1. omar

    omar عضو نجم المنتدى

    Country:
    Algeria
    إنضم إلينا في:
    ‏17 مارس 2015
    المشاركات:
    167
    الإعجابات المتلقاة:
    142
    نقاط الجائزة:
    43
    الجنس:
    ذكر

    Print

    المقدمة

    النظرية السياسية من المواضيع الرئيسة في علم السياسة ، واعتمادها كمجال معرفي ومادة للتدريس إنما هو اعتراف بمرحلة النضج التي وصل إليها الفكر السياسي وعلم السياسة بشكل عام ، فأن تُهيكل الأفكار السياسية في إطار نظريات فهذا معناه أن السياسة لم تعد مجرد أفكار ومقولات عامة بعيدة عن الواقع بل أصبح من الممكن ضبط وتقنين الشأن السياسي ليصبح علماً مثله مثل العلوم الأخرى. ومن هنا ليس عبثاً استعمال لفظ النظرية وهو لفظ مستمد أصلاً من العلوم الحقة التي وصلت إلى درجة من الدقة والضبط جعلا من الممكن ضبط مقولاتها وتعميماتها في إطار نظريات علمية تكون هادياً للباحث في تلك العلوم.

    فلا غرو، إن كان اعتماد مفهوم النظرية والقوانين السياسية بالإضافة إلى توظيف أدوات البحث العلمي ومناهجه في المجال الاجتماعي، محاولة من الباحثين الاجتماعيين للوصول بالمعرفة الاجتماعية إلى درجة من الدقة والموضوعية شبيهة بالحالة التي عليها العلوم الحقة. ومع ذلك وبالرغم من الجهود الشاقة التي بذلها العلماء الاجتماعيون في هذا المجال إلا أن البعض مازال يشكك في علمية المعرفة الاجتماعية بما في ذلك النظريات والقوانين الاجتماعية، حتى أن ليفي شتراوس (عالم وفيلسوف فرنسي معاصر) عندما سوئل هل هناك علوم اجتماعية؟ أجاب لدي شك في ذلك، وشكه ينبع من إدراكه أن الظواهر الاجتماعية تختلف عن الظواهر الطبيعية، فإذا كانت الأولى قابلة للملاحظة والتكميم والضبط والتجريب، فإن الثانية على درجة كبيرة من التعقيد وعدم الثبات والتحول من حال إلى حال، فالظاهرة الاجتماعية يتداخل في تشكلها مؤثرات سسيولوجية ونفسية ودينية واقتصادية وعاطفية، مما يجعل حصر مكوناتها وإخضاعها للتجربة أمراً شاقاً، وهذا الأمر يجعل من المخاطرة وبمثابة مغامرة علمية، صياغة نظريات وقوانين بعدية المدى تزعم القدرة على فهم وتفسير الظواهر الاجتماعية بشكل مرض، ومن هنا فإن الباحثين يتعاملون بحذر مع النظريات الاجتماعية والسياسية وخصوصاً بعيدة المدى وشمولية التحليل.

    إن قولنا المشار إليه أعلاه لا ينفي الجدوى عن النظريات الاجتماعية ، ولكن المقصود هو القول أنه في مجال التنظير الاجتماعي والسياسي يجب أن لا يتبادر إلى الذهن أن عملية التنظير في هذا المجال تغني الباحث عن المقاربات الميدانية والتجريبية أو أن النظريات السياسية تعبير صادق عن الواقع، فما بين الواقع والنظريات فجوة كبيرة والعلماء يلهثون دوماً لصياغة نظريات يمكنها أن تواكب الواقع، فالنظيرات وحتى التي تزعم أنها علمية وموضوعية لا تتطابق دوماً مع الواقع، ولنا في واقع الحياة السياسية اليوم خير دليل على ذلك ، فلا توجد أي نظرية سياسية قادرة على تفسير ما يجري في السياسة الدولية ،وفهم ما يجري ، حيث الفهم والتفسير من أهم أهداف النظرية السياسية.

    جاء اعتماد مصطلح النظرية في العلوم السياسية بعد رحلة طويلة وشاقة وممانعات متعددة المصادر، واجهت الفكر السياسي، حيث انتقل من الأسطورة السياسية إلى الفلسفة السياسية ومنها إلى العلم السياسي، هذا الأخير هو الرحم الذي منه خرجت النظريات السياسية.وبالرغم من الاعتراف بالعلم السياسي وبالنظريات السياسية ، إلا أن علماء السياسة ما زالوا يناضلون حتى يعترف بهم كمرجعيات رئيسة في الحقل السياسي ، وما زالوا في بلدان العالم الثالث على وجه التخصيص مهمشين ومستبعدين على مستوى الممارسة السياسية ، حيث هواة السياسة وتجار السياسة ومستلبو السلطة من العسكر والمغامرين يحتكرون الحياة السياسية ،ة هذا ناهيك عن الممانعة التي تجدها النظرية السياسية من الفكر الغيبي والأسطوري ومن تيارات دينية ترفض أية مرجعية لشؤون الحياة بما فيها الشأن السياسي غير المرجعية الدينية .
    إن النظرية السياسية هي ذلك الجزء العلمي والممنهج من الفكر السياسي الذي كان قبل أن تصبح السياسة علم ، مجرد أفكار عائمة وغير مضبوطة. وقد يتساءل البعض أيهما أكثر دقة، مصطلح "نظرية سياسية" أو "نظريات سياسية"؟ وهو تساؤل مشروع خصوصاً إذا رأينا مؤلفات تتناول نفس الموضوعات تسمى أحياناً بالنظرية السياسية وحيناً آخر تسمى بالنظريات السياسية. إن اختلاف التسمية في نظرنا وإن كان ليس بالأمر الذي يستحق كثير نقاش، إلا أنه في بعض الأحيان يحدث لبسا، فاستعمال تسمية النظرية السياسية قد يوحي عند البعض وجود نظرية واحدة تستوعب مجمل الشأن السياسي، كما أن تسمية نظرية سياسية يجعل الأمر وكأن المقصود به تاريخ الأفكار السياسية أو مجمل التنظيرات السياسية. أما اعتماد مصطلح النظريات السياسية فيوحي بوجود نظريات – بالمعنى الدقيق للكلمة – متعددة كل منها يتناول جانباً من الظاهرة السياسية، فهناك نظرية حول الدولة وأخرى حول الديمقراطية وثالثة حول السلطة الخ، وحيث إن مصطلح النظرية السياسية هو الذي شاع في مجال الدراسات الأكاديمية، فسنستعمل هذا المصطلح.
    مقاربة موضوع النظرية السياسية يحتاج كمحاولة تفسيرية إلى تفكيك المصطلح إلى مفردتيه: النظرية، والسياسة، ثم القيام ببنائه من جديد، فلا تفهم النظرية السياسية إلا إذا عرفنا ماذا تعني كلمة نظرية أولاً ثم ماذا تعني كلمة سياسة ثانياً.ولكن قبل القيام بعملية التفكيك ثم التركيب، لابد من الإشارة إلى أن مصطلح النظرية السياسية حاله حال المصطلحات والمفاهيم في العلوم الاجتماعية والسياسية، حمال أوجه، بمعنى أن الناس وحتى المختصين في العلوم السياسية يفهمون المصطلح انطلاقاً من خلفياتهم الفكرية والمذهبية. وبالرغم من الرحلة الطويلة والشاقة التي قطعتها العلوم الاجتماعية – بما في ذلك علم السياسة – في مجال ضبط مفاهيمها ومقولاتها ومحاولتها التشبه بالعلوم الطبيعة إلا أنها مازالت بعيدة كل البعد على أن تصل إلى درجة الدقة والضبط في العلوم الطبيعية. وهذا يعني أن ما يقصده باحث ما بالنظرية السياسية قد لا يكون هو نفسه الذي يعنيه باحث آخر، فما اعتبره أنا نظرية قد لا يعتبره آخرون كذلك، مثلاً كان الماركسيون يطلقون على مذهبهم اسم النظرية العلمية، فيما آخرين كانوا يمسونها الفلسفة الماركسية، وشتان ما بين النظرية العلمية والفلسفة، ومع ذلك فقد تواضع علماء السياسية على عناصر يمكن في حالة توفرها في منظومة فكرية ما أن تنعت هذه المنظومة بـ "نظرية سياسية".

    ولابد من الإشارة هنا إلى أنه في محاولتنا هذه لعمل مؤلف حول النظرية السياسية كنا مترددين ما بين التركيز على الجانب المفاهيمي من النظرية السياسية أو إعطاء الأولوية لمحتوى النظرية السياسية، أي الموضوعات التي تدرسها وتدخل في حقل اهتماماتها، أيضاً كنا مترددين ما بين الاهتمام بالجانب ألقيمي والأخلاقي من الشأن السياسي أو الاهتمام بواقع الممارسة السياسية. لا شك أن الطالب الجامعي الذي يدرس لأول مرة النظرية السياسية وربما لا يتوفر على معرفة كافية بالمقصود بالنظرية السياسية كمفهوم، يحتاج كماً كافياً من المعلومات النظرية والمفهومات المجردة حول الموضوع، ولكن المفاهيم المجردة وحدها لا تكون كافية إن لم تصاحب بأمثلة وتطبيقات وتحليل لموضوعات تقرب الطالب من فهم المقصود بالنظرية السياسية. وعلى هذا الأساس حاولنا أن نجمع ما بين الجانب النظري والجانب التطبيقي. ومع ذلك فقد انتابتنا حالة من التردد فيما يتعلق بالجانب التطبيقي، ذلك أنه ليس من السهل تناول كل الموضوعات التي تدخل ضمن إطار اهتمام النظرية السياسية لكثرة هذه الموضوعات وتعدد تفرعاتها، وحتى تباين تطبيقات النظرية الواحدة من نظام سياسي إلى آخر، فالنظرية حول الدولة فيها الجانب التاريخي وفيها التنظيرات التي تخص الدولة في العالم الغربي وتلك التي نظّرت للدولة الاشتراكية والشيوعية زمن وجود المعسكر الاشتراكي، ولكننا كمجتمعات عربية إسلامية نعيش في دول لها خصوصياتها، وعليه لا يفيد أن ندرس نظرية الدولة في الغرب ونتجاهل خصوصية الدولة في العالم الثالث، حتى داخل هذه الخصوصية توجد خصوصيات، مثلاً الدولة في الحالة الفلسطينية، فضمن أي مقاربة نظرية يمكن أن ندرجها، وأي من نظريات الدولة تصلح للحالة الفلسطينية؟. ما قلناه حول الدولة ينطبق أيضاً على الديمقراطية، فدراسة النظرية الديمقراطية كما نشأت في الغرب وتطورت وكما تمارس اليوم هناك، مفيدة ولا شك وتعتبر مرشداً ونموذجاً يمكن الاسترشاد به أو البناء عليه، ولكن في مجتمعاتنا العربية الإسلامية، هل يمكن الأخذ بالنظرية الديمقراطية الغربية بحذافيرها أم أن الأمر يتطلب عملية تبيئة لمقولات هذه النظرية لتتناسب ومجتمعاتنا، هذا إن لم يحتاج الأمر إلى مناقشة رأي القائلين بعدم ضرورة الأخذ بالديمقراطية ككل في مجتمعاتنا. إلى آخره من الموضوعات التي تحتاج إلى الجمع ما بين النظرية والتطبيق.
    وفي الختام لابد من الاعتراف بأن عملنا هذا هو محاولة لتقريب الطالب من موضوع النظرية السياسية، سواء على مستوى الجانب المفاهيمي أو على مستوى الموضوعات التي هي محل اهتمام النظرية السياسية، ونرجو أن يوفر هذا الكتاب قاعدة منطلق لمناقشات مستفيضة حول النظرية السياسية، وخصوصاً أننا حاولنا أن نثير قضايا لها علاقة بواقع النظرية السياسية في عالمنا العربي وفي مجتمعنا الفلسطيني، قضايا تشغل الرأي العام وخصوصاً الطلبة الذين يتابعون أحداثاً وتحولات سياسية عاصفة في أكثر من بلد، منها ما يتعلق بموضوع الانتقال الديمقراطي وأخرى تتعلق بالسلطة السياسية ومصادر شرعيتها وقضايا حقوق الإنسان الخ.















    الفصل الأول
    مقاربة مفاهيمية للنظرية السياسية

    كما هو واضح فالموضوع هو النظرية السياسية وهو مركب من كلمتين تحيل كل إلى الأخرى فالنظرية تحيل إلى السياسة والسياسة تحيل إلى النظرية، بمعنى أن الفهم المتكامل للموضوع يتطلب أن نقارب مفاهيميا مفردتي العنوان : الأولى السياسة و هو مجال العلم الذي إليه تنسب النظرية التي توسًم علماء السياسة أنها تهديهم إلى إدراك أعمق للظاهرة السياسية، و الثانية هو النظرية بمفهومها العلمي.

    المطلب الأول :في تعريف السياسة
    النظرية السياسية بما هي نتاج عقل الإنسان العالم، هي جزء من الفكر السياسي وجزء من علم السياسة، ولكنها ذلك الجزء الذي يعبر عن مرحلة النضج في التفكير السياسي، وانتقال هذا الأخير من فكر تهيمن عليه الأساطير والخرافات والتأملات الفلسفية البعيدة عن الواقع، إلى فكر ممنهج ومنظم يستمد من الواقع ويحاول أن كون قريباً منه، قادراً على تفسيره وفهمه وتتبع تحولاته. ومن هنا فأن فهم النظرية السياسية لن يكون ممكنا دون مقاربة مفهوم السياسة.
    ليس بالأمر الهين تعريف السياسة، فبقدر البساطة الظاهرة على هذا المصطلح وكثرة تداوله بين الناس العاديين وبين رجال السياسة، فإن التعريف العلمي لهذا المصطلح لا يتفق مع هذا التعويم لاستعمال مصطلح السياسة، ومن ناحية أخرى فإن تعقد البناء الاجتماعي وتداخل ما هو سياسي مع ما هو اقتصادي أو ديني أو إيديولوجي أو قانوني يجعل عملية التمايز أو التمفصل بين هذه الأنساق أو المجالات أمراً صعباً، أو كما قال جوليان فروند إن السياسة تشبه "كيس سفر يحتوي ما تنوع من الأشياء...فيه ما شئت من الصراع، والحيلة، والقوة، والتفاوض والعنف والإرهاب، والتخريب والحرب والقانون..."

    حيث إن الشأن السياسي وكما هو الحال مع المجالات الاجتماعية الأخرى أخضع للمنهج العلمي وأدواته الدقيقة، فقد أصبح من الممكن مقاربة الظواهر السياسية مقاربة علمية، بل وظهور علماء وعلوم متخصصة بدراستها، مع ما يصاحب ذلك من محاذير. بتوظيف علم الاشتقاق أو الإيتمولوجيا فإن كلمة سياسة باللغة العربية تقابل كلمة (Politics) بالإنكليزية و(Politique) بالفرنسية والمصطلحان مشتقان من اللفظ اللاتيني (Polis) بمعنى المدينة أو الناحية أو اجتماع المواطنين، ومشتقاتها (Politeia) بمعنى المدينة والدستور والنظام السياسي و (Politike) بمعنى الفن السياسي، أي أن معناها كان معالجة الأمور التي تعني المدينة. وهذا ما يوحي بأن السياسة أو الحكم بالسياسة اقترن في نشأته بـ (دولة - المدينة)، أي أنه مرتبط بتجاوز المجتمعات الإنسانية مرحلة العلاقات القائمة على انساق القرابة من أسرية وعشائرية إلى المجتمع المدني المنظم على أساس المدينة والتساكن والمواطنة والوظيفة، أي بشكل آخر انتقال المجتمعات من الحكم عن طريق رئيس القبيلة الذي يستند في حكمه على النفوذ الشخصي الاجتماعي أو الديني أو على عامل السن إلى الحكم عن طريق السلطة السياسية القائمة على الإكراه والقسر وعلاقة حاكمين بمحكومين، هذا التعريف للسياسة انطلاقاً من التحليل الابستومولوجي للمصطلح دفع العديد من الباحثين الغربيين وانطلاقاً من الأنوية الحضارية الغربية إلى اعتبار الشأن السياسي أمراً مقتصراً على المجتمعات الأوروبية ولم تعرفه المجتمعات الأخرى – مجتمعات ما قبل دولة – المدينة اليونانية. وهذا ما قال به مالينوفسكي Malinowski الذي نفى وجود جماعات "سياسية" لدى جماعات الفيدا وأهالي أستراليا الأصليين، فهذه المجتمعات تلعب فيها صلة القرابة العامل الرئيسي في علاقاتها الاجتماعية، فعلاقات القرابة تتنافى مع العلاقات السياسية. إلا أن هذه المقاربة لمصطلح السياسة اعتماداً على أصل الكلمة اليوناني تجد من يعارضها ويأخذ بمقولة أرسطو بأن الإنسان حيوان سياسي بطبعه، فلا يوجد مجتمع بدون حكومة. إن الخلاف في الواقع يكمن في اختلاف مفهوم السياسة لدى الأقدمين عنه لدى المجتمعات المنظمة في إطار دولة. فالسياسة بمعنى القيادة موجودة في كل المجتمعات بما فيها البدائية، إلا أنها في هذه الأخيرة لم تكن جهازاً منفصلاً عن الأجهزة الأخرى، من اقتصادية واجتماعية ودينية، بل كانت متداخلة معها وكانت كلها تتركز في يد رجل واحد أو مجلس واحد. أما السياسة في دولة – المدينة وما بعدها من نظم سياسية حديثة، فمختلفة، إنها مؤسسات وأجهزة مستقلة قائمة بذاتها، تتقاطع وتتلاقى مع مؤسسات المجتمع الأخرى ولكنها لا تذوب فيها.

    هذا الرأي الذي يميز ما بين السياسة في مجتمعات ما قبل دولة المدينة اليونانية والسياسة في المجتمعات الحديثة أو المدينية، تطرق إليه بتوسع الانتربولوجي الفرنسي بيار كلاستر في كتابه "مجتمع اللادولة"، حيث يقول بأن المجتمعات البدائية - أي تلك المنظمة على أساس غير ما هو معروف في المجتمعات الأوروبية - لم تعرف السلطة السياسية كجهاز قائم بذاته بل كانت مندمجة مع بقية المؤسسات الأخرى، ويميز بين السلطة السياسية وبين نفوذ الزعيم في المجتمعات الأولى، فالزعيم يحظى بالاحترام والتقدير ويمثل الجماعة لدى الجماعات الأخرى، ويفض النزاعات الداخلية، ولكنه لا يمتلك أي سلطة قسرية، وغياب عنصر القسر أو الإكراه هو ما ينفي صفة السياسة عن سلطة الزعيم، إن الزعيم بما أنه المعمم لنشاطات الجماعة الاقتصادية والطبقية لا يحوز على أي سلطة تقريرية، إنه غير متأكد على الإطلاق من أن أوامره سوف تنفذ".

    أما في اللغة العربية فإن كلمة سياسة وكما ورد في "لسان العرب" أتت من السوس بمعنى: الرياسة، حيث يقال:ساسوهم سوساً، وإذا رأسوه قيل سوسوه، والسياسة أيضاً بمعنى القيام على الشيء بما يصلحه.وقيل إن أقدم استعمال لكلمة السياسة في الأدب العربي يرجع إلى عهد الخنساء، حيث قالت في إحدى أبياتها الشعرية:
    ومعــاصـــم للهالكيـــن ******وساسـة قــوم محاشــد .
    لا شك أن علم الاشتقاق وإن كان يقربنا من دلالة الكلمات ومعانيها الأولية، فإنه لا يكشف عن الأبعاد العلمية والفكرية التي تأخذها المصطلحات عندما تتحول إلى جزء من النظام الفكري والقيمي لمجتمع ما وفي ظروف مختلفة، وخصوصاً المصطلح في العلوم الاجتماعية حيث هو ذو حمولة إيديولوجية كبيرة. ومن هنا تأتي أهمية المعنى الاصطلاحي لكلمة سياسة.

    تذهب غالبية التعريفات الاصطلاحية التي أعطيت لكلمة سياسة إلى ربطها بنظام الحكم أو بعلاقة الحاكمين بالمحكومين، فالسياسة لا تكون إلا في المجتمعات الكلية التي تقاد عن طريق هيئة سياسية تصدر قوانين ملزمة للأفراد وتمارس عليهم الضغط والإكراه، فلا يمكن تصور سياسة دون وجود سلطة سياسية وحيث لا يمكن تصور سلطة سياسية دون ممارسة التسلط – بدرجاته المتباينة – فإن وجود السياسة يستدعي وجود السلطة.

    برجوعنا إلى كلمة سياسة كما توردها القواميس المتخصصة سنجد تعدداً خصباً في التعريفات، فعرفها معجم "روبير" 1962 بأنها "فن إدارة المجتمعات الإنسانية"، أما معجم كاسل Casslle فيقول: إن السياسة ترتبط بالحكم والإدارة في المجتمع المدني "أما قاموس ليتره Littre الفرنسي 1870 فقد قدم ثمانية تعاريف لكلمة سياسة منها: "فن حكم الدولة" "السياسة علم حكم الدول وإدارة العلاقات مع الدول الأخرى"، وفي قاموس العلوم الاجتماعية عُرفت السياسة بأنها: "تلك العمليات الصادرة عن السلوك الإنساني التي يتجلى فيها الصراع بين الخير العام من جهة ومصالح الجماعات من جهة أخرى، ويظهر فيها استخدام القوة بصورة أو بأخرى لإنهاء هذا الصراع أو التخفيف منه أو استمراريته".

    وإذا انتقلنا من التعريف القاموس لكلمة سياسة إلى التعريفات التي أعطاها المختصون لهذه الكلمة سنجد نفس التنوع فستانلي هوفمان أعطى مائة تعريف لمفهوم السياسة، حتى يمكن أن يقال إن لكل عالم سياسة تعريفه الخاص لها، فقد عرفها جوليان فروند بأنها: "الفعالية الاجتماعية التي تأخذ على عاتقها – عن طريق القوة المرتكزة إجمالاً على القانون، تأمين السلامة الخارجية والوفاق الداخلي لوحدة سياسية خاصة، وصيانة النظام وسط الصراعات الناجمة عن تنوع واختلاف الآراء والمصالح". ومع ذلك فإن الكاتب هو بذاته غير مقتنع بدقة ووضوح تعريفه حيث يقول في موضع آخر من كتابه، بأن السياسة تشبه كيس سفر يحتوي على تنوع الأشياء، ففيه ما شئت من الصراع ومن الحيلة والقوة والتفاوض والعنف والإرهاب والتخريب والحرب والقانون...

    أما ماكس فيبر Max Veber فقد عرف السياسة "بأنها الفعالية التي تطالب بحق السيطرة من أجل السلطة القائمة على أرض ما، مع إمكان استخدام القوة أو العنف في حالة الحاجة، سواء من أجل النظام الداخلي أو الفرص التي تنتج عنه، أو من أجل الدفاع عن الجماعة في وجه التهديدات الخارجية". ويقترب من هذا التعريف للسياسة ما جاء به غبرييل الموند Almond الذي عرف السياسة أو المنتظم السياسي الذي هو مجال اهتمام أو حقل عمل علم السياسة بأنها: "نظام التفاعلات الذي يوجد في جميع المجتمعات المستقلة، والذي يقوم بوظائف التوحيد والتكيف ويؤديها في الداخل وتجاه المجتمعات الأخرى، ويمارس هذه الوظائف باستخدام القسر المادي أو بالتهديد باستخدامه، سواء أكان استخدامه شرعياً شرعية تامة أو بعض الشيء، فالنظام "أو المنتظم" السياسي هو القيّم الشرعي على أمن المجتمع والصانع الشرعي لما يحدث فيه من تغيير"

    أما عند المفكرين المسلمين، فقد تم التعامل مع الموضوع بشيء من الحذر والغموض حتى لا يحدث تضارب بين المنظور الإسلامي للحياة كدين ودنيا، و السياسة كأمر دنيوي محض يعود للناس أمر التصرف فيه. وهذا الغموض مازال سائداً إلى اليوم حيث يعود نصيب كبير من الصراع بين التيارات الأصولية وبين الأنظمة الحاكمة ومؤيديها إلى مفهوم السياسة والحكم ومن أين يستمد الحاكمون سلطتهم، وما هي مرجعيتهم؟.
    وقد استشري هذا الاختلاف منذ اللحظة التي تحولت فيها الخلافة إلى "ملك عضوض" على حد تعبير ابن خلدون، فكان لزاماً التعامل مع الشأن السياسي كفكر وممارسة قائمة بغض النظر عن توافقها أو عدم توافقها مع الشرع – وما بين التوافق وعدم التوافق احتمالات وأوضاع لا تعد ولا تحصى –، وعليه رأى المفكرون المسلمون أن السياسة هي القيام على أمور المسلمين بأحسن وجه، وإن كان الفارابي مثلاً يعمم مفهوم السياسة لتصبح معرفة قواعد التصرف الأنسب في مجالات المنزل والحياة الفردية عموماً والسلوكيات الاجتماعية، فأن الفخر الرازي يربط السياسة بالرياسة فالسياسة أو علم السياسة هو علم الرياسة.

    أما ابن سينا 1 فقد تأثر بالتقسيم الأرسطي – نسبة إلى الفيلسوف اليوناني أرسطو – الذي ميز بين المعرفة لذاتها أي المعرفة النظرية، وبين المعرفة الهادفة إلى تفضيل سلوك معين، أي المعرفة العملية، ومن هنا ميز ابن سينا بين الأخلاق، وسياسة المنزل، وسياسة المدينة. أما إخوان الصفا 2- فقد ميزوا بين خمسة أنواع من السياسات وهي:
    1- السياسة النبوية التي يضطلع بها الأنبياء والرسل، إذ يضعون النواميس والسنن الذكية، يداوون النفوس المريضة من الديانات الفاسدة.
    2- السياسة الملوكية التي يقوم بها خلفاء الأنبياء الذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر.
    3- السياسة العامة، وهي الرياسة على الجماعات.
    4- السياسة الخاصة وهي معرفة الإنسان بكيفية تدبير أمر المنزل.
    5- السياسة الذاتية وهي معرفة الإنسان لنفسه وأخلاقه ومراجعة أقواله وأفعاله.

    وبالنسبة لابن خلدون 3 فقد اعتبر أن السياسة ضرورة بشرية، فنظر لما في طبائع البشر من الاستعصاء فلابد من وجود وازع يزع بعضهم عن بعض، ولكنه ميز بين المُلك والرئاسة، فالمُلك هو السياسة بمفهومها الحديث والمُلك لا يكون إلا بالغلبة والقهر أما الرئاسة فصاحبها متبوع ولكن ليس له على متبوعيه قهر أو سلطة نافذة، ويقول في ذلك: "إن الآدميين بالطبيعة الإنسانية يحتاجون في كل اجتماع إلى وازع وحاكم يزع بعضهم عن بعض، فلابد أن يكون متغلباً عليهم وإلا لا تتم قدرته وهذا التغلب هو الملك وهو أمر زائد على الرئاسة لأن الرئاسة إنما هي سؤدد وصاحبها متبوع، وليس عليهم قهر في أحكامه وأما الملك فهو التغلب والحكم بالقهر" ثم يحلل ابن خلدون السياسة التي هي نتيجة طبيعة للاجتماع البشري ويقسمها إلى ثلاثة أنواع:
    1- السياسة الطبيعية التي يقصد بها حمل الكافة على مقتضى الغرض والشهوة.
    2- السياسة العقلية، وتعني حمل الكافة على مقتضى النظر العقلي في جلب المصالح الدنيوية ودفع المضار، وبالتالي يحصل نفعها في الدنيا فقط، وهي على وجهين: أحدهما يراعى فيه المصالح العامة ومصلحة الحاكم في استقامة ملكه بصفة خاصة، ثانيهما يراعى فيه مصلحة السلطان وكيف يستقيم له الملك مع القهر والاستطالة وتكون المصالح العامة في هذه تابعة لمصلحة الحاكم، هذه السياسة العقلية، هي سياسة سائر الحكام سواء كانوا مسلمين أم غير مسلمين وإن كان المسلمون يجرون منها على ما تقتضيه الشريعة الإسلامية بحسب جهودهم.
    3- السياسة الشرعية، وتعني حمل الكافة على مقتضى النظر الشرعي في مصالحهم الأخروية والدنيوية والراجعة إليها، هذه السياسة يحصل نفعها في الدنيا والآخرة، لعلم الشارع بالمصالح الدنيوية والأخروية.

    ومن الإسهامات السياسية المتميزة لعلماء المسلمين، ما جاء به أبن قيم الجوزية 3، فقد تبنى ابن الجوزية تعريف ابن عقيل للسياسة بأنها " ما كان فعلا يكون معه الناس أقرب إلى الصلاح وأبعد عن الفساد " ، كما تبنى قول الشافعي " لا سياسة إلا ما وافق الشرع : إلا أن أبن الجوزية فسر هذا القول بان يعني ،لا سياسة إلا ما وافق الشرع ولم يعارضه ، وليس أن لا سياسة إلا ما نطق به الشرع ، فهذا الفهم الأخير غلط وتغليط للصحابة 1. وهذا التمييز بين ما نطق به الشرع وما وافق الشرع يفتح باب الاجتهاد وإعمال العقل أمام العلماء ليشرعوا بما يتوافق مع الظروف المتغيرة.


    هل علم السياسة علم الدولة أم علم السلطة؟
    في بداية ظهور علم السياسة كعلم مستقل قائم بذاته في منتصف القرن التاسع عشر، كان ينظر إليه كعلم الدولة وهذا ما يتضح من خلال التعريف الذي أعطاه معجم ليتره للسياسة عام 1870 "السياسة علم حكم الدولة"، وهو تعريف كان متأثراً أو سائراً على هدى الدراسات والمفاهيم السابقة منذ دولة اليونان القديمة التي نحتت كلمة Polis بمعنى دولة المدينة.

    فعلم السياسة كعلم الدولة يهتم فقط بالدولة كمؤسسة قائمة محكومة بالقانون ومسيرة بسلطة سياسة، أي أنه يهتم أساساً بالدولة والحكومة والقانون، وأنصار هذا الرأي لا يرون الظاهرة السياسية إلا حيث تكون دولة ذات وجود قانوني وقد سبق أن أوضحنا ذلك.

    وقد تعززت هذه النظرة مع أنصار وكتاب نظرية السيادة وهي النظرية التي تجعل الدولة التجسيم الكامل لسيادة الأمة، أي لمجموعة فعالياتها السياسية الداخلية والخارجية، ودراستها هي دراسة هذه الفعاليات، كما تبنى هذه النظرة لعلم السياسة كعلم الدولة بعض المفكرين المعاصرين من أمثال روجيه سولتو Roger Soltau وجان دابن Jean Dabi ومارسيل بريلو، ويعجب هؤلاء من التفكير بأي موضوع رئيس لعلم السياسة غير الدولة، ويتساءل دابن عما يمكن أن يكون علم السياسة إن لم يكن علم الدولة؟

    إلا أنه مع تطور علم السياسة بدأ هجر هذا المفهوم لعلم السياسة كعلم الدولة إلى النظر إليه كعلم القوة، أو السلطة، ذلك أنه رغم أن الدولة هي مؤسسة اجتماعية أو "مؤسسة المؤسسات" كما توصف فهي ليست خارج المجتمع بل إفراز له وتعبير عن مكوناته وعلاقات القوة التي تحكم وحداته، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن حصر علم السياسة كعلم للدولة يثير تساؤلات حول ماذا نعني بالدولة؟ وما هي صورها؟ وما هو موقف علم السياسة من المجتمع المدني بتنظيماته وأنشطته وعلاقاته؟ وإذا كان علم السياسة هو علم الدولة فقط فما هو الشأن بالنسبة لمجتمعات وجدت قبل وجود الدولة ومجتمعات موجودة اليوم وغير منظمة على شاكلة الدولة الغربية المعاصرة؟ وضمن أي علم ندرس التنظيمات والجماعات كالنقابات والأحزاب وجماعات الضغط والحركات الاجتماعية والدينية؟.

    وهكذا فإن التوجه للحديث يتعامل مع علم السياسة كعلم القوة والسلطة وهو توجه يتجاوز النظرة القانونية والمؤسساتية التي كانت تحكم علم السياسة إلى نظرة جديدة تبحث في كل أشكال علاقات القوة التي تحكم المجتمع سواء كعلاقة قوة بين أفراده بعضهم البعض أو كعلاقة قوة بين وحدات المجتمع والدولة كجهاز سياسي. والتعامل مع علم السياسة كعلم القوة أي كعلم يهتم بالسلطة وبكيفية الاستيلاء والمحافظة عليها وممارستها ومقاومتها هو الذي يميزه عن العلوم الأخرى. ويرى مارسيل بريلو Marcel Prelot أن فكرة السلطة هي الموضوع الخاص بعلم السياسة، "ولمجتمع فروع هذا العلم موضوع مشترك هو دراسة السلطة في المجتمع من مختلف وجوهها...فموضوع هذا العلم ليس الدولة فقط وإنما أيضاً الجمعيات المحلية والنقابات والمؤسسات والكنائس "فكل تجمع يعود لعلم السياسة فور حيازته سلطة".

    ولكن يبقى برلو متحفظاً في تعريف السياسة كعلم السلطة، فهو يرى أن هذا التعريف لا يساعد على التوصل إلى المفهوم الحقيقي لعلم السياسة، لأن هناك خلط بين السلطة والقدرة أو القوة، فالسلطة في رأيه دائماً سياسية أي مرتبطة بالدولة، أما القدرة أو القوة فهي مجرد داعم للسلطة، كما أنه يصعب عزل السلطة عن المجتمع أو الدولة عن المجتمع، ويرى أيضاً: "إن تحويل علم السياسة إلى دراسة السلطة يعني في آن واحد توسيعه وتقليصه، توسيعه بجعله يدرس أشكالاً للسلطة تختلف كثيراً عن السلطة السياسية وتقليصه، طالما أنه لا يقتصر على الدراسة وحدها لظواهر السلطة".

    ومن هنا ينتقد استعمال كلمة Politique كدال على علم السلطة، لأن هذه الكلمة مشتقة من كلمة Polis التي تعني المدينة أو الدولة والأصح أن يسمى هذا العلم كراتولوجيا Cratologie لأن كراتوس Cratos تتفق مع السلطة وليس كلمة Polis.

    أما موريس دوفرجيه Maurice Duvreger فيقول بأن تعريف علم السياسة بأنها "علم السلطة" يتفوق على تعريفها بأنها "علم الدولة"، لأنه يسمح من التحقق من صحة فرضيته الأساسية لأن دراسة السلطة في جميع الجماعات دراسة مقارنة يسمح بكشف الفروق بين السلطة في الدولة والسلطة في الجماعات الأخرى إذا كان في الجماعات الأخرى سلطة

    ونشير هنا أن الفضل في التحول من "علم الدولة" إلى "علم السلطة" يعود للأمريكيين، حيث انتقل من أمريكا إلى أوروبا ولقي ترحيباً من علماء السياسة فيها، فخصوصية المجتمع الأمريكي دفعت علماء السياسة فيها إلى التحول من دراسة الدولة والسيادة والقانون إلى مجال أوسع يشمل دراسة العلاقات الفيدرالية، وفصل السلطات، والحكم المحلي، والهجرة، والتصنيع، والتحضر وجماعات الضغط، حتى يمكن القول إن ما يسير السياسة الداخلية الأمريكية ويؤثر على السياسة الخارجية ليست الحكومة المركزية بل هذه القوى الاجتماعية وتوازنها. وللأمريكيين يعود الفضل أيضاً إلى استقلال علم السياسة وفصله عن القانون الدستوري، فقبل 1880 لم تكن السياسة تدرس في أقسام أكاديمية خاصة بها بل كفرع من التاريخ والفلسفة والقانون والأخلاق والاقتصاد، وفي يونيو من نفس العام أنشأت جامعة كولومبيا أول مدرسة لعلم السياسة.

    وفي فرنسا يعود الفضل إلى جورج بوردو Burdeau في إكمال الثورة التي أدت إلى استقلال علم السياسة عن القانون الدستوري حيث انتقل هذا الأخير كما يقول مارسيل بريلو من وضع العلم الأساسي إلى دور العلم المرجع.

    إن وصول علم السياسة إلى المكانة المتميزة بين العلوم جاء نتيجة مسيرة طويلة من الدراسة والبحث على يد عديد من علماء السياسة المرموقين، حيث يشير البعض إلى ميكيافلي كأب لعلم السياسة الحديث نظراً لإسهاماته المهمة في التنظير للدولة، وفي فصله بين السياسة من جهة والأخلاق من جهة أخرى، وفي القرن السادس عشر انتقل الاهتمام من إيطاليا إلى فرنسا وذلك على يد بودان Jean Bodin، الذي وضع كتابه (عن الجمهورية) De La republique عام 1576، متضمناً نظرية في السيادة تبرر الحكم الملكي المطلق.

    وفي القرنين السابع عشر والثامن ظهر فلاسفة العقد الاجتماعي ليغنوا النظرية السياسية متأثرين بالمنهج العلمي الذي بدأ يفرض نفسه ويحقق مكتسبات في مجال العلوم الطبيعية، توماس هوبز Thomas Hobbs وجون لوك John Loke ودافيد هيوم David Hume، 1711 – 1776) وجرمي ينتام Jermy Bentham 1748، وستيوارت مل 1806 – 1973، وتوالت الإسهامات في حقل علم السياسة على يد مونتسكيو ثم كنت ودي توكفيل Alexis de Tocqueville، وكارل ماركس، وماكس فيبر وباريتو الخ.
    نخلص مما سبق إلى ما يلي :-
    1) أن الحديث عن السياسة وعلم السياسية هو في جوهره حديث عن النظرية السياسة ، فعلم السياسة ما هو إلا مجمل الإسهامات الفكرية لعلماء السياسة ، وما كان للسياسة أن تصبح علما لولا النظريات السياسية.
    2) إن الدولة هي قلب وأساس السياسة وعلم السياسة ، وبالتالي فأن غالبية النظريات السياسية تمحورت حول الدولة.
    3) لكل مجتمع – أو مجموعة مجتمعات متشابه- نظرياته السياسية الخاص به ، والتي غالبا ما تكون منسجمة مع / ونابعة من ، ثقافته الوطنية ومستوى تطوره الحضاري . فبعض المجتمعات ترى أن الدكتاتورية هي الأقدر على ضبط المجتمع وتأمينه من الأخطار – الداخلية والخارجية-، فيما مجتمعات أخرى ترى بالديمقراطية الحل الأنسب للتعامل مع خصوصيات المجتمع ومتطلباته، ومجتمعات ثالثة ترى أن الاشتراكية أو الحكم العسكري هو الأنسب لها ،الخ. ومن هنا تسود في المجتمعات الأولى نظريات الدكتاتورية والاستبداد ، وفي الصنف الثاني من المجتمعات ، نظريات الديمقراطية وحقوق الأنسان ، وفي الصنف الثالث من المجتمعات ، تسود النظرية الاشتراكية ومشتقاتها .

    ونشير أيضاً إلى أنه حتى منتصف هذا القرن كان هناك عدم دقة في استعمال مصطلح علم السياسة وتداخله مع العلوم السياسية الأخرى حيث كان علم السياسة أحد العلوم السياسية ،التي كانت تنقسم إلى العلوم التالية: المذهب السياسي، والتاريخ السياسي، وعلم الاجتماع السياسي، وعلم القانون، وعلم السياسة، إلا أن منظمة الأونسكو سعت إلى إعطاء علم السياسة مكانته التي يستحقها، وكلفت مجموعة من علماء السياسة وضع مؤلف حول علم السياسة وتحديد موضوعاته ووضع حد للتداخل بينه وبين العلوم الاجتماعية الأخرى، وبالفعل وضع مؤلف مشترك تحت عنوان "علم السياسة المعاصر" عام 1950، وقد تم اعتماد عبارة "علم السياسة" بدل "العلوم السياسية" وأوصت اللجنة بتدريس هذا العلم في الجامعات وكانت النظرية السياسية على رأس هذه الموضوعات.أما موضوعات هذا العلم فقد حددتها على الشكل التالي:

    1- النظرية السياسية:
    أ‌. النظرية السياسية
    ب‌. تاريخ الأفكار السياسية
    2- المؤسسات السياسية:
    أ‌. الدستور
    ب‌. الحكومة المركزية
    ج. الحكومة الإقليمية والمحلية
    د. الإدارة العامة
    هـ. وظائف الحكومة الاقتصادية والاجتماعية
    و. المؤسسات السياسية المقارنة
    3- الأحزاب والفئات والرأي العام:
    أ‌. الأحزاب السياسية
    ب‌. مشاركة المواطن في الحكومة والإدارة
    ج. الرأي العام
    4- العلاقات الدولية:
    أ‌. السياسة الدولية
    ب‌. التنظيمات والإدارات الدولية
    ج. القانون الدولي

    إلا أننا نلاحظ أن هذا التقسيم لم يحترم، حيث أن علم السياسة يدرس في بعض الجامعات كمادة مستقلة جنباً إلى جنب مع مواد هي حسب تقسيم الأونسكو فروع من علم السياسة.أيضا نلاحظ أن تاريخ الفكر السياسي يعد جزءا من النظرية السياسية، وكلاهما يأتيان على رأس اهتمامات علم السياسة .


