1. samirDZ

    samirDZ عضو نجم المنتدى

    Country:
    Algeria
    إنضم إلينا في:
    ‏27 فبراير 2015
    المشاركات:
    131
    الإعجابات المتلقاة:
    115
    نقاط الجائزة:
    43

    Print

    النظام السياسي والسياسة العامة

    المقدمةإن دراسة العلاقة بين النظام السياسي والسياسة العامة تتحدد من خلال معرفة ادوار المؤسسات والقوى المكونة للنظام السياسي الرسمية وغير الرسمية في صنع السياسات العامة .فالسياسات العامة من حيث الرسم والتنفيذ والتقييم هي نتاج أداء تلك المؤسسات، وترتبط بشكل مباشر وغير مباشر بدور تلك المؤسسات، وعلى ضوء ذلك الأداء تتوقف درجة نجاح السياسات العامة في تحقيق أهداف ومتطلبات المصلحة العامة، وبالتالي فان النجاح أو عدم النجاح في تحقيق تلك المتطلبات هو الذي يظهر تباين الأنظمة السياسية في كيفية ممارسه مؤسساتها عند صنع السياسة العامة .والسياسة العامة ترتبط درجة تحقيقها للأهداف، بشكل مباشر وغير مباشر، بكفاءة وتوازن عمل تلك المؤسسات في صنع السياسات العامة، فاستقلالية السلطة التشريعية، كمؤسسه رسميه، في ممارسة دور الرسم، إضافة لدور الرقابة والتقييم لعمل السلطة التنفيذية وأجهزتها الإدارية في تنفيذ السياسات العامة، يؤدي إلى أن تكون العملية السياسية داخل النظام السياسي أكثر ديمقراطية، وبالتالي نجاح السياسات العامة، وهذا الأمر ينطبق أيضا على دور المؤسسات غير الرسمية ومدى استقلاليتها وتأثيرها في مؤسسات النظام السياسي الرسمية وفق صيغ متفق عليها، حيث أن قدرة تلك المؤسسات في تمرير متطلبات المجتمع إلى المؤسسة التشريعية ومنها تصاغ في إطار قرارات وتشريعات السياسات العامة وتطبيقها من قبل المؤسسة التنفيذية بشكل يكفل تحقيق متطلبات المجتمع.
    أما فقدان استقلالية عمل المؤسسات الرسمية وانعدام التوازن بينها والافتقار إلى صيغ للعمل السياسي بينها وبين المؤسسات غير الرسمية وضعف قنوات الاتصال بين النظام السياسي من جهة والمجتمع من جهة أخرى، جميع هذه العوامل تقود إلى هيمنة المؤسسة التنفيذية فتكون هذه الأخيرة هي المسؤولة عن عمليات رسم وتنفيذ للسياسات العامة فتقود إلى فشل السياسات العامة في تحقيق الأهداف العامة، وما يتحقق من سياسات وأهداف لا يمثل سوى مطالب ومصالح فئة معينه في المجتمع هي أكثر ارتباطا بالنخبة الحاكمة، لذلك تكون السياسات العامة في ظل تلك العلا قه سياسات نخبو يه وفئوية، ولا تتحقق ألا في إطار ضيق . وهنا سيتم التركيز في البحث على دور المؤسسات الرسمية للنظام السياسي ودورها في عملية صنع السياسات العامة في الدول المتقدمة والنامية .
    ويمكن الانطلاق من فرضيه مفادها آن هناك دور مباشر للمؤسسات الرسمية وغير الرسمية للنظام السياسي في صنع السياسات العامة، وان هذا الدور متباين في قوته وفاعليته من مؤسسه إلى أخرى داخل النظام السياسي نفسه ونوع العلاقة بينها، من جهة،ومن نظام سياسي إلى أخر من جهة أخرى ..للتحقق من صحة تلك الفرضية يمكن تناول الموضوع في مبحثين أساسيين:
    المبحث الأول:الأسس المنهجية للبحث في دراسة مفهوم النظام السياسي والنشاطات التي تقوم بها مؤسساته وآلية العمل السياسي فيهاحيث إن هذا النشاط يعكس واقع الأداء الفعلي للنظام السياسي والذي يتجسد من خلال السياسات العامة .وهذا الأداء يقوم على الاستخراج، التوزيع، التنظيم، الترميز، وطبيعة العلاقة بين مؤسسات النظام السياسي هي التي تكفل أليه وكيفيه تحقيق أهداف السياسة العامة، ومن ثم دراسة مفهوم السياسة العامة وتطوره والعلاقة القائمة بينها وبين النظام السياسي .
