طاقم الإدارة politico نجم المنتدى

    إنضم إلينا في:
    ‏22 فبراير 2015
    المشاركات:
    4,183
    الإعجابات المتلقاة:
    4,432
    معالم السياسة الخارجية التركية في منطقة متغيرة


    إذا تم رسم خريطة لشبكة العلاقات الدولية المعقدة خلال الحرب الباردة، سيتضح منها أن تركيا تم وصفها بانها (دولة حدودية) او (دولة طرفية). وبصفتها جزءا من الكتلة الغربية، كانت وسيلة للتحكم في الجنوب بواسطة القوى الغربية المتوسعة إلى الشرق وعلى أطراف الغرب، و كانت بداخله كذلك من خلال مؤسساته، واُعتبرت دوما العضو الأهم في حلف الناتو، وما زالت تحتفظ بهذه المكانة. ومع نهاية الحرب الباردة في بداية التسعينات، بزغ تصور جديد لتركيا في الأذهان كدولة جسر. ومع ظهور مشاكل جديدة عديدة في فترة ما بعد الحرب الباردة من ضمنها الغزو العراقي للكويت والأزمة في البلقان، أصبح هدف تركيا الأساسي هو حماية استقرارها، وقد نجحت فعلا في الحفاظ على هذا الاستقرار في خضم الفوضى العارمة التي انجرف إليها العديد من جيرانها القريبين. وبدأ المجتمع الدولي ينظر الي تركيا علي اعتبارها واحة للاستقرار وجسر يربط الشرق بالغرب.

    واليوم هناك حاجة مُلحة، الي اعادة تعريف مكانة تركيا في الحقبة الجديدة التي اعقبت احداث الحادي عشر من سبتمبر. فمكانة تركيا الجديدة لها اساسان؛ اساس فكري و اساس جغرافي؛ من الناحية الجغرافية؛ نجد ان تركيا، تحتلُّ موقعا فريدا، فباعتبارها دولةً مترامية الأطراف وسط أرض واسعة بين إفريقيا وأوراسيا يمكنُ أن يتمَّ تعريفُها على أنها بلد مركزيٌّ ذو هويات إقليمية متعددة لا يمكنُ اختزاله في صفة واحدة موحدة. وعلى غرار روسيا وألمانيا وإيران ومصر لا يمكن تفسير تركيا جغرافيا أو ثقافيا بربطها بمنطقة واحدة. فتركيب تركيا الإقليمي المتعدد يمنحها القدرة على المناورة في العديد من المناطق، ومن ثم فهي تتحكم في منطقة نفوذ في جوارها المباشر.”

    هناك دول تشغل قارات مثل الولايات المتحدة واستراليا. لكنها تقع بعيدا عن قلب الاحداث في مناطق افريقيا و أوراسيا. ومن الممكن ايضا ان نضيف الي هذه العينة من الدول أوروبا والهند والصين. فمن الناحية الاقليمية، تشغل هذه الدول مساحات واسعة جغرافيا بما فيه الكفاية بحيث لا يتم تحديد موقعها ها بالرجوع إلى المنطقة الجغرافية المحيطة بها. وهذه الدول يمكن وصفها بدول الاكتفاء الذاتي في كثير من النواحي، حيث انها طورت ثقافات مختلفة خاصة بها. وهناك مجموعة اخري من الدول ، عبارة عن جُزر، مثل اليابان والمملكة المتحدة. تقع على اطراف القارات ولها علاقات مميزة مع القوى القارية. وتشكل الدول الهامشية فئة متميزة من حيث أنها تنتمي إلى منطقة معينة، ويمكن وصفها وتعريفها بواسطة خصائص تلك المنطقة التي تقع فيها.