    المطلب الثاني : في تعريف النظرية Theory


    تعد عملية التنظير عماد العلم الحديث والوحدة الأساسية في نسق التفكير العلمي، فلا يوجد علم دون نظريات علمية، فالمعرفة التجريبية أو الميدانية تستلهم النظريات العلمية، كما أن نتائجها قابلة للتحول بدورها إلى نظريات علمية.
    تعددت التعريفات المعطاة لمفهوم النظرية، فهناك فرق بين الاستخدام الشائع لمفهوم النظرية الذي يعني كل ما هو نظري وتأملي، وقائم على التصوارت Insights، وبين المعنى العلمي الحديث للنظرية الذي يربط ما بين الجانب النظري وبين الواقع التجريبي والمعاش. فالنظرية المنفصلة عن الواقع ما هي في الحقيقة إلا فلسفة، أي مجموعة مقولات غير نابعة أو متفاعلة مع الواقع وأما النظرية العلمية فهي تلك التي تكون في علاقة جدلية مع الواقع تتطور به ويتطور بها، ويكون الواقع هو المحك العملي لتأكيد مصداقيتها وعلميتها.
    فلا غرو إذن، أن يثير تعريف النظرية كثيراً من اللبس حيث تتداخل التعريفات العلمية للنظرية مع المفاهيم السائدة لدى العامة من الناس، وقد أثار ميلفن M. Melvin هذه الإشكالية حيث كتب يقول: "يستخدم مصطلح النظرية أولاً استخداماً عاماً للإشارة إلى الجوانب المتعلقة بالخبرة الواقعية، ويستخدم ثانياً لكي يعني كل مبدأ تعميمي تفسيري، وعادة ما يتكون هذا النوع من النظريات من قضية تقرر علاقة وظيفية بين المتغيرات، وحين تكون المفاهيم قريبة من الواقع يُطلق على المبدأ التعميمي مصطلح القانون، أما حينما تكون أكثر تجريداً، فغالباً ما يُستخدم مصطلح النظرية.وتعني النظرية، ثالثاً: مجموعة من القوانين المتسقة منطقياً، وقد أصبح ذلك هو الاستخدام المفضل لأنه يلائم العلوم التي قطعت شوطاً كبيراً في تطورها، كما أنه يرتبط بمفهوم النسق الذي يتضمن ترتيباً معيناً لقضايا النظرية، ويستخدم المصطلح رابعاً وأخيراً استخداماً ضيقاً للإشارة إلى العبارات التلخيصية، والتي تتخذ صورة مجموعة من القوانين تم التوصل إليها بالبحث التجريبي .

    أُعطي للنظرية عدة تعريفات، منها: "بناء تصوري يبنيه الفكر ليربط بين مبادئ ونتائج معينة"، وأنها: "إطار فكري يفسر مجموعة من الحقائق العلمية، ويضعها في نسق علمي مترابط" وأنها "تفسر ظاهرة معينة من خلال نسق استنباطي"، وأنها "مجموعة من القضايا التي ترتبط معاً بطريقة علمية منظمة، والتي تعمل على تحديد العلاقات السببية بين المتغيرات"، وعرفت بأنها: "عبارة عن مجموعة مرتبطة من المفاهيم والتعريفات والقضايا والتي تكون رؤية منظمة للظواهر عن طريق تحديدها للعلاقات بين المتغيرات بهدف تفسير الظواهر والتنبؤ بها". أما أرنولد روس في كتابه "النظرية والمنهج في العلوم الاجتماعية" فقد عرف النظرية بأنها: "بناء متكامل، يضم مجموعة تعريفات وافتراضات وقضايا عامة تتعلق بظاهرة معينة، بحيث يمكن أن يستنبط منها منطقياً مجموعة من الفروض القابلة للاختبار" ..

    فالنظرية إذن هي ذلك الإطار التصوري القادر على تفسير عالم الخبرة الواقعية، أي الظواهر والعلاقات بهدف البحث عن العلل والأسباب والتنبؤ أيضاً، أو كما يقول تيماشيف Timasheff بأن النظرية بصورة عامة هي مجموعة من القضايا التي تتوافر فيها الشروط التالية:
    أولاً: ينبغي أن تكون المفهومات التي تعبر عن القضايا محددة بدقة.
    ثانياً: يجب أن تشق القضايا الواحدة من الأخرى.
    ثالثاً: أن توضع في شكل يجعل من الممكن اشتقاق التعميمات القائمة اشتقاقاً استنباطياً.
    رابعاً: أن تكون هذه القضية خصيبة ومثمرة تستكشف الطريق لملاحظات أبعد مدى وتعميمات تنمي مجال المعرفة 1.

    فالنظريات العلمية تساعد على فهم الواقع، ومع ذلك فقد انتقد عالم الاجتماع روبرت ميرتون Mcrton الخلط الحاصل بين تفسر الظواهر الاجتماعية من ناحية والنظرية السوسيولوجية من ناحية أخرى، حيث يرى أن النظرية يجب أن تسبق التفسير وتوجهه 2. ومن جهة أخرى فأن النظريات العلمية أيضا لم تعد تلك المقولات أو القضايا المتصفة بالصحة المطلقة أو باليقين الأكيد، بل هي مقولات نسبية التأكيد، ومحددة الشمولية والتعميم، فالنظريات لا توضع من أجل الوصول إلى اليقين، بل إنها تسعى للوصول إلى معرفة نسبية مؤقتة، ومن هنا تُعامل النظرية أحياناً على أنها فرض من الدرجة الثانية، فهي أقل تأكيداً من القوانين.

    إن تطور العلم لم يؤد إلى زيادة يقينية المعرفة العلمية بل على العكس أدى إلى إثارة الشكوك حول ما كان يزعم حول يقينية المعرفة العلمية، وهو الأمر الذي انعكس بدوره على النظرية العلمية، فمفهوم النظرية الذي كان شائعاً باعتبارها نسقاً من المقولات الأكيدة، مهدد بأن يفقد معناه، وفي هذا السياق عبر كثير من العلماء عن تشككهم بيقينية النظريات العلمية. فأوجست كونت يقول: "إن المعاني المطلقة تبدو لي مستحيلة جداً إلى درجة أنه على الرغم من دلائل الصدق التي أراها في نظرية الجاذبية، فإني لا أكاد أجرؤ على ضمان استمرارها". وفي نفس الإطار يقول سوليفان Sullivan في كتابه (حدود العلم) إن النظرية العلمية الحقة ليست إلا فرضاً عاماً ناجحاً، وأنه لاحتمال كبير أن كل النظريات العلمية خاطئة.

    أما كارل بوبر Karl Poper فقد ربط بين افتراضية العلم ونسبية النظرية مميزاً بين النظرية والعلم من جانب وبين الدين والعقدية Cult, Dogma من جانب آخر، فهذا الأخير هو الذي يملك صفة الإطلاق واليقينية، ولا يقبل النقاش أو إعادة النظر. أما كلود برنارد فقد وصف مفهوم النظرية بالقول بأنها مجرد درجات نستريح عندها حتى نتقدم في البحث، فهي تعبر وتعكس الوضع الراهن لمعرفتنا ولذا يجب ألا نؤمن بها إيماناً بعقائد الدين وأن نعدلها تبعاً لتقدم العلم .

    النظرية العلمية إذن نظرية نسبية Relative theory قابلة للتعديل والتغيير بتطور الاكتشافات العلمية وبتطور الحياة الاجتماعية والمعرفة الإنسانية، وما دام العقل الإنساني في حالة تطور فلا يعقل أن يبقى مقيداً بنظريات تجاوزها الزمن وتجاوزتها المعرفة المحصلة حديثاً، فأي تقدم علمي في ميدان من الميادين ينتج عنه ضرورة إعادة النظر في النظريات المطروحة سابقاً في نفس الميدان، كما أن فشل النظرية من خلال احتكاكها بالواقع في إثبات الحقيقة أو إذا ظهرت حقائق أخرى متناقضة معها، يتطلب أن تخلي مكانها لنظرية أخرى أكثر قدرة على إثبات الحقيقة، والتعامل مع الواقع، ويعد تصارع النظريات في شتى الميادين مظهراً من مظاهر التطور المعرفي وشرطاً لتطور المعارف الإنسانية، ذلك أن مبدأ البقاء للأصلح يبقى هو الحكم في هذا المجال.
    إن وضع النظرية على المحك العملي وقدرتها على التحدي والاستجابة لمتطلبات الواقع شرط أساسي من شروط النظرة العلمية فالنظرية لا تأخذ هذه الصفة لمجرد الانسجام والاتساق المنطقي بين حججها وبياناتها، وإنما تتعدى ذلك إلى التحقق العلمي الناتج عن اختبار أدلتها، وافتراضاتها اختباراً يعتمد على التجربة والقياس وغيرها من وسائل البحث العلمي، وهذا ما أكد عليه كارل بوبر في أكثر من موضع في كتاباته، حيث يرى أن النظرية العلمية هي النظرية القابلة للاختبار "أي أن باستطاعتنا أن نحاول تكذيبها، وإذا كانت هذه المحاولات بارعة بما يكفي فإنها تستطيع في النهاية أن تبرهن، لا على النظرية صحيحة – وهو مستحيل – بل إنها تتضمن حقاً عنصراً من الحقيقة" .

    النظرية في العلوم الاجتماعية
    ظهرت النظرية الاجتماعية – نسبة إلى العلوم الاجتماعية بما فيها علم السياسة – متأخرة عن النظرية في العلوم الطبيعية، ويمكن اعتبار القرن السادس عشر بداية ظهور الإرهاصات الأولى للنظرية الاجتماعية على يد مجموعة من المفكرين الذين حاولوا دراسة المجتمع بطريقة منهجية عقلانية مستلهمين طرائق البحث العلمي في ذلك. وكان المجال الذي ظهرت فيه النظرية لأول مرة هي الدراسات الفلسفية والسياسية المتعلقة بنظرية الدولة من حيث أصل نشوئها، والأشكال التي تتخذها عبر مراحل تطورها.
    هذا التحديد الزمني لظهور النظرية لا يخلو من تحيز للفكر الغربي الذي يؤرخ للمعرفة الإنسانية العلمية، بدءا من عصر النهضة، ذلك أن للأولين فضل في وضع معرفة علمية بما فيها سياسية ترفى إلى درجة العلم مثل أفلاطون وأرسطو وابن خلدون، إلا أن ما يؤخذ على معرفة الأولين، إنها لم تتفاعل مع الواقع وتدخل معه في علاقة جدلية، فقد عبرت عن الواقع وهذا جزء من النظرية العلمية، ولكنها لم تؤثر عليه، كما أنها لم تؤسس قاعدة لمراكمة معرفة متواصلة، بل كانت تشبه الجزر المنعزلة وسط بحر من التفكير غير العلمي. فمثلا نظرية أبن خلدون حول العصبية والدولة وفي مجال علم العمران، لم تؤثر في الواقع الذي كان يعيشه، بل لم يتم الاهتمام بكتاباته إلا بعد زمن من موته.

    تثير النظرية الاجتماعية كثيراً من الإشكاليات سواء من حيث تعريفها أو من حيث مدى تلائمها مع الواقع، ذلك أنه توجد فجوة كبيرة ما بين الواقع الملموس والمعرفة العقلية في العلوم الاجتماعية، وإن كانت النظرية الاجتماعية تتفق مع غيرها من النظريات العلمية من حيث بنائها ووظائفها في العلم إلا أنها تختلف من حيث المضمون لاختلاف الحياة الاجتماعية عن المجال الطبيعي.

    وقد أشاد العديد من الكتاب إلى هذا الغموض الذي تثيره النظرية الاجتماعية، فنجد مرتون Merton في كتابه النظرية الاجتماعية والبنية الاجتماعية يقول: "إن عالم الاجتماع يميل إلى استعمال كلمة النظرية كمرادف لكلمات:
    1- المنهجية 2- الأفكار 3- تحليل المفاهيم 4- التفسيرات اللاحقة 5- التعميمات التجريبية 6- الاشتقاق "استنتاج الترابط الناجم عن اقتراحات قائمة مسبقاً" والتقنين، "البحث بواسطة الاستنتاج عن مقترحات عامة تسمح باستخلاص افتراضات خاصة قائمة مسبقاً" 7- النظرية "بالمعنى الضيق للكلمة".

    ويشير المعجم النقدي لعلم الاجتماع إلى أن النظرية الاجتماعية، وإن كانت غير منحصرة بالمعنى الضيق للنظرية المشار إليه سابقاً، فإنها ليست بالضرورة بهذا الحد من الغموض الذي أشار إليه مرتون. ويرى واضع المعجم النقدي لعلم الاجتماع أن معنى النظرية يأخذ شكلين: الأول هو المعنى الضيق لكلمة النظرية والثاني هو المثال، وهو "مجموعة من المقترحات أو الأحكام المابعد نظرية، المتعلقة باللغة الواجب استعمالها لمعالجة الحقيقة الاجتماعية أقل مما تتعلق بالحقيقة الاجتماعية .

    وقد ساد لدى علماء الاجتماع مصطلح النموذج Model أو المناهج النظرية أو الاتجاهات النظرية بدلاً من مصطلح المثال المشار إليه أعلاه، وهكذا تتعدد المناهج النظرية باختلاف المجتمعات وباختلاف الكتاب، وباختلاف الأيديولوجيات والمصالح، حيث تلعب الأيديولوجيات دوراً خطيراً في صياغة النظرية الاجتماعية، ومن الملاحظ أن النظريات الاجتماعية الغربية ليست محايدة، بل ذات حمولة أيديولوجية كبيرة، بل إن المشكلة التي تواجه بناء نظرية اجتماعية لها قابلية أوسع على التفسير والقبول هي مشكلة أيديولوجية أكثر مما هي علمية .

    إن المراقب للكتابات الاجتماعية والسياسية يلاحظ أن العديد منها والذي يحمل عنوان النظرية الاجتماعية لا يشير إلا قليلاً إلى النظرية بمعناها الضيق، بل يورد تحت العنوان كل عملية التنظير الاجتماعي، أي كل ما جاء به العلماء والمختصون من تحليلات وتفسيرات تنصب على الظواهر الاجتماعية، دون أن يكون مصدرها البحوث الميدانية التجريبية، وبهذا المعنى تفترق النظريات الاجتماعية عن البحوث الميدانية التجريبية، ومع ذلك فإن العلاقة وطيدة بين النظرية الاجتماعية والبحث الميداني Field research وكلاهما مكمل للآخر، فلا يمكن لباحث ميداني أن ينطلق من فراغ بل يكون غالباً مسترشداً بنظرية وبأفكار اجتماعية مسبقة تنير له الطريق، كما أن نتائج البحث الميداني مآليتها أن تصاغ في نظريات أو تعزز من مقولات نظريات سابقة "إن أي باحث في علم من العلوم لابد له من نظرية توجهه في جمعه للوقائع المتعلقة بالظاهرة التي يريد دراستها، وفي اختياره للفروض التي يريد أن يختبر صدقها، وفي اختياره للمنهج وللأدوات التي يستخدمها في دراسته" .

    وبالرغم من التقدم الذي عرفته النظرية الاجتماعية إلا أنها تبقى قاصرة عن الإحاطة بالظواهر الاجتماعية محل البحث، إنها قد تسمح بجعل الظاهرات قابلة للفهم، وتضع تحت تصرف الباحث أداة نظرية مهمة تساعده على الإحاطة بالظاهرة وامتلاك القدرة على التفسير والتنبؤ، إلا أن قابليتها على التفسير والتنبؤ تبقى أقل يقينية مما هو الحال مع النظريات في العلوم الطبيعية، وواقع الحال أن النظرية الموجودة في العلوم الاجتماعية هي مجرد تقليد نظري لمفهوم النظرية في العلوم الحقة .

    إن الطبيعة المتحولة للظاهرة الاجتماعية/السياسية وتباين الظاهرة الواحدة من مجتمع إلى آخر، يجعل من الملح وضع نظريات نسبية قصيرة المدى، وهو ما أكد عليه مرتون الذي طالب بصياغة "نظريات متوسطة المدى بدلاً من إقامة انساق نظرية بالغة العمومية والتجريد"، كما ربط ميرتون بين الجانب التنظيري، وجانب البحث الميداني، فالنظرية في رأيه ما هي إلا ضرب من التقنيين Codilication بمعنى أن مهمتها الأساسية تتمثل في تنظير التعميمات الأمبريقية التي يمكن التوصل إليها من خلال دراسة الصور الاجتماعية المختلفة للسلوك، ولفت الانتباه إلى المشكلات النظرية التي أهملها أو تجاهلها علماء الاجتماع السابقون، لذلك يجب صياغة فروض جديدة من خلال عملية "التقنين" على أن تساعدنا هذه الفروض بعد ذلك على التحقق من النظرية عند قيامنا بدراسات مقبلة .

    هذه الملاحظة التي أتى بها ميرتون مهمة، وخصوصاً لمجتمعات العالم الثالث ذي الخصوصية المجتمعية المتميزة عن المجتمعات الغربية، ذلك أن النظريات الاجتماعية، أو التعميمات الامبريقية التي تعبر عنها هذه النظريات، إن كانت علمية وصحيحة، فإن هذه الصحة محصورة بالمجتمعات المدروسة، ولكن قد تفقد هذه التعميمات أو النظريات قيمتها العلمية إن حاولنا تطبيقها قسراً على مجتمعات مغايرة كمجتمعات العالم الثالث.

    فالنظريات الاجتماعية والسياسية الغربية، قد تكون علمية وصحيحة، إلا أنها تصبح متحيزة Partiality وغير موضوعية بل قد تكون معادية إن حاولنا الأخذ بها دون تمحيص أو مراجعة، فالواقع الاجتماعي يبقى هو الحَكم دائماً، وقد اعترف العديد من علماء الغرب أن النظريات الاجتماعية الغربية تهيمن عليها العقائدية، ومحكومة باعتبارات أيديولوجية، هذا لا يعني القطعية معها، ولكن يمكن استعمالها كأدوات ومناهج للتفسير والتحليل توظف لدراسة الواقع، دون أن يكون الباحث ملتزماً بالنتائج أو التعميمات التي توصلت إليها هذه النظريات في مجتمعات أخرى.

    هذا القول لا ينفي صفة العلمية عن النظريات الاجتماعية بقدر ما أنه يضع "الحقيقة العلمية" في العلوم الاجتماعية في إطارها الصحيح باعتبارها حقيقة نسبية وليست مطلقة، مع أن كارل مانهايم يثير الشكوك حول "الحقيقة النسبية" حيث يرى أن الحقيقة إما أن تكون مطلقة أو لا تكون، وحيث أن النظريات الاجتماعية في نظره لا تملك الحقيقة المطلقة فهي إذن مجرد وجهات نظر خاصة بفئة أو طبقة، وبالتالي: "لا يمكنها سوى أن تقدم معرفة نسبية الطابع، أي مرتبطة وظيفياً بالوضع الاجتماعي للطبقات، ومصالحها الاقتصادية والسياسية، ومن ثم فهي معرفة مشوهة".

    بل إن هناك من يقف موقفاً متطرفاً في رفضه للنظريات الاجتماعية، من منطلق أن أصحاب النظريات المجردة يقفون عند مرحلة عرض المفاهيم والتصورات بشكل متناسق، ولكنهم لا يكلفون أنفسهم عناء اختبارها واقعياً أو تحقيقها تحقيقاً علمياً استناداً إلى فروض واضحة، ومن هنا يرى جورج هومانز G. Homans أن العديد من النظريات السوسيولوجية قد تصلح لأي شئ ولكنها لا تصلح على الإطلاق في تفسير الواقع الاجتماعي الذي هو هدفها الأول، وهو بعد أن يقابل النظرية الاجتماعية بنظيرتها في العلوم الطبيعية، يخلص إلى القول بعدم وجود نظرية في علم الاجتماع مستوفاة تماماً لشروط العلمية .

    المبحث الثاني
    النظرية السياسية

    المطلب الأول :تعريف النظرية السياسية
    النظرية السياسية محل البحث هي نظرية علمية واجتماعية ، علمية لأنها تستمد مقولاتها من خلال تطبيق طرق المنهج العلمي،من ملاحظة واستقراء ومقارنة وتجريب ،و اجتماعية لأنها جزء من النظرية الاجتماعية العامة، فعلم السياسية هو علم اجتماعي والظاهرة السياسية ظاهرة اجتماعية. وعليه، ولدت النظرية السياسية في إطار جهد علماء الاجتماع والسياسة لإضفاء طابع العلمية على الدراسات التي تتعلق بالدولة والسلطة وبمجمل الشأن السياسي. ومع ذلك فإن العلماء يستعملون مصطلح النظرية السياسية أحياناً بمعان شتى، فمنهم من يدرج تحت عنوان النظرية السياسية كل ما كتب حول الحياة السياسية مما يخلق تداخلاً ما بين النظرية السياسية وتاريخ الفكر السياسي، بمعنى أن النظرية السياسية تأخذ مدلول التنظير السياسي بالمعنى الدارج للنظرية – أي التفكير والمنظومات الكلامية – وآخرون لا يميزون ما بين النظرية السياسية وعلم السياسة، فإريك فوجلين Eric Voeglin لا يضع تمييزاً ما بينهما "فالنظرية عنده تعني فكراً نقدياً عن السياسة والذي بدونه لا يمكن أن يكون هناك علم سياسة . لقد ولدت النظرية العلمية السياسية متواكبة مع ولادة علم السياسة وهذه الولادة هي في نفس الوقت اللحظة التاريخية التي تحررت فيها السياسة من أسر الفلسفة ومقولاتها المسبقة، فالواقع هو الرحم الذي منه ولدت النظرية السياسة وليس العقل المجرد للعالم السياسي، وفي هذا السياق لا نستغرب كون العديد ممن وضعوا نظريات سياسية لم يكونوا علماء سياسة نظريين أو فلاسفة بل كانوا أناس عركتهم السياسة كواقع مأزوم، فجون لوك كان طبيباً، ومونتسكيو قاضياً ورجل قانون، وجان جال روسو كان كاتب مقال وقصاص، وكان سبنسر مهندساً، وستيوارت مل كان موظفاً في شركة الهند الشرقية الخ.

    ولكن هذا لا يعني أن إضفاء صفة الواقعية والعلمية على النظرية السياسية، أنها متطابقة مع الواقع أو أنها نتيجة حتمية للتجريب السياسي، فهناك دائماً فجوة ما بين المقولات النظرية والواقع ولا توجد نظرية علمية متطابقة تماماً مع الواقع – سبقت الإشارة إلى ذلك – نعم النظرية العلمية السياسية تؤسَس من الواقع ولكنها تكون في علاقة جدلية مع الواقع تؤثر به ويؤثر عليها، تطوره ويطورها، وفي هذا السياق يرى فوجلين أن النظرية السياسية: "‘علم تجريبي Experimental منظم يقوم على الخبرة الكلية للكائن البشري الموجود ومهمتها صياغة مشاكل التنظيم تجريبياً ونقدياً والتي تشتق من الانتربولوجيا الفلسفية" . نفس المقاربة للنظرية السياسية نجدها عند هيرسون Lawrence J. R. Herson الذي ينظر إلى النظرية السياسية كمشروع ذهني يمكن ربطه بدائرتين متقاطعتين من الأفكار التي تتقابل في جملة واحدة مؤداها "أن النظرية هي مجموعة من الملاحظات أو التأكيدات المرتبطة منطقياً ببعضها بعضاً، والقائمة على أساس امبيريقي – تجريبي – وإن إحدى هاتين الدائرتين تسمى عادة بـ "النظرية الفرضية" لأنها تقيم فروضاً، على حين تسمى الأخرى بـ "النظرية الوصفية" ولكل من هاتين النظريتين أساسها العقلي التقليدي الخاص بها، وكذلك أسلوبها البحثي أو المنطقي الذي يصاحبها .

    أما جيمس دورتي James E.Doughertyو روبرت بغالستغراف Robert L.Pfaltzgraff.Jrفقد استعرضا المعاني الكثيرة للنظرية السياسية في العلوم الاجتماعية بشكل عام وهي :
    1-نظام استنتاجي Deductive System) ) يقدم مجموعة متماسكة منطقيا ، وليس بالضرورة ان تكون مقولات النظرية متطابقة مع الواقع ، ولكنها تصلح للمقارنة مع ما هو قائم . وفي الحالة الأخيرة تتشابه مع النماذج المثالية لماكس فيبر.
    2-إطار مفهومي أو نظام للتصنيف ، يسمح بترتيب ودراسة معلومات وبيانات بشكل منظم وعقلاني .
    3-قد تكون النظرية مجموعة من الفرضيات حول السلوك السياسي ، يتم التوصل إليها بالاستقراء (Induction ) من دراسات تجريبية أو دراسات مقارنة إن استحال التجريب .
    4-النظرية بمعنى مجموعة من البيانات أو التصريحات حول السلوكية العقلانية المرتبطة بعناصر القوة ، ويطلق عليها النظرية الواقعية
    5-قد تكون النظرية ذا طابع أخلاقي لا ترتبط بالسلوك الواقعي بقدر ما تعبر عما يجب أن يكون وتسمى في هذه الحالة بالنظرية المثالية ،فالنظرية هنا هي مجموعة من القيم وقواعد السلوك والمبادئ التي تدل على ما يجب أن يكون عليه السلوك السياسي.
    6-وأخيرا ، النظرية، كمجموعة اقتراحات عملية لرجال الدولة والمسئولين ، وهذه الاقتراحات والإرشادات تكون إما بمثابة مسلمات حول النظام الدولي وشكله وبنيته، وما يترتب على ذلك من سلوكية سياسية معينة عند رجل الدولة لتحقيق أهداف معينة ، أو تكون مجرد توصيات سياسية تصلح للاسترشاد بها.2

    هذا التعدد الخصيب في تعريف النظرية السياسية هو الذي يساعد على تطور الفكر السياسي وعلم السياسة ، كما انه يتوافق مع الديمقراطية التي تفسح المجال لحرية الرأي والفكر ، كما ان هذا التعدد يفسح المجال لإعمال قانون البقاء للأصلح، الذي يطبق في الطبيعة، على النظريات السياسية، فالنظرية القادرة على التعامل مع الواقع وفهمه وتغييره والقادرة على تكييف مقولاتها مع مستجدات الواقع تكون فرصها في الاستمرارية والدوام أكثر من النظريات الجامدة المنغلقة حول نفسها والعاجزة عن تفسير الواقع أو التكيف معه، فهذه الأخيرة ستكون مجبرة على إخلاء الميدان للأولى. النظرية السياسية العلمية من هذا المنطلق هي ذات القدرة على الربط ما بين الماضي والحاضر واستشراف آفاق المستقبل، أو بشكل آخر قادرة على التحرر من أسر التاريخ والأسطورة والفلسفة والغيبيات، القدرة على الضبط في الحاضر والتنبؤ للمستقبل من أهم خصائص النظرية السياسية.

    لقد تراجعت النظرية الماركسية بالرغم من اتساق مقولاتها وبالرغم من أن الاتحاد السوفييتي كان قوة عسكرية جبارة، وهذا السقوط يعزى إلى أن النظرية الشيوعية لم تتمكن من تطوير نفسها لتجيب على تحديات العصر ومتطلبات الحياة للمواطن السوفييتي، وبقي الماركسيون كلما واجهوا مشكلة اجتماعية ما يرجعون إلى ما قاله ماركس ولينين، مع أن هؤلاء قالوا ما قالوه في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، وما قالوا يتعلق بواقع المجتمع آنذاك، إلا أن الحياة ليست جامدة، بل هي في تطور مستمر وعلى النظرية أن تتطور معها، ومن هنا لا نستغرب أن قوة النظرية الليبرالية وقدرتها على الصمود لا يعود فقط إلى كون أصحابها متقدمين تكنولوجياً وعسكرياً، بل إلى أنها استطاعت دوماً أن تطور مقولاتها في شتى المجالات – السياسة والاجتماع والاقتصاد والعلوم– لتلاحق الوتيرة السريعة لتطور الحياة.

    المطلب الثاني:تصنيفات النظرية السياسية
    علاقة النظرية بالواقع والتباس مفهوم النظرية في العلوم الاجتماعية وخصوصا السياسية ،كان وراء تعدد تصنيفات النظرية السياسية، بتعدد المواقف الفلسفية لأصحابها. وقد تعززت الخلافات مع ظهور عدد من السلوكيين المتأثرين بالفلسفات الوضعية والوضعية المنطقية، فحيث أنه يصعب التحقق من صحة المقولات والظواهر السياسية، في حدود الخبرة الحسية، فان ما يسمى بالنظرية السياسية ما هي إلا فلسفة سياسية، ومن هنا طالبوا بالتمييز ما بين النظريات التي تعتمد على التجريب أي تبني مقولاتها من خلال استقراء الواقع، والفعل والانفعال به، والنظريات القيَّمية – المستمدة من القيم المجردة المنفصلة عن الواقع - ، فالأولى هي النظرية العلمية الحقيقية التي تقف على قدم المساواة مع النظريات في العلوم الطبيعية والرياضية. ومن هنا ظهر التمييز ما بين النظريات التجريبية والنظريات المعيارية.
    هذا الفصل ما بين الواقع والممارسة على مستوى تصنيف النظريات السياسية، وجد معارضة من بعض المختصين الذين يقولون انه درج على إعطاء النظرية السياسية احد المعنيين، دون الفصل التام بينهم أو وضع احدهم في مواجهة الآخر كما فعل السلوكيون، المعنى الأول: هو دراسة تطور الأفكار السياسية منذ أفلاطون وأرسطو إلى اليوم، مع دراسة الظروف التي أنشأتها، وتأثير النظرية على الممارسة السياسية، أما المعنى الثاني: فهو الاقتصار على الدراسة المنهجية للمؤسسات والسلوك السياسي في العالم المعاصر ومحاولة التوصل إلى تعميمات بواسطة طرائق المنهج العلمي، دون إصدار أحكام قيمية ومعيارية.
    وهكذا نلاحظ الكتاب وعلماء السياسة الذين أخذوا بالمعنى الأول للنظرية السياسية، يقتصرون في تناولهم للنظرية السياسية على الدراسة النظرية النقدية لنتاج المفكرين السياسيين عبر التاريخ، وقد ساد هذا التصور خلال الثلاثينيات، و من بين الكتاب المتأثرين بهذا النهج نجد جورج سباين في كتابة " تاريخ النظرية السياسية "، وفي نفس الاتجاه يذهب آخرون في دراستهم للنظرية السياسية، إلى الاقتصار على شرح وتوضيح معنى أهم المصطلحات والمفاهيم السياسية المتداولة في الحقل السياسي اليوم، كالديمقراطية والحرية والسلطة والحرية والدكتاتورية، الخ. أما الكتاب المتأثرون بالمدرسة السلوكية، فاعتبروا أن النظرية السياسية هي تلك التعميمات والأحكام العامة التي تعكس الواقع السياسي، وقد بدا هذا التيار بالظهور مع تزايد النقد لإطلاق صفة نظرية سياسية على مجرد دراسة تاريخ الأفكار السياسية، أو على أحكام قيَّمية حول الشأن السياسي، حتى قيل إن كل ما كتب تحت عنوان نظرية سياسية لا يستحق هذا الاسم، وانه قد حان الوقت للتمييز بين النظرية السياسية الحقيقية وتاريخ الفكر السياسي. مع تراجع التيار السلوكي في العلوم السياسية والاجتماعية، ومنذ الثمانينيات من القرن العشرين أصبح مفهوم النظرية يقوم على نظرة متوازنة تجمع ما بين الفكر المجرد والواقع الحسي، "أي بمجال الوصف والتفسير ومجال الإرشاد والتقويم".1
    هذا التوجه الجديد الذي يرفض الفصل بين النظرية والممارسة، تبلور فيما بعد على يد مجموعة من المفكرين الذي وضعوا ما سمي بالنظرية السياسية النقدية Critical Theory of Politics والسمة البارزة لهؤلاء المفكرين هي رفض التسلط الفكري للنظريات البرجوازية التي تقدس المشروع الثقافي الغربي، وعلى هذا الأساس ( فأن دراسة الظواهر السياسية والاجتماعية يجب أن تعتمد على مفهومين رئيسيين، الأول هو الكلية أو الطابع الكلي في التحليل، والثاني هو التاريخية، أو النظر إلى الظاهرة في سياقها التاريخي. والنتيجة التحليلية هي أن المجتمع يتغير ويمر بتحولات تاريخية لا نهائية وغير مقيدة المدى والنطاق، وان التناقضات الاجتماعية هي التي تُسير وتدفع حركة المجتمع وعجلة التاريخ البشري، فليس هناك إذن حتمية جامدة أو حدود نمطية لمسارات التطور الاجتماعي.ولهذا نجد أن النظرية تتهم كلا من النظريات المعيارية والنظريات الإمبريقية بأنها تنحصر في تبرير الوضع القائم، وأنها أقل تحررية، وسعة أفق في فهم الحاضر واستشراف المستقبل).1

    تعددت تصنيفات النظرية السياسية ، بتعدد المفكرين وتعدد العلوم السياسية ، ويمكن القول أن غالبية علماء السياسة وبغض النظر عن مجال تخصصهم يعتمدون التصنيف التالي للنظرية السياسية:
    أ‌- النظرية المثالية .
    ب -الواقعية السياسية.
    ت-السلوكية .
    ج-نظرية النظم .
    خـ-ما بعد السلوكية.
    د-الواقعية الجديدة .

    وفي العلاقات الدولية، والعلاقات السياسية علم سياسي ،يضع المؤلفان المشار إليهم أعلاه –جيمس دورتي و روبرت بالستغراف-، تصنيفا للنظريات المستعملة في هذا الميدان ، وهي 2:
    أ-النظرية المثالية
    ب-الواقعية السياسية .
    ت-نظرية النظم.
    ج-نظريات الصراع التقليدية.
    ح-النظريات الاقتصادية لتفسير الإمبريالية والحرب
    خ-نظريات الصراع الكبرى:الردع النووي ومراقبة التسلح.
    د-نظريات التكامل الدولي.
    ذ-نظريات اتخاذ القرار.
    ر-نظرية اللعب أو المباراة.


    أما ستانلي هوفمان أما ستانلي هوفمان فيضع تقسيما ثنائيا للنظريات وهو1:

    أ-النظرية الفلسفية والنظرية التجريبية .
    ب-النظرية العامة والنظرية المتوسطة أو الجزئية.
    ج-النظرية الاستنتاجية والنظرية الاستقرائية.

    ودون تناقض مع النظريات السابقة ، ولاعتبارات منهاجية وتخصصية ، نجد نظريات للديمقراطية وأخرى للدولة ،فأندرو فنسنت وضع تصنيفا خاصا بنظرية الدولة ،وهي التالي :-2

    أ-نظرية الحكم المطلق أو الاستبدادية Absolutism ، وهي حكم الشخص الواحد أو الحكم الشمولي.
    ب-النظرية البنائية .وهي عكس الأولى ، وتقوم على الدستور والحكم المقيد.
    ت-النظرية الأخلاقية ، وجاءت كنقيض للنظريتين السابقتين ،وروادها من الألمان حيث نشأت بعد الثورة الفرنسية وأثرت على الفكر السياسي في كل أوروبا، واهم روادها هو هيغل (1770-1830 )، الذي اعتبر أن الدولة قدر الإنسانية ، والدولة والأفراد يشتركون في الجوهر والأهداف ،وبالتالي يجب النظر إليها باحترام والعمل على أن تبقى قوية .
    ج-النظرية الطبقية في الدولة،ويقصد بها النظرية الماركسية بمختلف تياراتها الفكرية ، - أشرنا إليها سابق-.
    ح-النظرية التعددية في الدولة ،وهي اقرب إلى التيارات الفكرية منها إلى النظرية المتماسكة ، وأحيانا تتقاطع مع البراجماتية السياسية وحتى مع الفوضوية ، وهي نظرية تعلى من شان الفرد والتعددية داخل المجتمع ، فهي تربط الفرد بالفئات الاجتماعية أكثر مما تربطه بالدولة أو السلطة ، ومن هنا فهي تؤمن بالتعددية السياسية والاجتماعية والثقافية.

    المطلب الثالث :خصائص وأهداف النظرية السياسية

    أولا :خصائص النظرية السياسية
    انطلاقا من العلاقة الجدلية ما بين الفكر والواقع، فأن ولادة النظرية السياسية لم يكن أمرا سهلا، بل كانت ولادة عسيرة، فهي ولدت ضمن المعاناة ووسط أوضاع مأزومة، ويمكن القول، إن غالبية النظريات السياسية كانت نتاج لأزمة سياسية ما تعصف بالمجتمع وتفرض تحدياً على علماء السياسة وعلى المهتمين بالحياة السياسية، وتحفز عقولهم على البحث عن مخرج للأزمة، بمعنى أنها تأت استجابة لتحد الواقع، فنظريات الديمقراطية والسلطة ومفاهيم الحرية والمساواة عند أفلاطون و أرسطو جاءت كرد على تحد الأزمة التي بدأت تعرفها الديمقراطية الاثينية منذ القرن الخامس قبل الميلاد – تحديداً بعد هزيمة أثينا أمام إسبرطة – ونظرية العقد الاجتماعي التي دشنها توماس هوبس، انبثقت في عقله نتيجة الأزمة العاصفة والحرب الأهلية التي كانت تمر بها بلاده إنجلترا نتيجة الصراع بين حكومة كروميل وآل ستيوارت، والنظرية الماركسية جاءت كردة فعل لما كان يعتقده كارل ماركس، أزمة النظام الرأسمالي الخ. وهذا أمر مفهوم حيث يلاحظ أنه في مراحل الركود السياسي والمجتمعي والاستقرار بشكل عام تقل عملية إنتاج النظريات والأيديولوجيات لأن الإنسان يكون مطمئناً على وضعه وبالتالي لا ينتابه قلق السؤال الذي يدفعه إلى البحث عن البديل للأمر الواقع، فالنظريات هي نتاج حالة قلق على الحاضر وتخوف من المستقبل.

    في كثير من الحالات يكون إنتاج النظريات عملاً مقصوداً من علماء مختصين في العلوم السياسية، بمعنى أن ينكب عالم أو مجموعة من العلماء على دراسة ظاهرة سياسية ما موظفين تقنيات وأدوات البحث العلمي ليخرجوا لنا بنظرية سياسية، ولكن في أحيان أخرى لا تنتج النظرية السياسية من جانب علماء مختصين ولا تكون نتيجة بحث مقصود وموجه، بل تأت بشكل طبيعي ومنطقي من خلال ممارسة رجال السياسية، بمعنى أن الممارسة السياسية تستدع تلقائياً من يعبر عنها مفاهيمياً فتكون هذه التعبيرات أو الصياغات العقلية هي النظرية السياسية، وسواء كان الأمر مقصوداً ومخططاً، وسواء سبقت النظرية الممارسة أو العكس – مع أن هناك علاقة جدلية بين الفكر والممارسة – فإن النظرية السياسية العلمية هي نتيجة منطقية لتطور المعرفة الإنسانية وتطور الفكر الإنساني، فحيث أن الحياة تتطور والمعرفة الإنسانية تتطور والعقل الإنساني يتطور ويصبح أكثر نضجاً مستفيداً من التجارب السابقة، فلابد أن تكون الصياغات العقلية حول الواقع أكثر نضجاً وعلمية.

    فحيث أن النظرية السياسية هي فكر علمي وممنهج ، فلا بد ان تتوفر على خصائص تميزها عن المنظومات الفكرية الأخرى، وهذه الخصائص هي :
    أولا : دقة ووضوح مفاهيمها ، ذلك أن وضوح مفاهيم النظرية يساعد على فهمها ، ولا يوقع القارئ أو المتعامل معها في اللبس.والنظرية الجيدة هي الأكثر قدرة على توحيد اكبر عدد من المفاهيم السابقة المستعملة في مجال تخصصها.
    ثانيا : أن تكون الافتراضات Assumptions التي تعتمد عليها النظرية عقلانية ومنطقية وليست خيالية ويجب أن تكون مبنية على بحوث سابقة .
    ثالثا :أن تتميز بالبساطة دون ركاكة أو تسطيح ،بحيث توصل ما تريد دون عناء من المتلقي.وليس صحيح أن تعقد المصطلحات وصعوبتها ،مقياس على جودة النظرية ومتانتها.
    رابعا :دقتها في التبوء ، فكلما زادت صحة تنبؤاتها كلما كانت أكثر علمية ، مع الأخذ بعين الاعتبار أن القدرة على التنبؤ في دراسة الظواهر السياسية أقل مما هو في دراسة الظواهر الطبيعية.
    خامسا : أن تكون ذات قدرة عالية على تفسير الظاهرات التي تدرسها ، والتفسير الجيد هو الذي يساعد على الفهم.
    سادسا:أن تكون قابلة للتجريب واقعيا ، وإن تعذر التجريب على بعض الظواهر السياسية ،يجب أن تسهل النظرية عملية إجراء مقارنات ما بين الظواهر المتشابهة.
    سابعا :النظرية الجيدة هي التي تحقق منفعة اجتماعية ،و اقتصادية من حيث توفير المال والجهد على الباحثين.
    ثامنا :أن تكون أصيلة وليست تكرار لنظريات سابقة .
    تاسعا :أن تكون أكثر مطابقة للواقع Relevance ، ولكن ليس بالضرورة أن تتطابق مع الواقع تماما ،فالظاهرات السياسية أعقد من أن تحكمه وتحيط به نظرية واحدة.