    المبحث الثاني: فيتمثل في دراسة المؤسسات الرسمية للنظام السياسي، وقبل التطرق لتلك المؤسسات يفترض دراسة دور الدستور في الأنظمة السياسية،فكل نظام سياسي له دستور سواء أكان ذلك الدستور مكتوب أو غير مكتوب، وهذا الدستور تبنى قواعده وفق أيديولوجية النظام السياسي التي يتم تطبيقها من خلال آلية عمل المؤسسات الرسمية للنظام السياسي، لذلك فان هذا المبحث سيتناول الدستور والسلطات الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية في السياسات العامة ومعرفة دورها في كل من الأنظمة السياسية المتقدمة والنامية، ثم دراسة العمليات ألا داريه من خلال تبيان دور الجهاز الإداري في تنفيذ تلك السياسات واليات عمل ذلك الجهاز باختلاف النظم السياسية .
    المبحث الثالث:فسيتناول المؤسسات غير الرسمية في عملية صنع السياسة العامة من خلال تناول دور جماعات الضغط والأحزاب السياسية والبنى الاقتصادية والاجتماعية وأثرها على عملية صنع السياسة العامة .
    ثم الانتهاء إلى وضع خاتمة واستنتاجات توضح أهمية دور المؤسسات الرسمية وغير الرسمية في صنع السياسات العامة في النظم السياسية المتقدمة والنامية ومقارنة فاعلية تلك النظم أو عدم فاعليتها في رسم وتنفيذ السياسات العامة .

    الإطار المفاهيمي للنظام السياسي و السياسية العامة

    أولا/ النظام السياسي: عرف النظام السياسي تعريفات عدة، فقد عرفه ( رو برت دال ) بأنه (نمط مستمر للعلاقات الإنسانية يتضمن التحكم والنفوذ، والقوة، أو السلطة بدرجه عالية) (1) .
    يمتاز هذا التعريف ببعض العمومية كونه لم يحدد نوعية الأنظمة ولا يشير إلى النظام السياسي فقط، فالأنظمة الاجتماعية والدينية والاقتصاد يه أيضا تمتاز بسمات القوة والنفوذ والسلطة وهي تعمل في إطار التفاعلات والعلاقات الإنسانية .
    وعرف النظام السياسي أيضا (مجموعة من الأنماط المتداخلة والمتشابكة والمتعلقة لعمليات صنع القرارات والتي تترجم أهداف وخلافات ومنازعات المجتمع الناتجة من خلال الجسم العقائدي الذي أضفى صفه الشرعية على القوة السياسية فحولها إلى سلطات مقبولة من الجماعة السياسية تمثلت في المؤسسات السياسية)(2) .
    وهذا التعريف حاول تحديد أبعاد النظام السياسي من خلال المفهوم وآلية العمل، فأشار إلى انه عبارة عن عناصر متفاعلة وهذه العناصر تمثل المؤسسات التي لها نشاطات محددة مهمتها ترتبط بعمليات صنع القرار، ذلك من خلال ترجمة التشريعات والقوانين إلى سياسات عامة على ارض الواقع وتتم عملية التشريع والتنفيذ انعكاس لأيديولوجية النظام السياسي وشرعيه عمله .
    أما الدكتور (صادق الأسود) فعرف النظام السياسي بأنه (الأطر القانونية للنشاط السياسي، وتلك الأطر لي مجموعة المؤسسات التي تحتوي النشاطات التي لها علاقة بالسلطة، سلطه تنظيم المجتمع، والمؤسسات هنا عبارة عن بنيه وأعمال ونشاطات تقع داخل البنية)(3).
