1. politics-dz

    politics-dz مدير الموقع إداري politico نجم المنتدى

    Country:
    Algeria
    إنضم إلينا في:
    ‏22 فبراير 2015
    المشاركات:
    3,914
    الإعجابات المتلقاة:
    3,835
    نقاط الجائزة:
    113
    الجنس:
    ذكر
    الإقامة:
    الجزائر
    الصفحة الرئيسية:

    Print

    مقـدمـة:

    يتباين اهتمام الإنسان بالمشاكل التي يواجهها وفقاً لمدى التأثيرات المترتبة عليها. ولقد تنامى مؤخراً اهتمام كافة المجتمعات البشرية بالبيئة حيث أصبح تعريف الكوارث بالنسبة للإنسان لا يقتصر على الكوارث الطبيعية المتمثلة في الزلازل والبراكين والأعاصير وإنما يتضمن مفهوماً شمولياً جديداً يعرف بالكوارث البيئية, وعليه فقد حظي هذا المفهوم الجديد باهتمام العلماء والدارسين في مختلف المجالات التنظيمية. وفي خضم ذلك تم تبنِّي الكثير من التعليمات الدينية والممارسات الاجتماعية التي تؤكد ضرورة تقنين السلوك تجاه البيئة. وقد ظهرت مؤخراً منظمات عالمية حكومية وشبه حكومية وخاصة أخدت على عاتقها استراتيجيات تشمل نشر الوعي للإقلال من الأضرار من خلال برامج ومشاريع وخطط. ورغم أن الجهود المشتركة في هذا المجال لا زالت متواضعة إذا ماقورنت بحجم العمل المطلوب إلا أن المنظمات العالمية تسعى دائماً إلى التعاون والتنسيق الإداري تجاه حماية البيئة. ويعتبر برنامج الأمم المتحدة للبيئة (يونيب)UNEP أحد البرامج المعروفة في هذا المجال. فقد نشأ يونيب بعد مؤتمر الأمم المتحدة عن البيئة الإنسانية الذي عقد في ستوكهولم عام 1972م حيث يهتم البرنامج بمراقبة البيئة العالمية ويلعب دور الوسيط والمنسق في مجالات الرصد البيئي والأنظمة البيئية الأرضية, والبيئة والتنمية, والمحيطات, وبالبحار الاقليمية, وصحة البيئة وغير ذلك من المواضيع. ويهدف يونيب إلى تنمية الكثير من برامجه ومشاريعه البيئية عبر المنظمات التطوعية والهيئات الخاصة والخيرية والاغاثية في كافة انحاء العالم.

    وعليه فإننا نستعرض إطاراً شمولياً لمفهوم العلاقات والمقومات المرتبطة بالإستراتيجيات والسياسات الإدارية البيئية ومدى تجانسها مع العمل التنموي للمنظمات الخيري. وتشمل محاكاة العلاقة بين البيئة والتنمية من جانب والسياسات والخطط التنفيدية للعمل الخيري من جانب لآخر.


    البيئـة:
    البيئة كلمة مأخودة من المصطلح اليوناني OIKOS والذي يعني بيت أو منزل وكثيراً ما يحدث الخلط بين علم البيئة Ecology والبيئة المحيطة أو ما تسمى أحياناً بعلم البيئة الإنساني Enviroment ذلك أن علم البيئة (الايكولوجيا) يشمل دراسة كل الكائنات أنما تعيش بينما يقتصر علم البيئة الإنسانية Enviroment على دراسة علاقة الإنسان الطبيعية دون سواها (1). كما وأنه من الملاحظ أن علم البيئة
    (الايكولوجيا) ينادي بضرورة الاهتمام بالعلاقات المتداخلة بين الكائنات الحية بما فيها الإنسان والوسط الذي تقطنه ومدى التأثير المتبادل ما بين الكائنات الحية وذلك الوسط. ويركز علم البيئة (الايكولوجيا) على ضرورة وجود التوازن والتلاؤم ما بين الوسط والكائنات الحية وإذا تواجدت حالة اللاتوازن ظهر الاختلال البيئي المتمثل في كثير من الظواهر, مثل التلوث والانقراض والجفاف والتصحر وغيره. ولذا فإن علم البيئة (الايكولوجيا) يركز على الاهتمام والتعرف على السلوك والتأثيرات المختلفة والمتداخلة بين الكائنات الحية وذلك بهدف توضيح الخصائص الأساسية للعوامل الحية وعلاقتها بالعوامل غير الحية.