    ثانيا : أهداف النظرية السياسية
    فحيث أن النظريات السياسية نظريات علمية و ليست مجرد رياضة عقلية أو تنظير من أجل التنظير، إذن لا بد ان يكون هناك هدف مقصود من وضعها. يرى غالبية العلماء أن أهداف النظرية السياسية تتقاطع مع أهداف العلم بشكل عام وهي: الضبط والتفسير والتنبؤ. ديفيد سنفر يرى أن للنظرية الاجتماعية وظيفتان أساسيتان : الأولى ،أنها توفر وسيلة منهجية ناجعة لتسجيل ما هو معروف سابقا ، والثانية ،توفير الأساس الذي منه يمكن للباحثين الانطلاق للحصول على معرفة جديدة 1، دون أن يضطروا للرجوع لنقطة الصفر. ويمكن القول إن أهداف النظرية السياسية تتلخص فيما يلي:

    أولاً: تساهم في نمو علم السياسة والمعرفة السياسية بشكل عام، بعملها على ضبط المفاهيم السياسية وعقلنة الخطاب السياسي وإخراج الفكر السياسي من التعميم والتسطيح وتحريره من الأفكار المسبقة والأسطورية غير المبرهن عليها علمياً.
    ثانياً: تمكين الباحثين في علم السياسة من إطار نظري مبرهن عليه علمياً يمكنهم من الانطلاق في أبحاثهم نحو مقاربات جديدة دون الاضطرار للرجوع إلى نقطة الصفر ، أي أن النظريات السياسية هي التي تراكم المعرفة العلمية في الشأن السياسي.
    ثالثاً: تضع تحت تصرف رجال السياسة ، من قادة ورؤساء ،خلاصة ما توصل إليه علماء السياسة من فهم للشأن السياسي، الأمر الذي يساعد رجال السياسة على الممارسة على أسس علمية.
    رابعاً: تنظم المشاعر الوطنية والعواطف وأشكال العصبويات وتجعلها أكثر عقلانية وأكثر استجابة لتحديات الواقع.
    خامساً: النظريات السياسية تضع تحت تصرف الباحث خلاصة التفكير الإنساني السياسي، وبالتالي تمكنه من كم من المعرفة التي تساعده على استخلاص القوانين والعبر، مما يجعل معرفته للحاضر وقدرته على استشراف آفاق المستقبل أكثر سهولة.
    سادسا :تكشف عن أوجه القصور في المعرفة السياسية السائدة وفي الممارسة السياسية.
    أما بالنسبة لمجالات اهتمام النظرية السياسية، فلا نبالغ إن قلنا إن كل مناحي الحياة السياسية هي موضوع للنظرية السياسية، فحيث توجد سياسة توجد النظرية السياسية. ونظراً للتداخل الحاصل ما بين الظواهر السياسية والظواهر الاجتماعية الأخرى، فقد تشعب مجال عمل النظرية السياسية وتداخل مع علوم أخرى بحيث أصبح للنظرية السياسية اهتمامات سسيولوجية، ويتجلى ذلك في نظريات علم الاجتماع السياسي، واهتمامات دينية ويتجلى ذلك في علم الاجتماع الديني، وللنظرية السياسية اهتمامات بالجغرافيا ومن هنا جاء مصطلح "الجغراسيا" أو الجغرافيا السياسية، أيضاً تهتم النظرية السياسية بعلم النفس ويتجلى ذلك في العديد من النظريات السياسية التي تؤسس انطلاقاً من ربط الممارسة السياسية بالبنية السيكولوجية لرجل السياسة وللمجتمع بشكل عام، فهارولد لاسويل مثلاً أقام نظريته السياسية على أسس سسيكولوجية، ومما جاء به في هذا السياق: "أن الحركات السياسية تستمد حيويتها من تحويل المشاعر الخاصة إلى الموضوعات العامة" ، ونفس المنطلق السيكلوجي للنظرية نجده عند باريتو في نظريته حول النخبة أو الصفوة.

    ومع ذلك تبقى السياسة بمفهومها العام هي محط اهتمام النظرية السياسية، وحيث أن علماء السياسة عرفوا هذا العلم أحياناً بأنه علم الدولة وحيناً آخر بأنه علم السلطة، فقد اهتمت النظرية السياسية بالدولة وكانت أول نظرية سياسية تدور حول الدولة من حيث أصلها وبنيتها ومصادر شرعية السلطة فيها، ولكن بعد أن أصبح علماء السياسة يهجرون تعريف السياسة كعلم الدول إلى علم السلطة انفتحت النظرية السياسية على آفاق جديدة، بحيث أصبحت تهتم بكل الفئات والمجالات التي تكون فيها علاقات سلطوية أو علاقات تضامن أو صراع – ماركس أقام نظريته على قاعدة الصراع فيما الكس دي توكفيل أقامها على قاعدة التعاون والتضامن داخل المجتمع – وبدأت تظهر نظريات سياسية حول السلطة ونظريات حول النخبة السياسية وأخرى حول المجتمع المدني، ونظريات حول حقوق الإنسان، وفي السنوات الأخيرة تعددت النظريات السياسية التي تولي اهتماماً بالبعد الديني وبروابط ما قبل الدولة – الطائفية والقبلية – حتى النظريات الكلاسيكية حول الدولة والسيادة أصبحت محل نظر عند المنظرين السياسيين المحدثين بفعل موجة العولمة المستجدة وتفكك الأسس التي كانت تقوم عليها نظرية الدولة – الأمة.

    ولكن وحيث أن التنظير جزء من الفكر والتفكير، وحيث أن الفكر الإنساني السياسي موزع ما بين تيارات وأيديولوجيات متباينة بتباين الخلفيات الدينية والسيكولوجية والطبقية وتباين المصالح، فإن النظرية السياسية تتأثر بذلك كل التأثير بحيث نجد نظريات سياسية محافظة وأخرى ثورية أو تقدمية، نظريات سياسية متفائلة وأخرى متشائمة – توماس هوبس في نظريته للعقد الاجتماعي كان يعبر عن نظرة متشائمة حول الطبيعة البشرية، فيما جون لوك ومنتسكيو عبرا عن نظرة متفائلة حول نفس الموضوع – نظريات عنصرية ونظريات ديمقراطية، نظريات براغماتية ونظريات دوغماتية الخ.

    ومن البداهة القول، إن تموقع نظرية سياسية جديدة في فضاء التنظير السياسي وأخذها مكانتها المرموقة لا يتم بسهولة، ذلك أنه من المعروف أن الناس بطبيعتهم يخشون الجديد ويتعاملون بحذر معه، فالتعامل مع شئ تم التعود عليه أسهل من الدخول في مغامرة غير محسوبة مع أفكار وأوضاع جديدة، ومن هنا تواجه النظريات السياسية الجدية بمقاومات عدة، قد تكون من الثقافة الاجتماعية السائدة أو من طرف أصحاب المصالح والقوى المتحكمة في المجتمع التي تخشى أن يزعزع الفكر الجديد وخصوصاً إن تلازم مع ممارسة جديدة، مواقعهم ويهدد مصالحهم. وهكذا نلمس أن الأفكار الجديدة قد تحتاج إلى حروب حتى ترسخ، فكان للقوة والفتح دور في نشر رسالة الديانات السماوية، والفكر الليبرالي لم يتوطد إلا بعد حروب وصراعات دينية وسياسية، والماركسية فرضت وجودها عبر ثورات دامية، والفاشية والنازية بالحديد والنار تمكنتا من الاستمرار لحوالي عقدين من الزمن الخ.

    واليوم تفرض التحولات المتسارعة في العالم وخصوصاً بعد الموجة الثالثة من التحولات العالمية وانهيار المعسكر الاشتراكي وانتشار مقولات العولمة وقوة تأثير ثورة المعلوماتية، يفرض كل ذلك تحديات جسام على النظرية السياسية، ويدفع بها إما إلى تحديث وتطوير مقولاتها وأدواتها البحثية أو على أن تعيش حالة اغتراب في عالم تسيره المصالح وتوازنات القوى. وقد وصل الأمر بالبعض كديفد استون Easton والفرد كوبان Alfred Cobban إلى الاعتراف بأن النظرية السياسية في حالة تدهور وانحدار مستمرين بل منهم – بيتر لاسليت Peter Laslett – من نعي النظرية السياسية ، مع أننا نرى أن النظريات السياسية لا تموت بل تتحول وتتطور.

    الفصل الثاني
    السلطة

    ما أن يُطرح مصطلح سياسة أو نظرية سياسية حتى يستحضر الذهن مباشرة تصورات حول الدولة، فالسياسة تقترن بالسلطة والسلطة تعني الدولة أو تحيل إليها. ومما لا شك فيه أن لا سياسة دون دولة ودون سلطة سياسية، ولكن للسلطة معان متعددة إن كان بعضها يحيل إلى الدولة فإن أخرى بعيدة نسبياً عن مجال الدولة ونظام الحكم ،
    فالدولة اليوم هي التي تملك في يدها حق احتكار القوة واحتكار السلطة السياسية العامة، إلا أن السلطة بالمفهوم الاجتماعي سابقة في وجودها على سلطة الدولة، فالدولة جاءت لتحتكر ممارسة السلطة العامة التي كانت قبل وجود الدولة تمارس من قبل رب الأسرة أو زعيم القبيلة أو أفراد المجتمع. ومن هنا فالسلطة ظاهرة اجتماعية قبل أن تكون ظاهرة سياسية.

    المبحث الأول: النظرية العامة للسلطة
    السلطة Authority هي علاقة خضوع وتبعية، فحيثما وجدت هذه العلاقة توجد السلطة بمفهومها العام، فظاهرة السلطة ظاهرة طبيعية في أي مجتمع، فهي ترافق الفرد منذ طفولته، في المنزل والمدرسة ثم في العمل الخ، وفكرة عيش الإنسان دون خضوعه لسلطة هي فكرة خيالية، فوجود السلطة إذن سابق لوجود الدولة، وعليه فإن المجتمع الإنساني عرف السلطة منذ عهوده الأولى، فكانت سلطة رب الأسرة حيث كان هذا الأخير هو السيد المطلق على أفراد أسرته وله حق الحياة والموت عليهم، وكانت الأسرة تشكل وحدة اجتماعية، سياسية اقتصادية قائمة بذاتها، وكان رب الأسرة هو الممول الاقتصادي والقاضي والمدافع عن أسرته والمحافظ على سلامتها وموقد نارها المقدسة ومقدم القرابين للآلهة باسم أفراد أسرته، ومن هنا يمكن القول: "إن تجربة السلطة في العائلة هي التجربة الأغنى والأعمق تأثيراً بين تجارب السلطة التي يعيشها الإنسان الاجتماعي" . كما وجدت سلطة شيخ القبيلة الذي كان يجمع بين يديه سلطات معنوية ومادية تجعل منه الزعيم الأوحد في القبيلة وممثلها لدى الجماعات الأخرى وكانت القبيلة تحت سلطته تمثل وحدة سياسية واقتصادية قائمة بذاتها، ويخضع كل أفراد القبيلة لسلطة شيخها ويأتمرون بإمرته، وهكذا فإن الإنسان منذ أن بدأ يعيش في جماعة الزم نفسه بالخضوع لبعض الأنظمة وتنفيذ بعض الأحكام وهذا هو الأصل الاجتماعي للسلطة.

    وعليه فإن السلطة "معترف بها في كل مجتمع إنساني، حتى في المجتمع البدائي...السلطة هي دوماً في خدمة بنية اجتماعية لا يمكنها المحافظة على نفسها بتدخل "العرف" أو القانون فقط، أو بنوع من التقيد التلقائي بالقواعد"، لأنه لا يوجد أي مجتمع تحترم فيه القواعد تلقائياً، ومن هنا فإن وظيفة السلطة هي الدفاع عن المجتمع ضد نقائصه الداخلية وضد التهديدات الخارجية أيضاً وفي نفس الاتجاه يذهب أندريه هوريو، حيث يرى أن السلطة لا تتجلى فقط في إطار الدولة، فهي ظاهرة أشمل من هذا الشكل للمجتمع الكلي، فللسلطة مميزات مشتركة سواء كانت سلطة دولة أو سلطة اجتماعية خارج الدولة .

    أعطيت عدة تعريفات للسلطة، فعرفها "م.ج. سميت" بأنها القدرة على التأثير فعلياً على الأِشخاص والأمور باللجوء إلى مجموعة من الوسائل تتراوح بين الإقناع والإكراه، ويعرفها ماكس فبير Max Weber بأنها الإمكانية المتاحة لأحد العناصر داخل علاقة اجتماعية معينة ليكون قادراً على توجيهها حسب مشيئته، وفي تعريف آخر لها يقول فيبر بأن السلطة هي: "إمكانية خضوع جماعة معينة لأمر محدد المضمون"، أما "ج. بيتي" فيعرف السلطة بأنها: "الحق المعترف به لشخص أو جماعة برضى المجتمع في اتخاذ القرارات المتعلقة ببقية أعضاء المجتمع" أما "بارسونز" T. Parsons فيعطي للسلطة تعريفاً اجتماعياً وظيفياً ويعرفها بأنها: "القدرة على القيام بوظائف معينة خدمة للنسق الاجتماعي باعتباره وحدة واحدة"، وفي نفس الاتجاه يذهب موريس دفرجيه، ولكن مع تمييزه ما بين السلطة والقدوة أو النفوذ – حيث يعطي للقدرة والنفوذ نفس المعنى – فالسلطة في نظره هي: "مفهوم معياري، يحدد وضع من يحق له الطلب من الآخرين الامتثال إلى توجيهاته في علاقة معينة، لأن نظام المعايير والقيم لدى الجماعة التي تنمو فيها هذه العلاقة يقيم هذا القانون وينسبه لمن يفيد منه، يقترن هذا الحق بالأمر، بصورة عامة بالوسائل الضرورية لكي يمارس بفعالية، أي أن السلطة تقترن بالقدرة، لكن ذلك ليس موجوداً دوماً، ثمة الكثير من القدرات دون سلطة، ويمكن أن يكون ثمة سلطات دون قدرة .

    ومن هذه التعريفات نستنتج أن السلطة توجد داخل كل مجتمع إنساني توجد به تراتبية اجتماعية وتفاوتاً بين الأشخاص، سواء كان تفاوتاً في الثروة أو المكانة الاجتماعية أو في المنزلة الدينية أو في السن، وعليه فإن التخصص في الوظائف الاقتصادية والعسكرية والدينية واحتكارها يساعد على تجسيد السلطة الاجتماعية.

    إن السلطة كعلاقة خضوع وإلزام توجد في كل المجتمعات البشرية المنظمة في جماعة، بما في ذلك المجتمعات البدائية، ذلك أن الأفراد لا يخضعون للقانون أو العرف أو المصلحة العامة بمحض إرادتهم، فوجود سلطة هو الضمانة لهذا الخضوع، فلا يوجد أي مجتمع تحترم فيه القوانين تلقائياً، ولكن هذا لا يعني أن كل سلطة هي بالنتيجة سلطة شرعية، فحتى تكون السلطة شرعية يجب أن تحظى بالقبول والاعتراف من لدى الأفراد المنتمين للجماعة، إن السلطة سواء كانت شرعية أو غير شرعية تفترض وجود عنصر الإكراه، أما إذا لم يتوفر عنصر الإكراه فإن علاقة التبعية والخضوع تدرج ضمن مفهوم النفوذ، فالنفوذ هو السلطة المجردة من الإكراه، فسلطة الزعيم ليست سلطة شرعية، بل لا يعتبرها دفرجيه سلطة بالمطلق، بل هي قدرة أو نفوذ، لأن ليس لصاحبها الحق بأن يطلب الطاعة وأن يعطي توجيهات وأن يأمر، فشرعية السلطة تنبع من الاعتراف بها بمثابة سلطة من طرف أعضاء الجماعة، وعلى الأقل من قبل غالبيتهم فالسلطة تكون شرعية عند توفر إجماع ولو ضمني فيما يتعلق بمشروعيتها .

    نلاحظ من خلال هذه المقاربة أن دوفرجيه لا يكتفي بتوفر عنصر الإكراه للقول بوجود سلطة، كما يذهب البعض – بل يشترط أيضاً توفر السلطة على الشرعية أي قبول المجتمع للسلطان – من بيده السلطة – وخضوعهم لأوامره طواعية، وهذه المقاربة تفسر لنا استعمال كلمة زعيم أو سلطة الزعيم في دول العالم الثالث للدلالة على ممارس السلطة أو صاحبها، لأنه يمتلك القدرة لكنه يفتقد في أغلب الأحيان الشرعية، وسلطته هي امتداد لـ "سلطة" زعيم القبيلة والمجتمع ما هو إلا قبيلة كبيرة .

    وفي كثير من الحالات يتم تداخل بين مفهوم السلطة ومفهوم النفوذ وقد عرف "روبير داهل" النفوذ بأنه: "العلاقة بين فاعلين يحمل أحدهم الآخرين عن طريق النفوذ على أن يعمل بشكل مختلف عما كانوا سيقومون به لولا ذلك، وهذا النفوذ يكون مستمداً من الغنى، أو المكانة والقرابة الخ" بمعنى أن النفوذ لا يقوم على الرضى الطوعي للمجتمع.

    وفي نفس السياق يميز لاسويل Lasswel وكابلان Kaplan في كتابهما "السلطة والمجتمع 1950"، السلطة عن النفوذ بالقول: "إن التهديد بالجزاء هو الذي يميز السلطة عن النفوذ بصورة عامة، فالسلطة تؤلف حالة خاصة من حالات ممارسة النفوذ: إنها العملية التي تؤثر في أفعال الآخرين بالتهديد أو بالاستخدام الفعلي للزواجر القاسية نتيجة عدم الامتثال للأفعال المطلوبة" .

    مما سبق نستنتج أن السلطة ملازمة للطبيعة البشرية، وأنها تتضمن عنصري السيطرة والكفاءة، فالسيطرة ضرورية لإخضاع الناس بالإكراه، ولكن الإكراه لوحده قد لا يكون كافياً لضمان الخضوع، فتأتي الكفاءة والشرعية لتسهلا عملية الخضوع وتشرعها. لا شك أن كل سلطة اجتماعية تبدأ كسلطة قائمة على الإكراه أي سلطة فعلية، وتتميز هذه السلطة بتفوق عنصر السيطرة والإكراه أي سلطة فعلية، وتتميز هذه السلطة بتفوق عنصر السيطرة والإكراه على عنصر الكفاءة بالنسبة للممارس السلطة، ولكن وحتى يضمن ممارس السلطة – أب أسرة أو زعيم قبيلة أو حاكم – خضوع الناس وقبولهم لسيطرته فإنه يسعى لإضفاء شرعية على سلطته، وقد يكون مصدر هذه الشرعية إله من الآلهة وهو الأصل الأول للسلطة، حيث كانت شخصية الزعيم تتداخل مع شخصية الإله، أو مصدرها صفات خاصة بممارس السلطة، كذكائه وخبرته وقوته الشخصية، أو يكون مصدرها المجتمع المعني بالسلطة، وفي هذه الحالة يمنح المجتمع لصاحب السلطة حق ممارسة السلطة اعتماداً على كفاءته أو لاعتبارات أخرى يرى المجتمع أنها تتوفر فيه ولا تتوفر في غيره. فمثلاً نجد ماكس فيبر – المشار إليه أعلاه – بعد تعريفه للسلطة يحدد لها ثلاثة مصادر؟ فهي إما سلطة تقليدية Traditional Authority أو سلطة كارزماتية Charismatic أو سلطة عقلانية قانونية Rational Authority.

    إلا أن السلطة كظاهرة اجتماعية تتطور بتطور المجتمعات، وتتغير موائلها تبعاً لذلك، فإذا كانت في القديم تستمد من السماء – سلطة دينية – أو من الجاه أو من المكانة أو من القوة، فإنها اليوم وعلى مستوى المجتمع الكلي تتركز في يد من يتحكم في إنتاج الثروة- رأس مال ، نفط ، معلوماتية -، فالمتحكم بالثروة اليوم يتحكم بالسلطة على الطبيعة والناس. و "ظهور نظام جديد لإنتاج الثروة هز أركان كل ركائز النظام القديم للسلطة، وانتهى بتحويل الحياة العائلية تحويلاً تاماً، كما أدخل مثل هذا التحويل على عالم الأعمال والسياسة، والدولة – القومية، وحتى بنية السلطة نفسها في جملتها" . وهذا القول يجد مصداقيته إذا نظرنا إلى المتحكمين في العالم، فعالمياً الدول المسيطرة هي ذات القوة الاقتصادية: أمريكا، اليابان، ألمانيا، فيما الاتحاد السوفييتي العملاق عسكرياً انهار لأنه ضعيف في قدرته على إنتاج الثروة، وداخل المجتمعات نجد أن السلطة السياسية والاجتماعية تتركز في يد النخبة من أصحاب الأرض والشركات والعقارات – فسلطة المال اليوم تطغى على كل سلطة، وأغنى رجال العالم اليوم هم منتجو المعرفة – الثورة المعلوماتية – فسلطة اليوم هي سلطة المعلوماتية وما يرتبط بها.

    إن هذا التعريف العام للسلطة يشمل كل أنواع السلطة السياسية وغير السياسية ذلك أنه ليس كل سلطة هي بالضرورة سلطة سياسية، وقد تباينت آراء الأنتربولوجيين حول طبيعة السلطة السياسية وتعريفها لدى الجماعات البدائية وكيف يمكن أن نميز بين السلطة السياسية والسلطة غير السياسية؟.

    المبحث الثاني: السلطة السياسية Political Authority
    أعطى بعض الأنتربولوجيين السياسيين للسلطة معنى مستقى من الأنوية الحضارية الغربية التي ينتمون إليها، حيث نفوا صفة المجتمع السياسي عن المجتمعات البدائية، فالبريطاني تيفارت، يؤكد "أن التنظيم السياسي أمر استثنائي مميز لبعض الجماعات..فكل الشعوب كانت لفترة معينة أو لا تزال، منظمة على أساس آخر "نفس الموقف قال به مالينوفسكي الذي نفى وجود جماعات سياسية لدى جماعات الفيدا وأهالي استراليا الأصليين، هؤلاء الكتاب يعتبرون أن الشأن السياسي يبدأ حيث ينتهي نطاق القرابة، باعتبار أن الجماعات البدائية تلعب فيها صلة القرابة العامل الرئيسي في علاقتها الاجتماعية، فعلاقات القرابة تتنافى مع العلاقات السياسية -كما سبقت الإشارة-، وحسب هذا المفهوم فإن السلطة السياسية مرتبطة بوجود الدولة، إذن فالمجتمعات البدائية التي لا تعرف السلطة السياسية هي مجتمعات اللادولة .

    إلا أن هذه المقاربة التي تنفي صفة السياسي وبالتالي صفة الدولة عن المجتمعات البدائية، تجد من يعارضها ويأخذ بمقولة أرسطو بأن الإنسان حيوان سياسي بطبعه، فلا يوجد مجتمع بدون حكومة، إن الخلاف في الواقع يكمن في اختلاف مفهوم السياسة لدى الأقدمين عنه عند المجتمعات المعاصرة، فالسياسة بمعنى القيادة موجودة عند كل المجتمعات، إلا أنها عند المجتمعات البدائية لم تكن جهازاً منفصلاً عن الأجهزة الأخرى من اقتصادية واجتماعية ودينية، بل كانت متداخلة معها وكانت كلها تتركز في يد رجل واحد أو مجلس واحد. أما مفهوم السياسة اليوم فمختلف، إنها جهاز مستقل قائم بذاته له أصوله وقواعده، والسلطة السياسية لا تتواجد وتأخذ معناها ومدلولها الحقيقي اليوم إلا في ظل وجود المجتمع المدني، الذي هو مرحلة متطورة في حياة المجتمعات، "إنه حاصل اجتماع عدد كبير من الجماعات التي تختلط دون أن تذوب، إنه كما يقول علماء الاجتماع مجتمع كلي" ، إذن السلطة السياسية لا تتواجد إلا في وجود المجتمعات الكلية.

    وفي تحليله للسلطة السياسية عند المجتمعات البدائية يقول بيار كلاستر إن المجتمعات البدائية لم تعرف السلطة السياسية كجهاز قائم بذاته بل كانت مندمجة مع بقية المؤسسات الأخرى، ويميز بين السلطة السياسية وبين نفوذ الزعيم في المجتمعات البدائية، فالزعيم يحظى بالاحترام والتقدير ويمثل الجماعة لدى الجماعات الأخرى، ويفض النزاعات الداخلية، لكنه لا يمتلك أي سلطة قسرية، وغياب عنصر القسر أو الإكراه هو ما ينفي صفة السياسي عن سلطة الزعيم: "إن الزعيم بما أنه المعمم لنشاطات الجماعة الاقتصادية والطبقية، لا يحوز على أي سلطة تقديرية، إنه غير متأكد على الإطلاق من أن أوامره سوف تنفذ" .وعليه فإن السلطة السياسية بمفهومها المعاصر تنتفي في المجتمعات البدائية لانتفاء علاقة حاكمين بمحكومين فالزعيم ليس ملكاً وليس رئيس دولة، وبالتالي لا يحوز على أي نفوذ أو سلطة إعطاء الأوامر الملزمة، فناس القبيلة ليسوا ملزمين بإطاعة الأوامر: "إن مجال الزعامة ليس مكاناً للسلطة وصورة الزعيم الهمجي لا تمثل في شيء صورة المستبد المقبل، إن جهاز الدولة لا ينتج مطلقاً من الزعامة البدائية" .

    إن سلطة زعيم القبيلة التي هي سلطة شخصية تمارس من قبل صاحبها الذي يتصرف وكأنه القانون، هذه السلطة يمكنها أن تتحول إلى سلطة سياسية إذا أخذت طابعاً مؤسساتياً أي سلطة محددة في الواقع بقواعد قانونية وأصول إجرائية تحول دون أن يتصرف من يملكها وفق رغباته الشخصية، وبمعنى آخر فإن ما يميز "الدولة" بالمفهوم القديم عن الدولة الحديثة أن السلطة في الأولى كانت فردية بينما في الدولة الحديثة السلطة هي المؤسسات والأجهزة، حتى وإن كان هناك حاكم مستبد فإن هذا لا يستطيع أن يمارس سلطته الاستبدادية بصفة شخصية، بل يمارسها عن طريق المؤسسات أو الأجهزة القمعية.وقد عرفت غالبية دول إفريقيا ودول آسيوية هذه الحالة ، فقبيل الاستعمار كانت هذه الشعوب تعيش كقبائل محكومة من زعمائها دون مؤسسات سياسية واضحة ، وعندما جاء الاستعمار، وضع حدود وهمية بين القبائل ونصب زعماء القبائل ملوكا ورؤساء وخلق مؤسسات سياسية وهمية،إلا انه إلى اليوم ما زالت هذه المجتمعات تعاني من حالة التداخل والصراع ما بين المجتمع القبلي والدولة واستحقاقاتها السياسية.

    هذا الفصل بين الزعامة وبين السلطة السياسية، سبق أن تطرق إليه العلامة ابن خلدون في مقدمته الشهيرة، حيث ميز بين الرئاسة التي تعني الزعامة دون سلطة إكراه، وبين الملك الذي يعني القهر والغلبة فيقول: "إن الآدميين بالطبيعة الإنسانية يحتاجون في كل اجتماع إلى وازع، وحاكم يزع بعضهم عن بعض فلابد أن يكون متغلبا عليهم وألا لا تتم قدرته وهذا التغلب هو الملك وهو أمر زائد على الرئاسة، لأن الرئاسة إنما هي سؤدد وصاحبها متبوع، وليس له عليهم قهر في أحكامه وأما الملك فهو التغلب والحكم بالقهر" .

    ومع ذلك فقد أشار العديد من الانترلولوجين السياسيين إلى صعوبة وضع تحديد دقيق بين المجتمعات السياسية والمجتمعات غير السياسية، وبالتالي ما بين السلطة السياسية والسلطة غير السياسية، نعم يمكن تحديد ذلك داخل المجتمع الكلي، مثلاً في الدولة نميز بين سلطة الدولة كمجتمع سياسي والسلطة التي تمارسها المجتمعات الأدنى "الفرعية"، كالأحزاب والنقابات، والطوائف، والقبائل والأسر، ولكن ما بين المجتمعات الكلية وبعضها البعض وخصوصاً فيما يتعلق بلحظة التأسيس، يصعب تحديد متى انتقل المجتمع من مرحلة اللادولة – المجتمع اللاسياسي – إلى مرحلة الدولة أو المجتمع السياسي، وبالتالي متى ظهرت السلطة السياسية، وقد أشرنا إلى التداخل بين مفهوم الزعامة ومفهوم السلطة، وبالتالي صعوبة الفصل الواضح بين سلطة الزعيم التقليدي، وسلطة الحاكم السياسي، أيضا فيما يتعلق بالقول بأن المجتمعات اللاسياسية تقوم فيها العلاقات على أساس القرابة ومن القرابة تستمد "السلطة" أما المجتمعات السياسية فتنتفي فيها علاقات القرابة كمحدد رئيس، لتحل محلها علاقات تراتبية ووظيفية، هذا القول ليس دقيقاً تماماً فالأنتربولوجيا السياسية "بدلاً من أن تتصور القرابة والسياسة كعبارتين مانعتين الواحدة للأخرى أو متعارضين الواحدة للأخرى، كشفت الروابط المعقدة القائمة بين هذين النظامين...وهكذا أظهرت دراسة التنظيم النسبي وامتداده في المكان وجود علاقات سياسية مبنية على استخدام مبدأ التحدر خارج نطاق القرابة الضيق، كذلك تقدم القرابة للسياسي، في هذه المجتمعات نموذجاً ولغة .

    لقد بينت دراسات انتربولوجية سياسية، أن علاقات القرابة والجوار أو الأرض المشتركة، بالإضافة إلى الصراع والحرب كلها أمور لعبت دوراً في إعطاء مضمون سياسي للمجتمعات التقليدية – المجزأة...وهذا ما يفسر لنا إطلاق ابن خلدون لفظ دولة على السلطة القائمة في البادية، وواقع السلطة السياسية في كثير من مجتمعات العالم الثالث اليوم بما فيها المجتمعات العربية يدل على التداخل ما بين القرابة والسلطة السياسية، حيث نجد سلطة تقليدية مستمدة من الوراثة أو الأصول وفي حالات كثيرة تُمتَلك السلطة من قِبل أفراد الأسرة المالكة، فالحكم هو حكم الأسرة أو القبيلة والأسرة والعشيرة محددان أساسيان في السياسة.

    وما دمنا تطرقنا إلى مفكر مسلم، فيستحسن أن نشير إلى موقف الإسلام من السلطة والدولة، ففي اللغة العربية كلمة سلطة تحيل إما إلى التسلط والإكراه، وهو المعنى الأكثر تداولاً وقبولاً في الفكر السياسي العربي، أو تحيل إلى معنى السلط والسليط، أي طويل اللسان، بمعنى أن السلطة تستمد من سلاطة اللسان أي حدته وفصاحته، ولكن كلمة سليط تعني الزيت التي يضاء به، فكأن السلطة هنا تعني الإنارة والقدرة على قهر الظلام، ومن هنا نجد كلمة سليط تحيل إلى السلطان، فالسلطان "موئل السلطة ومركزها" معناه باللغة العربية، الحجة والبرهان، وكأن هذا المعنى يدل أن السلطان صاحب السلطة لا يعني فقط التسلط والجبر بل القدرة على امتلاك الحجة والبرهان لإقناع الناس وإنارة طريقهم إلى الصواب.

    أما فيما يتعلق بظهور المجتمع السياسي في المجتمع العربي الإسلامي، فقد بين ابن خلدون ذلك بتمييزه ما بين مجتمع البدو المتسم ببساطة العيش وبانقسامه إلى قبائل متطاحنة ومتحاربة ومجتمع الحضر – المدن – المتميز بتعقد الحياة الاجتماعية وطرائق العيش وخفوت حدة العصبية القبلية، فالأول هو الذي يعرف السياسة أما المجتمع القبلي السابق له فهو مجتمع لا يعرف السياسة، هذا الرأي يتفق معه الكاتب محمد سليم العوا الذي ينفي وجود مجتمع سياسي وبالتالي سلطة سياسية في المجتمع البدوي العربي قبل ظهور الإسلام "فلم يكن لمثل هذه السلطة وجود في مجتمعات البدو أو وحداتهم التي ينتمون إليها"، فالمجتمع السياسي لم يظهر إلا بعد ظهور الإسلام، ولكن ليس مباشرة فحتى عندما كان المسلمون في مكة لم يشكلوا مجتمعاً سياسياً، فهذا لم يظهر إلا بعد العقبة الثانية وما تلاها من هجرة الصحابة من مكة إلى المدينة .

    من كل ما سبق ما هي مؤشرات وجود مجتمع سياسي وبالتالي سلطة سياسية؟
    يذهب غالبية علماء السياسة والاجتماع إلى القول إن السلطة السياسية هي السلطة التي تتبلور مع وجود الدولة أي السلطة المقترنة بعنصر الإكراه أو القوة، حيث يشهد التاريخ أنه لم تقم سلطة سياسية بغير قوة، كما أنه لم تنهار سلطة سياسية بغير القوة أيضاً، فبغير القوة – بمفهومها الواسع – يصبح من المشكوك فيه أن تتمكن سلطة سياسية من إشاعة الاستقرار والنظام داخل المجتمع.

    قد لا يكون هذا القول كافياً لتعريف السلطة السياسية، وبالتالي تعددت المقاربات للتعرف على السلطة السياسية، فهناك مقاربة تقول إن السلطة تكون سياسية عندما تمارس في المجتمع الكلي، ومن هنا يمكن الحديث عن سلطة سياسية في مقابل سلطات اجتماعية في المجتمعات الفرعية – سبق التطرق إلى ذلك – ومقاربة أخرى تعتبر السلطة سلطة سياسية عندما تكون سلطة سيدة، بمعنى أن ممارسيها لا يخضعون لأي سلطة أخرى . وهو الأمر الذي يطرح عند الحديث مثلاً عن السلطة الفلسطينية ومدى السيادة التي تتمتع بها وسنشير إلى ذلك لاحقاً.

    وهناك مقاربة أخرى تُعرف السلطة السياسية تعريفاً وظيفياً، فتعتبر السلطة السياسية هي الفعالية الاجتماعية التي تتكلف – مستعينة بالقوة المرتكزة على القانون غالباً – بتأمين السلامة من أي خطر خارجي وتأمين الوفاق والانسجام الداخلي لأي مجتمع، وهذا القول يتفق مع ما قال به بريلو Marcel Prelot من تلازم المجتمع والدولة والقدرة – السلطة – وصعوبة الفصل بينهما "فالدولة – المجتمع تستدعي الدولة – القدرة، والدولة – القدرة تستدعي الدولة – المجتمع" .

    أما "جورج بالاندييه" فيضع عدة مؤشرات يستدل منها على وجود مجتمع سياسي وبالتالي سلطة سياسية وهذه المؤشرات هي:
    أولاً: الاستدلال بطرائق التنظيم المكاني:
    حسب هذا المعيار يُفهم الميدان السياسي أولاً كنسق تنظيمي عامل في نطاق محدد ووحدة سياسية، أو كحيز مشتمل على جماعة سياسية، وحسب هذا المعيار أيضاً ميز ماكس فيبر النشاط السياسي – بمعزل عن اللجوء المشروع إلى القوة – بكونه يجري داخل أرض ذات حدود معينة" من القرابة إلى الأرض" فالسلطة السياسية مرتبطة بالدولة ذات الإقليم المحدد.
    ثانياً: الاستدلال بالوظائف:
    بمعنى أن المجتمع السياسي يتميز بوظائف خاصة به، فهو يؤمن التعاون الداخلي والدفاع عن سلامة المجتمع ضد المخاطر الخارجية، وقد شدد "ج. الموند A. Almond" على أن جميع الأنظمة السياسية تتشارك بخاصيتين: تأدية الوظائف نفسها من قبل جميع الأنظمة السياسية، والتعددية لجميع البنى السياسي.
    ثالثاً: الاستدلال بطرائق العمل السياسية:
    يرى "م.ج. سميت" أن الحياة السياسية مظهر من مظاهر الحياة الاجتماعية ونظام عمل، فالعمل الاجتماعي يكون سياسياً عندما يسعى إلى السيطرة أو التأثير على القرارات المتعلقة بالشؤون العامة.
    أما "د. اسيتون Easton" فيرى أن العمل يكون سياسياً عندما يرتبط ارتباطاً شبه مباشر بصياغة وتنفيذ قرارات ملزمة بالنسبة إلى نظام اجتماعي معين، ويرى بالانديه أن هذا التعريف الأخير مرن إلى حد كبير، ذلك أن الأسرة أو الجمعية مثلاً تعد نظاماً اجتماعياً، لكن أي منها لا تشكل تنظيماً سياسياً أو مجتمعاً سياسياُ، فالنظام السياسي ينطبق فقط على "مجمل النشاطات التي تضمن اتخاذ قرارات تهم المجتمع الكلي وفروعه الكبرى".

    رابعاً: الاستدلال بالخصائص الشكلية:
    يلاحظ "ج. بوربون" أن كل طاعة ليست بالضرورة سياسية – سبق أن تطرقنا للموضوع – فداخل كل جماعة توجد مجموعة من الأنظمة قد تدخل في تنازع مع بعضها البعض، الأمر الذي يؤدي إلى سيطرة أحدهما على الآخرين، وهنا يبرز المفهوم السياسي أنه تفوق بنية معينة على البنى الأخرى في مجتمع محدد.

    إن المؤشر الأخير لوجود المجتمع السياسي يقربنا من مفهوم السلطة السياسية في التفسير الماركس، فالماركسيون يرون أن السلطة السياسية وجدت مع وجود المجتمع الطبقي أي المجتمع المنقسم إلى طبقات اجتماعية متباينة ومتصارعة، فالسلطة السياسية تفرض نفسها عندما تسيطر طبقة على أخرى والسلطة "هي قدرة طبقة اجتماعية معينة على تحقيق مصالحها الموضوعية الخاصة" .
    ونخلص إلى القول أن السلطة ليست مفهوماً محض سياسي، وإنما هي واقعة اجتماعية مثلها مثل القانون الذي هو أيضاً واقعة اجتماعية، لأن السلطة السياسية لا تكون إلا حيث يوجد مجتمع وتوجد علاقات اجتماعية، وإن كانت السلطة السياسية أو السلطة المؤسسية هي أرقى أنواع السلطة، فإن السلطة بصورة عامة سابقة للسلطة السياسية ومصاحبة لها أيضاً، حيث نجد أن الفرد يخضع في آن واحد إلى سلطة سياسية وسلطة اجتماعية، قد تكون سلطة رب الأسرة أو سلطة حزب أو جمعية أو سلطة العادات والتقاليد للمجتمع الذي يعيش فيه.

    كما نشير إلى أن السلطة السياسية عرفت تطوراً تواكب مع تطور المجتمعات، فبعد أن كانت هذه السلطة تستمد من – وتتمحور حول – رئيس القبيلة حيث كانت له سلطة شخصية هو موئلها، أصبحت بعد ذلك تستمد من أصول دينية، فالزعيم أو الملك إما أن يكون إلهاً أو يدعي أنه يستمد سلطته من الإله، وفي مرحلة أخرى ومع ظهور المجتمع المدني ظهرت إرادة الأمة التي منها تستمد السلطة وأصبحت هذه الأخيرة تعتمد في شرعيتها على إدارة الأمة التي منها تستمد السلطة وأصبحت الدولة هي المحتكرة لممارسة السلطة بما يعنيه ذلك من احتكارها لممارسة الإكراه المصاحب لممارسة السلطة السياسية.


    المبحث الثالث :السلطة السياسية والشرعية Legitimacy


    كما سبق الذكر فالسلطة توجد داخل مجتمع مكون من مكونات الدولة توجد حيث يوجد جهاز – أجهزة رسمية – أو أشخاص يحتكرون عملية اتخاذ القرارات العامة ولديهم القدرة على فرض هذه القرارات. ولكن وجود السلطة شيء وشرعيتها شيء آخر، وإن كان موريس دفرجيه اعتبر أن السلطة السياسية لا تكون إلا إذا تلازمت مع الشرعية، بمعنى أن السلطة السياسية بالضرورة سلطة شرعية، إلا أن العديد من علماء السياسة يقرون بالوجود الواقعي للسلطة السياسية بغض النظر عما إذا كانت شرعية أو غير شرعية، حيث غالباً ما تضفي الشرعية على السلطة بعد أن تصبح واقعاً.

    والسؤال هو ما المقصود بالشرعية؟ وما هي مقومات أو عناصر السلطة الشرعية؟ ومن أين تُكتسب الشرعية؟.
    بالرغم من تداول مفهوم الشرعية بشكل واسع سواء على المستوى السياسي كقولنا نظام شرعي أو غير شرعي، أو اجتماع شرعي أو غير شرعي، أو سلوك شرعي أو غير شرعي، أو قرار شرعي أو غير شرعي الخ، أو على المستوى الفردي حيث تضفي صفة الشرعية على كل تصرف يحضى بالقبول أو الرضى من طرف الأشخاص المعنيين بهذا التصرف أو الذين يتجه إليهم.ومن هنا فالمعنى العام لكلمة الشرعية تعني توافق السلوك مع قناعات ورضى الناس. ولكن هذا المعنى العام ليس بهذه السهولة التي يعتقدها البعض فكيف يمكن أن نقيس رضى الناس ونعرف إن كان رضاهم على حكامهم ناتج عن قناعة أم هم مجبرين على إظهاره خوفاً ممن في يدهم السلطة؟ وهل يمكن أن يكون النظام شرعياً إلى ما لانهاية؟ أم أن هذه الشرعية تتقيد باستمرارية حالة الرضى التي عليها الناس؟ وأخيراً ما هي العلاقة بين الشرعية بمعنى الحكم بالقانون والشرعية بمعنى الحكم بما يرضى الناس؟ وهل دائماً حكم القانون أو بالقانون يعني التوافق مع رضى وقناعات غالبية أفراد المجتمع؟.