    فالنظام السياسي يشير إلى نشاطات وعمل المؤسسات التي تمثل مكوناته، وتمثل نشاطات تلك المؤسسات آليات عمل النظام السياسي ومن خلالها تتحدد أسس صنع السياسة وكيفية التوصل إلى القرار بصيغته النهائية ومن خلال التوافق بين المؤسسات، وكلما كان هناك توازن وتفاعل بين مؤسسات النظام السياسي كلما كان القرار السياسي أكثر قدرة على النجاح وأكثر قابليه للتطبيق وأكثر تقبل من عموم المجتمع، وآلية عمل النظام السياسي من خلال مؤسسات المختلفة هي التي تشكل السياسة العامة للدولة، فالسياسة العامة تمثل أداء وفاعليه النظام السياسي ونشاطات مؤسسات، فهي تمثل مخرج من مخرجات النظام السياسي، لذلك عرف النظام السياسي بأنه (مجموعة المؤسسات التي تتوزع بينهما آلية التقرير السياسي(4) .
    والنظام السياسي يعمل من خلال مجموعة من المؤسسات الرسمية، التشريعية والتنفيذ يه والقضائية، حيث تعكس العلاقة بين تلك المؤسسات الكيفية التي يقوم بها النظام السياسي في أداءه وظائفه وصنع سياساته العامة، ولعل من أهم تلك الوظائف هي :

    1. الوظائف (السياسات) الاستخراجية.
    2. الوظائف (السياسات) التوزيعية.
    3. الوظائف (السياسات) التنظيمية.
    4. الوظائف (السياسات) الرمزية.
    السياسات الاستخراجية : وهي تشير إلى أداء النظام السياسي وكيفيه تعبئه الموارد المادية والبشرية سواء كان مصدرها البيئة الداخلية أو البيئة الخارجية.. ومن أكثر السياسات الاستخراجية شيوعا هي الضرائب والإعانات والخدمة العسكرية .
    السياسات التوزيعية: ويقصد به تخصيص الوكالات الحكومية بمختلف أنواعها للأموال والسلع والخدمات والجوائز والفرص وتوزيعها على الأفراد والجماعات، ويمكن قياسها ومقارنتها حسب كمية ما وزع، والشرائح الاجتماعية التي طالتها تلك المنافع، وشرائح السكان التي تلقت تلك المنافع والعلاقة بين الاحتياجات البشرية و التوزيعات الحكومة الرامية إلى تلبيه تلك الحاجات .

    لسياسات التنظيمية: وهو ممارسه النظام السياسي الرقابة على سلوك الأفراد والجماعات في المجتمع، وهنا يتم ربط التنظيم عادة بالجبرية القانونية أو التهديد بها … وقد اتسع النشاط التنظيمي للدولة في العصر الحديث بفعل المشاكل التي أفرزتها عمليتي التحديث والتنمية، كالمرور، الصحة، الأمن الصناعي، التلوث، استغلال العمال، الإسكان…الخ .
    السياسات الرمزية : ويقصد بذلك خلق واستخدام الرموز السياسية التي تدعم الشعور بالمواطنة المسؤولة وتغذي الإحساس بالولاء الوطني، وتدفع المواطنين إلى تقبل التضحيات والمصاعب وبذل كل ما هو نفيس في سبيل رفعة الوطن(5) .
    وتتضح نتائج الأداء السياسي في الاستخراج والتوزيع والتنظيم والترميز ونجاح السياسات العامة من خلال طبيعة العلاقات القائمة بين مؤسسات النظام السياسي الرسمية وغير الرسمية وكيفيه أداء كل مؤسسه داخل النظام السياسي باعتباره كل يضم مجموعة من الأجزاء .
    ويبدو أن هناك ترابط بين أداء النظام السياسي في سياساته الأربع و بين المؤسسات التي تسهم في ذلك الأداء، فالأداء المتوازن لتلك السياسات وشمولها على نحو إيجابي لكل فئات المجتمع يعني استقلالية كل مؤسسه من مؤسسات النظام السياسي وأداء كل مؤسسة لدورها مع وجود حالة توازن في الأدوار التي تخدم بالمحصلة المصلحة العامة.
    أما عدم التوازن في أداء الأدوار لتلك المؤسسات وتدهور العلاقة بينها وبين المجتمع فان هذا يعني فشل النظام السياسي في أداءه والذي يعني فشل السياسات العامة في تحقيق المصلحة العامة .