    إن النظام البيئي Ecosystem يشمل التفاعل فيما بين العناصر الحية من حيوان ونبات وكائنات مجهرية مجتمعة وبين عناصر المناطق الطبيعية الفيزيائية والكيميائية غير الحية وما ينشأ عن ذلك من توازن بين تلك العناصر المختلفة والذي يؤدي بالتالي إلى وجود استقرار للعلاقات المتعددة. ومن الطبيعي أن النظام البيئي يتضمن مواد عضوية وغير عضوية مثل النباتات أو المعادن وكائنات مستهلكة مثل الإنسان والحيوان والكائنات المفككة مثل البكتيريا الطبيعية. ولذا فإن أي نقص جزئي أو كلي يطرأ في أي عنصر من تكوينات النظام البيئي سوف يحدث اختلالاً في النظام البيئي(2). (تفيد الاحصائيات أن 99% من الكائنات التي كانت تعيش على الأرض قد انقرضت). وقد ظهر خلال العقد الاخير العديد من الأبحاث والدراسات الإدارية والاقتصادية والبرامج التي ترتبط بعلم البيئة حتى أصبح مصطلح علم البيئة يحمل معاني كثيرة بما في ذلك تعبيراتنا الخاصة بعلاقتنا مع الطبيعة والكائنات الحية الأخرى أو حتى طموح الإنسان للتعاون على الرفع من مستوى ظروف حياته. ولذا فإن علم البيئة في كل الاحوال هو العلم للإنسان والطبيعة. وقد نشأت عدة محاولات عالمية منظمة لتحديد أسس منهجية لتقييم السياسات والخطط القائمة التي يصبوا إليها الإنسان لتلبية طموحاته ومدى تأثير ذلك على بيئته. وفي هذا الخضم أقدم برنامج الأمم المتحدة للبيئة بإصدار أول تقرير في سلسلة توقعات البيئة العاليمة (GEO-1) عام 1997م.(3) وقد تضمن التقرير استعراض مؤشرات بيئية عالمية عامة تدعم التقييم البيئي العلمي العالمي والذي غالباً ما يهدف إلى تكامل الإعتبارات البيئية عند اتخاذ القرارات المرتبطة بظروف حياة الانسان. وتضمنت تلك المؤشرات البيئية العالمية الإشارة إلى استمرار التدهور البيئي خلال العقد الأخير على الرغم مما تم تسجيله من نجاحات حيث ظلت المشاكل البيئية الهامة جزءاً من النسيج الاجتماعي والاقتصادي في جميع المناطق. بالإضافة إلى أن الانشغال في القضايا المحلية والمباشرة دون الإهتمام بالقضايا البيئية العالمية طويلة الأجل يشكل عائقاً أمام التقدم البيئي على المستوى الدولي. وعليه فإن الفجوة تزداد بين ما تحقق وبين الحاجات الواقعية نتيجة لضعف التضامن البيئي العالمي وقصور ذلك في تحقيق تقدم فعلي المستوى العالمي. وقد خلص ذلك التقرير الأول عن توقعات البيئة العالمية إلى التأكد على حاجة العالم إلى ضرورة القيام بتغيرات هيكلية رئيسة واتباع سياسات بيئية نشطة مصحوبة بالسياسات الاجتماعية والاقتصادية المناسبة.(4) وقد ظهر تقرير آخر صدر عن البنك الدولي يفيد أن دول منطقة الشرق الاوسط وشمال افريقيا حققت تقدماً ونمواً رائعاً خلال الثمانينات إلا أن هذا التقدم مهدد بالتدهور البيئي المصاحب له ويتمثل ذلك في شحة المياه وتلوث الهواء وتدهور الاراضي الزراعية وعدم كفاية مرافق الصرف الصحي وكل ذلك يقلل من قدرات تلك المنطقة على مواصلة النمو الاقتصادي واستيعاب الأعداد المتزايدة من السكان, كما تؤدي كذلك إلى فرض تكاليف اقتصادية وبشرية باهضة من خلال المرض والوفاة. ويشير الشكل التالي إلى الوضع العام في دول المنطقة ووفقاً لما ورد في ذلك التقرير:

    تصريف المياه المستعملة في المناطق الحضرية تكاليف الرعاية الصحية بنسبة الفرد تلوث الهواء تدهور الاراضي عائدات السياحة نصيب الفرد من انتاج البترول نصيب الفرد من امداد المياه

    (5)ومن المحتمل أن تستمر أوضاع دول منطقة الشرق الأوسط وشمال افريقيا في التدهور خلال العشر السنوات القادمة حيث سوف يزيد عدد سكان المنطقة من 250 مليون نسمة(عام 1990) إلى 340 مليون نسمة, مما سيزيد الطلب على الموارد الشحيحة من المياه والأراضي الصالحة للزراعة. وسيعيش حوالي 160 مليون نسمة في مدن يتجاوز فيها تلوث الهواء المعايير الإرشادية لمنظمة الصحة العالمية-مما يضعف قدرة الأطفال على التعلم, ويقلل انتاجية العامل والرفاهة البشرية بصورة عامة, ويبطئ نمو السياحة. ومن المرجح أن يزداد التلوث الصناعي بأكثر من 50%. كما سيزداد تلوث الهواء من وسائل النقل بأكثر من
    60% ما لم يتخد إجراء الاستبدال تقنية محركات السيارات ذات التكنولوجيات البالية وزيادة كفاءة استهلاكها للوقود. وسوف تزداد أزمة المياه حدة, إذ من المرجح أن يتجاوز الطلب إمدادات المياه العدبة المتجددة المتاحة في أربع عشرة دولة بالمنطقة. ويضيف التقرير إن ما لم يوقف تدهور الأراضي والغابات فإنه سيزداد سوءاً, علماً بأنه بلغ بالفعل مرحلة خطيرة, مما يشكل تهديداً حقيقياً للقاعدة الزراعية بالمنطقة. وهذا ومن المتوقع أن تلحق أضرار بالغة بالتراث الحضاري للمنطقة نتيجة التنمية غير المنظمة وزيادة تلوث الهواء, وتنامي أعداد السياح. ويظهر التقرير أيضاً أنه من الصعب تحديد التكاليف المستقبلية لهذا التدهور البيئي تحديداً كمياً. غير أن هذه المشاكل متجمعة ستعرض للخطر آفاق التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
    إذ أن التجربة العملية في جميع أنحاء العالم تبين بوضوح أن التقاعس عن العمل الآن لن يؤدي إلا إلى زيادة تكاليف وتعقيد الإجراءات العلاجية التي تتخذ لاحقاً. ويشكل تحديد أولويات العمل مفتاح النجاح. ومن الطبيعي أن تحظى بأولوية عالية المشاكل التي تؤثر على صحة الانسان أو التي تؤدي إلى خسائر
    اقتصادية(6).
    التنميـة المستدامـة
    تسابق المجتمعات إلى وضع خطط تنموية بهدف النهوض بالبنية الاقتصادية والاجتماعية لرفع المستوى المعيشي للأفراد وقد يؤدي ذلك إلى النمو وبالتالي التغيير والزيادة في الاستهلاك والادخار والناتج القومي. ويعتبر النمو الاقتصادي ضرورة للتخفيف أو تلافي الفقر, إلا أن النمو السريع غير المتوازن غالباً ما يؤدي إلى مشاكل بيئية تزيد من بؤس المجتمع المعني بالتنمية. وقد يظهر ذلك في مختلف المجالات مثل الزيادة المطردة لأنواع التلوث في خضم إقامة المشاريع التنموية وتأثير ذلك على الصحة ونوعية الحياة, وقد يظهر في صورة عدم استقرار الانتاجية من خلال على سبيل المثال الاستغلال الخاطئ لمصادر المياه وسوء استغلال التربة. ولذا فإن من الطبيعي أن المشاكل البيئية تتفاوت حسب مفهوم التنمية التي يتبناها المجتمع ونموه الاقتصادي وسياسته الإدارية تجاه البيئة. (7) وتتصف كثير من السياسات الإدارية البيئية في الدول النامية بضعف مقوماتها وهو ما يؤدي إلى سهولة استيراد وانتقال بعض التقنية والمصانع من الدول الصناعية المسببة لكثير من التلوثات البيئية.