    أولا: الشرعية لغوياً
    في اللغة العربية الشرعية مشتقة أصلاً من الشرع، والشرع في اللغة العربية هو البيان والإظهار، وشرع الشيء أي بينه وأوضحه، والشرع مرادف للشريعة وهي ما شرع الله لعباده من الأحكام. كما أن الكلمة تطلق على الطريق المستقيم ويقصد العلماء المسلمون بكلمة الشرعية "الأحكام التي شرعها الله لعباده على لسان رسول الله وغيره من الرسل" ثم تطور مفهوم الشريعة وأصبحت تعني كل أحكام النظام الإسلامي، ما تعلق منها بالدين وما اختصت بالتشريع سواء وردت في القرآن أم في السنة أو في الإجماع أم في التفاسير وبالتالي الشرعي – نظام أو سلوك – هو المنسوب إلى الشرع أو الذي يتصرف ويسلك بمقتضى الشرع، والنظام الشرعي هو النظام الذي يلتزم في سلوكه ما جاءت به الشريعة الإسلامية، هو ما شرعه الله ورسوله .

    ويعتقد سعد الدين إبراهيم أن الشريعة في الفقه الإسلامي هي المقابل المصطلحي لمفهوم البيعة، مستنداً على ما ذكره ابن خلدون في مقدمته: "أعلم أن البيعة هي العهد على الطاعة كأن المبايع يعاهد أميره على أنه يسلم له النظر في أمر نفسه وأمور المسلمين لا ينازعه في شيئ من ذلك ويطيعه فيما يكلفه به من الأمر على المنشط والمكره، وكانوا إذا بايعوا الأمير وعقدوا جعلوا أيديهم في يده تأكيداً للعهد، فأثبته ذلك فعل البائع والمشتري... .

    أما في اللغات الأجنبية فكلمة Legitimacy مشتقة من اللاتينية كمرادف للقانون، وهي تعني أيضاً التشريع والمشرع، والسلطة الشرعية: "هي تلك السلطة التي يعترف بها أنها مشروعة أو مبررة من طرف أولئك الذين تطبق عليهم، إنها معترف بها كقانونية، عادلة وصحيحة" .

    ثانيا : المعنى الاصطلاحي للشرعية
    مفهوم الشرعية اصطلاحاً اختلف بعض الشيء عن المفهوم اللغوي، فالفلاسفة مثلاً يذهبون إلى القول إن الحكومة الشرعية هي الحكومة التي تتولى سلطة يؤمن الشعب أنها السلطة الحقيقية أو السلطة التي تستحق الطاعة دون غيرها.فالشرعية هنا تستمد من القناعة والإيمان، فمثلاً الملكيون لا يؤمنون بسلطة غير السلطة التي تتركز بيد الملك والمؤسسة الملكية، بمعنى أن إيمانهم بالملكية يدفعهم لإضفاء صفة الشرعية على الملك بغض النظر عن صفات هذا الملك. وكذا الأمر بالنسبة لأنصار الديمقراطية، فهؤلاء لا يعتبرون حكومة ما شرعية إلا إذا كانت منتخبة بطريقة حرة ونزيهة. إذن القناعة المسبقة بتصور ما عن الشرعية هو الذي يجعل الناس يضفون صفة الشرعية على نظام ما أو يسقطونها عنه.

    أما المعنى الاجتماعي والسياسي للشرعية، فالشرعية هي صفة لنظام يحض برضى الأغلبية من السكان. عرف سيمور ليبست Seymour Lipsetالشرعية بأنها " اعتقاد المحكومين بأن مؤسسات النظام السياسي القائم في مجتمعهم أفصل ما يمكن تكوينه " أو " إن هذه المؤسسات هي الأكثر ملاءمة وصلاحية للمجتمع ".1
    وعلى هذا الأساس فالشرعية متبدلة بتبدل الواقع الذي يعبر عنه الشعب أو يريده الشعب، وبالتالي لا تلتزم الشرعية هنا بقيمة ثابتة ونهائية، فقد تكون غالبية الشعب ذات توجه ثوري وبالتالي فإن النظام الشرعي في نظرها هو الذي يعبر عن هذا التوجه، ولكن بعد حين قد ترتد الغالبية عن الثورية وتطالب بالديمقراطية فيكون النظام الشرعي بالنسبة لها هو النظام الديمقراطي المنتخب، ويصبح النظام المعتمد على الشرعية الثورية نظام غير شرعي.

    وقد يحدث في بعض الحالات أن ينقسم الناس ما بين شرعيتين فيحدث آنذاك صراع حول السلطة بحيث تسعى كل فئة إلى إقامة نظام يعتمد توجهاتها السياسية والقيمية أي تصورها للشرعية، وفي هذه الحالات قد يحسم الأمر بطريقة ديمقراطية بحيث تعتمد الشرعية التي تؤيدها الأغلبية ويصبح على الأقلية الالتزام بإرادة الأغلبية مع احترام الأغلبية لحقوق الأقلية ، أو أن يحسم الصراع عن طريق القوة فتفرض شرعية الأقوى دون التفات لرأي الأغلبية.

    ثالثا: الشرعية القانونية والشرعية السياسية – الشرعية والمشروعية

    يطرح السؤال أحياناً، هل أن كل سلطة تَحكم بالقانون هي سلطة شرعية بالضرورة، بغض النظر عن مصدر القانون؟.
    مبرر طرح هذا السؤال أننا نجد في بعض الحالات أنظمة سياسية تزعم أنها تحكم بالقانون، وقد يوجد بالفعل قانون ودستور، و بالرغم من ذلك لا يكون الشعب راضياً عن الحكم، بل ومتمرداً عليه. في هذه الحالة إما أن يكون القانون معبراً بالفعل عن إرادة الشعب ووضع بوسائل ديمقراطية ولكن السلطة القائمة تلجأ إلى التحايل على القانون أو تفسيره بما يخدم مصالحها، أو أن السلطة تضرب بعرض الحائط القانون، متجاوزة إياه، إلى ممارسة دكتاتورية ومستبدة، أو أن القانون القائم غير معبر عن إرادة الأمة وليست الأمة هي التي وضعته، بل شخص الحاكم أو الفئة الحاكمة، ويحدث هذا غالباً عندما يقوم شخص أو فئة ما بانقلاب أو تمرد يطيح بالنظام القائم – شرعي كان أو غير شرعي – ويؤسس نظاماً جديداً وحتى يضفي صفة الشرعية على وجوده يضع قوانين بل يمكنه أن يمنح للشعب دستوراً – الدستور المنحة – ويحكم بمقتضى هذه القوانين وبمقتضى هذا الدستور، وفي هذه الحالة، ظاهرياً يبدو النظام شرعياً لأنه يحكم بالقانون وبالدستور ولكنه في العمق والجهور يفتقر إلى المشروعية بمعنى رضى غالبية الشعب.

    أثبتت تجارب الشعوب أن الشرعية القانونية والمشروعية السياسية المعبرة عن إرادة الأمة لا تتطابقان دائما، فكم من قوانين جائرة وكم من دساتير منحها الحكام ليضفوا شرعية موهومة على نظامهم؟ وكم من حالة أعلن الحكام أنهم يستمدون شرعيتهم من دستور الثورة وقوانينها أو من القرآن كدستور لأمة الإسلام، ولكنهم مارسوا من التصرفات ما هو نقيض لفكر الثورة التي يزعمونها ولروح الإسلام الذي يتمسحون به !. عنصر الرضا كمعيار للحكم على مدى شرعية نظام ما يكونً ملتبساً ومثيراً للتساؤلات وخصوصاً في دول العلم الثالث حيث تسود الأمية والجهل وتغيب الديمقراطية، فكيف يمكن قياس رضى الشعب عن حكامه؟ وهل مجرد خروج الناس بالمظاهرات وتجمعهم بمهرجانات تنظمها السلطة مرددين هتافات مؤيدة لها ورافعين شعارتها، كافياً للقول بتوفر عنصر الرضى وبالتالي شرعية النظام؟ وكيف نميز ما بين الرضى الظاهر دون قناعة، وبين حقيقة مواقف وقناعات الشعب التي يخشون الجهر بها ؟.

    لا شك أن شرعية السلطة أمر ليس من البساطة قياسها أو الحكم المطلق أنها موجودة أو غير موجودة؟ أو أن هذا المؤشر أو ذاك يكفي وحده للقول بشرعية السلطة أو عدم شرعيتها؟ فالشرعية عملية معقدة، فهي قيمة و صيرورة، يتداخل فيها التعود أو العادات والتقاليد مع المصلحة مع الخوف مع القناعة مع الايدولوجيا ، وهي ترتبط بثقافة الشعوب ومستوى التعليم فيها ونوع التحديات التي تواجها ، إن كانت داخلية أو خارجية الخ، فالناس عادة لا يهتمون كثيراً في البحث عن المصادر الفلسفية والقيمية للسلطة بل يهتمون بمدى قدرة السلطة القائمة على تلبية احتياجاتهم الحياتية وضمان مستقبل أجيالهم. فالشرعية تستمد غالباً من القدرة على تلبية حاجات ومصالح، والتعبير عن أحاسيس ومشاعر، أكثر من كونها تستمد من قوانين ودساتير، إلا إذا كانت هذه الأخيرة ضمانة لتلبية الحاجات والمصالح. فلسنوات كانت الأنظمة الشيوعية والشمولية عموما ، تحضا بالشرعية حيث كانت قادرة على توفير متطلبات الحياة الكريمة للمواطنين، ولكن عندما عجزت عن توفير هذه المتطلبات فقدت شرعيتها وتجلى ذلك في خروج الجماهير ضدها.

    وفي الختام لابد من الإشارة إلى مفارقة في مصطلح شرعية السلطة، فالشرعية كما قلنا تعني الرضى والقبول بالسلطة، ولكن السلطة هي علاقة خضوع وإكراه، بمعنى أن الشرعية تتضمن الإقرار بإكراه السلطة وتحمل تسلطها. وهنا تكون الموازنة دقيقة، بحيث على السلطة أن لا تمارس من الإكراه والضغط على الشعب ما يجعل معاناته تفوق كثيراً المكاسب والخدمات التي تقدمها له السلطة، لأنه في هذه الحالة سيكون الشعب مضطراً على التضحية بالمنافع الضئيلة للتخلص من العبء الثقيل للسلطة، إن شرعية السلطة تعني ذلك التوازن الدقيق ما بين ضرورة التسلط والإكراه من طرف السلطة ومنافعها من جهة أخرى.

    وعليه يمكن الاعتماد على ما قال به فقهاء القانون الدستوري حيث ميزوا بين الشرعية Lgitimite والمشروعية Legalite فالأول تعني الحكم بالقانون أي مطابقة ممارسة السلطة مع القانون القائم أما الثانية المشروعية فهي مطابقة ممارسة السلطة مع القيم العميقة للمجتمع وإرادته سواء كان القانون معبراً عنها أم لا.

    رابعا :من أين تستمد السلطة مشروعيتها – مصادر شرعية السلطة-؟

    وكما سبقت الإشارة ودون الدخول في جدل نظري حول الفرق بين الشرعية والمشروعية، فإن للسلطة السياسية موائل تستمد منها شرعيتها، وتعتمد عليها في ممارستها وتمرير خطابها، ويعتبر ماكس فيبر من أهم المفكرين المحدثين- سبقه إلى ذلك كل من أفلاطون وأرسطو وابن خلدون ولكن دون توسع- الذين تناولوا مصادر شرعية السلطة بالتحليل، وعلى منواله سار بقية الباحثين في مصادر شرعية السلطة، وقد وضع ماكس فيبر ثلاثة مصادر لشرعية السلطة، وهي الشرعية التقليدية والشرعية الكارزماتية والشرعية العقلانية أو القانونية.

    وقبل التفصيل في هذه الشرعيات لابد من الإشارة إلى أن ماكس فيبر وظف منهجه المفضل – منهج الأنماط المثالية - وهذا معناه أن هذه النماذج ليس بالضرورة متطابقة كلياً مع حالات واقعية للسلطة فهي نماذج مثالية أو تشييد ذهني، إن كانت مستمدة من الواقع، فليست هي الواقع، فالنموذج قد يقترب قليلاً من حالة واقعية ما ولكنه نادرا ما يتطابق معها، وكلما توفرت في سلطة ما أكبر قدر من العناصر المكونة للنموذج المثالي لشرعية ما نسبت هذه الشرعية إلى هذه السلطة المقصودة، فيقال أنها شرعية تقليدية أو عقلانية أو كارزماتية.

    في دراسته حول السلطة يرى ماكس فيبر أن السلطة تستمد مشروعيتها من مصادر ثلاث أو تقوم على مصادر ثلاثة وهي:

    1: السلطة العقلانية Rational authority
    وهي أفضل أنواع السلطة، وهي النموذج السائد في الأنظمة الرأسمالية المؤسسة على البيروقراطية والديمقراطية، وفي هذا النموذج نجد نسقاً من القواعد التي تطبق قانونياً وإدارياً وفقاً لمجموعة من المبادئ المؤكدة والثابتة بين كل أعضاء الجماعة. وهدف السلطة هو إقامة نمط من العلاقات بالنظر إلى مبادئ العقل والمعقولية، دون ربطها بأشخاص محددين أو بزمن محدد.
    2: السلطة التقليدية Traditional authority
    وهي تقوم على الاعتقاد بقدسية التقاليد الراسخة وفي حق أولئك الذين يتولون السلطة في ممارستها. فالسلطة هنا تكتسب مشروعيتها إما من التاريخ أو من قدسية الأشخاص المؤسسين لها.
    3: السلطة الكاريزمية Charismatic authority
    وتعتمد على ولاء الناس أو الأتباع لفرد معين يتمتع بإمتيازات وقدرات نادرة وخصائص شخصية يندر أن تتوفر لغيره. ويعتقد فيبر أن معظم التغيرات الكبرى في تاريخ المجتمع الإنساني كانت نتيجة لأفراد ذوي إمكانيات كاريزمية. كما يرى أن السلطة الكاريزمية ارتبطت أولاً بالدين ثم أصبحت تميل في العصر الحديث إلى أخذ طابع سياسي.
    من الملاحظ ان مصادر الشرعية الثلاث المشار إليها ما زالت متواجدة في الأنظمة السياسية المعاصرة ، ولكن بدرجات متفاوتة وبتداخل في بعض الحالات ، حيث يلاحظ أن الشرعيتين التقليدية والكارزماتية أخذتا تتراجعان لصالح الشرعية العقلانية ، شرعية صناديق الانتخابات . بالإضافة إلى ذلك ومع تطور وتعقد الحياة السياسية والاقتصادية ، وتراجع اهتمام الناس بالشأن السياسية لصالح الاهتمام الأكبر لتوفير متطلبات الحياة ، ظهر نوع جديد من الشرعية ، وهي شرعية الإنجاز ، فالناس أصبحوا يمنحون ثقتهم للقادة الذين ينجزون أكثر ويتكلمون اقل ، بل يمكنهم تجاهل مصدر الشرعية ومدى التزام الحكام بالقانون سواء الداخلي أو الدولي ، ما دام هؤلاء الحكام يخدمون المصلحة الوطنية التي تعود بالفائدة على المواطنين ، وليس مصلحة حكام تسمى زورا بالمصلحة الوطنية.
    المقاربة أعلاه حول السلطة ، ترتبط بالسلطة السياسية في الدول المستقلة ، أي بالسلطة كركن من أركان الدولة ، ولكن هناك سلطة سياسية على شعب ولشعب يفتقر إلى دولة أو تكون دولته خاضعة للاستعمار ، كما هو شأن السلطة السياسية لحركات التحرر.فوجود شعب تحت الاحتلال لا يعنى استسلامه لسلطة المحتل ، بل عليه أن يوجد لنفسه سلطته الوطنية التي تحمل مشروع التحرر وتناضل ضد الاحتلال ، وحيث أن الظروف لا تسمح بإجراء انتخابات ، أو تكون القيادة المنتخبة تعيش في المنفى او في السجن ، فهذا لا يسقط الشرعية عن سلطة حركة التحرر ، وشرعية السلطة في هذه الحال تستمد من التفاف الشعب حول القيادة وتمسك هذه الأخيرة بالحقوق الوطنية وعدم التفريط بها ، فالشرعية هي شرعية ثورية ، وهذا ما كانت عليه سلطة حركات التحرر عبر العالم ومنها الشعب الفلسطيني .
    إلا أن الشرعية التاريخية والثورية التي يتمتع بها قادة حركات التحرر ، قد تتآكل وتضعف مع طول أمد النضال وتقدم القادة في العمر دون تحقيق هدف الاستقلال ، وهذا يتطلب من القيادة خلق آلية لتجديد القيادات والنخب السياسية والعمل على مأسسة القيادة . ومن جهة أخرى ،في حالة تحول الثورة إلى دولة أو بداية تأسيس دولة ، فالأمر يحتاج إلى الانتقال من الشرعية الثورية والتاريخية التي محورها الرموز والقيادات الثورية ، إلى شرعية مؤسساتية وديمقراطية وشرعية الإنجاز ، والشعب الفلسطيني يمر بهذه الحالة الأخيرة ، ومن نلمس وجود أزمة على مستوى السلطة السياسية ، وحالة تنازع ما بين الشرعية الثورية والشرعية الدستورية والمؤسساتية.
    وأخيرا ، يجب الإشارة إلى علاقة الشرعية الوطنية للسلطة والشرعية الدولية ، فالوضع الطبيعي يفترض توافق الشرعيتين ، فكل نظام شرعي داخليا يفترض أن يحضا بقبول ورضا المجتمع الدولي وغالبا ما يُعبر عن هذا الرضا بكثافة شبكة العلاقات التي يقيمها النظام السياسي الشرعي مع دول العالم في شتى المجالات ، ويكون المجتمع الدولي ملزما بالتعامل مع السلطة القائمة ما دام الشعب يقبل بها ، فيما النظم السياسية ذات الشرعية المأزومة ، تكون مأزومة أيضا في علاقاتها الخارجية .

    المبحث الرابع :السلطة الفلسطينية (حالة خاصة)

    كما سبقت الإشارة ، فالسلطة السياسية تصاحب غالبا الدولة ، ولكنها توجد أيضا في مجتمعات ما قبل الدولة وفي المجتمعات الخاضعة للاستعمار ، فالاستعمار يغتصب الأرض ويفرض سلطته على الشعب ولكن هذه السلطة تبقى سلطة غير شرعية ، السلطة الحقيقية والشرعية هي التي تعبر عن
    إرادة الأمة، إنها السلطة الوطنية ،سلطة حركة التحرر . وفي الحالة الفلسطينية فمنذ توقيع أوسلو والى قيام الدولة الفلسطينية ، هناك واقع يسمى السلطة الفلسطينية ( سلطة حكم ذاتي محدود) حتى وإن ادعت إسرائيل في ظل حكومة شارون أنها لا تعترف بها وبرئيسها ،وسواء، كنا مع اتفاق أوسلو وإفرازا ته أو كنا ضده، فهو يفرض نفسه كجزء من تسوية مفروضة ، انه مفروض على فلسطينيي الضفة والقطاع كما أن الغربة مفروضة على فلسطينيي الشتات 1-. وكما كان النضال الفلسطيني فيما قبل التسوية له محددات لم يضعها الفلسطينيون وحدهم، بل كانت الدول العربية المضيفة والمعنية بالصراع وكذا الوضع الدولي السائد آنذاك لهم الدور الأكبر في وضع هذه المحددات وضبط العملية الثورية برمتها ،فأن التسوية اليوم مفروضة على الفلسطينيين بشكل أو آخر. وحيث إنه أصبح من الصعب الآن تجديد الحالة الثورية الفلسطينية خارج فلسطين ، خصوصا بعد انهيار النظام الإقليمي العربي ،فان النضال الفلسطيني يجب أن يتجه بكل أشكاله إلى داخل فلسطين ،وإذا اتفقنا أن إمكانات الفلسطينيين وخصوصية وضعهم داخل الوطن لا يسمح لهم بتدمير دولة إسرائيل ،فان الجهود يجب أن تتجه نحو تأمين الانسحاب الإسرائيلي من الضفة الغربية وقطاع غزة ،وإذا كان هناك اتفاق حول هذا الهدف بعيدا عن المزايدات الإعلامية والشعارات الحماسية فأن الخلاف حول أسلوب التعامل والتصرف الأنسب لتحقيق هذا الهدف لا يبرر انقسام الساحة الفلسطينية انقساما حادا يبرر حمل السلاح أو تخوين البعض للبعض الآخر .
    إن أي نقاش وطني عقلاني حول السلطة والحكم الذاتي في هذه المرحلة يفترض أن لا يتمحور حول ،مع السلطة أو ضد السلطة ، بل يجب أن يكون حول عمل السلطة وكيفية تطويرها ،أو بمعنى آخر التمييز ما بين السلطة الوطنية كجهاز وركن أساس لا يمكن تصور قيام دولة أو كيان سياسي بدونها من جهة، وكيفية أداء السلطة لعملها ونزاهة الأشخاص القائمين بأمرها من جهة أخري.وفي هذه الحالة يفترض أن يكون إجماع وطني فلسطيني - بل وقومي عربي و إسلامي - حول مبدأ وجود السلطة - بغض النظر عن ممارسيها -، وحق الاختلاف حول كيفية عملها وبرامجها وأشخاصها الخ ، وقد أبانت السياسة الإسرائيلية في عهدي باراك وشارون أنها ضد وجود سلطة وطنية فلسطينية ذات مصداقية حتى وإن كانت منبثقة عن اتفاقات أوسلو .
    من الواضح أن وضع السلطة وضع لا تحسد عليه وخصوصا بعد الاجتياح الإسرائيلي للضفة في نهاية فبراير 2002، فهي ليست سلطة سياسية كاملة الصلاحيات، بل سلطة مقيدة بشروط والتزامات تعرقل قيامها بمهامها كسلطة سياسية بمعنى الكلمة . ومن جهة أخرى فإن الدولة عادة ما تأتي بعد تحقق الركنيين الآخرين للدولة وهما الأرض والشعب ، فالسلطة تأتي لتمارس السيادة على الأرض والشعب ،أما في الحالة الفلسطينية فقد وجدت السلطة أولا في ظروف معقدة وبصلاحيات محدودة ،وينتظر منها استكمال عناصر الدولة ،أي استكمال تحرير الأرض ولملمة شتات الشعب .
    هذه خصوصية لا تخلو من تناقض وتعقيد ذلك أن السلطة الفلسطينية وجدت في إطار تسوية وضمن اتفاقية تكبل تحركها وتجعل كل خطوة من خطواتها وخصوصا ذات الطابع السيادي مرهونة بالموافقة الإسرائيلية والأمريكية ، فيما الشعب الفلسطيني يريدها أن تقوم بمهمة مزدوجة مهمة سلطة وطنية تحريرية وسلطة سياسية تأسيسية ،وهي مهمة جد صعبة إذ أخذنا بعين الاعتبار التحديات الداخلية والخارجية التي تعترض عمل السلطة . وانطلاقا من هذه الصعوبة حدث شطط في التحليل عند من تعامل مع موضوع السلطة والحكم الذاتي ،بحيث أن هيمنة الأيدولوجيا والمواقف المسبقة والصراعات الحزبية وحتى الشخصية داخل الحزب الواحد، جعلت مقاربات الموضوع تقع في السببية الفجة وتصدر أحكاما كلية اعتمادا على مقاربات جزئية .

    إن الفهم العميق للتحولات الدولية والإقليمية يدفعنا إلى القول إن التحدي الذي يواجه الشعب الفلسطيني وهو يخوض نضالا سياسيا - وعسكريا ضمن ما هو متاح وكإمكانية يجب عدم إسقاطها - لتأسيس دولته الوطنية المستقلة لا يقل عن التحدي الذي واجهه عندما كان يتبنى استراتيجية الكفاح المسلح ضد الصهيونية والإمبريالية لتحرير وطنه ، وسنكون واهمين إذ اعتقدنا أن القوى التي حالت بين الشعب الفلسطيني وحقه في إقامة دولته في مرحلة الكفاح المسلح ستساند هذا الشعب في تأسيس وطنه بالطرق السلمية ،ذلك أن معارضتها لم تكن لان الشعب الفلسطيني يريد أن يُقيم دولته عن طريق الكفاح المسلح بل كانت معارضة لمبدأ قيام الدولة الفلسطينية ، سواء كانت هذه القوى تتجسد بإسرائيل أو بالولايات المتحدة الأمريكية أو بدول غيرها من داخل المنطقة ، وقد أثبتت الأحداث ذلك مع كامب ديفيد الثانية وقبلها ثم مع خارطة الطريق عام 2003، حيث رفضت إسرائيل و أمريكا الاعتراف بدولة فلسطينية يعلنها الفلسطينيون على مناطق الحكم الذاتي في مايو 1999 وهو تاريخ نهاية مرحلة الحكم الذاتي حسب اتفاق أوسلو، كما ترددت الدول العربية في دعم الموقف الفلسطيني بخصوص إعلان الدولة من طرف واحد حتى لا يثيروا غضب أمريكا ، ولولا صمود الشعب الفلسطيني واندلاع انتفاضة الأقصى في سبتمبر 2000، لتبخر حلم الدولة .
    لا شك أن حق الشعب الفلسطيني في كامل فلسطين حق لا يمارى فيه ،ولكن علينا أن نعترف وأن نتعلم من التاريخ أن الشعوب لا تحيى فقط على الأهداف والشعارات كما أن الأهداف لا تتحقق بمجرد ترديد المطالبة بها ودبج الأشعار والتنظيرات حولها ،ولكنها-الشعوب- تعيش في واقع وتتعامل مع واقع، ليست الإرادة الذاتية الفاعل الوحيد فيه مع أنه الفاعل الأساس أحيانا، . والأهداف المشروعة إن لم تُصاحَب بممارسة عقلانية وأدوات تنفيذية ومراكمة إنجازات ، فأنها ستتحول إلى أضغاث أحلام وستتآكل مشروعيتها عبر الزمن . وعليه فإن أي إنجاز على ارض الواقع مهما كان صغيرا فانه سيُبقي الأمل في النفوس متقدا وستبقى الصلة قائمة ما بين الأهداف الوطنية المشروعة من جهة وواقع الحياة اليومية ومتطلباتها من جهة أخرى .
    ليس هدفنا منح شهادة حسن سلوك للحكم الذاتي وسلطته ،ولا المراهنة على حتمية تحول الحكم الذاتي الحالي إلى دولة مستقلة على كامل الضفة والقطاع عاصمتها القدس الشريف، ولكننا نعبر عن تخوف من أن يؤدي عدم استيعاب النخبة السياسية الفلسطينية لما يجري وطنيا ومحليا ودوليا ، إما بالتفاؤل المبالغ به أو بالهروب من ساحة مواجهة الحقيقة ، أن يؤدي ذلك إلى تمكن العدو من تنفيذ كامل مخططاته والتي لا تتضمن بطبيعة الحال قيام دولة فلسطينية مستقلة ،وقد بانت حقيقة السياسة الإسرائيلية مع باراك ثم شارون في تعاملهم مع الانتفاضة ومع الاتفاقات والتفاهمات الموقعة مع السلطة الفلسطينية وأخرها خارطة الطريق .لا شك أن سلبيات السلطة الفلسطينية كثيرة ولكن أيضا كانت وما زالت كثيرة سلبيات مناوئيها ،وكان على رأس سلبيات الطرفين التعامل مع بُعد واحد من أبعاد الموضوع وهو البعد السياسي وتجاهل بقية أبعاد القضية ،لقد هيمنت الانشغالات السياسية على غيرها وكأن الأرض لا تحُرر إلا بالتنظيرات السياسية، والأوطان لا تُبنى إلا بالسياسة ، لقد أراد كل واحد أن يكون مناضلا و منظرا سياسيا ونسوا أن يكونوا مواطنين سياسيين بما تعنيه كلمة مواطنة من حقوق وواجبات .لا شك أن السياسة جوهر القضية ولكن السياسة ليست شطارة وفهلوة وليست صناعة كل من هب ودب ،كما أن هناك أمورا لا تقل أهمية من الممارسة السياسية ،ونقصد بها كل عمل من شأنه أن يبني الوطن ويبني المواطن ،ذلك أن المجتمع الفلسطيني لم يفقد الأرض فقط بفعل الاحتلال ،بل تعرض أيضا لتشوهات وأمراض اجتماعية ولاختلال في القيم وتفكك للمؤسسات وغياب للبنية التحتية التي بدونها لا يتحول المجتمع إلى دولة.
    لسنوات والشعب الفلسطيني يخضع لسلطة غير فلسطينية ،سلطة حكم عربي أو سلطة احتلال صهيوني ،وفي كلتي الحالتين - مع وجود فارق بطبيعة الحال ما بين السلطتين- لم يشعر الفلسطيني أنه يخضع لسلطة وطنية تعبر عن طموحاته و آماله ،ولم يشعر أن من هم في السلطة ، منه واليه . ففي البلاد العربية كان وضع الفلسطيني في أفضل الحالات ، وضع مواطن من درجة ثانية ، وفي فلسطين المحتلة لم يعرف الفلسطيني إلا سلطة احتلال وقوانين احتلال ومؤسسات تخدم الاحتلال ، وكل رمز من رموز السلطة يذكره بأنه خاضع للاحتلال وانه غير مرغوب فيه ،ولان السلطة حيث يعيش الفلسطيني في غير وطنه المستقل، تعرف حب الفلسطيني لوطنه وانه لا يقبل عن فلسطين بديلا وانه يرفض الخضوع والذل ،فقد تعاملت بحذر أو بمعاداة مع الفلسطيني و كانت دائما تضعه موضع الشك والاتهام حتى بالنسبة لأولئك الفلسطينيين الذين عبروا عن كامل آيات الولاء للدولة التي يعيشون فيها وحملوا جنسيتها، كانت السلطة حذرة في التعامل معهم ،وكانت تحرض مواطنيها عليهم بالعلن وبالسر ،وان توفرت حسن النية عند السلطة كانت فئات من المواطنين (الأصليين ) ترفض أن يتساوى الفلسطينيين معهم ويقاسموهم خيرات البلاد. وعليه كان الفلسطيني يأخذ في كثير من الحالات موقفا معاديا من السلطة وكل ما ترمز إليه ،موقفا فكريا وموقفا ممارساتيا .
    وجاءت السلطة الفلسطينية إلى ما تبقى من الوطن، وأراد الشرفاء فيها أن يحدثوا انقلابا في أسلوب فهم وتعامل الفلسطيني مع السلطة ،أرادت السلطة الفلسطينية أن تجعل الفلسطيني يخضع للسلطة لأنها سلطة وطنية ... وان يخضع للقانون لأنه قانون وطني...ويخضع للشرطة لأنها شرطة وطنية... ويخضع للمؤسسات لأنها مؤسسات وطنية... وبل أرادته إن احتاج الأمر أن يقبل بدخول السجن لأنه سجن وطني ...، ولم يكن الفلسطيني ضد كل ذلك ولكن كان ينتابه الشك حول استقلالية قرار السلطة ما دامت قوات الاحتلال هي صاحبة اليد الطولى، وما دامت السلوكيات لبعض رموز السلطة لا تختلف كثيرا عما كان عليه الحال وقت الاحتلال ،المواطن الفلسطيني يريد السلطة الفلسطينية ويريد دعمها بقدر ما هو حذر في التعامل معها ،انه يخاف عليها ويخاف منها في نفس الوقت .
    كان المواطنون الفلسطينيون داخل الضفة والقطاع وما زالوا مستعدين لكل أشكال التضحية من أجل التخلص من الاحتلال وحتى وإن كان ذلك في مرحلة أولى يفرض عليهم استحقاقات مرحلة انتقالية وحكم ذاتي محدود ،وكانوا مستعدين لان يشدوا الأحزمة على البطون بسبب تراجع مستوى معيشتهم عما كان عليه وقت الاحتلال ،كانوا مستعدين لكل التضحيات ما دام الأمر سنوات وتقوم الدولة كما وعدهم منظرو اتفاق أوسلو ،ولكن ما لا يقبل به الشعب هو تبديد الآمال وتقليص سقف الطموحات ، بالإضافة إلى ممارسات سلطوية لا تساعد على خلق حالة من الثقة ما بين السلطة الفلسطينية والشعب.
    هذا لا يمنع من القول إن هناك جنودا مجهولين داخل السلطة ،قد يكونوا وزراء أو برلمانيين أو موظفين أو رجال شرطة ...*يعملون بصمت من أجل بناء الوطن ، ولا شك أن كثيرين ممن لا يريدون للشعب الفلسطيني أن ينجح في تأسيس دولته يساعدون على نشر الفساد أو يشيعون الحديث عن وجود فساد داخل السلطة الفلسطينية ويحاربون الشرفاء والمخلصين للوطن ويعيقون كل إجراء تُقدم عليه السلطة يعتقدون أنه قد يضيف لبنة في مشروع بناء الوطن ، وكثيرون أيضا يضخمون الأخطاء التي تحدث داخل السلطة ويسارعون إلى نشر أي غسيل وسخ للفلسطينيين بالرغم من أن أوساخهم أكثر بكثير مما لدى الفلسطينيين. ومع ذلك يجب الاعتراف بأن الفلسطينيين يتحملون أكثر من غيرهم المسؤولية عما يجري داخل مناطق الحكم الذاتي ، والأمر يتطلب من السلطة ومن الشعب تحمل المسؤولية ، فبناء الوطن ليس مهمة السلطة دون الشعب أو بالعكس ،بل هي مهمة مشتركة وخصوصا أن العدو يعمل لضرب السلطة بالشعب والشعب بالسلطة ويعمل كل ما في وسعه لتبديد الحلم الفلسطيني بالدولة .
    إن المسؤولية إذن مسؤولية مزدوجة ،مسؤولية السلطة ومسؤولية المواطن ،فالمواطن الفلسطيني سواء كان مواطنا عاديا أو منتميا إلى حزب أو تنظيم ، عليه أن يدرك أن تأسيس دولة أو كيان سياسي لا يكون إلا بوجود سلطة وطنية ،وان أي سلطة في العالم لا بد لها من صلاحيات للقيام بمهامها بما في ذلك ممارسة القسر والإكراه ،فالسلطة تقترن دائما بالقوة وتحيل إليها (لا سلطة دون تسلط) ،ولكن في إطار القانون والمؤسسات وبما يخدم المصلحة الوطنية ،وعلى المواطن الفلسطيني أن يعرف أيضا أن السلطة لا يمكنها أن تقوم بعملها بدون قوانين يجب أن تحُترم وبدون مؤسسات يجب أن تُصان . وإذ كان يجوز الاختلاف حول الشأن السياسي ،فلا يجوز الاختلاف حول ضرورة بناء وتأسيس الدولة ،وقوى المعارضة الفلسطينية التي تتوفر على الوعي والحس الوطني مما يجعلها تميز ما بين هذين النوعين من المعارضة :معارضة ممارسات السلطة ومعارضة بناء الوطن ،إن كل جهد في اتجاه بناء الإنسان الفلسطيني والمؤسسات الفلسطينية والدولة الفلسطينية هو عمل وطني وللوطن ومن الخطأ الإحجام عنه بحجة أن يجير لمصلحة تنظيم محدد أو توجه سياسي محدد ،وعلى قوى المعارضة أن تربي أعضاءها على احترام مؤسسات ورموز السلطة الوطنية ،و إن شاءوا يعارضوا سياساتها وبرامجها وممارسات مسئوليها ،فحيث أن الشعب الفلسطيني يرفض الخضوع لسلطة الاحتلال فعليه أن يقبل بسلطة وطنية لأن ما بينهم هو الفوضى والخراب والحرب الأهلية.
    لم يعد خافيا على أحد أن قبول إسرائيل و أمريكا بحكم ذاتي فلسطيني وبسلطة فلسطينية لا يعني أنهم يهيئون الوضع للاستقلال الفلسطيني ،أو أنهم يدربون الفلسطينيين على كيفية حكم أنفسهم بأنفسهم ، حتى مع حديثهم المخادع عن إصلاح السلطة ، بل قبلت إسرائيل بذلك مناورة وخوفا من أن تضطر لتقديم تنازلات أكثر ، ولذا فهي وكما رأينا لن تدخر جهدا لإفشال تجربة الحكم الذاتي وستمارس سياسة الأرض المحروقة بتضييق سبل العيش أمام غالبية الشعب داخل مناطق الحكم الذاتي وإطلاق قطعان المستوطنين لتنهب الأرض وتمارس الإرهاب ضد الشعب الفلسطيني حتى يتمرد الشعب على السلطة الوطنية، أو يضطر غالبية الشعب لمغادرة الوطن ومن يتبق منهم يتحولوا إلى (عرب إسرائيل ) ولكن دون حقوق المواطنة .وعليه فإن الطريق أمام الفلسطينيين ما زال صعبا وشاقا ومهمتهم لإعادة بناء الدولة على جزء من أرض الوطن تحتاج إلى تضافر كل الجهود ،جهود فلسطينيي الداخل وجهود فلسطينيي الشتات ،تحتاج إلى جهود السلطة وجهود المعارضة ،تحتاج إلى جهود السياسيين والمثقفين والمبدعين وكل الكفاءات التي شتتها الاحتلال أو أبعدتها ممارسات سيئة لبعض العملين في السلطة الفلسطينية.

    الفصل الثاني
    نظريات الدولة

    إذا كانت الأسرة تعد الخلية الأولى في أي مجتمع من المجتمعات وهي أصغر مؤسسة اجتماعية عرفها الإنسان، فإن الدولة هي أكبر مؤسسة اجتماعية أو بشكل آخر إنها مؤسسة المؤسسات، ويرى روبرت كارنيرو R.I. Carneiro: "إن نشأة الدولة كانت أخطر التطورات في الحياة البشرية على الإطلاق، لكنها مع ذلك ما تزال مهملة نسبياً في الدراسات، ما يزال الغموض يحوط الكثير من جوانبها" .

    المبحث الأول:تعريف الدولة وأركانها

    المطلب الأول : في تعريف الدولة
    إذا كان للسلطة دلالات سسيولوجية وسياسية فإن الدولة ظاهرة ومؤسسة سياسية خالصة، بحيث لا يمكن الفصل بين الدولة والسياسة، بل يُعرف علم السياسة كعلم الدولة، وكان مجال الاهتمام الأول لعلم السياسة هو الدولة. وفي هذا يقول ن. ب. بيري N.P. Barry "تاريخ النظرية السياسية قد ركز اهتمامه على الدولة". ولكن ما هي الدولة؟ يرد أندرو فنسنت Andrew Vincent أستاذ النظرية السياسية في جامعة كارف البريطانية ، بالقول " هذا هو أحد أبسط ، ولكن أكثر الأسئلة إثارة للحيرة يمكن ان يطرح في علم السياسة " ، ويرى إن دراسة الدولة عملية معقدة وليست بالسهولة التي يعتقدها البعض ،ولكنها في نفس الوقت نهمة ولم تأخذ الاهتمام الكامل من المفكرين السياسيين،ويذكر أربعة أسباب تجعل من المهم التفكير بعناية بالدولة:
    1- الأول عملي مطلق ،حيث من الصعوبة بمكان أن ندرك الحياة بدون الدولة ،فالدولة ليست مجرد مؤسسات وأجهزة ، بل هي جسما من الاتجاهات والممارسات وقواعد السلوك ، إنها باختصار حياة التمدن السياسيCIVILITY وحاضنة الحضارات ، عن الدولة تتخلل كل نسيج حياتنا .
    2-" إن الدولة ليست مؤسسة محايدة يكون في قدرتنا أن نتجاهلها، ولا هي برزت بمحض الصدفة المطلقة أو الحدث العابر.هناك خصائص مألوفة اكتسبتها الدولة وبرزت تدريجيا من خلال النمو العضوي للدولة.ومع ذلك، فان القدر الأكبر من شكلها وبنيتها من الممكن فهمه بشكل كامل فقط عن طريق الاستيعاب العميق للنظريات السياسية والقانونية التي تجسدت بداخل شكلها وبنيتها ... إن النظرية السياسية نفسها هي التي تساعد على تطور مؤسسات محددة للدولة."
    3-بالرغم من قدم فكرة الدولة ووجودها إلا أن هناك قدرا كبيرا من التشويش الفكري أو الحيرة الفكرية يحيط بفكرة الدولة ، وتحديدا عندما تتداخل فكرة الدولة مع فكرة المجتمع ، الأمة ،الجماعة ، الحكومة ، والسيادة الخ. ووضع حد لهذا التشويش لا يكون إلا بالإلمام بنظريات الدولة .
    4-غموض فكرة الدولة ، هو سبب المظاهر المتناقضة في التنظير السياسي ، "إن الانطباعات حول أفكار مثل القانون ، الحقوق والالتزامات تفترض وجود شكل ما من أشكال الدولة ، هذه الأفكار تتداخل وتتشابك مع الدولة .وبالتالي فإنه يبدو من الجوهري مبدئيا أو تمهيديا لأي دراسة لهذه الأفكار أن تكتسب نوعا من المعرفة والإلمام بنظريات الدولة.1
    التسمية الحالية للدولة الحديثة State لم تظهر إلا بعد تفكك الإمبراطوريات، وقد شاع استعمالها منذ القرن السادس عشر، أما قبل ذلك فكانت تستعمل تسميات أخرى ففي اليونان كانت تسمى Police، وفي العهد الروماني كانت تسمى إمبراطورية Empire، وعند العرب شاع لفظ إمارة وسلطنة.هذا يعني أن الحديث عن فكرة الدولة، كمجتمع كلي أو شمولي يتجاوز مجتمع القبيلة، هو الأقرب إلى الصحة كشكل ثابت عبر التاريخ ، فالدولة التي يتحدث عنها المؤرخون وعلماء السياسة هي كيانات متباينة ، بحيث يصبح لفظ دول أكثر دقة ، ويقول لوبيز Lubas; في كتابه The Development State "إن أول شيء ينبغي أن يقال عن الدولة الحديثة هو أنها لا توجد ولم يسبق أن وجدت من قبل .ما وجد تاريخيا هو عدد هائل من الدول الحديثة ذات البنيات المتنوعة للغاية ."2 وحتى في وقتنا الحاضر ، أنظر كم هي متنوعة ومتباينة تلك الكيانات السياسية التي تسمى دولة ،متباينة في حجمها وعدد سكانها وطبيعة نظمها وملابسات تأسيسها ، وحتى في ثقافات الشعوب ودياناتهم ، الخ.