    انطلاقا من ذلك يمكن دراسة الموضوع من خلال التركيز على دور المؤسسات الرسمية للنظام السياسي في أداء السياسات العامة وطبيعة العلاقات القائمة بين تلك المؤسسات والتي تعكس بالمحصلة حاله التباين بين ألا نظمه السياسية في أداءها وبالتالي نتائج هذا الأداء .
    ثانيا/ مفهوم السياسة العامة : تمثل السياسة العامة نتاج التطور الحاصل في ميدان العلوم الاجتماعية(6)، ودراسة السياسة العامة كغيرها من الدراسات شكلت جدلاً كبيراً بين الباحثين حول ما هيتها والموضوعات التي تتناولها، لذلك تعددت التعريفات حول فهم السياسة العامة والإحاطة بجوانبها المتعددة في كونها تمثل الجانب الأدائي للحكومة والفعل السياسي أو أنها ترتبط بكافه جوانب النظام السياسي ولا تقتصر على دور الحكومة، لذلك أختلف الباحثون في تعريفاتها والتي بلغت أكثر من أربعين تعريفا(7) .
    من هنا تكون مهمة ألا حاطه بالسياسة العامة وإعطاءها مفهوم محدد مهمة صعبه، نوعا ما، ذلك لتعدد وظائف الأنظمة السياسية والمتغيرات المؤثرة بتلك الوظائف، والدور المتنامي للمجتمع مما جعل من السياسة العامة ليست مهمة النظام السياسي فقط وإنما إبراز تأثير المجتمع في عملية رسم وتنفيذ السياسة العامة ومراقبة الأداء الحكومي.
    ومن اجل ألا حاطه بمفهوم السياسة العامة يمكن تناول هذا المفهوم من خلال التركيز على التعريفات التي أسبغت على السياسة العامة الجانب التشريعي والتي وصفت السياسة العامة على أنها (قرار أو مجموعة قرارات سياسية)، والجانب التطبيقي والتنفيذي الذي ينظر للسياسة العامة كونها (خطط وبرامج عمل تنفيذية) .
    وبالنسبة للسياسة العامة في إطار التشريع فقد عرفت بأنها(مجموعة قرارات يتخذها فاعلون معروفون بهدف تحقيق غرض عام) ( .
    هنا تبدو الإشارة إلى الفاعلين المعروفين بدلاله المؤسسات التي تكون مهمتها اتخاذ القرارات هذه المسالة ترتبط بالأجهزة العليا في النظام السياسي التي تكون مهمتها الأساسية هي سن التشريعات واتخاذ القرارات، كالسلطة التشريعية.
    كذلك عرفت السياسة العامة وفق هذا المنطلق بأنها (قرار دائم يتميز بثبات السلوك الذي يترتب عليه كما انه يمثل وجهات نظر أولئك الذين اتخذوا القرار والذين يلتزمون به) (9).
    وهذا يظهر في النظم الديمقراطية، وكون السياسة العامة ترتبط بعملية اتخاذ القرار، فمن الضروري تحديد أبعاد العلاقة بين السياسة العامة وصنع القرار (فالقرار اختيار أحد البدائل المطروحة لمواجهة موقف معين.. وعملية الحكم تقتضي اتخاذ العديد من القرارات.. ولضمان الحد الأدنى من التنسيق، (بين القرارات)، عملت الدول على وضع نظام هرمي بمقتضاه تكون القرارات فردية تابعة لمجاميع قرارية أسمى وأكثر تجريدا تسمى السياسات، فكأن السياسة هي بمثابة مرشد للقرارات الخاصة بمشكله أو ميدان معين) (10) .
    وكون السياسة العامة تعبر عن قرار أو مجموعة من القرارات فلها خصائص معينه منها:

    1) أنها قرار تتخذه الحكومة، بمعنى أنها تختار من بين أساليب بديله أسلوبا معينا لتحقيق الأهداف المنشودة.
    2) أن القرار يتميز بالثبات أي الدوام أو عدم التغير النسبي، ما دامت السياسة العامة لم تتغير.
    3) أن تطبيق السياسة العامة عام وشامل وبنفس الأسلوب على كل أفراد المجتمع الذين تخدمهم هذه السياسة .
    4) أن السياسة العامة تتخذ بالتشاور بين كافه المسؤولين الحكوميين وغير الحكوميين، أو على الأقل أنها تعبر عن وجهات نظرهم جميعا .