    بين كل هذه التصنيفات، تحتل تركيا مكانة خاصة. فموقع تركيا الجغرافي يمنحها مكانة خاصة ويجعلها دولة مركزية (محورية)، تختلف عن الدول المركزية الأخرى. فعلى سبيل المثال، تعتبر ألمانيا دولة (مركزية) (محورية) في وسط أوروبا ، لكنها تقع بعيدا عن آسيا وأفريقيا. وروسيا هي الاخري دولة مركزية في أوروبا وآسيا ، لكنها هي الاخري تقع بعيدا عن أفريقيا. وإيران ايضا دولة مركزية في آسيا، لكنها بعيدة ايضا عن أوروبا وأفريقيا. واذا نظرنا الي الموضوع من وجهة نظر عالمية اكثر شمولا، فاننا سنجد ان تركيا تحتل الموقع الأمثل؛ بمعنى أنها دولة آسيوية وأوروبية، وعلى مقربة أيضا من القارة الأفريقية عن طريق البحر الأبيض المتوسط. ويجب علي دولة مركزية مثل تركيا بهذا الموقع الجغرافي الامثل، ان لا تعرف نفسها بطريقة دفاعية. فينبغي أن لا يُنظر إليها كبلد جسر يربط بين نقطتين فقط، او كدولة حدودية او كدولة عادية او كدولة تقع على حافة العالم الاسلامي والغربي.

    تماما كما للجغرافيا والتاريخ علي حد سواء، دور في جعل دولة ما دولة مركزية. فان بعض الدول تقوم بدور مركزي في منطقتها كانعكاس لتراثها الثقافي والتاريخي. فعلى سبيل المثال، روسيا تُعتبر مركز جذب بسبب دورها التاريخي. كما لعبت المانيا مثل هذا الدور منذ عهد الامبراطورية الرومانية الجرمانية. وعلي مر التاريخ كانت تركيا احد مراكز الجذب هذه. لهذا السبب، عندما شرعت تركيا في عملية بناء الدولة في أعقاب انهيار الإمبراطورية العثمانية، فانها اكتسبت كثافة سكانية عن طريق الهجرة من المناطق المجاورة. وتظهر بوضوح اثار التنوع العرقي في تركيا اليوم، فهناك اعراق متنوعة من القوقاز، والبلقان، والشرق الأوسط ، والتركمان العراقيون وعناصر من الأناضول، وحتى لو كانت هذه الاعراق عبارة عن مجموعات صغيرة، الا انها تمثل عناصر ثقافية متنوعة تجتمع كلها تحت مظلة الدولة التركية. فموقع تركيا الجغرافي المتميز يوائم هذه الاعراق والعناصر. فتركيا مركز جذب في منطقتها؛ فعاصمتها الثقافية اسطنبول تمتد اراضيها علي قارتين، وفي نفس الوقت فهي مدينة شرق اوسطية تقع علي البحر الأسود، وعلي البحر الأبيض المتوسط. ومن حيث تاثيرها ودائرة نفوذها، فان تركيا دولة تنتمي الي كل من؛ منطقة الشرق الاوسط والبلقان والقوقاز وآسيا الوسطى وبحر قزوين والبحر الأبيض المتوسط والخليج والبحر الأسود. وبناءا علي هذه الصورة، يجب علي تركيا أن تجعل من دورها كدولة هامشية جزء من الماضي، وان تخصص لنفسها مكانة جديدة: لا يجب عليها فقط حماية استقرارها والحفاظ علي امنها، بل وانما الحفاظ علي امن واستقرار المناطق المجاورة لها. وذلك من خلال لعب دور اكثر نشاطا واكثر فاعلية لتوفير النظام والاستقرار والأمن في محيطها.

    مبادئ السياسة الخارجية التركية الجديدة

    شرعت تركيا منذ عام 2002 في بناء وهيكلة سياستها على نحو يتواكب مع هذه الرؤية الجديدة، اخذة في الاعتبار الاهداف واضحة المعالم ومتطلعة إلى الاستفادة من موقعها الجغرافي ورصيدها التاريخي. ولابد هنا من ذكر خمسة من مبادئ السياسة الخارجية التركية.
    أولا، يجب ان يكون هناك توازن بين الأمن والديمقراطية في اي بلد، فان انعدم التوازن بين الامن والديموقراطية في اي دولة فلن تكون لهذه الدولة فرصة لاقامة منطقة نفوذ في محيطها. فشرعية أي نظام سياسي تستمد من قدرته على توفير الأمن لمواطنيه، وهذا الأمن يجب أن لا يكون على حساب الحريات وحقوق الإنسان في البلاد. الانظمة التي تقيد الحريات إلى حد كبير من أجل توفير الامن، تتحول الي أنظمة استبدادية. لذلك فانه منذ عام 2002م، حافظت تركيا على تعزيز الحريات المدنية دون ان تقوض الأمن. هذا هو هدف طموح يستحق الذكر، وخصوصا عقب احداث الحادي عشر من سبتمبر؛ فتحت تهديد الإرهاب، ساد اتجاه عام يدعو الي تقييد الحريات من أجل الأمن. لكن تركيا استطاعت حماية الحريات المدنية في ظل جميع الظروف، وذلك على الرغم من التحديات الخطيرة التي واجهتها. فقد كان التحدي الاكبر بالنسبة لها هو مواجهة الإرهاب دون تضييق مساحة الحريات. وقد نجحت بالفعل تركيا في التغلب على هذا التحدي. فهذا التوازن الناجح هو مسألة ثقافة سياسية.