    إلا أن هذا الغموض حول الدولة لا يمنع من القول بوجود خصائص أو قاسم مشترك بين الكيانات السياسية التي تشملها فكرة الدولة ساعدت الباحثين على وضع تعريفات للدولة ، تعريفات لغوية وتعريفات اصطلاحية. كلمة State أي الدولة مشتقة من اللفظة اللاتينية STARE والتي تغني "أن يقوم" وأيضاً من كلمة ستاتو Status بمعنى "موقف أو وضع"، وهذه الكلمة أطلقت على الكيانات السياسية التي استقرت ونتجت عن تفكك الإمبراطورية الرومانية ، بمعنى أنها تصح على الدولة الحديثة ، أما الدول القديمة ، فكان يطلق عليها تسميات أخرى كما أسلفنا ، ولكن لاعتبارات عملية ودراسية ، تطلق الكلمة على كل المجتمعات الشمولية التي تجاوزت حياة القبيلة ومرحلة الترحال ، فإذا كان عمر الدولة الحديثة يقدر بخمسمائة سنة – منذ عصر النهضة- فان عمر الدولة بمفهومها العام يعود إلى القرن السابع أو الثامن قبل الميلاد.
    أما في اللغة العربية وفي التعريف القاموسي، كلمة دولة مشتقة من فعل "دال" و "يدول"، أي بمعنى ينتقل من حال إلى حال، فجاء في لسان العرب، الدولة "الانتقال من حال الشدة إلى حال الرخاء" ، وهذا المعنى دقيق وعميق، لأنه يدل أن الدولة لم تظهر إلا بعد انتقال المجتمعات من حالة الترحل والانتقال والبداوة إلى مرحلة الاستقرار والازدهار، ومن المعلوم أن الدولة لا تكون إلا في المجتمعات المتحضرة، وهذا المعنى أشار إليه ابن خلدون في تمييزه بين البداوة والحضر.

    أجمع علماء السياسة على أن الدولة "هي الذروة التي تتوج البناء الاجتماعي الحديث وتكمن طبيعتها التي تنفرد بها ، في سيادتها على جميع أشكال التجمعات الأخرى "،بمعنى أن الدولة هي المجتمع الكلي الذي لا يعلوه مجتمعا آخر ولا تنضوي في إطار مجتمع آخر،- إلا المجتمع الدولي ولكن بشكل جزئي لا يلغي كيان الدولة أو سيادتها- . في التعريف القانوني الدولي للدولة، توجد الدولة إذا توفرت ثلاثة عناصر: الإقليم، الشعب والهيئة الحاكمة ذات السيادة أو السلطة السياسية، إذن فإن السلطة السياسية، التي تطرقنا إليها آنفاً، تعد ركناً من أركان الدولة وشرطاً من شروط وجودها، إلا أن السلطة السياسية لوحدها لا تخلق دولة – نفس الأمر بالنسبة للعنصرين الآخرين، الإقليم والشعب – وهذا التعريف القانوني للدولة مع أهميته إلا أنه لا يفيدنا كثيراً في التعرف على النظريات المفسرة لأصل الدولة كمؤسسة سياسية اجتماعية، وعليه سنتطرق إلى بعض المقاربات النظرية التي حاولت أن تعرف الدولة.

    اليونانيون القدامى هم أول من تحدث عن الدولة ككيان سياسي مؤسساتي ،إلا أن مفهومهم للدولة ومجالات اهتماماتهم السياسية كانت مغايرة عما هو موجود اليوم ، نعم ،أولو اهتماما بالقانون والحرية والمساواة والديمقراطية ، إلا أن تفكيرهم بقي محصورا في دولة المدينة من جانب وبطغيان الجدل الفلسفي والسفسطائي على قضايا أساسية كالسيادة والحدود من جانب أخر ، بالإضافة إلى تداخل السياسة مع الدين والأخلاق والحياة العامة بل الخاصة للناس ، نظرا لقلة عدد السكان . ويعتبر أفلاطون plato(428- 347 ق_م) من أهم المنظرين للدولة ، فبالرغم من منحاه الفلسفي المتسم بالطوباوية ( المدينة الفاضلة) وخصوصا في كتابه الجمهورية Republic،إلا انه وضع ما يشيه النظرية حول الدولة من حيث مساحتها وعدد سكانها والتوزيع الطبقي فيها وأشكال أنظمة الحكم وتعاقبها ، وكتاباته المتأخرة وخصوصا كتابه القوانين ، استمرت من بعد لسنوات نبراسا للمفكرين السياسيين المتطلعين لإشكالية القانون والحرية وتعاقب أنظمة الحكم. وعلى منواله سار أرسطو ( 348-322 ق _ م ) ومفكرون رومانيون كشيشرون Ciceron (106-43 ق_م ) وبوليب Polybe( 205-125 ق_م ).
    مع تبني الإمبراطورية اليونانية للمسيحية عام 393 ميلادية أصبح للدولة وللسياسة ولكل ما يمت إليها بصلة تداخل مع الشأن الديني ، وهيمنت فكرة التفويض الإلهي على الحقل السياسي للدولة والسيادة ، بل أن بعض مفكري المسيحية وهو القديس أوغسطين Sant-Augstin (354-430 ) في كتابه مدينة الله تحدث عن مدينتين ، مدينة الله ومدينة البشر تتعايشان جنبا لجنب وتتنازعان حياة البشر.طوال القرون الوسطى استمر الصراع ما بين التصور الديني للدولة والسلطة، وتقوده الكنيسة، والذي يرى أن الدولة والسلطة معطى سماوي وليس من اختصاص البشر ، والتصور العلماني الذي يرى ضرورة إنزال السياسة من السماء إلى الأرض ، وظهر هذا التيار بداية داخل الكنيسة وفي إطار الإصلاح الديني ثم انتشر خارجها عندما وجد دعاته دعما من الأمراء والملوك المتطلعين للسلطة وللاستقلال عن هيمنة الكنيسة وسلطة البابا.ولهذا التيار الذي قاده دانتي ومكيافلي 1469-1527 ومارتن لوثرLuther (1483-1546 ) وجان كالفن 1564-1509وغيرهم ،يعود الفضل لظهور النظرية الحديثة للدولة.1
    في الوقت كانت تعيش أوروبا عصور الظلمات ، وصراع محتدم ما بين الديني والدنيوي ، جاءت الدعوة المحمدية في القرن السابع ميلادية ،كدين متكامل لا يفصل ما بين العبادات والمعاملات ، حيث وضع تنظيما شاملا لشؤون الدين والدنيا ، مع توسع في مجال العبادات ، والاقتضاب في مجال الحكم والإدارة ،تاركا للمسلمين ولأولى الأمر التفصيل والاجتهاد بما يتناسب مع أمور حياتهم ،ومع أن المسلمين أسسوا دولة مترامية الأطراف ، إلا أن المواقف تباينت حول وجود نظرية سياسية متكاملة حول الدولة ونظام الحكم، بالمفهوم العلمي للنظرية ، فهذه الأخيرة تستمد مقولاتها من التجريب والاستقراء والمقارنة ،أما في الإسلام "فإن نصوص الوحي تحمل في طياتها بيان حقيقة السلوك الإنساني والاتجاه الذي يجب أن يتجه إليه والمسار الذي ينبغي أن يسير فيه ، وعلى الباحثين أن يبذلوا الجهد ليس في فهم هذه الحقيقة من خلال المصادر التي تعتمدها هذه الرؤية فحسب – بل التعرف على تطبيقاتها العملية وشروط هذه التطبيقات ، ومن ثم تشكل هذه الرؤية في تكاملها وفي رؤيتها للإنسان في كلية وفي خصوصية في آن واحد- بديلا ضابطا في فهم الإنسان وسلوكه لأي تنظير وضعي في أي نظرية وفي أي اتجاه "2.
    ومن هنا يرفض كثير من المفكرين المسلمين الخوض بالتفصيل في النظرية السياسية في الإسلام ، مفضلين الحديث عن قضايا متعددة كالخلافة والبيعة والشورى ،وفي هذا يقول الكاتب الإسلامي محمد عمارة " لا نغالي إذا قلنا ان موضوع أصول الحكم وفلسفته ، ونظرية الإمامة ،قد كان ، وما زال ، أخطر قضايا الفكر الإسلامي ، بل وأشد هذه القضايا تعقيدا عندما توضع في الممارسة والتطبيق ...كما أن الصراع حول هذه القضية لم يقف عند حد الجدل الفكري والحجاج النظري ، بل كانت أولى القضايا واهم القضايا التي جرد المسلمون سيوفهم كي تحسم خلافاتهم فيها ،حتى ليصبح لنا أن نقول :إن هذه السيوف لم تسل في قضية من القضايا كما سلت وجردت في صراع المسلمين على الإمامة والحكم ، وخلافاتهم حول أصوله وفلسفته ،فصاحبها وامتزج على أرضها الجدل الفكري بالصراع الدامي لعدة قرون "1 .ومن المعلوم ان هذا الخلاف ما زال محتدما حتى اليوم و أسوء تمظهراته ، الصراع الدامي بين بعض الجماعات الدينية – الإسلام السياسي – وأنظمة الحكم في الدول العربية والإسلامية ومن يصنفون بالعلمانيين .
    إلا ان هذا لا يمنع من القول بأن بعض الفرق الإسلامية كانت لها اجتهادات مهمة في مجال النظرية السياسية ، إلا أن خلافاتهم مع حكام عصرهم حال دون تطور هذه النظريات أو صيرورتها واقعا ، ونخص بالذكر جماعة المعتزلة 2،كانت نظرية المعتزلة تقوم على ( الأصول الخمسة ) وهي : العدل ،التوحيد ،الوعد والوعيد ،المنزلة بين المنزلتين ،وأخيرا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وهو أكثر أصول المعتزلة ارتباطا بالفكر السياسي .
    ومع ذلك فقد ذهب البعض إلى القول بوجود نظرية سياسية في الإسلام ، ترتكز على دعائم ثلاثة هي :التوحيد ،ومعناه أن الله هو خالق الكون ومن وما فيه ، وله وحده الحكم والسلطان والأمر والنهي ، والتوحيد بهذا المعنى ينفي فكرة حاكمية البشر ، فلا حكم إلا حكمه ولا قانون إلا قانونه ،والدعامة الثاني هي الرسالة ، وهي الوسيلة التي يصل بها إلينا القانون الإلهي ، وهي القرآن والسنة ، والدعامة الثالثة هي الخلافة ،وهي صورة الحكم في الإسلام .3
    منذ عصر النهضة ومع رواد العقد الاجتماعي تزايد الاهتمام بفكرة الدولة ، وتقاسمت مدرستان التنظير حول الدولة ، حتى يمكن القول بوجود نظريتان ، النظرية الماركسية بتشعيباتها الفكرية ونماذجها التطبيقية ، والنظرية الليبرالية ، لما حفلت به من تنوع خصب وتعدد بناء حول الدولة .
    فبالنسبة لكارل ماركسKarl Marx (1818-1883) فقد رأى "أن الدولة هي تنظيم المجتمع" بمعنى أنها تظهر عندما ينتقل المجتمع من حالة الفوضى والاقتتال – شرعية الغاب – إلى حالة التنظيم، وهو بهذا يتفق مع أصحاب نظرية العقد الاجتماعي بشكل ما. كما يعرفها بالقول إنها "الخلاصة الرسمية للمجتمع" حيث يماهي ما بين المجتمع المدني والدولة، فهذه الأخيرة "ليست سوى التعبير الرسمي عن المجتمع المدني"، فهي نتاج لمجتمع بلغ درجة معينة من النمو .

    أما دوركهايم Durkheim فيؤسس نظريته حول الدولة انطلاقاً من تقسم العمل الاجتماعي وتحول أشكال التضامن، فالدولة جهاز فرعي sup –system ، إنها الجهاز الذي يحتكر السلطة ويتفوق على كامل الجماعات الأخرى، ومع ذلك فهو يركز على كونها "ظاهرة طبيعية" يرتبط ظهروها بتطور المجتمع وتعقده بظهور طبقات ووظائف ومهن، فالمجتمع البدائي مجتمع بسيط يمارس أفراده نفس المهنة رعي وزراعة – فهو مجتمع لا سياسي، ولكن عندما يظهر تقسيم العمل ويزداد المجتمع تعقيداً تظهر علاقة حاكمين بمحكومين، من يملك ومن لا يملك تظهر الدولة، فهذه الأخيرة "تنجم عن التقدم نفسه الذي يحرزه تقسم العمل" ، وتتطور الدولة بالتالي بتطور المجتمع.

    أما ماكس فيبر (1864-1920) فهو يرفض المنطلقين السابقين لتعريف الدولة – التعريف الماركسي الذي يربطها بعلاقات الإنتاج والدوركهايمي الذي يربطها بتقسيم العمل – بل يضع نظرية للدولة استناداً إلى معايير مادية سياسية وعسكرية وإدارية، فالمجتمعات تتغير بتغيير نمط الحكم وبالتالي تغير موئل السلطة من جانب وظهور الاقتصاد المدار بمؤسسات من جانب آخر، فالدولة ظهرت مع ظهور سلطة قاهرة تستطيع إدارة مجتمع كلي، بمعنى تلازم سلطة القهر مع القدرة على إدارة المجتمع، و "تشكل ولادة الإدارة الديوانية، تقريباً بذرة الدولة الغربية الحديثة" .

    هذه المقاربة الفيبرية التي تعود إلى بداية القرن العشرين والتي تقرن نشوء الدولة وتعريفها بعناصر القوة والإدارة والاقتصاد، تعود مجدداً مع تالكوت بارسونز Talcolt Parsons، في الستينيات، فهو يرى أن الدولة تحتاج لتؤسس إلى السلطة القوية والمستقلة من جانب وحشد الموارد الاقتصادية من جانب آخر، ولكنه يضيف عنصراً جديداً وهو العنصر الثقافي أي قدرة المجتمع على تقبل عملية التحول هذه حيث يقول: "هكذا يكون ظهور الدولة إذن كبنية سياسية مميزة ومستقلة مرتبطاً بمتطلبات اقتصادية ولا سيما تطور اقتصاد السوق الذي من شأنه ضرب استقرار التوازنات الاجتماعية السابقة، ولكن هذا الظهور لم يصبح قابلاً للتحقيق لولا وجود قواعد ثقافية في أوروبا الغربية ملائمة لمثل هذا التجديد" .

    هناك العشرات من التعريفات التي أعطيت للدولة، ولكننا سنعتمد تعريفين:
    الأول: تعريف ماكس فيبر الذي يرى أن الدولة "هي جماعة مشتركة ذات سيادة إلزامية، تمارس تنظيماً مستمراً، وتحتكر استخدام القسر في نطاق رقعة من الأرض والسكان الذين يعيشون عليها، وتحتوي على كل أشكال الفعل التي تحدث في نطاق سيادتها"، والملاحظة على هذا التعريف أنه ينطلق من أنوية حضارية غربية، حيث لا يرى وجوداً للدولة إلا حيث توجد الحدود الثابتة والحكومات المنظمة، أي أنه ينفي صفة الدولة عن المجتمعات المنظمة على أسس أخرى غير المعروفة في الحضارة الغربية، كالقبائل والمجتمعات البدائية بشكل عام، والأمر ليس بغريب على مفكر مثل ماكس فيبر الذي يرى أن العقلانية الوحيدة الموجودة هي عقلانية الغرب والنظم الرأسمالية أما غير ذلك من الحضارات أو أنظمة الحكم فهي غير عقلانية
    أما التعريف الثاني للدولة فقد جاء به ديفيد ايستن Easton فالدولة أو النظام السياسي هو ذلك الذي:
    - يقوم برسم السياسات التي تستهدف تنظيم وتوزيع الموارد.
    - والذي تنبع سياسته وقراراته بما يتمتع به من سلطة.
    - والذي تكون قراراته وسياساته ملزمة للمجتمع ككل أي يكون هناك شعور عام في المجتمع بقبول هذه القرارات وتلك السياسات على أنها ملزمة.
    الملاحظ أن تأسيس نظرية للدولة انطلاقاً من هذين المنظورين يفترض تشابهاً بين المجتمعات الإنسانية وكونها جميعاً مرت بنفس سيرورة التطور التي هيأت المناخ لبروز الدولة كجهاز فوقي، إلا أن واقع الحال غير ذلك، فالدولة في العالم الثالث ليست إفرازاً لنفس الميكانزمات الفاعلة والتحولات العميقة المنضجة لمؤسسة الدولة المعروفة في الغرب، إنها جهاز مصنوع أو مفروض من الخارج أكثر مما هي جهاز وليد بيئته وظروفه، ذلك أن مجتمعات العالم الثالث لم تحقق درجة من التكامل الاجتماعي والنضج المؤسسي institutionalize الضروريين لظهور مصالح سياسية مشتركة، أو جهاز سياسي مستقل عن البنى التقليدية الأخرى، أيضاً فإن المجتمعات الثالثة لم تصل إلى مرحلة دمج الأفراد في نطاق المشاركة السياسية، وبالتالي إلى بلورة فاعلية سياسية تستوعب غالبية أفراد المجتمع في إطار انتماء كلي شمولي على أساس المواطنة والانتماء لوطن، بدل علاقة الدم والقربى والانتماء إلى عشيرة أو طائفة.

    والملاحظ أن ظهور المد الاستعماري ودخول الاستعمار إلى مجتمعات العالم الثالث وقطعه وتشويهه لبنياتها الثقافية والاجتماعية والاقتصادية، جعل هذه المجتمعات عاجزة عن مواصلة إنضاج بنياتها حتى درجة الوصول إلى المجتمع السياسي المعبر عن خصوصياتها الواقعية، بل أدمجت قسراً بالنظام الكولونيالي، وفرضت عليها أنظمة سياسية وحدود وقسمت إلى دول حسب مشيئة المستعِمر ومصالحه، الأمر الذي جعل الدولة – في أغلب الحالات – جهازاً أو مؤسسة غريبة مقحمة لا تعكس أو تعبر عن بنية هذه المجتمعات، إنها جهاز محكوم بالخارج ووجودها مرتبط به، إن لم يكن رهينة له.

    وبصورة عامة يمكن القول إن مجمل تعريفات الدولة تتفق على كونها مجموعة الأجهزة السياسية الفوقية في تكوين اجتماعي معين، وهي نتاج المجتمع في مرحلة من مراحل تطوره...وسواء كانت الدولة من دول العالم المتقدم أو دول العالم الثالث فإن لها خصائص تنحصر في:
    1- أنها تقيم لنفسها قوة عامة مستقلة، أي أنها مجهزة بجهاز عسكري مستقل عن الأفراد والجماعات المحدودة.
    2- تفرض شكلاً من أشكال الضريبة على المواطنين لتدعيم قوتها والإنفاق على شؤون الإدارة.
    3- وهي تعمل من خلال مجموعة من الموظفين الرسميين يملكون ما للدولة من قوة عامة يتربعون بها على عرش المجتمع وهو ما يسمى بالجهاز البيروقراطي.
    4- تلازم وجود الدولة مع وجود المؤسسات.
    5- تلازم وجود الدولة مع وجود القانون.
    إن الدولة هي التنظيم المؤسسي للسلطة السياسية، فكل شخص اليوم، ينتمي إلى دولة من الدول فنادراً ما نجد إنساناً غير منضو في إطار دولة، كما أصبح الانتماء لا يحسب اعتماداً على رابطة القرابة أو العشيرة، بل على أساس الانتماء إلى دولة وجنسية، فالدولة استطاعت أن تستوعب كل الانتماءات القبلية السابقة عليها، وتخضعها لسيطرتها وتوجهها بما يخدم المصلحة العامة للمجتمع، من منطلق أن الانتماء الأوسع يستوعب الانتماءات الأضيق، والعلاقة بين الانتماءين علاقة عكسية، بمعنى، كلما قوي الانتماء الأول ضعفت الانتماءات الثانية، والعكس صحيح .

    إن هيمنة مؤسسة الدولة اليوم على حساب البنى والانتماءات القبلية، لا يعني أن كل المجتمعات على درجة واحدة في وصولها لمرحلة المجتمع المدني Civil Social أو مأسسة المجتمع، ذلك أن بعض المجتمعات تمكنت بالفعل من تأسيس المجتمع المدني وتأصيل هوية قوية تذيب كل الانتماءات الأخرى وتجعلها أثراً من مخلفات الماضي، ولكن توجد مجتمعات أخرى ما زالت تتخبط في عملية تأسيس المجتمع المدني، وفي ترسيخ هوية وطنية (قومية) تستوعب الانتماءات القبلية التي لعبت دوراً معرقلاً لنموها وتطورها، هذه المجتمعات تنتشر بشكل أكبر في دول العالم الثالث، حيث تتغلب الانتماءات القبائلية والطائفية والعائلية على الانتماء للوطن والدولة، فتنشب الصراعات والحروب الأهلية الدامية، وتصبح معها الدولة بحد ذاتها في مهب الريح

    المطلب الثاني:أصل الدولة

    اختلفت آراء الانتربولوجيين ومعهم علماء السياسة حول اصل الدولة، وما هي دوافع نشوئها ؟ وما هي أشكالها ؟ ، ذلك أن انتقال الإنسان من حياة الطبيعة، حيث لا سلطة تعلو فوق سلطة الأفراد، وحيث يحق للفرد أن يفعل ما يشاء ومتى شاء...إلى حياة منظمة يخضع فيها الأفراد لسلطة عليا تحد من حريتهم وتوجه نشاطهم وتحدد لهم ما هو مسموح وما هو غير مسموح، إن هذا الانتقال لابد وأن وراءه دافعاً أو سبباً قوياً، فليس من طبيعة الإنسان أن يخضع لسلطة ،وليس من الهين إقامة روابط اجتماعية منظمة بين كائنات بشرية كثيرة التباين والتقلب تعودت لسنوات على العيش تحت شعار القوة تصنع الحق وتحميه و الغلبة للأقوى، دون قوة قاهرة تجبرهم أو تقنعهم على ذلك.ومن جهة أخرى فقد عرفت الدولة خلال تاريخها الذي يقدره العلماء بعشرة آلاف سنة أشكال متعددة ، فالدولة اليوم غير الدولة قبل خمسة آلاف سنة مثلا .
    ويتفق غالبية المؤرخين وعلماء السياسة على أن النظريات المفسرة لأصل الدولة هي:

    أولا: نظرية القوة Theory of Power
    تحظى نظرية القوة بتأييد عدد كبير من العلماء، فهؤلاء يرجعون أصل ظهور الدولة إلى حالة الحرب والقوة التي كانت تسود المجتمعات القديمة، فمع استقرار الجماعات على أرض محددة وممارسة الزراعة والرعي، بدأت النزاعات حول الأرض والمرعى، وقامت الحروب التي أوجدت منتصر ومنهزم ،فيمارس المنتصر سلطته على المنهزم ويخضعه لهيمنته، وحتى يحافظ المنتصر على مكانته، فإنه يحيط نفسه بعدد من الحراس ويخلق أجهزة تساعده في استتباب الأمن وتسيير أمور الناس...فظهرت بذلك الدول.
    لقد اعتبر "أوبنهايم Oppenhiemmer" أن الدولة هي النظام القضائي الذي تفرضه جماعة غالبة على جماعة مهزومة من أجل هدف أساسي هو إخضاع الجماعة المهزومة لنظام الجزية، ويستطرد قائلاً: "إنك لترى أينما وجهت البصر قبيلة مقاتلة تعتدي على حدود قبيلة أخرى أقل منها استعدادا للقتال ثم تستقر في أرضها مكونة جماعة الأشراف فيها ومؤسسة لها الدولة، أما "راتسنهوفر Ratzehniher" فيقول: "العنف هو الأداة التي خلقت الدولة"، وفي نفس السياق يرى جميلوفتش "1838-1909- Gumplawicz" إن الدولة هي نتيجة للغزو، حيث يشكل الظافرون طبقة حاكمة على المهزومين، ويربط لستر وورد " 1841-1913- Lesterward" بين الدولة والغزو فيقول: "تبدأ الدولة – باعتبارها مختلفة عن النظام القبلي، بأن يغزو جنس من الناس جنساً آخر . أما لينتون R. Linton فإنه لا يستعبد العامل الطوعي في تأسيس الدولة فيمكن لقبيلتين، أو أكثر أن تتفقا على الاتحاد لتأسيس تجمع أكبر – دولة – ولكنه يرجح عامل القوة في هذا التجمع: "يمكن أن تولد الدول إما باتحاد طوعي لقبيلتين أو أكثر وإما بإخضاع جماعات ضعيفة من قبل جماعات أقوى، مما يفقد الأولى استقلاليتها السياسية...إن دول الغزو أكثر عدداً بكثير من الاتحادات"
    وفي مقدمته الشهيرة، تطرق ابن خلدون إلى تأسيس الدولة، حيث أقام الدولة على أساس العصبية، فالعصبية الأقوى تفرض هيمنتها على غيرها من العصبيات وتخضعها لها، وتبقى صاحبة الأمر والنهي إلى أن تزول عصبيتها، والعصبية لا تنفصل عن القوة بل هي مبرر وجودها لأن طبائع البشر عدوانية: "كل أمر يحمل الناس عليه من نبوة أو إقامة ملك أو دولة...إنما يتم بالقتال عليه لما في طباع البشر من الاستعصاء"، وفي موضع آخر يقول ابن خلدون: "الملك إنما يحصل بالتغلب والتغلب إنما بالعصبية و"الرئاسة إنما تكون بالغلب" و..."لابد في الرئاسة على القوم أن تكون من عصبية غالبة لعصبياتهم واحدة واحدة، لأن كل عصبية منهم إذا أحست بغلبة عصبية الرئيس لهم أقروا بالإذعان والإتباع"
    إن نظرية القوة في تفسير نشوء الدولة قد تكون صالحة لتفسير ظهور العديد من الدول في العالم الثالث، حيث يلاحظ أن عوامل خارجية عملت على إقامة هذه الدول ، فالغزو الاستعماري والتنافس بين المصالح الاستعمارية أمليا على هذه الأخيرة نقل المجتمعات الثالثة – وخصوصاً في إفريقيا – من مجتمعات بدائية قبلية لم تنضج بنايتها بعدد لتقبل جهاز الدولة ومؤسساتها المتعددة، إلى دول بحدود وبأجهزة أُقحِمت وفرضت فرضاً لتسهيل عملية السيطرة والنهب وتفتيت جذور المقاومة التي مثلتها التركيبات القبلية التقليدية القائمة على التمسك بالأرض وعدم التفريط بها ورفض السيطرة الأجنبية.

    ثانيا: نظرية الحق الإلهي – النظرية التيوقراطية Theocracy
    من أقدم النظريات المفسرة لأصل السلطة والدولة، فإذا كنا اليوم نعرف ونتعامل مع السلطة أو الدولة باعتبارها مؤسسة سياسية اجتماعية، أي من خلق الأفراد ولمصلحتهم، فإن النظرية الدينية تذهب إلى القول إن السلطة والدولة أصلهما ديني وليس دنيوي، فالإله هو الذي منح السلطة أو فوضها للحاكم والدولة قامت بأوامر إلهية. وهكذا توحد هذه النظرية ما بين رموز السلطة والمقدس أو الإله، وتعتبر أن الدين أساس لجميع ميادين الحياة في الدولة، وحسب هذه النظرية فإن البشر لم يؤسسوا الدولة بمحض إرادتهم، وبالتالي ليست نتيجة تحولات اجتماعية وثقافية يمر بها المجتمع، بل هي ظهرت بأوامر الإله، ولقد دلت دراسات الانتربولوجيا السياسية على أن الدين كان له موضع الصدارة في المجتمعات القديمة، وأن الزعيم الأول كان هو الإله نفسه، ولكنه إله بشري يزعم أنه يتوفر على صفات خارقة للعادة ويعلم الغيب، يحي ويمت، ومن هذا المنطلق كان الناس يخضعون لأوامره ونواهيه، فأخضع هذا الزعيم ليس فقط أفراد أسرته، بل كل الناس الذين آمنوا به وصدقوا أقواله، كما أن عبادة الأسلاف لعبت دوراً في تأسيس الدولة الدينية الأولى، فيما أن الجماعات القديمة كانت تعبد أسلافها، فكان لزاماً عليها الحفاظ على قبورهم وحراستها والقيام عليها بما يبعدها عن أذى الغرباء ودنسهم، وبما يؤمن لهم الراحة في الحياة الآخرة، ومن كان يقوم بهذه المهمة كانت له مكانة رهيبة وبالتالي سلطة (سياسية) على الجماعة.

    لقد لعب الدين دوراً أساسياً في قيام الدولة وهي دولة – المعبد – فحيث أن ممارسة الشعائر الدينية كانت تتم داخل المعبد فقد تجمعت الأسر والقبائل حول المعبد، وأصبح رجال الدين داخل المعبد بمثابة رجال الحكم، والأسر والقبائل التي تدين بديانة المعبد ورجاله هم الرعية، وكان يطلق على الدولة المكونة بهذه الطريقة اسم "دولة المعبد".تعد إسرائيل من الدول التي قامت على أساس ديني مزعوم ، فإسرائيل هو اللفظ العبري لأسم يعقوب ، وهو احد الأنبياء ،كما أن إسرائيل تقوم على مقولتي ( شعب الله المختار ) و ( أرض الميعاد )، وهما مقولتان دينيتان .

    ويرى ديلابورت – في بحثه حول أصل الدولة في بلاد ما بين النهرين – أن تأسيس المدينة: "عمل ديني لا يستطاع القيام به إلا بناء على أوامر الآلهة العظام لأن المدينة هي قبل كل شيئ مركز للعبادة، وعلى هذا كان لاسم المدينة أحياناً واسم الإله الذي تنازل فرضي أن يستقر فيها مدلول واحد".ولأن الدولة أسست لأغراض دينية، فإن من يقوم على أوامرها عليهم واجب القيام بالشعائر الدينية، فهم نواب الإله على الأرض ويستمدون سلطتهم منه مباشرة، وأحياناً كانوا هم الإله نفسه"

    مرت فكرة الأصل الديني للدولة بمرحلتين:
    1- نظرية تاليه الحاكم: ومضمونها، الجمع بين شخص الحاكم والإله، فالحاكم هو الإله، وبالتالي له نفس قدسية الإله، وهذا ما كان سائداً في الهند وفي مصر الفرعونية.
    2- نظرية الحق الإلهي – أو التفويض الإلهي – ومضمونها أن الحاكم ليس هو الإله، ولكنه يستمد سلطته مباشرة من الإله، فهو يحكم باسم الإله الذي فوض له السلطة، وقد ظهرت هذه النظرية في القرون الوسطى على يد ملوك أوروبا الإقطاعيين، وكان بعضهم يسمى أحياناً خليفة الله في الأرض أو ظل الله في الأرض، وبمقتضى هذه النظرية، كان للملك الحق في حكم رعيته حكماً مطلقاً استبدادياً، دون أن يجرؤ أحد من الشعب على معارضته، لأن معارضته معارضة لإرادة الله، وقد حدث صراع مرير بين رجال الدين المسيحيين من جهة وأنصار الدولة من جهة أخرى – السلطة الزمنية – فقد تمسكت الكنيسة بأن البابا أو رجال الدين وحدهم مصدر السلطات وأن الإمبراطور يستمد سلطته من البابا، أما أنصار الدولة فقد قالوا بأن الحاكم الدنيوي يستمد سلطته مباشرة من الله، وإن الملوك كانوا موجودين قبل أن توجد الكنيسة، وقد حسم الصراع بانتصار الرأي الثاني في مرحلة أولى، وبتفويض فكرة التفويض الإلهي بمجملها في مرحلة ثانية، حيث ظهرت العلمانية التي فصلت بين الأمور السياسية والأمور الدينية .

    ثالثا: نظرية العقد الاجتماعي Theory of social contract
    ومؤداها أن الأفراد اتفقوا اختيارياً على أن يتنازل كل منهم عن كل أو بعض حقوقه التي كان يتمتع بها في مرحلة الطبيعة – ما قبل الدولة – لمصلحة حاكم أو سلطة عليا، ويقبلوا العيش في ظل سلطة توفق بين مصالح الأفراد، ومفهوم العقد هنا مفهوم تخيلي ليس واقعياً، أي أنه لم يبرم عقد حقيقي بين الأفراد من جهة وبين الحاكم من جهة أخرى، بل حدث الاتفاق ضمنياً، فالدولة حسب هذه النظرية تقوم على تعاقد ما بين أفراد المجتمع وبالتالي فمصدرها المجتمع نفسه وليس قوة أو مصدر مفارق للمجتمع – مصدر الإلهي- وتعتبر هذه النظرية بمثابة ثورة فكرية لكونها أسقطت طابع القدسية عن الدولة والقائمين عليها، أو بشكل آخر أنزلت السلطة السياسية والدولة من السماء إلى الأرض ورهنتهما بإرادة البشر.

    ومن أهم منظري العقد الاجتماعي:
    أ- توماس هوبس Thomas Hobbes 1588 – 1679
    يرى هوبس أنه قبل قيام الدولة كانت حياة الإنسان تسودها الفوضى وتتسم بالأنانية، ومحكومة بشريعة الغاب، ويبني هوبس نظريته من منطلق أن الإنسان بطبيعته عدواني، وإن الشر ميل طبيعي عنده "فالإنسان ذئب لأخيه الإنسان" وهذه الحياة الفوضوية المحكومة بقانون البقاء للأقوى، لا يمكنها أن تؤسس دولة، وعليه فقد ارتأى بنو الإنسان أنه من الأفضل لهم أن يخرجوا من حياة الفوضى إلى حياة تسودها العدالة والنظام وذلك بأن يتخلوا عن كامل سيادتهم وحقوقهم التي كانوا يتمتعون بها في حالة الطبيعة لمصلحة حاكم عليهم ويتم هذا التنازل أو الانتقال "بعقد" يبرم بين الطرفين.
    ومن رأي هوبس أن الأفراد تنازلوا عن كامل سيادتهم وحقوقهم وليس عن جزء منها، لأن بقاء جزء منها لدى الأفراد يعني احتمال عودتهم إلى حياة الفوضى والاقتتال، ومن ناحية أخرى، فإن الحاكم أو الشخص الذي تنازلوا له عن حقوقهم ليس طرفاً في العقد وبالتالي لا تقع عليه أي التزامات فهو يتمتع بسلطة مطلقة دون أن يلتزم بشيء تجاه الأفراد.
    وبذلك يعد هوبس من أنصار الحكم المطلق والدولة الاستبدادية وكان يرمي من وراء نظريته، خلق حكم استبدادي يضع حداً للحرب الأهلية التي كانت تعصف ببريطانيا خلال عهده، بين آل ستيورات وحكم كرومويل.

    ب -جون لوك John Locke 1632-1704
    لا يتفق لوك مع هوبس في أن حياة الإنسان في حالة الطبيعة كانت كلها فوضى وحرب، بل يرى أنهم كانوا يتمتعون بالحرية والمساواة ويحكمهم القانون الفطري "الذي يتلخص في معرفة كل فرد أن له حقوقاً معينة في الحياة والحرية والملكية الخاصة وفي بلوغ السعادة. وإنه يجب ألا يتعدى أي إنسان على حقوق غيره من الناس أثناء ممارسته لحقوق الشخصية" بيد أن الأفراد كثيراً ما كانوا يميلون إلى انتهاك قواعد القانون الفطري، ويعتدون على حريات وحقوق بعضهم البعض مما يثير نزاعات وحروب بينهم، فمبدأي الحرية والمساواة ليسا مضمونين تماماً، وحتى يضمن الأفراد ذلك، ارتأوا وبمحض إرادتهم التحول من حالة الفطرة إلى حالة المجتمع السياسي، وتكوين دولة وذلك بقيام عقد بينهم وبين شخص يولونه عليهم.
    والنقطة الثانية التي يتميز بها لوك عن هوبس في موضوع العقد الاجتماعي. هي أن لوك لا يرى أن الأفراد تخلوا عن كامل حقوقهم التي كانوا يتمتعون بها في حالة الطبيعة، بل تنازلوا عن جزء منها فقط ، وعليه فإن الحاكم ملزم باحترام حقوق الأفراد التي لم يتنازلوا عنها، وحقوقهم وحريتهم التي فوضوه حمايتها وتنظيمها، أما النقطة الثالثة التي أتى بها لوك، فهي أن الحاكم طرف في العقد وليس خارجاً عنه – كما قال بذلك هوبس – وحيث أنه طرف في العقد ، تقع عليه التزامات يجب أن ينفذها – حفظ الأمن والنظام وحماية حقوق الأفراد وسيادتهم – فإذا أخل بالتزاماته كان من حق الأفراد خلعه والتمرد عليه فلوك ضد الحكم المطلق الاستبدادي.

    1- جان جاك روسو J. J. Rousseau (1778 – 1712)
    طور روسو نظرية العقد الاجتماعي وجعلها أكثر تناسباً مع تطور الفكر الليبرالي ففي كتابه "العقد الاجتماعي social contract" يتفق روسو مع جون لوك بأن حياة الإنسان البدائية الأولى كانت تعرف حالة من الحرية والمساواة، وأن إبرام الأفراد للعقد الاجتماعي لإقامة المجتمع السياسي وتأسيس دولة، ما هو إلا رغبة حرة من الأفراد للحفاظ على حريتهم الفطرية، والعقد الاجتماعي كما يراه روسو يقوم على نوع من المشاركة والاتحاد بين الأفراد من جهة وبينهم وبين الطرف الثاني من جهة أخرى.إلا أن الجديد الذي أتى به روسو، هو أن الطرف الثاني في العقد ليس شخصاً محدداً، وإنما هو الدولة ذاتها، فالتنازل يتم للدولة التي تمثل الشعب وتجسد إرادته وسيادته، وعليه فإن "من يَهب نفسه للجميع لا يهب نفسه لأحد"، والدولة التي يتم التنازل لها، ليست متعالية على الأفراد بل موجودة لحمايتهم وتحقيق مطامحهم، كما يرجع الفضل لروسو في إبراز مفهوم سيادة الشعب، والإرادة العامة التي هي فوق إرادة الأفراد المتجزأة: - (السلطان إذا هو هذه الإرادة العامة التي هي إرادة المجموعة وليس إرادة الأعضاء الذين يؤلفون هذه المجموعة)
    رابعا-: النظرية الماركسية حول أصل الدولة
    ترتبط النظرية الماركسية لأصل الدولة بأسس النظرية الماركسية القائمة على المادية التاريخية والمادية الجدلية . وعليه، فالدولة نتيجة لتطور المجتمع وتعبير عن النمط الاقتصادي السائد فيه. والنظرية الماركسية لا ترى إمكانية لوجود الدولة إلا مع وجود صراع طبقي أي وجود المجتمع الطبقي والملكية الخاصة، فتأتي الدولة لتجسد السلطة السياسية للطبقة المهيمنة. يقول انجلز: "ليس الدولة مجرد نتاج للمجتمع في مرحلة معينة من مراحل تطوره، إنها اعتراف بأن هذا المجتمع يتخبط مع نفسه في تناقضات لا حل لها ،بانقسامه إلى أطراف لا سبيل إلى التوفيق بينها، فيقف عاجزاً عن تلافيها، وحتى لا يفني المتصارعون أي الطبقات الاجتماعية، بعضها بعضاً ويفنى معها المجتمع فإن الحاجة تفرض نفسها إلى سلطة تضع نفسها في الظاهر فوق المجتمع لتطمس الصراع، وتبقيه في حدود "النظام" هذه السلطة التي نشأت من المجتمع والتي تضع نفسها مع ذلك فوقه وتتزايد غربتها عنه هذه السلطة هي الدولة" .

    فالماركسية إذن ترفض القول بوجود الدولة قبل وجود الملكية الخاصة وقبل وجود الطبقية، ففي المجتمع البدائي سادت المشاعية في كل شيء، ولكن مع ظهور المجتمع الزراعي وكثافة الإنتاج بدأت الملكية الخاصة في الظهور، وبدا التمايز بين الأفراد يفرض نفسه ويقسم المجتمع إلى طبقات اجتماعية متصارعة، فعمل الأغنياء – الطبقة الرأسمالية وطبقة الملاك – على المحافظة على ثرواتهم وامتيازاتهم وذلك بخلق جهاز الدولة لتسخيره لهذا الغرضين ،وحسب هذا التصور فإن الدولة ستزول بعد القضاء على الطبقية والوصول إلى المجتمع الشيوعي، لأن مبرر وجودها ينتفي آنذاك. إلا أن الأحداث بينت أن الذي انهار في المعسكر الاشتراكي ليست الدولة بل النظرية الشيوعية ، وبقيت الدولة متحكمة وقوية.