    5) أن السياسة العامة عمليه ديناميكية مستمرة دائمة التطور والتغير(11) .
    ومن الناحية التنفيذية والتطبيقية عرفت السياسة العامة على أساس الأداء الحكومي وتنفيذ القرارات، لذلك عرفت بأنها (برنامج عمل هادف يوجه ويرشد الفاعلين المتعاملين مع مشكله أو قضيه تثير الاهتمام)(12).
    أيضا عرفت بأنها (خطط أو برنامج أو أهداف عامة أو كل هذه معا يظهر منها اتجاه العمل الحكومة لفترة زمنية مستقبله وبحيث يكون لها مبررتها، وهذا يعني أن السياسة العامة هي تعبير عن التوجه السلطوي أو القهري لموارد الدولة والمسؤول عن التوجيه الحكومي) (13) .
    أذن تصاغ السياسة العامة لتحقيق أهداف، أو تأسيس قيم، أو إشباع حاجات، وهي تشير إلى إطار عام للفعل، هذا الفعل يقوم على، تحديد أو تعريف المشكلة التي تواجه المجتمع وصياغة الحلول لها واتخاذ القرار وتطبيق البرنامج وتقيم نتائج والفعل أو الأداء الحكومي(14).
    وخطوات عمل السياسة العامة منذ بداية اتخاذ القرار مرورا بعمليه أعداد الخطط والموازنات والرسم والتنفيذ لأتكون بمنأى عن البيئة المحيطة بالسياسة العامة الداخلية والخارجية، لان إهمال تلك البيئة بما تحتويه من عوامل اقتصادية وسياسية واجتماعية يودي إلى فشل السياسة العامة في الوصول إلى تحقيق مصلحة المجتمع.
    ثالثا/ تطور السياسة العامة : حتى عهد قريب كان موضوع السياسة العامة موضع اهتمام بعض الأوساط الجامعية في الولايات المتحدة فحسب، أما الجامعات الأخرى في أنحاء العالم المختلفة فكانت وما تزال تتمسك بالمفهوم التقليدي (النظام السياسي) وعبره مؤسسات الدولة وهيئاتها والقوى الاجتماعية والاقتصادية والفكرية والسياسية، والواقع أن النظام السياسي الذي كان شائعا في الأوساط الجامعية في الماضي هو تعبير قانوني قبل كل شي … غير أن هذا المفهوم القانوني تراجع منذ فترة ما بين الحربين العالميتين بسبب الانتقادات العنيفة التي وجهها أليه علماء السياسة السلوكيين وكذلك علماء السياسة الذين فضلوا تعبير أنظومة، أو نسق (system) وبخاصة بعدما طرح (هارولد لا سول) نظريته الموسومة "علم الأنظومة".. فجاء مفهوم الأنظومة السياسية، ليعبر عن مجموعة أدوار مترابطة، وتفاعلات عناصر مختلفة، وتخصيص للمصادر الموجودة في المجتمع بناء على قوانين.. لذلك أصبحت غاية السياسيين تنصب على تعيين أهداف المجتمع كالبحث عن الهيبة والنفوذ والأمن للبلاد والرفاه الاجتماعي وتعاظم سلطتهم على الجماعات الأخرى وزيادة مشاركة المواطنين في السياسة وما شابه ذلك، وهذه الأمور تتطلب أعمال ملزمة كتشريع القوانين وتنفيذها وتطبيق سياسة خارجية فاعله وكذلك تبني سياسة حكيمة للدفاع الوطني وفرض الضرائب(15) .
    لذلك جاء أهميه دراسة السياسة العامة لتعبر عن أدائية النظام السياسي في تحقيق مثل تلك الغايات المشار أليها،و أصبحت أهميه دراستها ضرورة ملحه تقتضيها اعتبارات علميه ومهنية (إدارية ) وسياسية، وهذا ما أشار أليه (توماس داي) في كتابه under standing public policy) ) بالقول أن هناك ثلاث أسباب رئيسة لدراسة السياسة العامة وهي:

    1) أسباب علميه بحتة، وهذه تتيح فهم أسباب ونتائج القرارات السياسة لتعميق المعرفة بالمجتمع والمجتمعات الأخرى فدراستها، باعتبارها متغير تابع، تتيح البحث في القوى البيئية وخصائص النظام السياسي ودورها في صياغة السياسات العامة، كما أن دراستها باعتبارها متغير مستقل، تدفع إلى البحث في تأثير السياسات العامة على البيئة والنظام السياسي، وكلها تؤدي إلى فهم أفضل للروابط بين البيئة والعمليات السياسة والسياسة العامة.