    ولقد أدى الارتباط الوثيق بين البيئة والتنمية إلى ظهور مفهوم للتنمية يسمى المستدامة Sustainable Development وهي تنمية قابلة للإستمرار والتي تهدف إلى الإهتمام بالعلاقة المتبادلة ما بين الانسان ومحيطه الطبيعي وبين المجتمع وتنميته, والتركيز ليس فقط على الكم بل النوع مثل تحسين توزيع الدخل بين أفراد المجتمع وتوفير فرصة العمل والصحة والتربية والإسكان, وتهدف التنمية المستدامة أيضاً إلى الإهتمام بشكل رئيس بتقييم الأثر البيئي والاجتماعي والاقتصادي للمشاريع التنموية. وحيث أن البيئة هي المخزون الطبيعي للموارد التي يعتمد عليها الانسان وأن التنمية هي الأسلوب التي نتبعها المجتمعات للوصول إلى الرفاهية والمنفعة, لذا فإن الأهداف التنموية البيئية يكمل بعضها البعض.

    وحتى مطلع الستينات لم تستقطب المشاكل البيئية الانتباه الكافي لمتخذي القرارت وراسمي الاستراتيجيات والسياسات في المجتمع والمنظمات.(Boulding1966, Daly 1969, Ayres and Kenesse 1969).

    (8) إلا أن مطلع السبعينات شهد زيادة في انتشار الوعي البيئي وقليل من الالتزام بتطبيق السياسات البيئية تجاه المحافظة على الموارد ومقاومة التلوث وعدم الإخلال بالنظام البيئي.

    وقد ساهمت التجارة الدولية والتسارع نحو النمو الاقتصادي إلى ذلك من عدم الإلتزام وزيادة الإستنزاف والضغوط على البيئة.
    وقد مهدت كثير من المناسبات والتقارير والممارسات السياسية الطريق تجاه تطوير مفهوم التنمية المستدامة ومن تلك:
     مؤتمراستكهولم المعني بالبيئة الإنسانية وقيام ونشأت برنامج الأمم المتحدة للبيئة في عام 1972م.
     التقرير المشهور تحت عنوان حدود النمو. (Meadows 1972).
     التقرير الأمريكي العالمي لعام 2000م الى الرئيس (Barney 1980).
     الإستراتيجية الدولية للحفاظ على الطبيعة (WCN / UCN 1980).
     تقرير التنمية المستدامة للغلاف الجوي (Clark and Munn 1986).
     تقرير الأمم المتحدة تحت عنوان مستقبلنا المشترك (WCED 1987).
     مؤتمر ريوديجانيرو عام 1992 والمعروف أيضاً بقمة الأرض والمعني بالبيئة والتنمية.
     مؤتمر RIO+5.