    خامسا-: نظرية تطور الأسرة
    القائلون بهذه النظرية يعتبرون أن الأسرة هي أصل الدولة، فهذه الأخيرة ما هي إلا الأولى بعد أن تكاثرت وازداد عدد أفرادها أو هي تجميع لعدد من الأسر. ويعد أرسطو أول من قال هذه الفكرة معتبراً أن تجمع عدد من الأسر شكل عشيرة وأن تجمع عدد من العشائر شكل قبيلة وأن المدينة ما هي إلا تحالف بين عدد من قبائل.
    ومن المعلوم أن الشكل الأول للدولة كان دولة – المدينة أي أنها مكونة من مدينة واحدة وما يحيط بها من أراضي زراعية، وهذا الرأي يدعمه حقيقة أن دول المدن الأولى قامت من خلال تحالف عدة قبائل، تحالف طوعي أو قسري، فروما في بداية تشكلها تكونت تحالف ثلاث قبائل وهي اللاتين والسابين والأتروسك، ومن القائلين أيضاً بهذا الرأي أيضاً جان بودان Jean Bodin الذي اعتبر أن الأسرة هي المصدر الصحيح لكل دولة فضلاً عن أنها أهم عضو فيها.
    مما سبق نستنتج أن القائلين بهذه النظرية يعتبرون أن الدولة تنشأ بشكل طبيعي، بفعل تطور الأسرة وتكاثر أفرادها، كما أنهم يعتبرون أن الأسرة هي أول تجمع أو هي الخلية الاجتماعية الأولى، سابقة بذلك للقبيلة والعشيرة ولا تعوز القائلين بهذا الرأي الحجج التي تدعم أقوالهم حيث يقارنون ما بين سلطة رب الأسرة – السلطة الأبوية – والسلطة السياسية أو سلطة الحاكم، فالسلطة الأبوية هي أصل كل سلطة والدولة ما هي إلا أسرة كبيرة والحاكم هو ربها. كما أنهم يقارنون ما بين الرابطة الأسرية التي تجمع أفراد الأسرة وتخلق حالة من التضامن والتلاحم بينهم والرابطة القومية التي تربط ما بين أفراد الدولة أو شعب الدولة.

    المبحث الثاني
    أشكال الدولة عبر التاريخ أو مراحل تطورها
    بالرغم من الجدل المشار إليه أعلاه حول تاريخ وجود الدولة ، إلا انه من المتفق عليه ، أن التأريخ للدولة أصبح يتجاوز منعطف عصر النهضة ، ويرجع بها على بداية انتقال المجتمعات من مرحلة التنقل والترحال إلى مرحلة المدنية – نسبة إلى المدينة- دون تجاهل الاختلافات العميقة ما بين الدولة القديمة والدولة الحديثة ثم المعاصرة .وهكذا يمكن القول إن الدولة عرفت خلال تطورها عدة أشكال إلى أن وصلت إلى ما هي عليه، وقد وضع علماء السياسة نظريات – وبالأدق فرضيات -حاولوا من خلالها تصور المراحل التي مرت بها الدولة خلال تاريخها الطويل وقد تصوروا عدة مراحل أو أشكال مرت بها الدولة وهي:

    المطلب الأول: المجتمع القبلي
    حين اتسعت الأسرة وتكاثر أفرادها، اتحدت مجموعة من الأسر وكونت العشيرة وباتحاد مجموعة عشائر تكونت القبيلة، والقبيلة أول صور المجتمع الدائم أو المجتمعات الإجمالية . فالقبيلة إذن سابقة في وجودها على وجود الدولة بمفهومها الحديث وفي القبيلة تقوم العلاقات الاجتماعية على أساس القرابة، ويحكمها رئيس القبيلة الذي له سلطات قضائية ودينية وحربية، ويستمد رئيس القبيلة سلطته إما من قوته المادية كشجاعته وكثرة عدد أفراد أسرته أو من قوته المعنوية كحنكته ودهائه، أو من مكانته الدينية حيث كان للديانات مكانة مهمة ومرهوبة لدى الأفراد.

    ويعرف موريس ديفرجيه القبيلة كأول شكل من أشكال الدولة، بالقول: "إن الشكل الأول للمجتمع الكلي هو القبيلة، والمقصود هنا جماعة صغيرة الحجم ذات سمات ريفية، والمدن لم تكن موجودة بعد، العلاقات العائلية مهمة جداً فيها، إذ أن القبيلة تضم عدداً صغيراً من العائلات، تقنيات الإنتاج فيها قديمة والمردود ضعيف، تقسيم العمل محدود والملكية جماعية، ليس ثمة طبقات اجتماعية، ويتحدثون في هذا الصدد عن شيوعية بدائية" .

    ويرجع فوستيل دي كولانج أصل سلطة رئيس القبيلة وأصل كل سلطة أو تجمع اجتماعي إلى العامل الديني، فرئيس القبيلة هو الكاهن والقائد، وخضوع الأفراد لسلطته راجع إلى دوره ككاهن ومحافظ على عبادة الأسلاف wor-Aneestor ship وكما سبق فإن القبيلة سابقة في وجودها على اكتشاف الزراعة والمجتمع الزراعي الرعوي، إلا أن اكتشاف الزراعة ساعد أفراد القبيلة على الاستقرار وتأسيس الحواضر والمدن.

    المطلب الثاني: الحاضرة أو دولة – المدينة state – City

    وهي الطور الثاني في سيرورة تشكل الدولة، ومن أشهر نماذج الحواضر، بابل وسومر في بلاد الرافدين، ودول المدن في بلاد اليونان القديمة، وقد تشكلت المدن مع اكتشاف الزراعة واستقرار الإنسان على أرض محددة، حيث عملت الزراعة على تكوين فائض إنتاجي، وعلى توزيع للعمل أكثر تقدماً وفي هذه المرحلة بدأت البنى السياسية تنفصل عن البنى الاقتصادية وتبلورت الطبقية وتعززت الملكية الفردية، ويرى لويس ممفورد أن المدن كانت ثمرة زواج بين المجتمع الرعوي الفظ ومجتمع القرية من الفلاحين وإذا كان هذا الزواج زواج مصلحة فإنه أيضاً زواج إكراه، حيث مارس الرعاة سلطة القمع والسيطرة على الفلاحين .

    وفي نفس الموضوع، ويرى فوستيل دي كولانج أن المدينة تكونت باتحاد عدة قبائل مع بعضها البعض، فالمدينة بهذا المعنى هي حلف بين عدة قبائل تتفق على احترام حقوق كل منها، وخصوصاً الديانة الخاصة لكل قبيلة، أما سبب اتحاد هذه القبائل، فأحياناً يكون اختيارياً وأحياناً يكون مفروضاً من طرف قبيلة مسيطرة أو رجل قوي.

    يميل العديد من الكتاب الغربيين إلى القول بأن المدن اليونانية التي انتشرت حوالي القرن السادس قبل الميلاد، مثل أثينا وإسبرطة، هي أول المدن وأول الحواضر التي عرفتها البشرية، إلا أن التنقيبات التي أجراها الأثريون دلت على أن مدينة أريحا في فلسطين تعد من أقدم المدن، حيث ترجع إلى حوالي عشرة آلاف سنة، وكانت أريحا محاطة بسور مما يدلل على أنها مدينة، حيث أن السور هو ما يميز المدينة عن القرية، ومع ذلك فإن هناك من يرى أن المدينة أو الدولة – المدينة لم تتبلور إلا في العصر الحجري الحديث حوالي عام 3000 ق.م ففي هذه الفترة عرفت المدن: "تقدماً إنتاجياً زراعياً ساعد على خلق الفنانين وعمال التعدين والمهندسين والكتاب والمحاسبين والبيروقراطيين والأطباء والعلماء والمتخصصين وفي تنظيم مهاراتهم وإنجازاتهم" .

    كانت المدن اليونانية تملك كل مواصفات الدولة من حيث توزيع السلط وحقوق الأفراد ونظام الحكم والقضاء. كما أن العلاقات الاجتماعية كانت تقوم على أساس الانتماء إلى الأرض وإلى طبقة اجتماعية، حيث سادت طبقية صارمة في دولة – المدينة. ويرى علماء السياسة أن دولة – المدينة هي مرحلة عابرة في تاريخ تطور المجتمعات نحو الشمولية والكلية، حيث تعرضت دولة – المدينة اليونانية لانتقادات صارمة وخصوصاً من طرف الرواقيين الذين دعوا إلى العالمية

    المطلب الثالث: الإمبراطورية Empire

    ظهرت الإمبراطورية بتجاوز حدود دولة-المدينة، حيث تُخضع الإمبراطورية لسيطرتها مجموعة من المدن، وهذا الإخضاع غالباً ما يتم بالقوة والفتح، فتتولى جيوش الإمبراطورية عملية الإخضاع لهذه المدن ولا يراعى في تشكيل الإمبراطورية أن تكون الشعوب الخاضعة لها من جنسية واحدة بل غالباً ما ينضوي تحت لوائها شعوب متعددة الجنسيات.

    ولعل من أشهر الإمبراطوريات التي عرفها التاريخ، الإمبراطورية الرومانية التي قامت في القرن الثاني قبل الميلاد، واتسعت لتشمل حوض البحر المتوسط ولتدوم حوالي 1300 عام – إلا أن قيام الإمبراطوريات على الغزو والإخضاع واتساع رقعة الأرض التي تسيطر عليها وتعدد شعوبها، كل هذا ساعد على سقوط الإمبراطوريات، وظهور شكل جديد من الدول وهي الإمارة الإقطاعية

    المطلب الرابع: الإمارة الإقطاعية Feudal Principality

    ظهر هذا النموذج بعد سقوط الإمبراطورية الرومانية، فحيث ان الإمبراطوريات ألغت الكيانات السياسية لدول المدن وأزالت الحدود وخلقت وضعا جديا على مر السنين ، فانه لم يعد من الممكن ، بعد سقوط الإمبراطوريات ،الرجوع إلى الوضع السابق لوجودها ، فمع انهيار الإمبراطورية أصبحت الأرض في ملكية الملاك الكبار، يستغلونها بتسخير الأرقاء التابعين لهم، وفي النظام الإقطاعي هذا يصبح الملاك هم أصحاب السلطة السياسية والعسكرية والقانونية، فالإقطاعي صاحب الأرض وما عليها.

    ويرى هالفان بأن الإمارة الإقطاعية مرحلة تراجع بالنسبة لدولة المدينة، فالمجتمع الإقطاعي مجتمع يرفض كل تدخل في شؤونه من طرف سلطة خارجة عنه، وفكرة الدولة ومفهوم السلطة العامة التي تعمل باسم المصلحة العامة والتي تمارس نوعاً من الإكراه على الأفراد، هي فكرة بعيدة عنه، وفي نفس الاتجاه يذهب مارك بلوش Marc Bloch حيث يقول "تتطابق الإقطاعية مع الضعف العميق للدول وخصوصاً في وظيفتها الحمائية"

    ومما لا شك فيه أن غياب سلطة الدولة الإكراهية والحمائية تجعل العلاقة بين أفراد المجتمع علاقة سيد وتابع، وعلاقة تقوم على أساس القرابة أو الجوار، كما يصبح للعلاقات الشخصية دور أساسي في النظام الإقطاعي.

    وقد سادت الإمارات الإقطاعية كل أوروبا تقريباً حوالي القرنين الحادي عشر والثاني عشر ولم ينهار هذا النظام إلا مع بداية ظهور النزعة القومية، وظهور فكرة سيادة الشعب والدولة القومية ابتداء من القرن السادس عشر.

    المطلب : الدولة – الأمة nation – State

    وهي آخر نموذج للمجتمع الإجمالي، وظهرت ابتداء من القرن السادس عشر على أثر تفكك الممالك الكبرى وانهيار النظام الإقطاعي ويرجع الفضل في التنظير للدولة الأمة لمجموعة من المفكرين أمثال مكيافلي، وروسو، ولوك ومونتيسكيو، وهيغل – الخ.

    تقوم الدولة – الأمة على انضواء جميع الأفراد الذين ينتمون لقومية واحدة – وحدة لغة وتقاليد وعادات وتاريخ وإقامة على أرض مشتركة – تحت سلطة سياسية واحدة على أرض محددة. والدولة – الأمة مرتبطة بظهور الفكر القومي. ولكن هذا لا يعني أن كل الدول الحديثة والمعاصرة تأخذ شكلاً واحداً في وجودها. فهناك نموذج الدولة الليبرالية، ونماذج خاصة بدول العالم الثالث حيث أن تأسيس الدولة في العديد من دول العالم الثالث لم يحدث اعتماداً على التسلسل المشار إليه سابقاً، وبالتالي لم يحدث اعتماداً على تطور ونضج في البنى والمؤسسات الداخلية، بل غالباً كان تأسيساً نتيجة تدخل الاستعمار وفرضه قسراً على هذه المجتمعات، نظماً وهياكل ومؤسسات الدولة، دون أن تكون بنية المجتمع مهيأة للتعامل مع هذه المؤسسات، الأمر الذي أدى إلى انفصال ما بين المجتمع والدولة وبالتالي حالة الصراع والعداء بين الطرفين والتي تتمظهر في عدم الاستقرار والحروب الأهلية والانقلابات والثورات...الخ. بالإضافة إلى ذلك فليس جميع الدول تتكون من أفراد ينتمون لقومية واحدة، بل هناك دول تتكون من عدة قوميات كروسيا الاتحادية، إيران، الهند، وهناك قوميات موزعة على عدة دول، كالأمة العربية، بالإضافة إلى وجود قوميات لم تؤسس لنفسها دول خاصة بها. هذا ويبلغ عدد الجماعات العرقية في العالم حوالي 5350 جماعة.
    وبغض النظر عن التطور التاريخي للدولة، تعرف الدولة عدة أشكال، فهناك دول بسيطة وأخرى مركبة.
    - الدولة البسيطة: هي التي ينفرد بإدارة شؤونها الخارجية والداخلية هيئة واحدة. مثل: المغرب، فرنسا، وغالبية دول العالم.
    - الدولة المركبة، وتتكون من اجتماع أكثر من دولة أو ولاية قائمة بذاتها تحت سلطة حكومية مشتركة أو تحت حكم رئيس أعلى واحد.
    وهذه تشتمل ثلاث فئات:
    1- دولة الاتحاد الشخصي: وتقوم باجتماع دولتين تحت عرش واحد مع احتفاظ كل منهما باستقلالها الداخلي والخارجي.
    2- دولة الاتحاد الفعلي: وهي اتحاد دولتين اتحاداً دائماً تحت حكم رئيس وخضوعها لهيئة واحدة فيما يتعلق بشؤونها الخارجية مع احتفاظ كل منهما بإدارة شؤونها الداخلية وهذا الاتحاد وسابقه أصبحا في حكم التاريخ، فلا توجد نماذج معاصرة لهما.
    3- دولة الاتحاد ألتفاهمي: تتكون من انضمام عدة دول بعضها إلى بعض بمقتضى معاهدة أو اتفاق في شكل اتحاد أو تعاهد ورعاية المصالح المشتركة بينهما. ومن أمثلتها الولاية المتحدة الأمريكية سويسرا، ومشروع أوروبا الموحدة.

    أيضاً تتباين أنظمة حكم الدول، وقد عرفت المجتمعات أنماطاً مختلفة من أنظمة حكم الدول: ديمقراطية، اوليغارشية، أرستقراطية، عسكرية، فاشية، نازية، ملكية، جمهورية، الخ.

    نخلص إلى القول إن مراحل تطور الدولة المشار إليها هي تقسيم نموذجي أو مثالي، أي يقوم على أساس النموذج الغالب أو النمط السائد، حيث أن هذه الأشكال من الدول كانت تتداخل مع بعضها البعض وكانت تتعايش مع أنماط أخرى من المجتمعات الإنسانية قد تقترب، أو تبتعد عن مفهوم الدولة إلا أنها في جميع الحالات تشكل مرحلة في مسار تطور المجتمعات الإنسانية من شريعة الغاب إلى دول القانون.

    إن كانت نظرية الدولة القومية هي النظرية الأكثر تفسيراً لواقع الدولة في النظام الدولي المعاصر، إلا أن هذا لا يعني أنها تشكل النهاية أو خاتمة المطاف بالنسبة للتنظير حول الدولة أو المجتمع الشمولي، حيث أن هذه الدولة القومية التي تعبر عنها النظرية السياسية المعاصرة تتعايش مع أشكال أخرى من المجتمعات الإنسانية قد تكون سابقة على مرحلة الدولة القومية، وقد تكون في مرحلة تخطي وتجاوز للدولة القومية، وخصوصاً أن التوجه الحالي في النظام الدولي يسعى إلى إقامة التكتلات الكبيرة التي تتجاوز المفهوم الضيق للسيادة القومية. ويبقى تطور نظرية الدولة كنظام سياسي أو كمجتمع بشري أو كمؤسسة اجتماعية مرتبط بالتطور العام للمجتمعات الإنسانية وللحضارة الإنسانية عموماً، ومرتبط بالظروف السياسية لكل بلد، حيث تكشف لنا التحولات الأخيرة في أوروبا الشرقية عن بداية تفكك دول وظهور دول جديدة لم يكن لها وجود سابقً أو كانت قد فقدت استقلالها خلال نزاعات سابقة، كما أن هناك شعوب مازالت تناضل من أجل حقها في إقامة دولتها التي فقدتها بفعل الغزو الاستيطاني ، وأهم حالة الشعب العربي الفلسطيني الذي يناضل ضد الاستعمار الاستيطاني الصهيوني في أرضه فلسطين. فهذا الاحتلال لم يلغ الدولة الفلسطينية كوجود تاريخي ولكنه أفقدها عنصر السيادة فتحولت إلى ارض محتلة، واليوم الشعب الفلسطيني يناضل من أجل إعادة بناء دولته .


    الفصل الثالث
    الديمقراطية بين التنظير والممارسة
    -هل هناك نظرية متكاملة للديمقراطية؟-

    بقدر البساطة التي تظهر على كلمة الديمقراطية وبالرغم من كثرة تداولها بين الناس، وبالرغم من أن غالبية دول العالم اليوم تزعم بأنها دول ديمقراطية، بالرغم من كل ذلك فمفهوم الديمقراطية هو من أكثر المفاهيم المتداولة إثارة للجدل بين علماء السياسة وبين الناس العاديين. هذا اللبس يتجلى سواء على مستوى تحديد المفهوم وعلى مستوى الممارسة، وتصبح الديمقراطية أكثر إثارة للجدل عندما يتعلق الأمر بدول العالم الثالث حديثة العهد بالديمقراطية. وحتى نقارب الموضوع بحد معقول من الموضوعية فسنتناول تعريف المفهوم أولاً ثم تطوره فكراً وممارسة في بلاده نشأته الأولى، وبعد ذلك نبحث في حال الديمقراطية المعاصرة وفي مجتمعاتنا العربية، فكراً وممارسة.

    المبحث الأول
    النظرية التقليدية للديمقراطية-

    المطلب الأول: مقاربة مفاهيمية للنظرية التقليدية للديمقراطية
    من المعلوم أن المصطلحات في العلوم الاجتماعية حمالة أوجه، حيث يأخذ المصطلح الواحد معان مختلفة ليس فقط ما بين المجتمعات وبعضها البعض بل داخل المجتمع الواحد، لأنها مصطلحات تعبر عن أوضاع اجتماعية، هذه الأخيرة هي في حالة تحول أفقياً وعمودياً، أفقياً من مجتمع إلى مجتمع وعمودياً من حقبة زمنية إلى أخرى. والديمقراطية من هذه المصطلحات ،الذي وإن حافظ على ثباته لغة فإنه عرف تحولا وتبدلا اصطلاحا وتبيئة، ومع ذلك فأن الاستئناس بالرجوع إلى أصول الديمقراطية لغة واصطلاح يساعدنا على تعزيز أطروحتنا حول كون الديمقراطية مبادئ عامة وتراث إنساني قابل لإعادة إنتاجه محلياً.
    وعليه، فإننا لا نبغي من هذه المقاربة حول الديمقراطية إجراء رصد تاريخي أو حصر مفاهيمي على اعتبار أن الديمقراطية من المفاهيم التي لا تعرف الجمود، بل سر نجاحها وإبداعها أنها تجدد نفسها باستمرار فهي من "المصطلحات والكلمات التي ليست جامدة الدلالة حيث تأخذ معانيها من تطور مدلولاتها ولو استمرت هي نفس الكلمة التي تستعمل في الموضوع، فالبحث عن أصلها إذن لا يعني التشبث بمدلولها الأصلي ولكنه يعني فقط تحديد الوجهة التي نبعت منها أحياناً"

    لم تنتج الديمقراطية لنفسها تعريفاً دقيقاً صالحاً لكل زمان ومكان بقدر ما أنها أنتجت مجموعة من المبادئ والأسس والقواعد والآليات توصف بكونها ديمقراطية لحمولتها الخاصة سواء وجدت تلك المبادئ كلها أو البعض منها، ولكونها تصف شكل من نظم الحكم تختلف إيجابيا عن أشكال الحكم الأخرى التي لم تصمد أمام المنافسة عبر تاريخ طويل من عمر البشرية.
    ومجمل المبادئ الديمقراطية التي يتم التعامل بها أو التفكير حولها حالياً ما هي إلا نتيجة لتراكم نضالات شعبية ونخبوية، ممارساتية وفكرية تمتد لعهود قديمة انطلقت من دولة المدينة الأثينية – أو إلى ما قبلها – لتمر بفكرة العقد الاجتماعي ثم السيادة الشعبية...لتصل إلى ما وصلت إليه في الديمقراطيات الغربية المعاصرة.

    فإذا كان مفهوم الديمقراطية كلاسيكيا يعني حكم الشعب بالشعب لصالح الشعب، قد تناسب في فترة معينة مع التربة التي ولد فيها هذا المفهوم – أي المجتمع الأثيني – فإن التطورات التاريخية والتحولات المعرفية قد عملت على تهميش هذا المفهوم الكلاسيكي وجعلته يحس بالاغتراب داخل المجتمعات الحديثة.

    إن الإشكالية التي تطرحها النظرية الديمقراطية ستتعقد أكثر بفعل تطور الدول والمجتمعات كالانتقال من محدودية الدولة – المدينة إلى شساعة الدولة – القومية الحديثة وما صاحب ذلك من تزايد كبير في عدد السكان داخل الدولة الواحدة، هذا ناهيك عن التحولات التي عرفتها القيم التي تعطي للديمقراطية أفضليتها عن غيرها، مثل الحرية والمساواة والمواطنة والعدالة، ثم تتعقد أكثر مع تطور نموذج الدولة القومية خلال القرنين الأخيرين ليأخذ صيغاً أخرى أكثر تشابكاً وأكثر صعوبة في الحصر والفهم، خاصة مع ما وصلت إليه المجتمعات الحديثة من تحولات شككت إلى حد الآن في كثر من المفاهيم الأساسية التي تشكل البنية الفعلية للديمقراطية، كمفهوم السيادة وتعارضه مع مفهوم العولمة، وتعارض الاختصاص ما بين المؤسسات الوطنية والمؤسسات فوق – وطنية، وما جعل الأمر أكثر إشكالاً انتقال المفهوم إلى مجتمعات ذات خصوصيات حضارية مختلفة عن خصوصيات مجتمعات النشأة.

    إشكالية تحديد وتعريف الديمقراطية انطلقت مع ولادة مصطلح الديمقراطية. ولفهم ذلك دعونا نلقي نظرة على "حكم الشعب" الذي يعتبر مبدأ أساسياً، فمن اجل إعطاء تسمية لنمط حياتهم السياسية الجديدة وما جاءت به هذه الحياة من ممارسات في العديد من دول – المدن، بدأ اليونان القدماء وتحديداً في دولة المدينة أثينا باستخدام عبارة ديموكراتيا demokratia وذلك لحدود القرن الخامس قبل الميلاد، وفي ذلك يقول بريكليس perikles أبرز مؤسس الديمقراطية اليونانية القديمة – وصل إلى الحكم عام 466 ق.م –(لنا دستورنا الخاص بنا، لم نقتبسه من أحد من الجيران فنحن قدوة لغيرنا ولا نحاكي الآخرين، ونظراً لأن نظام الحكم بيننا يتمثل في سيادة الأكثرية وليس الأقلية، فقد عرف باسم الديمقراطية" .

    على الرغم من البساطة التي يتسم به المعنى الاصطلاحي للكلمة – إذ أن "demos" تعني الشعب و "kratia" تعني الحكم أو السلطة – فإن الكلمة بشقيها تثير سؤالين: "ما الفئة التي تكون الشعب"؟ وماذا تعني لهم عبارة "ممارسة الحكم"؟ لقد ظلت هاتان الكلمتان: "الشعب" و "الحكم" تشكلان مجالاً خصباً للاختلاف بين كل من تعرض لهما بالبحث، كما أن الاختلاف في الدلالة والماهية واكبهما عبر مرور الزمن، فمثلاً إذا كان مفهوم "الشعب" الذي يشارك في الحكم في المدينة الأثينية يقصد به المواطن الأثيني الذكر الحر، فإن هذا المفهوم قد أخذ أبعاداً وتحديدات أخرى في المدن اليونانية الأخرى، وقد أخذ مفهوم "الشعب" الذي يشارك في الحكم أشكالاً أخرى مع مرور الوقت وتباين المجتمعات التي توسعت فيها حمولة مفهوم "الشعب" لتصل أخيراً إلى جميع المواطنين – ذكوراً وإناثاً – البالغين سن الرشد القانوني . "المواطن" بالمعنى اليوناني يتحدد معناه لا بانتمائه لوطن، بل لكونه يتمتع بحق المشاركة السياسية، حق المساهمة في تدبير المدينة وتسيير شؤونها. وفي هذا السياق يجب التأكيد على معنى "الحق" بالمشاركة وليس المشاركة حد ذاتها، فكثير من أصحاب الحق بالمشاركة لا يشاركون، أي لا يستعملون هذا الحق. وبعبارة أخرى: "المواطن" هو الذي يتكلم ويناقش الشؤون العامة التي تخص المدنية وفي هذا يقول بريكليس "إن المواطن العادي المهتم بأسباب رزقه لديه معرفة كاملة بشؤون الدولة، فنحن وحدنا لا نعتبر من ينأى عن شؤون السياسة شخصاً انعزالياً ولكن عديم النفع، كما أننا دوماً نستمع ونشارك بالرأي في شؤون الدولة عند مناقشة قادتها لها ".هذا التصور الأصيل للديمقراطية الذي يقرنها بالمشاركة السياسية للمواطن يبين لنا كم ابتعدت ديمقراطية اليوم عن الأصل إذا أخذنا بعين الاعتبار ضعف المشاركة السياسية بل جهل المواطن العادي بالأمور السياسية. ولقد تواصلت النضالات السياسية والفكرية طوال التاريخ البشري لكي ترسخ قاعدة "المواطنة" وتتوسع لتشمل كل من يوجد فوق ارض "الوطن من أهل البلاد" ولكن على أساس ألا يعني المواطن أحد أفراد الرعية ومن هنا شعار: "مواطنون لا رعايا" .

    رقم المجهودات والتضحيات التي بذلت من أجل إضفاء المزيد من الديمقراطية على مفهوم "الشعب" فإن الاستثناءات لازالت تشمل فئات شاسعة من الناس، وعلى الرغم من أن الديمقراطية الأثينية ربما كانت تميل إلى التطرف في مجال اقتصار حقوقها على فئة معينة إلا أنها لم تكن فريدة من نوعها بأي شكل من الأشكال، فمنذ عصور اليونان القديمة حتى الفترة الحديثة كان هناك دائماً من تم استثناؤهم باعتبارهم غير مؤهلين وحتى حلول القرن العشرين عندما حصلت النساء على حق الانتخابات كان عدد الذين يتم استثناؤهم – كما كان عليه الحال أحياناً في أثينا – يزيد كثيراً على عدد المشمولين. وهكذا كان الحال في أول تطبيق للحكم الـ "ديمقراطي" في الولايات المتحدة الأمريكية حيث لم يقتصر الاستثناء على النساء والأطفال بل شمل أكثر المواطنين السود بل وحتى الأمريكيين الأصليين "الهنود الحمر" وإذا كان استثناء أو إقصاء شريحة كبيرة من المواطنين من حق المشاركة ولو في الانتخابات عبر التصويت مسلم به بحكم القانون الذي هو أسمى تعبر عن إرادة الأمة، فإن الواقع والممارسة الفعلية لحق المشاركة يزيد في توسيع دائرة الفئات المستثناة أو المقصاة من هذا الحق بفعل الأمية أو الفقر أو فقدان الثقة في النظام أو في العملية السياسية بشكل عام، كما أن التجربة الديمقراطية في الكويت اليوم تبين لنا اقتصار مفهوم المواطن السياسي على شريحة محدودة حيث يتم استثناء النساء و "البدون" والأجانب مما يجعل ديمقراطيتهم ديمقراطية النخبة.

    وبالتالي فإذا كان القانون قد أقصى شريحة من "الشعب" فإن الواقع والممارسة أقصيا شريحة إضافية من هذا "الشعب"، وعليه، فإن فكرة الديمقراطية المرتبطة في جوهرها بمفهوم "الشعب" تتأثر بما أحاط هذا المفهوم من مد وجزر بل وأكثر من ذلك – وارتباطاً دائماً بعبارة "الشعب" فحتى أولئك الذين تم تمتيعهم بحق المشاركة تتضاءل قوة وفعالية اهتمامهم بالشأن العام وممارستهم لحق المشاركة حتى أننا نكاد نحصر المشاركين فعلياً في فئة قليلة من المواطنين خاصة إذا ما علمنا أن حق المشاركة المقرون بحق الانتخابات كأبرز حالة من حالات المشاركة قد أضحى مع مرور الوقت يتآكل ولا يشكل إلا مدخلاً شكلياً للديمقراطية

    المطلب الثاني: مؤسسات ومبادئ الديمقراطية التقليدية

    أولا : في اليونان القديمة
    كما سبق الذكر ، لا يمكن فهم النظرية الديمقراطية ،إلا بالرجوع إلى اللحظة الأولى لظهورها اصطلاحا وممارسة في اليونان القديمة ، فالعودة للأصل سيظهر لنا كم هي واسعة الهوة ما بين الديمقراطية الأولى وديمقراطية اليوم . فالديمقراطية الأثينية كانت ديمقراطية مباشرة نظرا لقلة عدد السكان ، ومن هنا كان عمل المؤسسات مختلف عن طريقة اشتغال المؤسسات الدستورية في الديمقراطية المعاصرة . بالإضافة إلى ذلك فالمجتمع الأثيني الذي أوجد مصطلح الديمقراطية وكان أول تطبيق لها ،كان مجتمعا عبوديا وطبقيا وذكوريا ، ومن المعلوم أن العبودية والطبقية والذكورية تتناقض اليوم مع الديمقراطية التي تقوم على الحرية والمساواة بين الرجل والمرأة وعدم التمييز على أساس العرق أو الجنس أو الطبقة أو الدين .

    1: المؤسسات السياسية
    تجسد المؤسسات السياسية طبيعة الديمقراطية الاثينية التي تعني حق كل (مواطن) في المشاركة في الحياة السياسية، وهي أيضا مؤسسات ضرورية لتنظيم أمور المدينة وهذه المؤسسات هي :
    أ - الجمعية الشعبية : ECCLESIA
    وتتكون من جميع المواطنين الذكور في المدينة المولودين من أبوين اثينيين. حيث يحق لكل مواطن بلغ ثمانية عشر سنة حضور اجتماعاتها، وكانت تجتمع عشر مرات في السنة على الأقل، ويجوز أن تجتمع بشكل طارئ . فالإكليزيا هي مصدر السلطات، ومنها تصدر القوانين والقرارات السياسية، وكان التعيين في المناصب يتم عن طريق القرعة أو الانتخابات ، ولا يعاد انتخاب المواطن مرة أخرى . كما أن الوظيفة لم تكن تعهد إلى شخص واحد بل إلى عشرة أشخاص تختار كل قبيلة من القبائل العشرة المكونة لأثينا - واحدا منهم.
    إلا أن أهم وظيفة كانت تنبثق عن الجمعية هي انتخاب القادة العشرة، وهؤلاء في الأصل كانت مهمتهم عسكرية، إلا أنهم في الواقع أخذوا يمارسون - صلاحيات متعددة الأوجه، حيث أصبحوا القادة الفعليين لأثينا - مثلا بريكليس كان مجرد قائد عسكري فأصبح الحاكم الفعلي لأثينا - وهم ينتخبون بالاقتراع المباشر ويمكن أن يعاد انتخابهم. بالإضافة إلى ذلك تقوم الجمعية بتعيين القضاة من بين أعضائها، وتختار أعضاء مجلس ( الخمسمائة) لمدة عام، وتمارس الرقابة المالية والتصويت على القوانين المالية.
    ب - مجلس الخمسـمائــة :
    ويمكن اعتباره الهيئة الحاكمة الفعلية أو السلطة التنفيذية، ويتكون من خمسمائة عضو، من أعضاء الجمعية على أن يكونوا فوق الثلاثين سنة، وحتى يكون ممثلا لجميع الشعب، فقد كانت كل قبيلة من القبائل تُمثّل في المجلس بخمسين عضوا، ويتولى ممثلو كل قبيلة منها الحكم عشر أيام في السنة. ولأنه كان يصعب أن يمارس الحكم مجلس مكون من خمسمائة شخص، كان المجلس يشكل (جمعية مصغرة) من خمسين شخصا (من أحد القبائل) مضافا إليهم شخص من كل قبيلة من القبائل العشر الأخرى، وهذا المجلس يقوم بالتناوب بممارسة سلطة مراقبة الأعمال وإدارتها باسم المجلس كله. كما يختار المجلس من بين أعضائه، وبالاقتراع رئيسا لمدة يوم واحد، ولا يجوز أن يتولى هذه المهمة شخص مرتين.
    وقد انقسم المجلس إلى عشر لجان، وكل لجنة مكونة من خمسين عضوا من قبيلة واحدة، واحدة تحكم والأخرى تشكل لجان عمل، أما مهامه فهي متعددة، فهو يُحضّر القرارات التي ستعرض على الإكليزيا، كما ينفذ ما يصدر عنها من قرارات، إلا أنه كان في جميع الحالات للجمعية الحق في رفض أو قبول قرارات المجلس. وكان المجلس يمارس صلاحيات واسعة في مجال الاتصال بالدول الأجنبية، ويخضع له موظفي الحكومة، و له حق حبس أو إعدام المواطنين، وذلك بحكم يصدره هو كمحكمة أو يستصدره من محكمة عادية، كما كان يشرف على الشؤون المالية وإدارة الأملاك العامة.
    ت - المحاكم أو القضاء :
    وكان القضاة يتم اختيارهم داخل الجمعية ولمدة سنة لا تجدد، بالقرعة أو بالانتخاب، والمحاكم هي حجر الزاوية في الديمقراطية الأثينية. وكان يشترط فيمن ينتخب أو يقترع عليه، كقاضي أن لا يقل عمره عن ثلاثين سنة، وفي كل عام كان ينتخب حوالي ستة آلاف شخص، وعدد المحلفين في المحكمة الواحدة لا يقل عن (20) محلف، ويصل أحيانا إلى (501).
    وبالإضافة إلى مهمة القضاء كانت المحاكم تقوم بمهمة الإشراف على الموظفين وعلى القانون، فهي تقوم باختيار صلاحية المرشحين قبل توليهم الوظائف، بمعنى أنه وبعد أن يفوز الشخص بالقرعة لتولي منصب ما، فإن للمحاكم الحق بالطعن إذا ما ارتأت أنه غير صالح لممارسة الوظيفة،كما كانت تقوم بمراجعة أعمال الموظف عند انتهاء مدة خدمته. وعلى مستوى التشريع كان للمحاكم سلطة إصدار حكم بأن قرارا صادرا عن المجلس أو عن الجمعية مخالف للدستور، وذلك بعد تقديم أي مواطن بشكوى في الموضوع لأحد المحاكم. وهذا يظهر لنا أهمية السلطة القضائية في أثينا.
    نلاحظ مما سبق أن الفهم الشائع حول مشاركة كل الأثينيين في الحكم انطلاقا من مفهوم الديمقراطية - حكم الشعب - لا يعني أبدا أن جميع السكان يشاركون في أتحاذ القرارات السياسية، ويناقشونها في الجمعية، فأحيانا يقتصر أمر المشاركة في مجرد حضور بعض الجلسات أو مناقشة بعض المعلومات، فالقرارات الهامة يسند أمر اتخاذها لأفراد وضمن شروط وتحت المراقبة.
    2 : المبادئ الكبرى للفكر الديمقراطي الأثيني
    الديمقراطية الأثينية كفكر وممارسة، لم تأت كطفرة، بل هي محصلة تطورات سياسية واجتماعية قام بها مصلحون، وضعوا معالم النظام ومؤسساته، فأسس الديمقراطية كالمساواة والحرية، والعدالة، والقانون، ليست مجرد أفكار فلسفية، ولكنها أفكار طبقت على أرض الواقع وتجسدت بقوانين ومؤسسات. ولكن يجب أخذ هذه الأفكار ضمن سياقاتها الاجتماعية والتاريخية، وألا نحكم عليها انطلاقا من تصوراتنا وفهمنا المعاصر لها.
    أ - المــــــساواة :
    ديمقراطية أثينا قامت على المساواة بين المواطنين في المشاركة في الحياة السياسية، وحق المشاركة بمساواة في السلطة الممنوح للشعب، لا ينفصل عن مفهوم الشعب عند اليونانيين، وهو ليس مفهوم الشعب المعروف اليوم. فالشعب الذي تتحدث عنه الديمقراطية الأثينية يستثني النساء والعبيد وكل من لم يولد لأبوين اثينيين. فالمساواة إذن لم تكن بين جميع ساكنة أثينا، بل هي مساواة بين المواطنين بالمفهوم المشار إليه، فديمقراطيتها لا ينفي كونها نظام عبودي.
    فالمساواة التي عرفتها أثينا هي مساواة بين مواطنين، القانون يساوي بينهم، ولكنهم غير متساوين بالطبيعة، فالطبيعة والآلهة في نظر الأثينيين ميزا بين الحر والعبد، وبين المرأة والرجل. فإذا أخذنا المساواة بهذا المعنى القانوني، فإنها كانت مطبقة بالفعل، وما اللجوء إلى القرعة لاختيار من يتولى الوظائف إلا محاولة من الأثينيين لتطبيق المساواة دون تحيز لغني أو فقير، عالم أو جاهل، وهذه المساواة من جهة أخرى هي التي كانت تمنح لكل مواطن حق حضور اجتماعات الجمعية والمشاركة في الحياة السياسية، وهذا الحق هو الذي كان يميز المواطن الأثيني الحقيقي عن غيرهّ.
    ب- الحريـــة :
    ما كان يميز الإغريقي عن البربري هي الحرية، فالحرية بالنسبة لهم تعني عدم العبودية لأي كان ولأي شيء كان. وقد بدأت مسيرة الحرية في أثينا مع صولون SOLONتولى السلطة حوالي (594-593 ق.م) الذي اعتبر أن الديون التي ترهق كاهل المواطن هي سبب عبوديته وسبب الأزمة التي تعاني منها البلاد، فأًصدر قانونين، الأول، منع بمقتضاه فورا وفي المستقبل أن تكون الديون بضمان شخص المدين، والثاني ألغى وأسقط جميع الديون القائمة، العامة والخاصة. كما منع سجن المدين ضمانا لسداد دينه. وإذا كان صولون مهد لتطبيق شقها المدني، فإن الشق السياسي، أي الحرية السياسية، والتي تعني عدم الخضوع إلا للقانون ، كُرست عن طريق مجموعة القوانين اللاحقة، وهكذا أًصبحت الحرية تعني حرية بحكم القانون وخضوع لحكم القانون في نفس الوقت.
    فالحرية بالنسبة للأثيني على حد قول أرسطو هي أن يكون الفرد محكوما وحاكما في نفس الوقت . وهو ما عبر عنه الخطيب ليسياس LYSIAS في مطلع القرن الرابع قبل الميلاد بالقول : كان أسلافنا في ذلك الوقت أول من نبذوا من بينهم أنظمة الحكم الاستبدادي، وأسسوا الديمقراطية، مؤمنين بأن تحقيق الحرية للجميع هو الوئام الأعظم، ونظرا لاشتراكهم فيما بينهم من آمال ومخاطر واحدة، تولوا حكم أنفسهم بأرواح حرة ، وبالقانون أكرموا المثيب وعاقبوا المسيء، واعتبروه من أعمال الحيوانات الضارية أن يستبد شخص بآخر بالقوة، وأن واجب الإنسان أن يقيم العدل بالقانون وأن يقنع بالعقل، وأن ينزل على حكم هذين بالفعل، فيجعل السيادة للقانون، ويتخذ من العقل مرشدا.
    ج- القــــــانـــون :
    القانون هو السيد الذي لا سيد فوقه في الديمقراطية الأثينية، فلا يتصور الإغريقي قيام ديمقراطية، أو تمتع بحرية ومساواة بدون القانون، ومن هنا كانت المكانة المتميزة التي أخذتها المحاكم في الديمقراطية الأثينية، حيث أن أحكامها قوانين نهائية ولا يجوز الطعن فيها. وقد عبر أحد فلاسفتهم وهو يوريبيدس عن مكانة القانون بالقول : فتبا لنظام لا يسوده القانون، بل يسوده طاغية، كلمته هي القانون، فالسيادة في كل دولة هي للقانون وليس للمحاكم فالقانون هو الذي يسوي بين الغني والفقير ويخضع له الحاكم والمحكوم.
    إلا أن فكرة القانون تطورت لدى اليونانيين. فبعد أن كان ينظر في البداية إلى كل القوانين باعتبارها ذات مصدر إلهي واحد، أصبح ومنذ القرن الخامس ق.م التفكير يذهب لإعطاء الإنسان دورا في صياغة القوانين، وقام التمييز بين القانون الذي هو اصطلاح والطبيعة التي هي خلق وفطرة وقد وضح انتيفون ANTIPHON التمييز بين القوانين الحاضرة - البشرية - التي يمكن مخالفتها شرط عدم الانكشاف ومقتضيات الطبيعة التي لا يمكن مخالفتها بدون عقاب .
    هذا ولا بد من الإشارة لعدد من رجال الدولة والمفكرين اليونانيين الذين دونهم ما كانت الديمقراطية أن تكون ، فمن رجال الدولة نجد صولون وبريكليس كرجال دولة في أثينا ،ومن المفكرين نجد المؤرخ هيرودوت HERODOTE (480-425 ق.م)، إلا أن أهم هؤلاء هم الذين أُطلق عليهم اسم الفسطائيون SOPHISTS وهم أساتذة في البيان والخطابة ظهروا في الديمقراطية الأثينية ليُعلموا المواطنين كيف يتكلمون بطريقة مقنعة، وكيف يتغلبوا في المناقشات والمجادلات التي تحدث داخل الجمعية العامة وغيرها من التجمعات ، إنهم الذين انتقدهم أفلاطون وسماهم تجار الكلام، ومن أهم السفسطائيين بورتوجورس، انيتفون، بروديكوس، جورجياس، كاليكليس واكرتياس.
    في مقابل الديمقراطية كممارسة سياسية وفكر التي عرفت بها أثينا،، اشتهرت أثينا بأنها أنجبت أهم الفلاسفة والمفكرين السياسيين، الذين اشتهروا ليس لأنهم من دعاة الديمقراطية أو المشاركين في نظامها السياسي، بل لمواقفهم المعادية والمنتقدة للفكر الديمقراطي ونموذجه المطبق في أثينا، حيث اعتبروا أن الديمقراطية هي حكم الغوغاء ، وان عيبها القاتل هو مساواتها بين الذين يعلمون والذين لا يعلمون ، بين الأقوياء والضعفاء ن بين العقلاء والجهلاء، ومن أهم هؤلاء المفكرين سقراط وأفلاطون وأرسطو ، وكان لكل من أفلاطون وأرسطو نظريته السياسية الخاصة بالدولة وأنظمة الحكم.