    2) أسباب مهنية، ذلك أن فهم أسباب ونتائج السياسات العامة تسمح بتطبيق المعرفة العلمية على المشاكل العملية، فدراسة السياسة العامة مهنيا، تفترض ألا جابه على تساؤل وهو ما هي السياسات الملائمة للوصول إلى الأهداف المرجوة ؟
    3) أسباب سياسية، وهذا يشير إلى تبني أفضل السياسات لتحقيق الأهداف العامة، فعلم السياسة لابد له من دور يلعبه في مواجهه الأزمات التي يمر بها المجتمع، وعلماء السياسة ملزمون أخلاقيا بالعمل على تطوير السياسة العامة وإثراء النقاش السياسي عن طريق دراسة الأداء الحكومي في الميادين المختلفة(16) .
    ونظرا لأهمية دراسة السياسة العامة جاءت أكثر الدراسات الغربية لتؤكد على ذلك (حيث انتقل التركيز من المؤسسات إلى العمليات والسلوك، وهو ما تتبع دراسة الأسس الاجتماعية والنفسية للسلوك الفردي والجماعي وأنماط سلوك الفاعلين السياسيين من قادة ووزراء ونواب ورجال قضاء، لقد أصبح التحليل السياسي يرصد ويفسر العمليات والتفاعلات التي تقرر السياسة العامة دون البحث في العلاقة بين العمليات ومحتوى تلك السياسة(17) .
    أما في السابق فكان الاهتمام منصبا، على دراسة المبررات الفلسفية لوجود الحكومة وبنائها التنظيمي من دستور وشكل نظام الحكم وسلطات ومسؤوليات الحاكم ودور السلطات الثلاث والمؤسسات التي تتولى رسم السياسة العامة… دون البحث في مضمون السياسة العامة وكيفيه تحليلها وتقييمها(18) .
    وازدادت أهميه دراسة السياسة العامة مع تطور حركه ما بعد السلوكية.. حيث انصب اهتمام علم السياسة نحو السياسة العامة وافرز لها حيزا كبير ومعالجتها من عدة اتجاهات من حيث الأنواع والمحتوى والأعداد والتنفيذ والتقييم في ضوء أثارها المتوقع وغير المتوقعة على المجتمع وعلى النظام السياسي(19) .
    وترتب الاهتمام بدراسة السياسة العامة وتطورها في حقل علم السياسة إلى تطور الاهتمام بدراسة بدارسه علم الإدارة وتغير كثير من المفاهيم المتعلقة بالإدارة العامة نتيجة للتطور الحاصل في السياسة العامة، وأصبح من الصعب القيام بسياسة عامه دون أن يكون هناك جهاز أداري يأخذ على عاتقه مهمة تحقيق متطلبات السياسة العامة، لذلك أصبح ينظر للعلاقة بين السياسة العامة والإدارة على كون (السياسة العامة تمثل مخرج أساسي للحكومة في النظام السياسي وهي في نفس الوقت مدخل أساسي للجهاز الإداري داخل نفس النظام السياسي .. فلا توضع سياسة عامة ألا نتيجة جهد العديد من المؤسسات والإجراءات التي تختلف من نظام سياسي إلى آخر ألا أنها في النهاية تمثل الاتجاه الأساسي للعمل أمام الجهاز الإداري) (20) .
    أن تطور الاهتمام في السياسة العامة جاء من خلال تأثير الدراسات والمناهج العلمية وإضافاتها لعلم السياسة وكيفيه نظرتها إلى العملية السياسية أداء النظام السياسي، فكان لكل منهج أو مدخل دوره في تطور حقل السياسة العامة وفقاً لمنطلقاته الخاصة، سواء كان منهج نخبوي أو جماعي أو نظمي أو يقوم على اختيار السياسات الكفوءة، في فهم السياسة العامة .