    وشهد العالم العربي انطلاقة برامجه للتنمية المستدامة منذ الإعلان العربي عن البيئة والتنمية الصادر عن المؤتمر الوزاري الأول حول الاعتبارات البيئية في التنمية الذي عقد في تونس في أكتوبر 1986م والبيان العربي عن البيئة والتنمية وآفاق المستقبل الصادر في القاهرة في سبتمبر 1991م.

    (9) ومن الملاحظ أن كثير من مجالات النشر والبحث المرتبط بالتنمية المستدامة كانت تحمل الكثير من التركيز على الدول النامية
    ( Bartelamus 1986, Red Clift 1987, Repetto 1986, Tolba 1987, Schranum and Warford 1986, Pearce 1990, Simonis 1990, pearce and Wardford 1993).

    مع ذلك فإن معظم الدراسات منذ البداية وحتى الفترة الحالية تتناول التنمية المستدامة باتجاه يرتبط بالحوار حول النمو والمشاكل البيئية المرتبطة بالاقتصاد
    (Mishari 1967,1977, Daly 1977,1990, Hueting 1980)

    وقد اكتسب تعريف هيئة براند تلاند (WCED 1987) للتنمية المستدامة شهرة دولية في الوسط الاقتصادي منذ بداية الحوار حول ذلك المفهوم, حيث ظهرت في تقرير تلك الهيئة المعروف بعنوان مستقبلنا المشترك في عام 1987 محاولة لتعريف التنمية المستدامة بأنها عملية التأكد أن قدراتنا لتلبية احتياجاتنا في الحاضر لا تؤثر سلبياً في قدرات أجيال المستقبل لتلبية احتياجاتهم. وقد عرفت التنمية المستدامة أيضاًBarbier 1987))
    بأنها عملية التفاعل بين ثلاثة أنظمة: نظام حيوي, نظام إقتصادي, نظام إجتماعي. بينما ركز (GROOT) في دراسة على ما أسماها بالوظائف البيئية للحياة الانسانية. وقد عرف (GROOT) سبعةوثلاثون وظيفة بيئية وحددها تحت أربعة عناوين رئيسة وهي القوانين, الناقل, الإنتاج, والمعلومات. بينما سعى آخرون Paerce and Turner 1990)) إلى تجميع الوظائف البيئية في ثلاث مجموعات وتشمل مواكبة الموارد للنشاطات البشرية, استيعاب التلوث الناتج عن النشاطات البشرية ومواكبة الخدمات البيئية للنشاطات البشرية. كما ظهر أيضاً منهج اقتصادي آخر أطلق عليه الاقتصاد الطبيعي (البيئي) والذي يتضمن طرح استراتيجي ينادي بأن الاقتصاد هو عبارة عن نظام في إطار النظام البيئي فهو يستمد الموارد المستخدمة من الطبيعة ويقذف بالتلوث إليها. وعليه فإن جميع النشاطات الاقتصادية مستمدة من الطبيعة وجميع الانتاج الاقتصادي هو في الحقيقة استهلاك للطبيعة. وتسعى المجتمعات لتقييم نجاح خططها التنموية بالإعتماد على مؤشرات محددة. والأسلوب التقليدي في تقييم نجاح خطط المجتمعات غالباً ما يركز على موضوع محدد مثل متوسط دخل الفرد في البلد الواحد. إلا أن الاستراتيجيات الحديثة المرتبطة بقياس الإستدامة تركز على قياس الترابط بين مجموعة العلاقات والتي تشمل الاقتصاد واستخدام الطاقة والعوامل البيئية والإجتماعية في هيكل استدامي طويل المدى. ولقياس الكفاءة والتلاحم بين مختلف الأنظمة فإن مؤشرات الإستدامة يشمل العديد من الجوانب الواسعة مثل الاقتصاد والبيئة وثقافة وحضارة المجتمع ودور السياسة والحكومة واستخدام الموارد والتعليم والصحة والجودة والسكن وأعداد السكان والأمن العام والرفاهية والمواصلات. ومن الأمثلة للمؤشرات في الجوانب الاقتصادية: توزيع الفرص الوظيفية وعدالة توزيع الدخل والتدريب. بينما تشمل المؤشرات المرتبطة باستخدام الموارد: استهلاك الطاقة, استعمال المواد الخطرة وأساليب استخدام المياه ومن المؤشرات المرتبطة بالثقافة والحضارة الاجتماعية: العناية بالأطفال ومقدار النشاطات التطوعية في البرامج والنشاطات المستدامة.