    ثانيا: الديمقراطية تجدد نفسها بدء من عصر النهضة
    بعد سقوط نموذج دولة- المدينة على يد فيليب المقدوني وأبنه اسكندر في القرن الرابع قبل الميلاد ، وقيام إمبراطورية مترامية الإطراف ، تلاشت الديمقراطية كفكر وممارسة ،فحكمت الإمبراطورية الرومانية بداية بقياصرة عسكريين لا يولون أهمية للديمقراطية ، وبعد تبني الإمبراطورية للديانة المسيحية نهاية القرن الرابع هيمنت الكنيسة على الحياة الدينية والدنيوية وأدخلت أوروبا في عصر الظلمات طوال القرون الوسطى،فيما كان المسلمون يقيمون دولتهم ونظامهم الخاص بالحكم . مع تراخي قبضة الكنيسة لصالح العلمانية ، وجدت الأفكار الديمقراطية فرصة للظهور، ليحل حكم الشعب وإرادة الأمة محل حكم السماء ، ولكن بعد حين من التنظير للفكر الاستبدادي البشري .وكان لرواد نظرية العقد الاجتماعي وخصوصا لوك Locke (1632-1704) ومنتسكيو ) Montesquieu1689-1755)وجان جاك روسو (1712-1778)، ثم رواد عصر النهضة ثم التنوير وفكر الثورة الفرنسية ،الفضل في نشر مبادئ الديمقراطية وترسيخ مؤسساتها ، مع الأخذ بعين الاعتبار تغير العالم وتحوله ، وعدم إمكانية العودة لنموذج الديمقراطية الأثينية .ولم تكن فكرة الديمقراطية واضحة عند رواد عصر النهضة ،المهم بالنسبة لهم هو التخلص من هيمنة الكنيسة ومن الاستبداد ، أما البدائل ، فجاءت بشكل متدرج ونتيجة مراكمة إنجازات مؤسساتية وصراعات فكرية طوال خمسة قرون تقريبا ، حيث لم تستقر الديمقراطية فكرا وممارسة إلا بداية القرن العشرين ،وخلال هذه المرحلة شهدت أوروبا والعالم ، حروب وصراعات دينية وسياسية واقتصادية .
    أصبحت الديمقراطية تشير إلى نسق سياسي الحكام فيه منتخبون من الشعب وحائزون على رضاه ، وهناك فصل للسلطات ما بين تشريعية وتنفيذية وقضائية ،والسلطة يتم تداولها عبر انتخابات دورية تشارك فيها الأحزاب السياسية التي هي جزء من النظام الديمقراطي ،ونتيجة الانتخابات تفرض على الأقلية الخضوع لرأي الأغلبية وعلى الأغلبية احترام حقوق وحريات الأقلية ،ويشتغل هذا النسق بالقانون وتحت إشراف القانون ، ومن خلال القانون يمارس الشعب حرياته السياسية والاجتماعية والاقتصادية ، فحرية الرأي والتعبير من أهم عناصر الديمقراطية. ويرى محمد عابد الجابري " أن الديمقراطية نظام سياسي اجتماعي اقتصادي يقوم على ثلاثة أركان :
    1) حقوق الإنسان في الحرية والمساواة وما يتفرع عنهما كالحق في الحريات الديمقراطية والحق في الشغل وتكافؤ الفرص ...الخ.
    2) دولة المؤسسات ، وهي الدولة التي يقوم كيانها على مؤسسات سياسية ومدنية تعلو على الأفراد مهما كانت مراتبهم وانتماءاتهم العرقية والدينية والحزبية.
    3) تداول السلطة داخل هذه المؤسسات بين القوى السياسية المتعددة وذلك على أساس حكم الأغلبية مع حفظ حقوق الأقلية) 1.


    ثالثا:أشكال الديمقراطية
    الاتفاق على أن الديمقراطية هي حكم الشعب ، لا يحل مشكلة كيف سيحكم الشعب ، ومن هنا وجدت ثلاثة صور للديمقراطية تختلف حسب طرقة مشاركة الشعب بالسلطة .هذه الأشكال هي :-
    1)الديمقراطية المباشرة :
    وتعني أن الشعب كل الشعب يمكنه المشاركة في عملية اتخاذ القرار السياسي ،والقائلون بها يؤمنون بان الشعب لديه القدرة والكفاءة ليناقش الأمور العامة ويتخذ بشأنها القرار السلم ، وهؤلاء يعتقدون ان الديمقراطية المباشرة هي الديمقراطية الحقيقية.وكانت ديمقراطية أثينا القديمة خير نموذج لذلك ، إلا أن الفكرة وجدت من يدافع عنها بالرغم من تغير الظروف ، ويعد جان جاك روسو في كتابه (العقد الاجتماعي ) من أهم المدافعين عنها والمنتقدين للديمقراطية النيابية التي كانت سائدة في عصره في بريطانيا تحديدا ، فحيث أنه يؤمن بمبدأ سيادة الأمة وأن الشعب هو صاحب السيادة ، فعلى الشعب أن يمارس السلطة بنفسه ولا يفوضها لأحد . وبالرغم من صعوبة تطبيق الديمقراطية المباشرة في مجتمعات اليوم كثيرة العدد ، إلا أن تطبق بطريقة ما في بعض المقاطعات السويسرية قليلة السكان .


    2) الديمقراطية شبه المباشرة :
    وهي نظام وسط ما بين الديمقراطية المباشرة والديمقراطية النيابية ،فتأخذ من الديمقراطية النيابية النظام البرلماني ، حيث يوجد برلمان منتخب ، ولكن لا تترك بيد هذا البرلمان كل مقاليد السلطة ، وإنما يشارك الشعب مع البرلمان في بعض المسائل الهامة ، على أساس انه صاحب الحق ومصدر السلطة ، كما تقول الديمقراطية المباشرة .ففي الديمقراطية شبه المباشرة يتم تقاسم السلطة وعملية اتخاذ القرار ما بين برلمان منتخب وشعب يتدخل بعدة طرق : أ)الاستفتاء الشعبي . ب) الاعتراض الشعبي .ت) الاقتراح الشعبي .ث) حق الحل الشعبي.ج)حق الناخبين في إقالة الناخب .ح)حق عزل رئيس الجمهورية.

    3) الديمقراطية النيابية :
    وكما هو ظاهر من الاسم ، سميت نيابية لأن الشعب ينتخب نوابا يشكلوا أعضاء البرلمان لينوب عنه ويمارسون السلطة باسمه لمدة يحدده القانون الانتخابي 1 ، وفي هذه الحالة الشعب لا يحكم ولا يتدخل في عمل البرلمان ، فهو فوض نوابه ليحكموا نيابة عنه ، ولا يستطيع محاسبتهم إلا في الانتخابات القادمة .ويتكون البرلمان إما من مجلس واحد أو من مجلسين ، وفي بعض البلدان لا يكون كل أعضاء المجلس منتخبين بطريقة مباشرة ، فهناك نسبة ينتخبوا بطريقة غير مباشرة ، أيضا قد تحدد نسبة من مقاعد البرلمان لبعض الفئات – النساء مثلا – وتسمى الكوتا ، وفي جميع الحالات وحتى يكون النظام النيابي نظاما ديمقراطيا ،يجب ضمان إجراء انتخابات نزيهة ، وأن تشكل الحكومة من الفريق الذي حصل على أكثر الأصوات وبالتالي أكبر عدد من المقاعد داخل البرلمان.أيضا من ضمان نجاح الديمقراطية النيابية ، وجود فصل بين السلطات ، ولكن ليس بمعنى القطيعة ، بل بمعنى الاستقلالية والتعاون.وغالبية الدول الديمقراطية في العالم اليوم تأخذ بالديمقراطية النيابية ، ولكنها تختلف من حيث طبيعة العلاقة وتوزيع الصلاحيات ما بين السلطة التنفيذية والسلطة الرئاسية، فنجد نظاما رئاسي كما هو الأمر في أمريكا ومصر، ونظام برلماني كما هو الحال في بريطانيا والمغرب ، ونظام شبه نيابي كما هو في فرنسا .

    المطلب الثاني: الديمقراطية من حكم الشعب إلى حكم النخبة
    منذ حكماء اليونان والفكر الديمقراطي يبحث عن صورة مقبولة يتجسد عبرها مفهوم "الشعب" للدلالة على النظام الديمقراطي المفتوح أمام كل "الشعب" ويبدو أنه قد أخفق في إيجاد تلك الصورة حتى مع منظري عصرنا الذين هم مولعين أو محترفين للفكر الديمقراطي، والواقع السياسي والتجارب السياسية قد زادت في تكريس ذلك الإخفاق.
    وما يقال عن عبارة "الفئة التي تكون الشعب" ينسحب على عبارة "ممارسة الحكم" فمن المؤكد أن ممارسي الحكم والسلطة ليسوا هم كل الشعب بل هم بالتحديد عينة أو أقلية أو نخبة من بين هؤلاء. فلقد كان يتم مقارنة النظام الديمقراطي بالأرستقراطية "حكم النبلاء أو النخبة" أو الميروتوقراطية "حكم الأكفاء أو المؤهلين" أو الأوليغارشية "حكم الأقلية"، ولقد كانت هذه المقارنة مقبولة ومستساغة من منطلق وجود عنصر التمييز بين كل أنواع الحكم هذه من جهة والحكم الديمقراطي باعتباره "حكم الأكثرية" من جهة أخرى. لكن أصبحنا نلمس لدى مفكري عصرنا ميلهم إلى التشكيك في كون النظام الديمقراطي هو "حكم الأكثرية" فعلا ولعل نظريات النخبة التي صاغها بعض المفكرين "باريتو – موسكا – ميلز – ميشيلز..." تقول بأن الشواهد التاريخية وواقع المجتمعات المعاصرة وبغض النظر عن الأيديولوجية السائدة فيها ومستوى نموها الاقتصادي والاجتماعي وطبيعة نظام الحكم المعمول به، تتميز بوجود أغلبية محكومة وأقلية حاكمة وسواء كان النظام القائم اشتراكياً أو ديمقراطياً، ديكتاتورياً أم دينياً أم أرستقراطياً، متقدماً أو متخلفاً، فإن هناك "نخبة" تحتكر أهم المناصب السياسية والاجتماعية في المجتمع. وهناك الأغلبية أو "اللانخبة" وهم عامة الناس. سنشير إلى ذلك بعد قليل –
    أصبح اليوم من الصعب التمييز بين الأنماط المختلفة من الحكم خاصة بين النظام الديمقراطي والنظام الأولغارشي المحسن "حكم النخبة"، أو النظام الميرتوقراطي "حكم الأكفاء والمؤهلين" على أساس أن هناك من يُعرف "النخبة" بأنها تمثل أولئك الذين يتفوقون في مجالات عملهم المختلفة، بمعنى أن كفاءاتهم ومؤهلاتهم تجعل منهم نخبة المجتمع. فإذا كانت الدولة الديمقراطية الحديثة تحتاج إلى تنظيم – وخصوصاً تلك التي تتميز بكثرة عددها – فإن التنظيم يحتاج على أقلية منظمة وهذه الأقلية تتشكل من نخبة المجتمع.

    إن أقصى ما وصل إليه التنظيم السياسية للمجتمعات الحديثة المحسوبة على الأنظمة الديمقراطية هو خضوع الأغلبية لحكم الأقلية ولكن برضى الأغلبية ومن هنا أصبحت الديمقراطية تأخذ صيغة مخالفة تماماً للصيغة الكلاسيكية التي انطلق للبحث عنها الفكر الديمقراطي – حكم الشعب بالشعب لصالح الشعب – إذ أضحى عوض ذلك يأخذ صيغة "حكم الشعب بنخبة من الشعب لصالح الشعب. من هنا فالفرق الوحيد بين الأوليغارشية والنظام الديمقراطي هو كون الأقلية الحاكمة في الحكم الأوليغارشي لا تستند على إرادة شعبية في حين أن النظام الديمقراطي يستوجب على "النخبة" أن تأخذ موقعها في السلطة على أساس الإرادة الشعبية.
    لقد كان منظرو النخبة من أهم الذين أعادوا النظر في الفهم الشائع عن الديمقراطية مبينين أن الديمقراطيات الحديثة لا تحمل من الديمقراطية الكلاسيكية إلا أسمها وروحها، وأنه باستثناء فترة قصيرة من عمر البشرية – ملحة الديمقراطية الأثينية – لم يعرف التاريخ حالة كان الشعب يحكم فيه نفسه بنفسه، بل كان دور الجماهير في العملية السياسية هامشياً، نظراً لعدم تنظيمها أو جهلها ولتضارب المصالح بين أفرادها وتباين المعتقدات والميول والأصول الطبقية. هذا لا يعني رفض الديمقراطية بل إعطاء مفهوم جديد للديمقراطية بحيث تتحول من حكم الشعب إلى نظام سياسي تتنافس فيه الأحزاب السياسية على أصوات الجمهور، وتتسم بالتعددية وهو الأمر الذي يسمح للنخبات أن تتكون بحرية وتنشئ مزاحمة منظمة بين النخبات على مراكز السلطة

    هذا التقليل من أهمية دور الجماهير كمشاركين في الحكم في الديمقراطيات المعاصرة يلمسه العديد من المفكرين السياسيين، فعالم الاجتماع السياسي الإيطالي موسكا mosca يرى أن الجمهور ما هو إلا أداة يوظفها الأقوياء ليصلوا إلى السلطة وبالتالي يضفون الشرعية على وجودهم، حيث يقول: "لا ينتخب الناخبون الممثل، ولكن كقاعدة عامة يصار إلى انتخابه بواسطتهم إلا إذا تولى أصدقاؤه هذه المهمة بالسعي لانتخابه".

    في نفس الاتجاه يذهب جوزيف شومبيتر في كتابه – 1942 – CAPITALISME AND DEMOCRACY ، فهو يرى أن ا|لأسس التي تقوم عليها الديمقراطية الكلاسيكية مجرد خرافات، فالشعب أعجز في نظره من أن يتممكن من حكم نفسه بنفسه، والمواطن العادي يتسم بالقصور وعدم المبالاة أمام الأمور السياسية، وعليه يطالب شومبيتر بتحويل مفهوم الديمقراطية من "حكم الشعب" إلى "حكم معتمد على الشعب"، أو "حكم لصالح الشعب"، فالديمقراطية الحق هي التي تفسح المجال للأفراد الأكثر قدرة والأكثر نبوغاً لممارسة الشأن السياسي، وإن أقصى ما يطمح إليه المواطن العادي هو ممارسة حقه في "قبول أو رفض من سيحكمه من خلال العملية الانتخابية"، ومن هنا يعطي تعريفاً للديمقراطية بأنها: "تنظيم تأسيسي القصد منه التوصل إلى قرارات سياسية، حيث يحرز الأفراد من خلاله سلطة التقرير بواسطة التنافس على/ أو الصراع من أجل/ الظفر بصوت الشعب".

    لم يشذ جيوفاني سارتوري عن هذه المقاربة الواقعية للديمقراطيات المعاصرة، معتبراً أن النظرية الكلاسيكية للديمقراطية كانت تضخم من دور الشعب في الحياة السياسية دون وجه حق، ورأى أن الخطر الحقيقي على الديمقراطية لا يأت من الدكتاتورية أو الأرستقراطية، بل من تدخل الشعب في عمل النخبة السياسية، وعرقلة قيامها بحقها الطبيعي في الحكم. ومن هنا فهو يطالب ببقاء السلطة السياسية بيد النخبة الحاكمة ما دامت تتوفر على عناصر الامتياز والتفوق الذي يعترف لها به الجميع. إن المهم في الديمقراطية بالنسبة له ليس أن يحكم الشعب، فهذا أمر غير ممكن وغير مفيد للشعب، المهم في نظره هو أن يستجيب القادة لمطالب ومصالح الشعب، المهم هو ضمان الاستقرار السياسي في المجتمع حتى تتفرغ الدولة للقيام بمهامها الداخلية والخارجية



    المبحث الثاني
    الديمقراطية كصيرورة تاريخية واجتماعية

    أن تتوافق عدة مجتمعات على خيار الديمقراطية كنظام حكم ، هذا لا يعني عدم وجود خصوصيات وتباين في الثقافات ، أن يكون نظام ما ديمقراطيا لا يعني آن يتشابه مع بقية الأنظمة الأخرى ، وان نقول بان الديمقراطية هي حكم الشعب ، فهذا لا يعني أن الشعوب في كل الأنظمة الديمقراطية تمارس السلطة بنفس الطريقة ، أو أنها تتمتع بنفس الحقوق .

    المطلب الأول: الديمقراطية في عالم متغير

    مما سبق يمكن القول بأن الديمقراطية بمعنى "حكم الشعب بالشعب" فيه الكثير من الطوباوية بل أمر مستحيل اليوم وبالتالي فالتعريف المناسب حالياً هو "حكم الشعب بنخبة من الشعب لصالح الشعب"، إن الديمقراطية السائدة اليوم في الغرب هي حكم نخبة تحض برضى الشعب، أو هي توليفة سبق أن عبر عنها أرسطو، في نقده للديمقراطية الاثينية، توليفة تجمع ما بين حكم الشعب وحكم الأرستقراطية وحكم الفرد أو الأفراد النابهون، ويعدد روبرت دال من المفكرين المعاصرين الذين احيوا الجدل القديم حول علاقة الديمقراطية بحكم القلة، حيث كتب يقول: "من هم الأفضل تأهيلاً لتولي الحكم؟ هل تتم حماية مصالح الناس الاعتياديين من قبلهم شخصياً وعن طريق ما يتخذون من إجراءات خلال العملية الديمقراطية؟ أم من قبل مجموعة من القادة الأخيار القديرين الذين يتمتعون بقدر غير عادي من المعرفة والفضيلة؟" إنه نفس السؤال الذي طرحه أفلاطون في سياق نقده لديمقراطية أثينا التي كان يسميها حكم الغوغاء، إلا أن دال وغيره من نقاد الديمقراطية لا يرومون تجاوز الديمقراطية أو الطعن بها بل إعطاء فهم صحيح لها يتوافق مع معطيات العصر وخصوصاً تعقد الحياة السياسية والاقتصادية والعلمية بما هو خارج قدرة الشعب ككل على النظر السليم في هذه الأمور.

    لا تعوز روبرت دال الحجة للدفاع عن نظرية جديدة للديمقراطية يحررها من طوباوية نعتها بحكم الشعب أو أن الشعب هو الذي يقرر في كل صغيرة وكبيرة، حيث يقول: "وكما يعلم الجميع فإن معظم القوانين والسياسات في البلدان الديمقراطية الحديثة لا يتم إقرارها من خلال اجتماعات المجالس البلدية، أو الاستفتاءات العامة، أو استطلاعات الرأي، أو غيرها من أشكال الديمقراطية المباشرة، إن السياسات لا تأتي مباشرة نتيجة الانتخابات. إن ما يحصل بدلا من ذلك كله هو أن المقترحات التي تطرح يتم النظر فيها وتمحيصها من قبل لجان متخصصة تابعة لهيئات تشريعية، وكذلك من خلال جهات أو وكالات تنفيذية وإدارية يكون أعضاؤها بصورة عامة من ذوي الكفاءات والخبرات العالية. إن للخبرة والمهارة أهمية بالغة في الواقع بحيث أن أنظمة حكمنا عرفت بكونها كيانات حكم تجمع بين الديمقراطية "حكم الشعب" والميرتوقراطية – حكم المؤهلين – إن الاسم الذي يدل على واقع الأنظمة الديمقراطية المعاصرة هو polyarchy – الحكم الجمعي –" .

    هذه المقاربة التي تقلل من أهمية المؤسسات التشريعية في اتخاذ القرارات السياسية داخل المجتمعات الديمقراطية المعاصرة سبق وأشار إليها أفلاطون في سياق نقده للديمقراطية في بلده، فكتب في محاورته وعلى لسان سقراط مشجعاً صديقه خارميدس على خوض الحياة السياسية ومستهزئاً من الجمعية الشعبية قائلاً: "إنك لا ترهب مخاطبة أكثر الناس ذكاء ومقدرة، وها أنت تخجل من مخاطبة جمهور من التافهين والبلهاء، ممن تخجل؟ من حلاجين وإسكافيين ونجادين وحدادين وفلاحين وتجار وأصحاب حوانيت في الأسواق، أناس كل همهم أن يشتروا بسعر أقل ليبيعوا بسعر أعلى؟ هؤلاء هم أعضاء الجمعية الشعبية "الإكليزيا"". 2ومن يشاهد اليوم اجتماعات البرلمانات في بعض دول العالم الثالث وفي الدول العربية خصوصاً سيحس وكأن هذه المقولة مازالت صالحة إلى اليوم، وكم هو بعيد عن الحقيقة القول بأن هذه البرلمانات تمثل الشعب وتحكم باسمه، فواقع برلماناتنا "الممثلة" للشعب هي آخر من يمكنه أن يحكم ويتخذ القرارات في الأمور المصيرية.

    كان لابد من تبيان المفاهيم المعاصرة للديمقراطية ولو من وجهة نظر نقادها، حتى لا يتملك المرء في مجتمعاتنا وهم بأن الديمقراطية تعني أن يحكم الشعب، أو أن كرسي الحكم متاح لكل من هب ودب ممن يحمل صفة مواطن، وحتى أيضاً نبين إنه إذا كان في الغرب، حيث مستوى التعليم والثقافة والمعيشة مرتفع، هناك من يشكك في قدرة الشعب على الحكم، فكيف الحال في مجتمعاتنا حيث الجهل والأمية والتخلف والسعي المحموم للمواطن وراء رغيف الخبز، أيضاً حتى نربط الموضوع بالإشكال الأساس وهو أن المواطن لا يريد من الديمقراطية أن يصبح حاكماً بل يريد منها أن تؤمن له متطلبات الحياة الكريمة سواء شارك في الحكم أم لا.

    إن الانطلاقة التي بدأناها مع مفهوم الديمقراطية وما جاء به نقاد الديمقراطية، يبين لنا بأن حمولة هذا المفهوم قد ابتعدت عما كانت تكتنزه عند انطلاق التفكير بالديمقراطية والعمل بها. ومع ذلك حتى مقاربة مفهوم الديمقراطية لغوياً قد نال منه الزمن وحوّر عن أصله الأول، فلا "الشعب" هو الشعب ولا "ممارسو الحكم" هم ممارسو الحكم بل حتى مفهومي الحكم والسلطة هما اليوم أكثر تعقيداً مما كان عليه الأمر عندما وجد مفهوم الديمقراطية.
    وتبعاً للتحولات التي عرفتها الديمقراطية فكرة وممارسة، فقد فقدت كثيراً من بريقها بل وحتى من مضمونها فسلطة الشعب لم تعد في عصرنا تعني أن يعتلي الشعب عرض الأمير، بل تعني كما قال "كلود لوفور" إنه لم يعد ثمة عرش. السلطة الشعبية تعني أن يكون بوسع العدد الأكبر من المواطنين أن يعيشوا بحرية أي أن يبنوا حياتهم الفردية بأن يجمعوا بين ما هم عليه وما هم ساعون إلى تحقيقه، بأن يقاوموا السلطة باسم الحرية وباسم الوفاء للموروث الثقافي في آن معاً. النظام الديمقراطي هو صيغة الحياة السياسية التي تزود العدد الأكبر بأكبر قسط من الحرية .

    هذا جانب مما كنا نود إثارته حول دلالة المفهوم لكي ننتقل للحديث عن ما حققته الديمقراطية عبر التجارب العديدة التي ساهمت في إرساء قواعد وأسس الديمقراطية، فمن بين هذه الأسس ما بلورته الديمقراطية من مؤسسات. هذه المؤسسات تباينت ما بين تلك التي هي خاصة بالمجتمع السياسي "السلطة وما يرتبط بها" وبين تلك التي هي خاصة بالمجتمع المدني – على اعتبار أن غياب الديمقراطية يحول إحالة شبه مطلقة دون نشأة مؤسسات المجتمع المدني – ولكن يجب الإشارة إلى كون هذه المؤسسات تطلبت ثقافة سياسية معينة تسمح باستيعاب دلالاتها ووظائفها، وهو ما تحقق إلى حد كبير في الأنظمة الغربية حيث أن هذه المؤسسات واكب قيامها أو سبقها فكر سياسي معين – ليبر إلي يبشر لهذه المؤسسات ويؤطرها.

    فالديمقراطية لا تقوم فقط على القوانين والمؤسسات بل تقوم قبل كل شيئ على ثقافة سياسية التي لا يمكن أن تنشأ ما لم يكن هناك فهم وإدراك للمجتمع السياسي بما هو تركيبة مؤسساتية ترمي بالدرجة الأولى إلى التوفيق بين حرية الأفراد والجماعات وبين وحدة النشاط الاقتصادي والقواعد الاجتماعية . كل ذلك بما يحقق أفضل مستوى معيشي للإنسان، لأن الديمقراطية ليست هدفاً بحد ذاته بل وسيلة لهدف أسمى وهو الحياة الكريمة اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً.

    إن الانسجام بين الثقافة الديمقراطية والمؤسسات الديمقراطية من الأهمية بمكان ذلك لأن العكس يحدث انعكاسات سلبية تهدد الديمقراطية وفي حالات أخرى النظام الاجتماعي ككل، فالمؤسسات الديمقراطية بما هي وعاء يقوم بوظائف متعددة من تمثيل وتأطير ودمج وتنمية وتنشئة...يتطلب بالمقابل وجود ثقافة تسمح باستيعاب هذه الوظائف وعدم التصادم معها. مجرد وجود انتخابات ورجال منتخبون ومؤسسات شبيه بالدول الديمقراطية لا يعني وجود ديمقراطية، إن الديمقراطية ممارسة وثقافة، وأحياناً يكون حاكم "ديمقراطي" – وصل عن طريق انتخابات – أكثر فساداً وسوءاً من طاغية مستبد، الانتخابات وخصوصاً في دول العالم الثالث تتحول أحياناً على آلية لإضفاء الشرعية والمشروعية على حكم الاستبداد.

    لقد مكنت المؤسسات الديمقراطية بعد نضجها من تحقيق أعلى هدف من الديمقراطية يتمثل في تحقيق الوحدة في ظل الاختلاف، فمن المعلوم أن الاختلاف بمختلف أشكاله سمة مجتمعية لا يمكن القفز عليها بأن وسيلة أو ذريعة سواء قومية أو وطنية أو إيديولوجية بل حتى دينية "اختلاف أئمتي رحمة". فالتباين العرقي والثقافي والاقتصادي أمر مسلم به في كل مجتمع وهو سنة من سنن الخلاق، لكن الفرق الكامن بين هذا المجتمع وذاك هو قدرة مؤسساته على تحقيق الانصهار والتعايش والتساكن بين مختلف تلك المكونات.

    لقد عملت الديمقراطية على احترام التنوع المجتمعي من خلال قيامها على أسس شاملة، وبذلك أصبحت حقوق الأقليات مصونة بحكم قواعد الديمقراطية. فالثقافة الديمقراطية سعت دائماً إلى حماية التنوع من خلال زرع قيم في المجتمع تسلم بحق الاختلاف والتنوع وتجعل منه أساس الاغتناء الثقافي والحضاري، فالثقافة الديمقراطية تتحدد وتعرف بما هي جهد مبذول في سبيل الجمع بين الوحدة والتنوع بين الحرية والتوحيد، لذلك تعرف باعتبارها توفيقاً ودمجاً بين عدد من القواعد المؤسساتية المشتركة وبين تنوع المصالح والثقافات، ففي الديمقراطية لا تعارض بين سلطة الأكثرية وحقوق الأقليات: فلا وجود للديمقراطية إلا باحترام كل منهما للأخرى. فالديمقراطية هي النظام الذي تعترف الأكثرية فيه بحقوق الأقليات ، أي أن الديمقراطية لا تقوم على مبدأ الإقصاء بل التعايش والتساكن، ولكن في المقابل على الأقلية القبول بالسياسة التي ترسمها حكومة الأكثرية.

    كما أن الديمقراطية بما هي ضمانة لحق الاختلاف والتنوع، فإن النظام الديمقراطي يقاس بقدرته على استيعاب مختلف المكونات. والقدرة الاستيعابية للنظام الديمقراطي يمارسها عبر المؤسسات المتوفرة وعبر روح الديمقراطية المتفشية في الثقافة السياسية الديمقراطية، فضلاً عن أن هذه المؤسسات لا تبقى جامدة إلى الأبد، بل إنها تتغير كماً ونوعاً، فبفعل التغيرات الناتجة عن العصرنة والتحديث المتسارعين يترتب صعود فئات جديدة تطالب بحقها في السلطة – السلطة بمفهومها الواسع – فلكي يكون النظام الديمقراطي فاعلاً عليه إما أني زيد في القدرة الاستيعابية للمؤسسات الموجودة أو يعمل على إنشاء مؤسسات جديدة إضافية لصهر ودمج الفئات الجديدة الناتجة عن التحديث والعصرنة، دمجها وتمكينها من المشاركة في السلطة إن أرادت.

    الديمقراطية إذا هي مجموعة مؤسسات تصهر التنوع والاختلاف بفعل سيادة ثقافة ديمقراطية تساعد على تقبل المؤسسات وفهمها وعلى التعايش والاقتناع بحق الآخر في الوجود. أيضاً الديمقراطية ليست فقط نقيض الاستبداد بل هي أيضاً نقيض الطائفية، فاللجوء إلى هذه الأخيرة يقضي على الديمقراطية كلما أدى هذا اللجوء باسم ثقافة ما إلى تعزيز سلطة سياسية لا تعبر عن إرادة الأغلبية، وبالتالي كلما أدى إلى القضاء على استقلالية النظام السياسي وإلى فرض علاقة مباشرة بين سلطة وثقافة .

    فلا غرو إذن أن الديمقراطية بما هي نتاج بيئة وأرضية ومحيط معين فهي تنطبع بطبائع تلك البيئة والأرضية أو ذاك المحيط. إنها ليست مجرد نظام سياسي بل واجتماعي أيضاً، وعليه فلا يمكن أن نبقى عند الحديث عن الديمقراطية أسى تجارب ديمقراطية معينة في مجتمعات معينة. فخصوصية كل مجتمع تجعل نظام الحكم متباين، بشكل ما، عن أي نظام حكم في مجتمع آخر، فإذا كانت الثورات – السياسية والاجتماعية والدينية والصناعية – المتعاقبة التي عرفتها أوروبا الغربية منذ قرون قد أفرزت نظام الحكم السائد بها حالياً، فإنه بالمقابل هناك مجتمعات أخرى لم تعرف نفس المسار ولم تختمر بها ثقافة ديمقراطية تنسجم مع الحكم الديمقراطي، إن تلك المجتمعات تسود بها بنيات وعلاقات من طينة أخرى، وهي مترسخة متجذرة .

    إن انتقال هذه المجتمعات نحو الديمقراطية كنظام حكم بمؤسساته العصرية قد واجه صعوبات متعددة عصفت بحلم الانتقال الديمقراطي عند العديد منها، ولعل السبب كما أوضحته مختلف التجارب يعود إلى بنية المجتمع من جهة وإلى الكيفية التي جرت بها عملية الانتقال نحو الديمقراطية من جهة أخرى. فقد لاحظنا إقحام مؤسسات عصرية تزاحم المؤسسات التقليدية وتحاول إقصاءها دون تهيئ الأرضية الملائمة لتقبل هذا الدخيل على بنيات النظام، كما أن هذا الانتقال تم من فوق أي من قبل النخبة الماسكة بزمام السلطة والتي إما أنها تلقت في الغالب تكويناً مكنها من الاقتناع بالثقافة التي أطرت تلك المؤسسات العصرية دون أن يتم نقل تلك الثقافة إلى باقي الشرائح الاجتماعية فوقع بالتالي تنافر بين الثقافة السائدة والمؤسسات الحديثة وما تتطلبه من ممارسات واستحقاقات، وإما أن هذه النخبة لا تؤمن بالضرورة بالديمقراطية وإنما ضغوط خارجية فرضت عليها الأخذ بالنهج الديمقراطي، فاصطنعت مؤسسات تشبه ما يوجد في الدول الديمقراطية ولكن مفرغة المضمون.

    إلا أن هناك نماذج مغايرة تمكنت من إحداث تعديلات جوهرية وعميقة على نظامها السياسي من خلال استيراد نماذج حكم غربية باعتبارها ديمقراطية، ولكنها في الوقت نفسه تبعتها أو واكبتها عملية تثقيف مجتمعي استيعاب، مع حفاظ النظام القائم على أهم دعائمه وخصوصياته فتم التعايش بالتالي بين المحلي والوافد دون حدوث أي ارتجاج في السير العادي للنظام. كما أن العملية في هذه النماذج تمت "خطوة خطوة" أي دون تسرع أو اندفاع مفرط. بل كانت العملية الديمقراطية على أساس ورش بناء يقتضي وجود أساس وأعمدة صلبة وتوازن وتناسق كي لا يختل البناء ويتساقط ويتلاشى أو يهوي بالمرة.

    إن اعتماد هذه المجتمعات للديمقراطية كنظام حكم لم يجعلها تنساق وراء فكرة النموذج الجاهز بل أبانت تجاربها على أن الديمقراطية تتكيف حسب خصوصية كل مجتمع فلا وجود لنموذج حكم ديمقراطي قابل للاستعمال في كل المجتمعات، وهذا ما يجعل التباين قائماً حتى بين مجموعة من الأنظمة الغربية رغم أنه لا يجادل أحد في الطبيعة الديمقراطية لمؤسساتها. ولكن طبيعة وتاريخ ومكونات كل مجتمع فرضت نظام حكم يختلف عن أنظمة الحكم الأخرى.

    من هنا يمكن القول بأن الديمقراطية لا تقبل في عملية بنائها الاندفاع المفرط بل هي عملية بناء متواصلة تقوم على أساس الحلول الوسطى فالديمقراطية كانت دائماً حركة إصلاحية في بدايتها، تقوم على مراكمة الإنجازات ولكنها تؤدي في النهاية إلى ثورة مجتمعية وهذا واقع الدول الغربية واليابان، وهي أكثر الدول ثورية نظراً لما حققته الديمقراطية في هذه المجتمعات من مكاسب على شتى الأصعدة مكنتها من أن تتبوأ موقعاً ضمن الدول المتقدمة والمتطورة، في حين أن (الأنظمة) الثورية والانقلابية بدأت ثورية وانتهت محافظة ورجعية لأنها جعلت شعوبها في أدنى درجات التطور وأعلى درجات التخلف.

    إن غياب النموذج – المثال – في الحكم الديمقراطي يمنح للمجتمع إمكانية المحافظة على مقوماته الأساسية من مؤسسات وثقافات وعادات وتقاليد وأعراف وتاريخ، وفي الوقت نفسه إقامة وإرساء آليات ديمقراطية تسمح بالتنوع في ظل الوحدة وتمنح لأكبر عدد ممكن من المواطنين حق تسيير الشؤون العامة وتحديد الاختيارات الكبرى، مع ضمان حقوق الأقليات وعدم تهميشها.

    لا مندوحة إذن من الاعتراف بأن تباين المجتمعات وحرصها على عدم فقدان هويتها وخصوصيتها وفي الوقت نفسه إقامة نظام ديمقراطي لا يتجاهل تلك الهوية وتلك الخصوصية، يجعلنا أمام تعدد في الأنظمة الديمقراطية يساوي عددها عدد من آمن بها "تتعدد الديمقراطيات بتعدد الديمقراطيين". هذه الحقيقة لمسها المختصون بالحياة السياسية والثقافية لدول العالم الثالث وما تشهده هذه الدول من عملية تنمية سياسية، ومن هؤلاء المدير العام السابق لليونسكو فريدريكو مايور الذي قال بوجود مداخل متعددة للديمقراطية لا مدخل واحد، وهي النتيجة التي استقاها من خلال احتكاكه المباشر وتمنعه بالتجارب الديمقراطية في دول العالم الثالث والفشل الذريع الذي منيت به تجارب ديمقراطية حاولت أن تكون نسخة طبق الأصل من النموذج الغربي.

    فالقول بأن الدول الغربية – أوروبا الغربية وأمريكا الشمالية واليابان – عريقة في الديمقراطية مع تباين طبيعية كل نظام سيجعلنا نتساءل عن ماهية العناصر التي توجد بين مختلف تلك الأنظمة وتمنحها صفة الديمقراطية، إن ما يميز تلك الأنظمة هو اعتراف مؤسساتها بالحرية الفردية والجماعية والحرية الفردية والجماعية لا قبل لها بالوجود ما لم يكن العدد الأكبر قادراً على المشاركة في إيجاد المؤسسات المجتمعية وفي تغييرها .

    إذا كان الأساس الذي يوجد بين مختلف الأنظمة الديمقراطية العريقة هو أن الحكام ينتخبون عن طريق الشعب والشعب يمارس دور الرقابة عليهم ويمكنه تغييرهم إن أخلوا بالتزاماتهم، فأن هذا الأساس يمكن تكييفه حسب خصوصية كل مجتمع سواء من حيث قواعد الانتخاب أو من حيث إمكانات المراقبة والمحاسبة أو من حيث توزيع السلط والعلاقة بينها، إلا أن القواعد التي يتم بها تكييف هذا الأساس تشكل ثوابت أو مرجعية متفقاً عليها من قبل كل الفرقاء، ونعني بهذه الثوابت أو المرجعة نظام الحكم: ملكي أو جمهوري، خاضع لمبادئ الليبرالية أو الاشتراكية، نظام حزبي ثنائي أو تعددي..هذه تشكل ثوابت أساسية لا تكون محل نقاش أو مساومة، في حيث تبقى هناك ثوابت تأتي في الدرجة الثانية بعد الثوابت التي رأينا، وهي تتشكل غالباً من الاختيارات الكبرى التي يتم التوافق أو التراضي حولها بين مختلف الفرقاء، والتي يمكن أن تخضع لتعديلات ظرفية أو اضطرارية.

    إن أي مس بمقومات وبثوابت النظام القائم على أسس ديمقراطية يتم بطرق غير ديمقراطية، ينزع عنه الصفة الديمقراطية، وأن أي عمل يتم خارج تلك الثوابت يكون عملاً خارج الشرعية وبالتالي يهدد النظام بالاختلال وعدم الاستمرارية، وهو ما لا يتلاءم مع طبيعة النظام الديمقراطي، لأن الديمقراطية تتوفر على آليات لتصحيح أخطائها وتطوير ذاته وما جرى في النمسا في الانتخابات الأخيرة – فبراير 2000 – يعد مؤشراً على ما سبق قوله

    ما عرفته النمسا وفلسطين يعد مؤشراً على تحولات تعرفها الديمقراطية مفهوماً وممارسة يجب أن لا يخطئها أحد وخصوصاً في الدول المزمعة الأخذ بنهج الديمقراطية، مؤشر يحتاج إلى مقاربة جديدة للديمقراطية تأخذ بعين الاعتبار ما كان غير وارد كمكون من مكونات الديمقراطية وهو البعد الدولي أو العالم الخارجي كمحدد في رسم السياسات الوطنية.

    فما حدث في النمسا بداية عام 2002 ،هو أن الشعب النمساوي وفي إطار ممارسته لحقه في حكم نفسه حسب آليات الممارسة الديمقراطية الغربية الأصلية أعطى نسبة 27 في المائة من الأصوات لحزب الحرية اليميني بزعامة يورغ هايدر مما جعل لا خيار أمام مستشار النمسا من إعطاء الضوء الأخضر لتشكيل حكومة ائتلافية يشارك فيها حزب الحرية حسب مقتضيات الدستور، ولكن الصهيونية العالمية والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية تحركوا بقوة مهددين باتخاذ عقوبات ضد النمسا إذ ما شارك حزب الحرية في الحكومة، وبالفعل نفذت العقوبات بعد قيام الحكومة الائتلافية.