    المؤسسات الرسمية وعملية صنع السياسة العامة
    أولا / الدستور والسياسة العامة : يعرف الدستور (بأنه نسق أو جسد المبادئ الأساسية طبقا له تتشكل وتحكم أمة أو دولة أو نظام سياسي)(21)، وهو أيضا يشير إلى (مجموعة قواعد متفق عليها تصف تنظيم حكومة بلد ما) (22).
    وتعتبر مجموعة القواعد تلك، القواعد الأساسية التي تحكم طريقة اتخاذ القرار، وتضع أدوار صنع السياسة وتقسمها إقليميا ووظيفيا وما شابه ذلك… ويضع (الدستور) شروط السباق السياسي، حيث يسعى الأفراد والجماعات للتأثير في السياسات بالعمل ضمن إطار تلك الأحكام . ففي غياب مجموعة شرعيه من الترتيبات لبلورة القضايا، ودراستها، ومناقشتها، ثم اتخاذ قرار من بين عدد من وجهات النظر، فان الحكومة قد تنهار، وقد تتخذ القرارات بالقوة(23) .
    ويعد وجود الدستور علامة بارزه على حداثة ألا نظمه السياسية واستقرارية مؤسساتها، لان وجود الدستور يمثل الخطوة الأولى نحو بناء المؤسسات الديمقراطية .
    فالدستور له أهميه كبيره كونه يحدد مجموعة من المسائل الرئيسية، مثل العلاقة بين السلطات، وحقوق المواطنين وواجباتهم، وضوابط تعديل الدستور وإجراءاته.. ويعتبر احترام أحكام الدستور شرطا ضروريا لإسباغ المشروعية على القوانين والأحكام القضائية(24) .
    ووجود الدستور له دور كبير في مراقبه أعمال الحكومة وآلية صنع السياسة العامة (فالمنهج المعتاد في وصف الحكومة هو بالرجوع إلى دستورها… فالدستور الأمريكي، على سبيل المثال، يعطي المحكمة العليا السلطة النهائية في تقرير ما يمكن للحكومة أن تفعله أو لا تفعله) (25) .
    ويطرح (جورج بيردو) فهمه للدستور، بالإشارة إلى أن للدستور مضمون مزدوج فهو يحدد :
    أولا/ الأشخاص أو الهيئات الحاكمة التي يكون لها القدرة على التصرف واتخاذ القرارات باسم الدولة ويحدد لهم اختصاصاتهم وكذلك كيفيه ممارستها .
    ثانيا/ يحدد مذهب التنظيم الاجتماعي والسياسي الذي تمثله السلطات الحاكمة وكذلك الاتجاه الفلسفي والأيديولوجي الذي ينبغي أن تعمل في إطاره منظمات أو سلطات الدولة(26) .
    ويعمل الدستور في أي نظام سياسي وفقاً لأيديولوجية سياسية تعكس المبادئ والقيم التي يتبناها النظام السياسي وانعكاس تلك الإيديولوجية في صنع السياسات العامة من خلال علاقتها مع المجتمع ونوعية الثقافات السياسية التي يتبناها ذلك المجتمع وآلية عمل المؤسسات الرسمية وتطبيقها لأيديولوجية النظام السياسي .
    ويشير مصطلح الأيديولوجية إلى (نسق من المعتقدات والمفاهيم والأفكار الواقعية والمعيارية على حد سواء، ويسعى في عمومة إلى تفسير الظواهر الاجتماعية المركبة من خلال منظور يوجه ويبسط الاختيارات السياسية والاجتماعية للأفراد والجماعات)(27) .
    والأيديولوجية لها دور مهم في حركة الأنظمة السياسية وفاعليتها وقدرتها التأثيرية (فلا توجد دولة دون أن يكون لها إطار أيديولوجي واضح وصريح، فالنظم السياسية لا تعمل بشكل عشوائي، وإنما تعمل في إطار من المعتقدات والتوجيهات السياسية التي تعرب عنها صراحة كان يقال أن النظام اشتراكي، أو ليبرالي، أو ديمقراطي…، أو تتركها ضمنيا يكشف عنها شكل الفعل الاجتماعي الذي يصدر عن الدولة، وينسحب هذا القول إلى النظم السياسية كافه بصرف النظر عن بساطتها وتعقيدها)(28).