    ومن الواضح أن للمنظمات دوراً حيوياً في تنفيذ خطط ومشاريع التنمية. وعليه فإن هناك اتجاه متنامي لدى واضعي السياسات والإستراتيجيات في قطاع الأعمال بصفة خاصة وكافة المنظمات بصفة عامة لتطوير الأساليب الادارية بحيث تتواكب مع مفهوم الاستدامة وتساهم في ترسيخ مفهوم التنمية القابلة للإستمرار, ولذا فقد تم تطوير العديد من المعايير لمساعدة المنظمات والمستفيدين والحكومات في تحديد السياسات والأساليب والأهداف المثلى. ويقوم مبدأ تطبيق الإلتزام بعظم تلك المعايير على أساس تطوعي. إلا أن تطبيق بعض المعايير التطوعية أخذ يتحول تدريجياً إلى مسار إلزامي وفقاً لما تمليه سياسات الحكومات والإتفاقيات الدولية السريعة التطور.
    التكامـل الاستراتيجـي:

    كثيراً ما يستخدم مفهوم التنمية المستدامة كمؤشر لأهمية اتباع الأساليب الإدارية البيئية. إلا أن حقيقة مفهوم التنمية المستدامة لا يقتصر على ذلك فقط بل يشمل التركيز على استراتيجية إدارية اقتصادية تتضمن منظور بيئياً واجتماعياً ومؤسسياً قوامه التنمية البشرية. (10) والتنمية البشرية هي عملية تهدف إلى زيادة الخيارات المتاحة أمام الناس, وتركز تلك الخيارات الأساسية في أن يحيا الناس حياة طويلة خالية من العلل وأن يكتسبوا المعرفة وأن يحصلوا على الموارد اللازمة لتحقيق مستوى حياة كريمة, ومن ثم فإن للتنمية جانبان: الأول هو تشكيل القدرات البشرية مثل تحسين الصحة والمعرفة والمهارات. والثاني يتمثل في انتفاع الناس بقدراتهم المكتسبة في المجالات الشخصية أو الانتاجية أو الثقافية أو الاجتماعية أو السياسة. ولكي تكون التنمية البشرية ناجحة فإنه لا بد من تواجد توازن دقيق بين هذين الجانبين.(11) ومن هذا المنطلق يعرض برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أسلوب لتحليل التنمية تختلف عن المناهج التقليدية المتبعة في تحليل النمو الاقتصادي وتكوين رأس المال البشري أو تنمية الموارد البشرية أو الرفاهية البشرية والاحتياجات الأساسية.