    ثانيا سياسة تصفير المشكلات مع دول الجوار تم تحقيقها بنجاح علي مدار سنوات عديدة. فعلاقة تركيا مع جيرانها الآن تسير علي الطريق الصحيح بالمقارنة بالسنوات السابقة. فهناك ترابط اقتصادي كبير مع البلدان المجاورة. وعلي نقيض السنوات 5 – 10 الماضية، فان مستوى العلاقات التركية مع جورجيا تمثل اليوم نموذج يحتذي به لبقية دول المنطقة. وهناك بعض الشواهد علي التطورات التي طرأت علي العلاقات التركية الجورجية، حيث أصبح من الممكن لتركيا استخدام مطار باتوم كما لو كانت تستخدم احد مطاراتها الداخلية. كذلك مشروع بناء السكك الحديدية بين باكو وتبليسي وكارس دون اي قلق او اي خوف من التوسع الامبريالي. وبالاضافة الى ذلك عززت تركيا من علاقاتها مع بلغاريا بعد انضمامها الى الاتحاد الاوروبي، وشهدت العلاقات بين البلدين تحسنا مذهلا. ولم تواجه العلاقات التركية الإيرانية اية صعوبات خلال هذه الفترة الحرجة، كما ان الحديث الذي دار بين سولانا ولاريجاني في تركيا كان تمهيدا لاقامة قناة هادفة لمناقشة القضية النووية الايرانية. ولا شك في ان مثل هذه الانجازات التركية تشعر دول المنطقة والمجتمع الدولي بالارتياح والطمأنينة تجاه تركيا وتكسبها ثقة كبيرة. وكذلك قامت تركيا بتطوير علاقاتها مع سوريا في مجالات السياسة والاقتصاد على الرغم من الانتقادات التي وُجهت اليها. الا ان الأحداث والتطورات الاخيرة وردود الإدارة السورية أدت الي بعض النكسات واعاقت حدوث المزيد من التقدم في عملية تحسين العلاقات.

    وحتى الآن نجحت تركيا في معالجة المخاطر المتعلقة بالعراق. فبعد غزو العراق، اراد حزب العمال الكردستاني ان يخلق موجة من الارهاب بهدف جر تركيا الي مواجهة مع الجماعات الكردية في شمال العراق، وبغية التحريض واشعال فتيل النزاعات بين تركيا والادارة المركزية العراقية، والعالم العربي، بل وإن أمكن مع منطقة الشرق الأوسط برمتها والولايات المتحدة الامريكية. لكن لو لم تستجب تركيا بصقل دبلوماسيتها في التوقيت الصحيح ، فانه مما لا شك فيه ان أزمة مع الحكومة العراقية كانت علي وشك الوقوع. لكن الحكومة العراقية استجابت مع تركيا بشكل معقول فيما يتعلق بعمليات تركيا ضد حزب العمال الكردستاني، واعتبرت أن حزب العمال الكردستاني هو عدو مشترك. هذا المثال يوضح كيف يمكن لدولتين جارتين أن تتعاونا ضد تهديد مشترك.