    وكون الأيديولوجية نظام للقيم والمعتقدات والأفكار والتوجيهات الخاصة بالنظام السياسي فان نجاحها في القدرة على نقلها إلى واقع التطبيق وبالتالي فان نجاح السياسة العامة للدولة يكمن بدوره في مقدار تكامل العلاقة ونجاحها بين الأيديولوجية وثقافة المجتمع، حيث كلما كان هناك قدر من التفاهم والاتفاق بين النظام السياسي وأيديولوجيته وبين المجتمع مما يحتوي من ثقافات متعددة وكيفيه التعبير عنها والاستجابة لها، كلما كانت السياسة العامة اقدر على النجاح، ويتوقف ذلك على صفات معينه تجعل من الايديولوجية أكثر قدرة وفاعلية في تحقيق أهدافها(29).

    1) البساطة والعفوية في المبادئ، فكلما كانت مبادئ الأيديولوجية أكثر بساطه وعفوية واقل تعقيد، حققت انتشار اكبر وذلك نتيجة البساطة التي تجعلها في متناول المدراك كافه، وكذلك نتيجة العمومية التي كل إنسان يجد فيها شيئا يحقق من خلاله ما يريد .
    2) الاتفاق النسبي مع الثقافة السياسية، والثقافة السياسية لمجتمع ما، إنما تعكس تاريخ ذلك المجتمع وخبرات أفراده وطبقاته وفئاته السياسية عبر الزمان، وعلى ذلك، فكلما كانت الأيديولوجية السياسية المطروحة أكثر قربا من الثقافة السياسية، تكون هذه الأيديولوجية اقرب إلى الانتشار والفاعلية .
    3) الاتفاق مع مصالح الجماعات المكونة للمجتمع.. فعلى الأيديولوجية آن تكون ذات مضمون تجد فيه مختلف طبقات وفئات المجتمع الرئيسة ما يعكس أهدافها ويعبر عن أمالها ويحقق مصالحها، وليس معنى هذا القول، أن تكون الأيديولوجية توفيقية أو تلفيقية، بل على العكس من ذلك، أن تكون ذات صيغه تعبر عن مجمل أهداف الأمة.. فكلما كانت الأيديولوجية ذات مضمون قومي اشمل يتجاوز ويشمل الجماعات الفرعية تكون اقدر على التعبئة وأكثر قبولا، وبالتالي اقدر على تحقيق الأهداف .
    ويحاول النظام السياسي أيجاد قدر من التفاهم والاتفاق العام بينه وبين المجتمع بشكل يعطيه القدرة والفاعلية في الحركة والتأثير وتنفيذ سياساته العامة (فالنظام السياسي يسخر كثيرا من أجهزته الحزبية، والتعليمية والاتصالية، على وجه الخصوص، لنشر الأيديولوجية السائدة، وخلق قدر من الاتفاق العام يتبلور حول الأفكار الأساسية لهذا النظام)(30).
    وترتبط بالأيديولوجية مسالة هامة هي الثقافة العامة للمجتمع وطبيعة العلاقة بينهما فيما إذا كانت قائمة على التلاحم والجذب أو التنافر والتباعد وتأثيرات ذلك في السياسات العامة التي تتبعها الدولة ونجاح تلك السياسات في الميادين السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية .
    وتنبع أهمية الأيديولوجية.. من قدرتها على تحقيق التعبئة والتماسك الاجتماعي، فهي أداة للتميز بين الذات والغير أو بين الأنصار والخصوم، وهي تصوغ خطابها تبعا لذلك بحسب نوعية متلقيه، ونجاح الأيديولوجية يتحدد بقدرتها على الجمع بين الاستدلال العقلي والشحن الوجداني، وكذلك بما تقدمة من حلول ممكنة لأهم مشكلات المجتمع (31).
    لكن قابلية والتعبئة والتماسك هذه ليست عامة في جميع الأيديولوجيات وإنما تتوقف على نوعية الأدوات والوسائل التي يستخدمها النظام السياسي في دعم أيديولوجيته وسياساته وبمدى تفاعل المجتمع بثقافته العامة مع تلك الأيديولوجية
     
جاري تحميل الصفحة...