    (12) ومن الملاحظ أن الاستراتيجيات الإدارية لتطبيق خطط التنمية البشرية قد ركزت خلال الخمسينات على مسائل الرفاه الاجتماعي واعتبرته في الستينات العنصر المتبقي للتنمية, أما في السبعينات فقد تم التركيز على تخفيف وطأة الفقر وتوفير الحاجات وشهدت الثمانينات تجاهلاً واضحاً لهذا الجانب, وفي مطلع التسعينات تم التركيز على مفهوم المشاركة الشعبية, وتم تعريف بكونها (13) تنمية الناس من أجل الناس بواسطة الناس, وتنمية الناس معناها الاستثمار في قدرات البشر سواء التعليم أو الصحة أو المهارات حتى يمكن العمل نحو منتج خلاق. والتنمية من أجل الناس تعني كفالة توزيع النمو الاقتصادي الذي يحققونه توزيعاً واسع النطاق وعادلاً بينما تهدف التنمية بواسطة الناس إلى إعطاء كل امرئ فرصة المشاركة فيها. وخلال التركيز على المشاركة الشعبية تلك يبرز دور المنظمات غير الحكومية الممثلة في كثير من الجمعيات الخيرية والاجتماعية كطرف أساسي في مسيرة التنمية بمختلف جوانبها. وقد ركزت معظم الأمم في العديد من المناسبات على أهمية الدورالتنفيذي لتلك المنظمات والجمعيات والهيئات الخاصة والخيرية في مجال الإدارة والبيئة والتنمية, حيث شهد المؤتمر الكبير المعني بالبيئة والتنمية والمعروف بمؤتمر قمة الارض الذي عقد في مدينة (رو) بالبرازيل عام 1992م شهد حضور 172 حكومة وأكثر من 650 منظمة غير حكومية. كما نص جدول أعمال القرن الواحد والعشرون في ذلك المؤتمر على ضرورة دعم واشراك الشرائح الاجتماعية بما في ذلك الشباب والمنظمات غير الحكومية في مسيرة التنمية.

    (14) ومن الاستراتيجيات التي اقترحها البنك الدولي لدول منطقة الشرق الوسط وشمال أفريقيا لتحقيق التنمية المستدامة هي تقوية المؤسسات البيئية والمشاركة الشعبية عبر بناء القدرات المؤسسية في مجال وضع السياسات البيئية كأولوية قصوى. وكذلك عبر تحسين القدرات الإدارية والفنية وتقوية أجهزة مراقبة وتطبيق معايير النوعية البيئية. كما يتطلب ذلك أيضاً ضرورة الإعلان عن المخاطر البيئية وأشراك الجمهور في تحديد الأولويات واتخاذ القرارات وتحفيز العمل الشعبي وزيادة الوعي. و كما هو قائم في كثير من بلدان العالم تتواجد الجمعيات الخيرية في بلدان العالم العربي حيث تسعى للقيام بأدوار مختلفة وفقاً لإحتياجات المجتمع.

    الاسـلام والبيئـة.
    وردت العديد من الآيات والاحاديث التي توضح استراتيجية السلوك والادارة البيئية ومقاومة التصحر والاهتمام بالتنويع البيولوجي والطبيعة وعدم إهدار الموارد الطبيعة ومن تلك الآيات ما ورد في سورة الاعراف الآية 74 ((واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد وبوأكم في الارض تتخذون من سهولها قصوراً وتنحتون الجبال بيوتاً فاذكروا آلاء الله ولا تعثوا في الارض مفسدين)), وفي سورة النحل الآية 14 ((وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحماً طرياً وتستخرجوا منه حلية لتلبسونها وترى الفلك مواخر فيه ولتبتغوا من فضله)) وفي سورة الاعراف الآية 31 ((وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين)) وفي سورة المرسلات الآية 25-26-27 ((ألم نجعل الاض كفاتاً* أحياءً وأمواتاً* وجعلنا فيها رواسي شامخات وأسقيناكم ماءً فراتا))ً ومما ورد عن خاتم المرسلين محمد صلى الله عليه وسلم انه قال: ((الناس شركاء في ثلاثة الماء والكلأ والنار)). ((جعلت لي الارض مسجداً وطهوراً... الخ الحديث)). ((دخلت امرأة النار في هرة حبستها حتى ماتت جوعاً فلا هي أطعمتها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الارض)). ((من قطع سدرة صوب الله رأسه إلى النار)). ((ما من مسلم يغرس غرساً أو يزرع زرعاً فيأكل منه طير أو انسان أو بهيمة إلا كان له به صدقة)). ((اذا قامت القيامة على أحدكم وفي يده فسيلة فليغرسها)).