    يقوم المبدأ الثالث للسياسة الخرجية التركية على التأثير في الاقاليم الداخلية والخارجية لدول الجوار، ولا سيما تأثير تركيا في البلقان والشرق الاوسط والقوقاز وآسيا الوسطى. فقد اهتمت تركيا اهتماماً جادا ومؤثرا بالبلقان، وخصوصا خلال ازمتي البوسنة والهرسك وكوسوفو، وهو اهتمام يرتكز على اسس راسخة. وقد وفرت علاقات تركيا مع حلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي والغرب عموما البنية الأساسية لهذه السياسة النشطة. كما تتمتع تركيا بعلاقات وثيقة مع اذربيجان وجورجيا في منطقة القوقاز. لكن ظلت قدرة تركيا على النفاذ الى الشرق الاوسط محدودة، مقارنة بما تتمتع به تركيا من تأثير داخل البلقان والقوقاز. وقد شكل عامل حزب العمال الكردستاني عائقا، كما ان مشكلة الصورة السلبية والادراك الخاطىء لدى كلا الطرفين (تركيا والدول العربية) كانت العامل الاساس وراء عدم انفتاح الطرفين على الآخر. ومع ذلك ، فانه بفضل الجهود التي نبذلها في العامين الماضيين، فقد نجحنا في التغلب على بعض هذه الحواجز. وقد اضحت تركيا اليوم تمتلك قدرات وقنوات اتصال تجعلها قادرة على متابعة كل التطورات التي يموج بها الشرق الاوسط ساعة بساعة. ولا تنحصر القدرة التأثيرية التي حازتها تركيا في بعض الدول على مستوى الدولة ولكن أيضا على المستوى المجتمعي. لذلك يمكننا ان نعتبر ان المشاركة النشطة التركية في حل المشاكل في العراق، وفي لبنان، وفلسطين، تُعد أمثلة على دور بلدنا المتنامي. فالجهود التي تبذلها تركيا في لبنان، تهدف الي تجاوز الخلافات بين مجموعات عدة، للمساهمة في استقرار المناخ السياسي المتقلب في هذا البلد.

