1. Nour

    Nour نور الهدى قراش إداري نجم المنتدى

    Country:
    Algeria
    إنضم إلينا في:
    ‏5 مارس 2015
    المشاركات:
    374
    الإعجابات المتلقاة:
    382
    الكتلة الصينية ـ السوفييتية والجبهات الاستراتيجية الثلاث

    ز-بريجينسكي (*): مستشار الأمن القومي الأمريكي سابقاً ، أستاذ السياسة الخارجية بجامعة جون هوبكنز - واشنطن

    أبقى التحالف المقاد من قبل أميركا على حدته، بينما انشقت الكتلة الصينية السوفييتية خلال أقل من عقدين من الزمن. وقد عزي ذلك جزئياً إلى المرونة الأكبر التي تمتع بها التحالف الديمقراطي، في مقابل الطابع الشمولي والعقائدي المتشدد، والهش، أيضاً، للمعسكر الشيوعي. فالأول انطوى على قيم مشتركة، ولكن دون نموذج عقائدي رسمي، والثاني شدد على الأفكار العقائدية مع وجود مركز تفسير واحد فقط (لم يسمح بالتغيرات الأخرى). وكان أتباع المبدأ الأميركي أضعف بكثير من أميركا ذاتها، بينما لم يستطع الأتحاد السوفييتي أن يعامل الصين بوصفها دولة تابعة له. وعزيت هذه النتيجة أيضاً إلى الحقيقة المتمثلة بان الجانب الأميركي أثبت كونه أكثر دينامية على الصعيدين الاقتصادي و التكنولوجي بينما جنح الاتحاد السوفييتي تدريجياً إلى الجمود والركود ولم يستطع التنافس على نحو فعال سواء في النمو الاقتصادي أو في التكنولوجيا العسكرية. ولم يلبث الانهيار الاقتصادي ان عزز حالة التراجع المعنوي الايديولوجي.وفي الحقيقة فإن القوة العسكرية السوفييتية، والخوف الذي أثارته بين الغربيين، عملت لوقت طويل على التعتيم على حالة عدم التماثل الضرورية التي سادت بين الطرفين المتصارعين. فببساطة كانت أميركا أغنى بكثير وأكثر تقدماً على الصعيد التكنولوجي، وأكثر مرونة وابتكاراً على الصعيد العسكري، وأكثر إبداعاً (قدرة على الخلق) وإغراء على الصعيد الاجتماعي. وكذلك، فإن القيود الايديولوجية عملت أيضا على إضعاف القدرة الإبداعية للاتحاد السوفييتي، جاعلة نظامه أكثر قسوة مع زيادة الهدر في اقتصاده، ناهيك بجعله اقل قدرة على التنافس تكنولوجياً. وبما أن الحرب ذات القدرة التدميرية المتبادلة لم تنشب، فإن المقاييس لا بد وأن تميل لصالح أميركا في التنافس الطويل الأمد .وكذلك فإن النتيجة أو لمحصلة النهائية تأثرت إلى حد كبير بالاعتبارات الثقافية. فقد قبل التحالف المقاد من قبل أميركا، وبدرجة كبيرة الكثير من الإسهامات الثقافية والسياسية و الاجتماعية الأميركية بوضعها ذات طابع إيجابي. وهكذا فإن الحليقين الأهم لاميركا في المحيطين الغربي والشرقي للقارة الأوراسية، أي ألمانيا واليابان، استعادا كلاهما صحته أو عافيته الاقتصادية في سياق الإعجاب غير المكبوح بكل الأشياء الأميركية. وقد نظر إلى أميركا بوصفها تمثل المستقبل، وعلى أنها مجتمع يستحق الإعجاب والتقليد.وفي المقابل، فقد نظر بازدراء إلى الثقافة الروسية من قبل معظم اتباعها في أوربا الوسطى، وحتى بدرجة أقوى من قبل حليفها الشرقي الرئيسي والمطمئن على نحو متزايد اي الصين. وبالنسبة إلى الأوروبيين في وسط أوربا، كانت السيطرة الروسية تعني عزلتهم عما كانوا يعتبرونه وطنهم الفلسفي والثقافي: أي عن أوربا الغربية وتقاليدها الدينية المسيحية. والأسوء من ذلك،أنها كانت تعني السيطرة من قبل شعب كان الأوربيون في أوربا الوسطى يعتبرونه ،وإن كان ذلك غير صحيح غالباً، متخلفاً ثقافياً.أما الصينيون فتعني كلمة روسيا بالنسبة إليهم، "الأرض الجائعة"، فقد كانوا اكثر ازدراء لها حتى على نحو مكشوف. وبالرغم من أن الصينيين لم يقفوا في البداية إلا بشكل متسم بالهدوء ضد مزاعم موسكو عن كون النموذج السوفييتي ذا طابع عالمي، فما لبثوا أن أصبحوا. بعد عقد واحد من الثورة الشيوعية الصينية، يشكلون تحدياً أكيداً للسيادة الإيديولوجية لموسكو، ولدرجة بدؤوا معها يعبرون بصراحة عن ازدرائهم التقليدي لجيرانهم البربريين الشماليين .وأخيراً، وضمن الاتحاد السوفييتي ذاته، فإن نسبة الخمسين في المئة من السكان الذين هم من غير الروس رفضوا فعلاً سيطرة موسكو. وإن اليقظة السياسية التدريجية لغير الروس كانت تعني أن ، الأوكرانيين، والجورجيين، والأرمن، والآزريين بدؤوا ينظرون إلى السلطة الروسية بوصفها شكلاً من أشكال السيطرة الإمبريالية الأجنبية التي يمارسها شعب لم يشعروا إزاءه بكونهم أقل ثقافة منه. أما في آسيا الوسطى، فربما كانت الطموحات القومية أضعف ولكن هذه الشعوب هنا كانت قد أثير حماسها بسبب الشعور المتنامي تدريجياً بالهوية الإسلامية، والذي اشتد في ضوء معرفة ما كان يحدث من تخلص من الاستعمار في أماكن أخرى .وعلى غرار الكثير من الإمبراطوريات التي سبقته فقد تفجر الاتحاد السوفييتي من الداخل وتجزأ إلى شظايا، وإذا كان لم يسقط بسبب هزيمة عسكرية مباشرة فقد تسارع تفتته بسبب الضغوط الاقتصادية والاجتماعية. وقد أثبت مصيره هذا صحة الملاحظة الجديرة بالذكر التي أشار إليها أحد العلماء إذ قال: "إن الإمبراطوريات تكون دائماً غير مستقرة سياسياً لأن الوحدات (الأجزاء) التابعة لها تفضل، بشكل دائم تقريباً،أن تحصل على درجة اكبر من الحكم الذاتي،كما أن المضادين أو المعادين للنخب (جمع نخبة) في هذه الأجزاء يعملون وبشكل دائم تقريباً أيضاً، وكلما أتيحت لهم الفرصة، على الحصول على درجة اكبر من الحكم الذاتي. وبهذا المعني، فإن الإمبراطوريات لا تسقط؛ ولكنها تتفتت، وبشكل بطيء عادة وإن كان ذلك يحدث احياناً بسرعة ملحوظة(1).




    (1) دونالد بوشالا في"تاريخ مستقبل العلاقات الدولية "مجلة"الأخلاق والشؤون الدولية" 8(1994): 183.
     
جاري تحميل الصفحة...