    حث الإسلام على الاهتمام بمختلف الجوانب التي ترتبط بالبيئة وعلاقتها بالإنسان وأساليب المحافظة علها واستغلال الموارد الطبيعية استغلالاً حسناً بلا استنزاف واسراف أو تلويث.

    استراتيجيات العمل الخير العربي
    تسعى إدارة الجمعيات الخيرية العربية والإسلامية من خلال اعتمادها على المشاركة الشعبية والمتطوعين من كافة طبقات المجتمع إلى المشاركة في مجالات العطاء والمحبة ونيل الأجر والثواب عبر البرامج والمشاريع الخيرية وتشمل ذلك مشاريع تنموية تتضمن بناء المساجد وإقامة حلقات تحفيظ القرآن الكريم والمشاريع الصحية والزراعية والتعليمية وحفر الآبار والتدريب والتأهيل وبرامج إغاثة عاجلة في مجال الكوارث الناشئة عن الزلازل والفيضانات كما تسعى إلى تخفيف المعاناة عن المعاقين, وضحايا الحروب وتخفيف معاناة الفقراء والجياع وتسعى إلى تنمية المرأة ورعاية الاطفال والايتام وتأمين الملجأ والكساء للمحرومين وهكذا تسعى الجمعيات الخيرية والإغاثية إلى توفير الغذاء والكساء والمأوى والأمن وتمنح الفرص لتحقيق النمو الاجتماعي والتربوي. وبالتالي فإن العمل الخيري يهدف إلى الارتقاء بمستوى العيش للمحتاجين وتخفيف مواجهتهم للمعاناة والمخاطر وتشمل المشاريع التنفيدية للجمعيات الخيرية في طياتها التعامل مع الإنسان والحيوان والتربة والماء والنبات. إن العمل الخيري العربي وفي خضم تنفيذ مهامه التنموية يواجه مسؤولية التعامل مع البيئة ومقوماتها الأمنية من خلال الخطط والجهود المبدولة في المسار الإغاثي. أي أنه من الواضح أن هناك ارتباطاً وثيقاً وأساسياً بين العمل الخيري العربي والبيئة مما يجعل حتمية تبني سياسة أولية في الحفاظ على التوازن البيئي عبر تنمية مفاهيم الادارة البيئية في نشاطات مشاريع التنمية وذلك من خلال تقنين خطط وإدارة تلك المشاريع والنشاطات ووفقاً للأعتبارات البيئية وفي إطار مقومات الاستدامة المرتبطة بالتنمية البشرية. ومن الملاحظ أن معظم منظمات العمل الخيري العربي لا تعي أهمية تلك العلاقة الوثيقة التي تربط عملها بالبيئة والتنمية المستدامة وبالتالي لا تهتم بإدارج استراتيجيات الاستدامة في إدارة مشاريعها وبرامجها وهو غالباً ما تستمر بالتالي في إقامة المشاريع والبرامج العلاجية لمشاكل المجتمع وقد يكون من الأجدى على متخذي القرارات في تلك المنظمات تبني استراتيجيات لإدخال عنصري البيئة والاستدامة في عملية التخطيط وهذا يؤدي إلى توافر برامج ومشاريع وقائية حيوية.

    وعليه فأن معظم برامج ومشاريع العمل الخيري وفقاً للأهداف الموضوعة والمتصلة بالفقر واللاجئين والمرأة وضحايا الحروب والصحر والجفاف والصحة والتعليم والكوارث والاطفال والمياه. هي مشاريع وبرامج بيئية وتنموية تشمل قوامها الحقيقي تنمية الموارد البشرية, الأمر الذي يستوجب التعمق في مفهوم العلاقة في إطار شمولي وفي الأهداف والإستراتيجيات المتصلة بالعمل الخيري وخططه التنفيدية