    وفي العراق نجد مثال اخر على هذا الدور الذي تقوم به تركيا، فعندما حدث انقسام بين السنة والشيعة بسبب التوترات بين الشيعة والجماعات السنية في العراق، لعبت تركيا دورا نشطا في السعي إلى سد هذه الفجوة، وحافظت على سياسة متوازنة تجاه الطرفين. وعندما نظم الرئيس الباكستاني برويز مشرف اجتماعا يضم سبع دول في باكستان، و اُعتبر انذاك على أنه ضد ايران، شاركت تركيا في هذا الاجتماع ، لكنها حافظت علي علاقاتها مع الجماعات الشيعية في العراق والحكومة العراقية ومع إيران. فتركيا شاركت بالفعل في الاجتماعات لكنها لم تنحاز او تقف الي احد الجانبين في هذا الانقسام الخطير. لذلك فانه من الواضح أن السياسة الخارجية التركية تظل بعيدة عن الانقسام السني الشيعي. وفي نفس الوقت، تركيا تنتهج سياسة نشطة للحد من التوتر في المنطقة. وقد ساعدت هذه السياسة تركيا علي تطوير علاقات جيدة مع حكومة المالكي الشيعية العراق. وعلاوة على ذلك، اقامت تركيا أيضا علاقات جيدة مع المعارضة السنية في المنطقة. وبالمثل كانت تركيا، على نفس المسافة من كل من المؤسسة السنية والمعارضة الشيعية في لبنان.
    يرتكز المبدأ الرابع “السياسة الخارجية المتعددة الابعاد”، على ان العلاقات مع اللاعبين الدوليين ليست في حالة تنافس، او بمعني اخر، ليست بديلة عن بعضها البعض، وانما متممة ومكملة. وهو مبدأ يسعى لابراز علاقات تركيا الاستراتيجية مع الولايات المتحدة الاميركية في اطار ارتباطها بحلف الاطلسي ( الناتو) وتحت مفهوم العلاقات الثنائية، وكذلك لطرح جهود تركيا للانضمام الى الاتحاد الاوروبي. وكذلك سياسة جوارها مع روسيا واوراسيا تسير على الوتيرة ذاتها من التزامن باعتبارها علاقات تجري كلها في اطار التكامل، وليست علاقات متضادة او بديلة عن بعضها البعض. ومما لا شك فيه ان السياسة المتعددة الابعاد التي تنتهجها تركيا علي مدار الاربع او الخمس سنوات الماضية لم تتضارب او تتناقض مع بعضها البعض، ولذلك اضحت سياسات مؤسسية راسخة. وقد لاحت بوادر بعض المشاكل الخطيرة مع الولايات المتحدة، بسبب التطورات المتعلقة بالقرار الأرمني والوضع العراقي، الا ان العلاقات التركية الامريكية سرعان ما تحسنت بعد ان ابدي الطرفان قدرا اكبر من التفاهم تجاه بعضهما البعض وبقيت قنوات الاتصال مفتوحة. وفيما يتعلق بالاتحاد الأوروبي، فعلى الرغم من تباطؤ عملية التكامل، لم يحدث جمود في العلاقات و لم يتم تعليق العملية. وعلى الرغم من أن العلاقات مع فرنسا شابها، على ما يبدو بعض المشاكل بعد الانتخابات الفرنسية، الا انه تم التغلب علي الأزمة المتوقعة بطريقة براغماتية. عموما، فإن العلاقات مع الاتحاد الأوروبي لم تتقدم علي النحو المطلوب، ولكن العلاقات استمرت. كذلك، برز نمط مؤسسي للعلاقات مع روسيا.
    بالنسبة للمبدأ الخامس فيقوم علي الديبلوماسية المتناغمة، اذ عند النظر الى اداء تركيا الديبلوماسي من زاوية عضويتها في المنظمات الدولية، واستضافتها للمؤتمرات والقمم الدولية؛ نجد ان هناك تطورات هامة، في حال مقارنتها بأدائها الديبلوماسي قبل عام 2003، فقد استضافت تركيا قمة الناتو، وقمة منظمة المؤتمر الاسلامي فضلا عن استضافتها معظم المنتديات الدولية: وهو ما يفسر ان تركيا اكتسبت المزيد من النفوذ في المنظمات الدولية. وحدثت المزيد من التطورات واصبحت تركيا عضوا مراقبا في منظمة الاتحاد الافريقي، وهو ما يمكن ان يفسر باعتباره نتيجة طبيعية لسياسة تركيا في الانفتاح على افريقيا منذ عام 2005، علاوة علي ذلك فانه بدعوة من جامعة الدول العربية شاركت تركيا على مستوى وزراء الخارجية وعلى مستوى رؤساء الوزراء على حد سواء. كما وقعت تركيا مع جامعة الدول العربية على اتفاقية خاصة على خلفية اجتماع دول جوار العراق في اسطنبول في 2 نوفمبر لعام 2007، حيث قضت الاتفاقية بتأسيس علاقات مؤسسية بين دول جوار العراق وكذلك تشكيل المنتدى التركي – العربي. و استمر عقد مثل هذه الاجتماعات الهامة؛ فعقد اجتماع يجمع بين ال 50 دولة الأقل نموا في اسطنبول في يوليو. وتعتبر استضافة تركيا لاجتماع البلدان الأقل نموا التابع للأمم المتحدة، ودعمها المتزايد لهذه البلدان هو دليل واضح على رؤية تركيا ودورها المتصاعد. كذلك استضافت تركيا الاجتماع الهادف الي ايجاد حل سلمى للقضية النووية الايرانية. وعلي نفس المنوال تم اقامة قناة الاتصال الوحيدة بين باكستان وأفغانستان من خلال مبادرات الرئيس التركي عبد الله جول.
    وتتوقع السياسة الخارجية التركية استمرار هذه الوتيرة مع الاعتماد على استراتيجية ناجحة للدبلوماسية المتناغمة. فالآن يُنظر الي تركيا علي انها دولة مسؤولة توفر النظام والأمن في المنطقة، ويُنظر اليها ايضا علي اعتبارها دولة تعطي الأولوية للديمقراطية والحريات، في حين تتعامل مع المشاكل الأمنية في الداخل بكفاءة عالية. لذلك فان هدف تركيا الان هو أن تتوسط باستمرار في القضايا العالمية باستخدام المنابر الدولية، الامر الذي يعد ملمحا على انتقال تركيا من دولة مركزية الى قوة عالمية. وثمة نقطة ينبغي التأكيد عليها هنا، وهي أن هذا التحول جاء نتيجة لأداء جميع الجهات المعنية في السياسة الخارجية. فنجاح تركيا ليس فقط نتيجة لسياسات الدولة، ولكن أيضا نتيجة لأنشطة المجتمع المدني ومنظمات الأعمال، والعديد من المنظمات الأخرى، وكلها تعمل وفق رؤية جديدة، وهي تبلور حالة من التوافق والانسجام بين الاستراتيجية الكبرى للدولة والاستراتيجيات الصغيرة للشركات والافراد والمؤسسات ومؤسسات المجتمع المدني. وسنسرد بعض الامثلة القليلة: عندما خططت الدولة وقامت بسياسات انفتاحية على افريقيا قام اتحاد رجال الاعمال والصناعيين (توسكون) Tuskon في تركيا بعقد قمة لرجال الا
     
جاري تحميل الصفحة...