    القراءة العابرة والمبنية على موقف مسبق من إسرائيل والغرب سيفسر الأمر بأنه شكل من أشكال السيطرة والتأثير الصهيوني على سياسات الدول من حيث محاولة الصهيونية العالمية اعتبار معاداة السامية شرطاً نافياً للديمقراطية ومتناقضاً معها، هذا التفسير صحيح ولا شك ولكن نسبياً، لأنه من المعروف أن ليورغ هايدر مواقف وتصريحات وطنية متطرفة، ومن يتطرف وطنياً يصاب أحياناً بمرض معادة الأجانب بشكل عام مما يجعله يلتقي في بعض الأمور مع طروحات النازية، كما أن هايدر وحزبه لا يخفيان الاستياء من الممارسات الصهيونية ومواصلة إسرائيل ابتزاز النمسا وأوروبا بذريعة التكفير عما فعله هتلر بالهيود. إلا أن هذه القراءة للحدث تبقى ناقصة ولا تفسر الأمر بالشكل الذي يضعه في سياق التحولات العالمية لما بعد الثنائية القطبية، واستحقاقات العولمة الثقافية، وتحديداً في سياق التحولات التي بدأت تطرأ على الديمقراطية فكراً وممارسة.
    نفس الأمر حدث في مناطق السلطة ،فضمن استحقاقات اتفاقية أوسلو تمت الدعوة لإجراء انتخابات في مناطق السلطة ،وبالفعل جرت انتخابات رئاسية وبرلمانية عام 1996 بأشراف مراقبين دوليين وتحت متابعة دقيقة من الولايات المتحدة،وحصل ياسر عرفات رئيس السلطة الفلسطينية على أغلبية الأصوات ،وبارك العالم هذه الانتخابات وتعاملت الولايات المتحدة مع الرئيس أبو عمار كرئيس منتخب وتم استقباله على هذا الأساس في البيت الأبيض أربعة عشر مرة ،ولكن عندما رفض أبو عمار الخضوع للشروط الأمريكية والإسرائيلية للتسوية ،تمت محاصرته وعزله ورفضت الولايات المتحدة التعامل معه بل شككت في شرعيته السياسية ،وهذا يطرح تساؤلات حول مصداقية الولايات المتحدة عندما تتحدث عن الديمقراطية ،وتساؤلات حول دور العوامل الخارجية في التحولات والممارسة الديمقراطية الداخلية .
    لقرون والديمقراطية فكراً وممارسة تُعرف وتُمارس كنظام حكم يقوم بمقتضاه المحكومون – الشعب – باختيار الحكام بحرية، وبالرغم من كل ما عرفته الديمقراطية فكر وممارسة من تنقيحات وتطورات ومن بعض الخصوصيات حسب ظروف المكان والزمان، إلا أنها بقيت أمينة على جوهرها ، تجسيد إرادة الأمة، وإرادة الأمة تتموقع سياسياً ونظامياً عندما يختار الشعب حكامه بحرية دون أي تدخل أو ضغط. والحرية المتضمنة في الديمقراطية ليست فقط حرية المواطنين كأفراد في اختيار الحكام وفي مراقبتهم ومحاسبتهم، بل تعني أيضاً حرية الأمة بكاملها في اختيار حكامها ونظامها السياسي، وهذه الحرية الأخيرة نصت عليها المواثيق الدولية التي اعتبرتها ركن أساسي من أركان مبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها.

    لا شك أن مبدأ الحرية المتضمن في الديمقراطية لا يعني الحرية المطلقة التي هي رديف لشريعة الغاب أو الفوضى، بل هي الحرية التي تقوم على ثوابت وأسس وهي المرجعية التي منها تُستمد الحرية وتُمارس، ومنها تسن القوانين وتقام المؤسسات، إلا أن هذه الثوابت أو المرجعيات يضعها الشعب من خلال مؤسساته ودساتيره ويغيرها متى تقتضي الضرورة، وتأسيس المرجعيات ومراجعتها أو تعديلها يتم أيضاً بالطرق الديمقراطية وعبر تاريخ الديمقراطية وهي نظام حكم لا يخضع إلا لمحددات وطنية، وكان أي تدخل خارجي أو ضغط للتأثير على حرية الشعب في اختيار حكامه يعد تدخلاً خارجياً يستحق الإدانة والشجب.

    لا غرو إذن أن الغرب كان لعقود وهو يتعايش مع نظم غير ديمقراطية: شيوعية كانت أو عسكرية أو دكتاتورية، حيث كان يعتبر طبيعة نظام الحكم هو شأن داخلي لكل دولة وأمر من أمور السيادة، وذروة ما كان يفعله هو التحرك محتجاً إذا حدث ما يعتبره انتهاكاً صارخاً لحقوق الإنسان، وحتى في هذه الحالة كانت المصالح تلعب دوراً في تحديد مفهوم الانتهاك الصارخ لحقوق الإنسان. لا شك أن الدول الغربية حاولت منذ بداية الحرب الباردة وظهور فكرة الوحدة الأوروبية ومباشرة صيرورتها واقعاً، أن توجد معايير أو قيم مشتركة ما بين القوى السياسية التي تتقاسم فضاء التنظير والممارسة السياسية. حدث هذا على مستوى البلد الواحد، في ألمانيا الغربية في منتصف الخمسينات وفي الولايات المتحدة في العهد المكارثي، حيث تم حظر أو التضييق على الأحزاب الشيوعية واليسارية المتطرفة باسم الحفاظ على قيم المجتمع الليبرالي، كما حدث على مستوى دول الحلف الأطلسي كمجموعة عندما تكتلت دول الحلف لمواجهة ما سمته أممية الإرهاب وخطر المد الشيوعي المهدد للديمقراطيات الغربية أو العالم الحر، إلا ان هذه السياسات كانت محدودة وتجد كثيراً من التحديات.

    لم يكن سقوط نظام الثنائية القطبية مجرد سقوط لقوة الاتحاد السوفييتي العسكرية التي كانت تواجه قوة حلف الأطلسي، بل كان أيضاً سقوطاً لخطوط دفاعية ومقاومات ذات طبيعة فكرية وسياسية وقانونية كانت تحول دون أن تصبح الديمقراطية بنموذجها الغربي نظاماً عالمياً. لقد شرع سقوط المعسكر الاشتراكي وتوابعه الباب نحو العولمة بكل أبعادها بما فيها الثقافية والسياسية، وكان نشر الديمقراطية بثوابتها الغربية على رأس فتوحات العولمة كثيرة كانت مؤشرات عولمة الديمقراطية الغربية، منها تزايد حالات التدخل الإنساني، واستعمال المؤسسات المالية الدولية كأداة ترهيب وترغيب على الدول لفرض قيم الغرب السياسية والاقتصادية، وحصار ومعاقبة الدول التي ترى الدول الغربية وخصوصاً الولايات المتحدة أنها تخرج عن قواعد الممارسة الديمقراطية.

    انتصار الغرب – نصر دون حرب – على المعسكر الاشتراكي أعطاه الحق لأن يصيغ قيم وثوابت لديمقراطية أرادها أن تسود العالم، قيم وثوابت تنبع من قيم الغرب ذاته وما يتفق مع مصالحه، كما أن هذا الانتصار أعطاه الحق بالتدخل إذا ما حاد نظام ما عن هذه الثوابت حتى وإن كان نظاماً ديمقراطياً بالمفهوم "التقليدي" – ونحن هنا نقصد بالتقليدي ما قبل انهيار المعسكر الاشتراكي – أي حتى وأن كان الشعب هو الذي انتخب حكامه. هكذا أصبحت العلمانية من ثوابت الديمقراطية، وإذا ما انتخب الناس بطرائق الديمقراطية أناساً غير علمانيين – كما جرى في الجزائر وفي تركيا – فالأولوية وبالتالي الغلبة يجب أن تكون لثوابت ديمقراطية/ العولمة على ديمقراطية/ إرادة الأمة، نفس الأمر مع المفاهيم الغربية الأخرى مثل معاداة السامية وحقوق الإنسان والإرهاب، كل هذه المفاهيم أصبحت لها صياغات ودلالات غربية تشكل جزءاً من ثوابت الديمقراطية، وانتهاكها يعطي للغرب وخصوصاً زعيمة النظام الدولي الجديد الحق بالتدخل.

    إن ما جرى في النمسا وفلسطين والعراق، إنما هو مؤشر على صيرورة المحددات الخارجية مكوناً رئيسياً من مكوناتها، فالديمقراطية لم تعد مجرد نظام حكم، مبدأه إرادة الأمة وحق المحكومين باختيار حكامهم، بل أصبحت نظاماً كونياً يتطلب تطبيقه محلياً تطويع المحددات الداخلية للمحددات الدولية وخصوصا في الدول الضعيفة، وإذا جرى ما جرى للنمسا الدولة الأوروبية الغربية، فماذا سيكون حال الديمقراطيات في دول العالم الثالث وفي مجتمعاتنا العربية على وجهه التحديد؟.

    قبل الإجابة على هذا السؤال نثير إشكالية تطرح في كثير من الحالات عند التحول الديمقراطي، وهي: ألا يمكن للعنف الشعبي أن يكون الحاضنة التي منها ينطلق المسلسل الديمقراطي وبالتالي جزء من النظرية الديمقراطية؟ بمعنى إذا كان النظام القائم لا يؤمن بالديمقراطية ويمانع كل تحول ديمقراطي ويقاوم كل تغيير ألا تصبح عملية إسقاط النظام القائم بالعنف الشعبي والمسلح أمراً لا مندوحة عنه؟. وبالتالي يصبح العنف الشعبي أو الثورة مدخلاً للديمقراطية؟. لا توجد إجابة قاطعة في الموضوع ولا تسعفنا التجارب التاريخية في تأكيد وجود تلازم بين النهجين، ذلك أن الثورات التي عرفتها المجتمعات الغربية كالثورة الفرنسية والثورة الإنجليزية والثورة الأمريكية لم تكن على نفس الدرجة في فتحها الأبواب أمام التحول الديمقراطي، وإن كان بشكل عام فإن هذه الثورات بما جاءت به من قيم المساواة والحرية خدمت الديمقراطية ولو بعد حين، بل يمكننا القول إن هذه الثورات وكل إشكال العصيان والإضرابات العمالية هي جزء من بناء صرح الديمقراطية مادامت تعبر عن مطالب شريحة واسعة من الناس ولا تتناقض في مبادئها وأهدافها مع الديمقراطية. ومع ذلك فإن النظرية الديمقراطية التقليدية لا تؤمن إلا بالعمل السلمي وتقصي العنف من مجال اهتماماتها.

    ولكن الموضوع يثار بالنسبة لدول العالم الثالث فهذه المجتمعات لم تعرف تطوراً طبيعياً، وأن تحديث المجتمع يواجه أحياناً بمعوقات تفرض عملاً عنيفاً لأزالتها، ومن هنا نلمس تعدد الثورات والانقلابات وأعمال العنف السياسي التي كثيراً ما تأخذ طابعاً قبلياً أو دينياً، وكلها تزعم أنها تقوم باسم الشعب ولمصلحته؟. وعليه يمكن القول أن من الممكن أن تكون الثورة أو الانقلاب العسكري مدخلاً للديمقراطية إذا كان قادة الثورة أو الانقلاب يؤمنون بها، ومستعدين للتخلي عن الحكم بعد إسقاط النظام السابق المرفوض شعبياً . ولكن شرط الاعتراف بالثورة كمدخل للتحول الديمقراطي ، أن تكون ثورة وطنية وليس مجرد انقلاب مدعوم بقوى خارجية، وأمامنا نموذج أفغانستان ثم العراق ، حيث بررت الولايات المتحدة حربها في هذين البلدين ، بمحاربة الإرهاب والقضاء على أنظمة مستبدة وغير ديمقراطية ، وأن هدفها هو إقامة أنظمة ديمقراطية ،ووجدت الولايات المتحدة دعما من قوى المعارضة في هذين البلدين الذين برروا مساندتهم للحرب ضد بلدانهم ، بان الحرب هي الطريق الوحيد للقضاء على الاستبداد وإقامة الديمقراطية . ولكن أثبتت الأيام أن أمريكا غير حريصة على مصلحة الشعوب وغير معنية بإقامة أنظمة ديمقراطية بقدر اهتمامها بمصالحها في تلك البلدان .
    والحالة الفلسطينية المشار إليها سابقا نموذج أخر ، فقد جاء أبو عمار كرئيس للسلطة الوطنية الفلسطينية عبر انتخابات ديمقراطية أشرف عليها مراقبون من الولايات المتحدة وأوروبا ودول أخرى، إلا أن هذا الرئيس المنتخب تمت محاصرته داخل وطنه من قِبل إسرائيل ومحاربته سياسيا من الولايات المتحدة التي رفضت التعامل معه ،وهذا يطرح تساؤلا عميقا وهو : ما معنى الديمقراطية إن لم يكن حرية الشعب في اختيار حكامه ، وحرية الرئيس المنتخب في قيادة شعبة بطريقة ديمقراطية لما فيه مصلحة الشعب ، حتى وإن تناقضت هذه المصلحة مع مصالح الدول الأخرى، لأن السياسة هي صراع مصالح ؟.ولكن خصوصية الحالة الفلسطينية تكمن في أن القضية تمر بمنعطف وحالة من عدم الوضوح من جانب، ما بين مرحلة التحرير وما تتطلبه من مناهج تفكير وآليات ممارسة ، ومع مرحلة الدولة وما تتطلبه من مؤسسات ديمقراطية ومناهج للتفكير وأساليب للممارسة ،غير تلك المعروفة في مرحلة الثورة .وبشكل أخر هل يمكن تعايش عقلية الثورة بما تتطلبه من حكم الزعيم الأوحد ومن عمليات مقاومة مسلحة قد تصل لمرحلة القيام بعمليات استشهادية ، مع عقلية واستحقاقات الديمقراطية في عصر العولمة والهيمنة الأمريكية ؟

    غياب نموذج مثالي للحكم الديمقراطي وصعوبة إعطاء تعريف محدد ودقيق للديمقراطية وكذا لاعتبارها مجموعة من المبادئ والقواعد، يجعلنا نتوصل إلى خلاصة مفادها أن الديمقراطية ليست إلا أقل الأنظمة سوءا "كما قال تشرشل" وهذا ما يمكن فهمه من خلال المقارنة التي نقيمها مع الأنظمة النقيض، أي الأنظمة الاستبدادية والتسلطية الديكتاتوية، بل إن عملية تحديد مدلول النظم الديمقراطية قد يتم من خلال الأنظمة النقيض.
    فإذا كان الفكر السياسي قد ظل يبحث عن تصور شامل للديمقراطية وأن هذا التصور قد اصطدم بواقع المجتمعات فإن صعوبة التماثل بين النظرية الديمقراطية والتطبيق الديمقراطي يجعل هذا الأخير يبتعد عن أن يكون نظاماً مثالياً للحكم ويبقى بالتالي أقل الأنظمة سوءا كما رأينا، وهذا الأمر لا يقتصر على الديمقراطية فقط بل يهم كل المثل والقيم السامية بما فيها الديانات، فما بين المثال والواقع فجوة، وهو أمر إيجابي لأن وجود هذه الفجوة يشعر الإنسان بوجود نقص مما يجعله دائم العمل على ملئ الفجوة وإتمام النقص وهو ما لا يتم، وبالتالي تصبح الحياة سعي متواصل نحو الكمال، وحيث أن الكمال لله وحده، فالحياة تبقى نضال متواصل إلى أن يرث الله الأرض وما عليها.

    وقبل الانتقال إلى محطة أخرى من هذا البحث لابد من إثارة موضوع لا يقل أهمية عما سبق، وهو أن كثيراً من المعجبين بالديمقراطية من شعوب العالم الثالث لم ينبهروا بها لأنها مجرد نظام حكم سياسي يتيح من الحرية أكثر من غيره من الأنظمة، إن الإعجاب بالديمقراطية الغربية تداخل فيه السياسي مع الاقتصادي مع العلمي، وكثير من المعجبين بالديمقراطية الغربية لم يروا فيها الجانب السياسي فقط بل رأوا أكثر من ذلك وأهم وهو الرفاهية التي يعيشها الإنسان الغربي والمستوى الثقافي المرتفع، أو بمعنى آخر أنهم لم ينبهروا بالنظرية بل بما ينسب إليها من منجزات.

    لقد اعتقد البعض أن الديمقراطية هي التي تجلب تلقائياً الرفاهية والثقافة والعلم والتحضر. مما لا شكل فيه أن من خصائص الديمقراطية في الغرب ومما ساعد على نجاحها هو أنها تصاحبت مع ثورات صناعية ودينية وعلمية وأيضا مع استعمار نهب خيرات دول العالم الثالثً، مما ولد اعتقاداً بتلازم هذه الأمور، فيما الواقع يقول بأن الديمقراطية بما هي الوسيلة لإيصال الأفضل من الشعب لسدة الحكم قد تساعد على خلق شروط الإقلاع الاقتصادي وتحديث بنيات المجتمع، ولكن يجب تبديد الوهم بأنها البلسم الشافي الذي سيحل كل مشاكل التخلف بمجرد اتخاذ قرار التحول الديمقراطي.

    لقد أبانت حالات معاصرة بأن الديمقراطية ليست مطلباً ملحاً عند بعض الشعوب، لا عند الحكام ولا عند المحكومين، وهذا يظهر في الدول الغنية النفطية مثلاً، فحالة الرفاهية التي تعيشها هذه المجتمعات جعلتها تقصي من سلم اهتمامها الديمقراطية وهموم المشاركة السياسية. ومن جهة أخرى أبانت تجربة الاتحاد السوفيتي والصين أن التقدم العلمي والتكنولوجي يمكنه أن يتحقق بدون ديمقراطية. أما بالنسبة لعلاقة العلمانية بالديمقراطية فلا نعتقد أن من الصحيح القول بتناقض الدين مع الديمقراطية، وما جرى في الغرب المسيحي خلال القرون الوسطى من تصادم عنيف ما بين الديني والدنيوي لا يعود إلى أن المسيحية كديانة كانت متناقضة مع النهضة والديمقراطية، بل الخلل كان في ممارسات لرجال دين فسروا المسيحية بما يخدم مصالحهم كطبقة . وواقع الكيان الصهيوني اليوم يعطينا دليلاً على ما نذهب إليه، فهذا الكيان هو من أكثر أنظمة العالم أصولية وتطرفاً دينياً، هو الدولة الوحيدة التي تعطي جنسيتها على أساس الدين، ومع ذلك فاليهودية تتعايش مع تجربة ديمقراطية متميزة. واليابان تعطينا نموذجاً لتجربة ديمقراطية كيفت مبادئ الديمقراطية مع الثقافة اليابانية، فالديمقراطية والتحديث لم يلغيا الخصوصية الثقافية بل على العكس أخضعها لها.

    المطلب الثاني :الإسلام والديمقراطية
    كثيرة هي المصطلحات التي يعج بها الخطاب السياسي العربي وتتخبط بها ومعها الممارسة السياسية ، مصطلحات تتردد كل يوم وتشكل حيزاً كبيراً من هذا الخطاب، ولكن دون أن تكون متأصلة لا في ثقافتنا ولا في وعينا السياسي، مصطلحات أقحمت إقحاماً وجاءت مستوردة مثلها مثل ما استوردنا من أيديولوجيات ونظريات وسلع وعلوم وتكنولوجيا، ومن هذه المصطلحات المجتمع المدني وحقوق الإنسان والديمقراطية ودولة الحق والقانون الخ.

    ليس العيب في هذه المصطلحات وما تحيل إليه من دلالات وما تنتمي إليه من منظومات فكرية أو نظم سياسية، بل العيب في مَن يستورد هذه المصطلحات ويتعامل معها، وكأنها سلع قابلة للاستيراد والتصدير وأنها صالحة لكل زمان ومكان، دون محاولة لإعمال العقل لتبيئة هذه المصطلحات والمنظومات الفكرية التي تحيل إليها لتصبح مناسبة للخصوصيات التاريخية والموضوعية بما فيها الثقافية للمجتمع المستورد لها.

    لا شك أن كثيرين يقولون بعالمية الفكر وعالمية القيم والنظم السياسية مادام ثبتت صلاحيتها ونجاحها في الدول المتقدمة، وبالتالي يقولون إن لحقوق الإنسان والمجتمع المدني والديمقراطية الخ، تعريفاً واحداً وإن ممارستها يجب أن تكون واحدة في جميع البلدان ونموذجها المثالي هو النموذج الغربي ، وهؤلاء يؤولون المقاربات التي تتحدث عن خصوصيات ثقافية ومجتمعية تبرر تعدد المفاهيم وتعدد الممارسات بالنسبة للمصطلحات المشار إليها وما شابهها، بأنها محاولة لإفراغ هذه النظريات من دلالتها الحقيقية، وبالتالي التهرب من دفع استحقاقاتها. هذا القول لا يخلو من صحة في حالة واحدة وهي توفر عنصر سوء النية عند من يتعامل مع هذه النظريات من مستورديها بحيث يسعى هؤلاء لتوظيف هذه القيم والمبادئ إلى أيديولوجيا يخدرون بها الجماهير ويسحبون بها البساط من تحت أقدام دعاة التقدم والتحديث السياسي والحقيقيين . إلا أنه من حيث المبدأ ومما هو علمي من منظور علم الاجتماع السياسي أن أية نظرية سياسية وأي مصطلح أو مفهوم سياسي، وأي فكر سياسي بشكل عام، لا يأخذ مصداقيته ولا يصبح علمياً إلا لأنه وليد بيئة اجتماعية وثقافية محددة ومعبر عنها في نفس الوقت، إنه نتاج لشروط تاريخية وموضوعية، وتغير هذه الشروط يفقد الفكر وما يرتبط به من ممارسة علميته وبالتالي عالميته، لأنه يتحول إلى فكر منفصل عن الواقع.
    ومن هذه المصطحات التي استوردناها، الديمقراطية و ما صاحب تطبيقها المرتجل أحيانا في البلدان الإسلامية من إرباك وتخبط. فقد تباينت المواقف حول العلاقة ما بين الديمقراطية والإسلام ،فمن قائل أن الإسلام يتناقض مع الديمقراطية ، لان المرجعية في الإسلام بالنسبة للتشريع ولضبط السلوك الاجتماعي والسياسي هو القرآن والسنة ، وبعدهم القياس والاجتهاد، أما المرجعية في التشريع وتنظيم أمور الشعب في الديمقراطية فهي الدستور وما تتفق عليه الأغلبية ، ومن قائل أن لا تناقض بين الديمقراطية والإسلام لأن الإسلام نص على الشورى ، والشورى هي الديمقراطية في رأيهم .هذا التباين لم يخلق حالة استقطاب حاد ما بين الطرفين ، حيث تباينت الأنظمة والجماعات الإسلامية في أسلوب تعاملها مع استحقاقات الديمقراطية أو التحدي الديمقراطي .

    ففي عشرينيات القرن العشرين ارتأت تركيا تحت حكم مصطفي كمال أتاتورك أن الإسلام والخلافة الإسلامية هما السبب في تخلف تركيا وهزيمتها أمام الدول الغربية المسيحية ، والحل هو إقامة نظام علماني يفصل ما بين الدين والدولة ويهمش من دور الإسلام في الشأن العام ، وما زالت تركيا دولة علمانية وديمقراطية تحصر الإسلام في أضيق الحدود . وقد حاولت تونس في عهد أبو رقيبة السير على النموذج التركي ، وتمكنت من تهميش دور الإسلام والجماعات الإسلامية ، ولكنها لم تتمكن حتى اليوم من إنجاح مسلسل الانتقال الديمقراطي ، ودول إسلامية أخرى اتخذت موقفا وسطا فهي تعلن أن الإسلام هو دين الدولة وهو المصدر الرئيس في التشريع ، ولكنها في نفس الوقت تضيق على الجماعات الإسلامية المتشددة وتفسح المجال لحرية الرأي والمعتقد ، وتسمح بالتعددية الحزبية والسياسية وبانتخاب ممثلي الأمة وتوسع من مجال التشريع دون المسح بمدونة الأحوال الشخصية ، أي أن النخبة الحاكمة تأخذ بالعلمانية دون التصريح بذلك، وتوظف الدين في نفس الوقت للتعامل مع كتلة شعبية متدينة غير مهيأة لتقبل ثقافة الديمقراطية، ومن أمثلة هذه الدول المغرب ومصر والأردن والكويت وباكستان .أما دول أخرى فحكامها ونخبتها وغالبية شعبها، غير متقبلين للديمقراطية ،ثقافة وممارسة ، وبالتالي تطبق نظاما سياسيا تُوهم الناس انه امتداد لنظام الخلافة أو تطبيقا لنظام الحكم في الإسلام ، وعليه تمنع التعددية الحزبية والسياسية ، ولا تسمح بالانتخابات أو بتشكيل نقابات ، وتضيق على حرية المراة وحرية التعبير ، وتؤكد على أن القرآن والسنة هما مصدر التشريع ، ومن هذه الدول السعودية وبعض دول الخليج .فيما تمر إيران بتجربة فريدة تحاول فيها التوفيق ما بين الدولة الدينية التي وضع أسسها الخميني وضرورات الانفتاح على الديمقراطية وقيم العصر ، التي يدعوا غليها التيار الإصلاحي. وفوق كل ذلك تأتي جماعات الإسلام السياسي بكل مشاربها لتزيد من حالة الإرباك في الحقل السياسي عند المسلمين ، فجماعات تكفر المجتمع والنظام ، وأخرى تمارس الجهاد ضد كل من يعارضها الرأي ، وثالثة تلجأ إلى التقية ، ورابعة تتصالح مع النظام إن خدم مصالحها وتحاربه إن وقف في وجها ، وخامسة تشارك في الانتخابات وفي السلطة ، وسادسة ترفض الانتخابات وتقبل بشرعية النظام القائم ..الخ.
    إن إشكال العلاقة ما بين الإسلام والديمقراطية هو امتداد لإشكال نظام الحكم في الإسلام ، فما سبق أن تطرقنا إليه حول عدم الاتفاق على وجود نظرية أو إجماع حول نظام الحكم في الإسلام هو الذي أفسح المجال بعد أكثر من ألف و أربعمائة سنة من نزول الرسالة المحمدية ، لتفجر الصراع حول علاقة الديني بالدنيوي ولطرح السؤال مجددا لِمَن الحكم ؟. وكون أن الأمر لم يحسم سابقا فلا نعتقد أنه غير قابل للحل لو تم تحكيم العقل والمصلحة الوطنية، فلا تناقض بين الإسلام والديمقراطية ، لو فهم المسلمون بشكل جيد الإسلام وبشكل جيد الديمقراطية .
    إن مرجع الخلل في رأينا ليس في الديمقراطية بحد ذلتها ولا في النص الديني من حيث عدم تنصيصه على الديمقراطية والانتخابات، الخ، لان النص الديني كان يخاطب مجتمعا محددا وبلغة ومفاهيم وأمثلة من واقع حياته. فالنص، كلغة ومفردات، كان خاصا بالمجتمع العربي الإسلامي آنذاك، أما الإسلام كروح وكقيم فهو لكل زمان ومكان. فتطبيق الإسلام اليوم لا يعني بالضرورة إخضاع الواقع لنص محدد، بل استلهام روح الإسلام من النصوص، لما فيه خدمة الإنسان والمجتمع. وعندما نقول استلهام أو تأويل النص، فهذا يعني وضع نصوص وقوانين وضعية تستجيب لمتطلبات الحياة والعصر بما لا يتناقض مع روح الإسلام.وهذا الفهم لعلاقة التشريع بالنص المقدس ، سبق وان أشار إليه أبن قيم الجوزية (1293-1350) الذي فهم قول الشافعي "لا سياسة إلا ما وافق الشرع " على انه يعني لا سياسة إلا ما وافق الشرع ولم يعارضه ، أما أن يفهم أنه لا سياسة إلا ما نطق به الشرع فغلط وتغليط للصحابة في رأيه.1
    رفض وضع قوانين بشرية تنظم حياة الناس في مختلف مجالات الحياة، والتشبث والتقييد بالنص القرآني والحديث النبوي، من دون مرونة في التعامل، يعني إحدى فرضيتين: الأولى هي أن النص الديني، قرآنا وحديثا، يتوفر على إجابات حول مشاكل ومستجدات العصر، وإنه يشمل إجابة مباشرة على كل صغيرة وكبيرة في كل ما يتعلق بحياة الناس . هذا يعني أنه يمكننا أن ــ نجد في النص المقدس،ـ قرآنا وسنة ـ نصوصا حول العلاقات الدولية المعاصرة، ونظرية الدولة والاقتصاد والتأمين والشركات، وحبوب منع الحمل، وأطفال الأنابيب، والذرة، والاستنساخ... الخ، وهذا شيء غير موجود في النص الديني، ولا يمكنه أن يكون لأن النص الديني المقدس، سيبدو في نظر المسلمين الأوائل، غريبا وغير مفهوم، يتحدث عن أمور غريبة عنهم وغير مفهومة. والفرضية الثانية : هي القول بأن الله، جلت قدرته، لم يكن يدري ما سيطرأ على العالم من تحولات وما سيواجه من مشاكل وما سيستجد من نظم واكتشافات، وعليه، فإن هذه الأمور مرفوضة ويجب تجاهلها!. لا شك في أن الفرضيتين مرفوضتان. إذا، الشيء الأقرب إلى المنطق، وإلى حقيقة النص الديني هو القول بأنه يعود إلى الناس تأويل النص الديني والتعامل معه بيسر ووضع هذه التأويلات والتفسيرات في قوانين وضعية تجيب عن مشاكل العصر، وبما لا يجعلها تتناقض مع روح الإسلام ومبادئه السامية، بمعنى أن القوانين الوضعية -في السياسة والاقتصاد والاجتماع والعلوم الخ- تدخل في باب الاجتهاد في أمور مستجدة، وهذا يتفق مع قول الرسول صلى الله عليه وسلم : "أنتم أدرى بشؤون دنياكم".1

    إذا، فالقول بان الإسلام يتعارض مع الديمقراطية ،ليس من الإسلام بشيء ولكنه تأويل أو قراءة للنص المقدس من أشخاص أو جماعات يزعمون هذا التناقض ، لأن الديمقراطية الحقيقية ستضع السلطة بيد الشعب، فيما تنصيب هؤلاء لأنفسهم أمراء على المسلمين وقادة جماعات إسلامية أو أنظمة تدعي الإسلام ، يسهل عليهم احتكار السلطة . ونعتقد أنه مما يخدم الإسلام، هو التعامل بمرونة مع مقولة إعجاز النص القرآني، بدلا من تحويل النص المقدس إلى لغز وقيد على العقل، وحاجز أمام التطور والإبداع. فالقول بأعجاز النص القرآني- وبالتالي كل ما هو غير منصوص عليه يعد بعيدا عن الإسلام - كان ذا هدف معين عند نزول القرآن، وبالنسبة إلى أناس ومجتمعات محددة، لها لغتها وأوضاعها الخاصة.أما اليوم، في عالم متغير، وظروف مجتمعات ولغات وثقافات متباينة، فان التمسك بالفهم الجامد لإعجاز القرآن كلغة وتعبيرات، قد يسيء إلى الإسلام أكثر مما يفيده، التقييد بأعجاز النص، قد يقنع البعض من أصحاب اللغة العربية، ولكنه لا يستطيع إقناع أناس من لغات وثقافات أخرى، أما التركيز على روح الإسلام وقيمة الخلاقة فأنه أكثر قدرة على الإقناع لأنه يتعامل مع الإسلام كقيم وتربية حسنة، ويبعد عنه ما يلحق به من تعصب وانغلاق وتخلف، ويجعله قابلا لاستيعاب الأمور المستجدة ويفتح الباب واسعا للاجتهاد والتأويل أمام ذوي الاختصاصات في الأمور المستجدة، ويجعله قابلا للفهم من كل ثقافات العالم ، وبالتالي يفسح المجال لتقبل مبادئ الديمقراطية وكل فكر جديد يخدم الناس دون أن يمس بعقيدتهم.

    إن اقتران الديمقراطية بالعلمانية في الغرب ، كان وراء الحذر من الديمقراطية والعلمانية معا ، ويبدو أن ثقافة الاستبداد وانغلاق العالم الإسلامي على نفسه بالإضافة إلى هيمنة الإسلام المنغلق طوال قرون من الزمن ، هو ما جعل الناس يعتقدون أن العلمانية رديف الإلحاد وأن الديمقراطية تتناقض مع الإسلام. علمانية الغرب أعادت النظر ليس في الدين بحد ذاته، ولكن في وضع الدين في المجتمع ووظيفته وعلاقته بالمجالات الحياتية الأخرى. كما أن الديمقراطية أعادت إلى الإنسان إنسانيته وخلقت المواطن الذي يعرف حقوقه وواجباته، وحددت علاقة الحاكمين بالمحكومين وأبرزت مفهوم إرادة الأمة وحقها في الثورة وفي تغيير حكامها، وجردت هؤلاء الأخيرين من حق احتكار الديني والمقدس أو التحدث باسم الإله، أي أنها أسقطت الشرعية الدينية عن الحكام.

    لاشك في أن الدين، كعنصر استقطاب وتميز عن الآخر، وكقيم أخلاقية وروحية، قد لعب عبر التاريخ دورا مفصليا في معارك الشعوب ضد أعدائها وفي استنهاض الهمم وشحنها. إلا أن هذا الدور للدين ما كان يمكن أن يكون لولا وجود قيادة عاقلة تُحْسِن توظيف الدين في هذا المجال، ولولا وجود مجتمع نشط ومبدع وفاعل، ووجود مثقفين وعلماء ليسوا أدوات في يد السلطة السياسية، أي لولا توافر شروط موضوعية -سياسية اقتصادية اجتماعية- تهيئ المناخ المناسب للدين ليلعب هذا الدور. فالفرق بين مسيحية أوروبا في عصر الظلمات ومسيحيتها في عصر الأنوار، ليس اكتشاف كتاب مقدس جديد أو نص ديني غاب عن الأولين، وليس في تخلي أوروبا في عصر الأنوار وما بعد عن الكتاب المقدس، ولكن الفرق يكمن في تغيير العقليات، وفي ظهور طبقات ونخبات جديدة، تمردت على احتكار الدين من قبل البعض، وتمردت على تجهيل المجتمع باسم الدين، وطرحت تأويلا جديدا للدين ودوره في المجتمع. والأمر نفسه بالنسبة إلى الحضارة العربية الإسلامية. ففي ظل الإسلام -قرآن وسنة- شيد المسلمون حضارة من أعرق الحضارات، وفي ظل الإسلام نفسه -قرآن وسنة- وصل العرب والمسلمون إلى الحضيض. فالخلل إذا، ليس في القرآن والسنة، ولكن في البشر المتعاملين معهما. الخلل في نظم وقيادات ومؤسسات ومثقفين، الخلل أن أشخاصا محددين احتكروا (السر الإلهي) ووظفوا الدين ليس في خدمة الرب ولا في خدمة البشرية ولا في خدمة شعوبهم أو غالبيتها، لكن في خدمة مصالح شخصية وفئوية ضيقة.

    إن كل أتباع الديانات الأخرى، سماوية أو غير سماوية، والتي قد تكون أقل شأنا من الإسلام، لم ينتظروا إذنا من ربهم أو وحيا منه ليأخذوا بالديمقراطية و يطوروا أوضاعهم ويحسنوا شروط حياتهم، ولم يرجعوا نكسة أصابتهم أو أزمة تعرضوا لها إلى إرادة فوق بشرية، بل اعترفوا بأن الخلل فيهم ، في نظمهم وعلاقاتهم ...، وبالتالي تحركوا بمحض إرادتهم وعن قناعة عقلية، وبدافع المصلحة، محيدين الرب من صراعاتهم وعلاقات بعضهم مع بعض، وانطلقوا وهم مؤمنون بأن عملهم على ما فيه خير الدنيا وتحسين ظروف وشروط حياة الإنسان، هو عمل يرضي الرب لان الرب لا يرضي لعباده أن يكونوا إتكاليين وسلبيين ضعفاء، وهم بذلك لم يتخلوا عن دينهم. فلا المسيحيون تخلوا عن مسيحيتهم، ولا البوذيون كفروا ببوذا، ولا اليهود تخلوا عن يهوديتهم، فعندما أصبح هؤلاء أقوياء قويت معهم دياناتهم.

    وحيث إنه لا يعقل أن يكون الله رب العالمين ضد أن يكون عباده أقوياء ومتحضرين، فإن الرب، رب المسلمين والعالمين لابد أن يكون محبذا بل وداعيا إلى كل ما من شأنه رفع راية المؤمنين، بل ومحبذا كسر حاجز الخوف من المحرم المبالغ فيه، وغير المستمد من نصوص واضحة وصريحة في تناول القضايا الدنيوية، حيث أن الخوف من المحرم -المتخيل والمصطنع بل والمؤدلج وليس المحرم الديني الصريح النص - وإضفاء صفة التقديس على أوضاع وأشخاص باسم الإسلام، شيء يتناقض مع جوهر الإسلام ويسيء له أكثر مما ينفعه: أمر يرهب الناس ويبعدهم عن الإسلام بدلا من أن يقربهم إليه.وحيث ثبت بالممارسة أن الديمقراطية أفضل من غيرها من أنظمة الحكم التي عرفتها البشرية بما فيها المجتمعات العربية والإسلامية ، منذ أكثر من خمسمائة سنة ، فما الذي يمنع من الأخذ بها بما يتوافق مع خصوصياتنا؟.

    أم القول بأننا لا نحتاج للديمقراطية لان في الإسلام ما ينوب عنها وهي الشورى ، فهذا قول يحتاج إلى نقاش ، سواء بالمقصود بالشورى ، ومَن يشاور مَن ؟ ومدى إلزامية الشورى ؟ وحتى القول بان الديمقراطية هي الشورى فهذا يعزز قولنا بان الديمقراطية لا تتناقض مع الإسلام أو يمكن أيجاد مساحة للالتقاء والتفاعل بينهم ؟.
    وردت كلمة الشورى في آيتين بالقرآن ، واحدة منها تخاطب الرسول عليه الصلاة والسلام ،" فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فضا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر ، فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين "1 ،ووردت الكلمة في سورة الشورى كما يلي :"والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون "2 .ورود الشورى هنا لا يعني بالضرورة إنها مبدأ سياسي ، ذلك " أن المعنى اللغوي لكلمة شورى مثله مثل سياق الآيتين ، لا يسمح باستنباط تصور دقيق ومفصل عن الحكم كما ينبغي أن يكون من المنظور الإسلامي..."3 .كما أن الشريعة لم تنظم طريقة تطبيق الشورى بل تركت الأمر للمسلمين ليتعاملوا معه حسب الظروف والأحوال .وإذا كان إجماع الفقهاء ذهب للقول بأن على الحاكم مشاورة الأمة في الأمور العامة ، إلا أن علماء المسلمين اختلفوا فيما إذا كان الحاكم ملزم بالأخذ بمشورة جماعة المسلمين أم لا ؟ أيضا اختلفوا في الجماعة التي يشاورهم ولي الأمر ، هل هم أهل الحل والعقد أم عامة الناس ؟ ومن هم أهل الحل والعقد في وقتنا الحاضر ؟.4
    إن أطروحتنا حول الشورى والديمقراطية ، تقوم على أساس إمكانية التوفيق بينهما وجعل هذا التوافق مدخلا لتأسيس نظام سياسي خاص بالدول الإسلامية يوفق ما بين التمسك بروح الإسلام والانفتاح على ما يفيد المسلمين من نظم سياسية واجتماعية واقتصادية ، وذلك بإعمال مبدأ الانتخابات الحرة والنزيهة ، فحيث انه يصعب اليوم تحديد من هم أهل الحل والعقد ،لكثرة عدد السكان وتعقد الظروف الحياتية والعلاقات الدولية ، ،فيمكن لمن ينتخبهم الشعب أن يكونوا هم أهل الحل والعقد ، لان الشعب لا بد وان يختار الأفضل والأصلح ، ولا يمكن لمن تنتخبهم الأغلبية إلا أن يكونوا مع المصلحة العامة وبالتالي مع ما يتوافق مع الإسلام ( ما اجتمعت أمتي على ضلال ). ولكن ضمان استقرار النظام السياسية وضمان عدم تحريف إرادة الأمة بما يتعارض مع مصالحها ومع الإسلام أيضا، كما جرى في التاريخ الإسلامي ، يجب أن يتم انتخاب الحاكم وان تكون الشورى التي تأتيه من المجلس المنتخب ملزمة له .
    إن الديمقراطية الحق والانتخابات النزيهة هما ضمان الحياة الكريمة والحرية بكل أشكالها ، وهما ضمان احترام المعتقدات الدينية للناس ، حكم الأغلبية هو ضمان ثقافة وهوية ودين الأغلبية ، وليس حكم الفرد أو القلة التي تنصب نفسها ناطقة باسم الإسلام والمسلمين دون تفويض من احد . ولكن هذا لا يعني أن ننسخ النموذج الغربي في الديمقراطية ، بل يجب تبيئتها لتتوافق مع ثقافتنا وخصوصيتنا، كما فعلت شعوب أخرى مثل ، اليابان وكوريا الجنوبية وبعض الدول الإفريقية.الديمقراطية لا تعني بالضرورة التغريب ، بل تحديث وحداثة للنظام السياسي .
    وفي الختام لا يسعنا إلا القول: إن أكثر الناس حرصا على الإسلام، هم أكثرهم حرصا على كرامة الإنسان وإنسانيته. فالإسلام ليس عبادة فقط ونصوص تحفظ وتقدس، ولكنه الإنسان أيضا، الذي وُجِد الدين من أجله، فقد جاء الإسلام لينقل البشرية من وضع التردي والعبودية إلى الحياة الكريمة. إن أكثر الناس -أشخاص أو حركات وأحزاب وأنظمة- إسلاما هم أكثرهم احتراما للإنسان وتحقيقا لمصالحه وصونا لحريته والتزاما بالعدالة والحق والإنصاف.

    الفصل الخامس
    نظرية المجتمع المدني
    -المجتمع المدني بين تسلط السلطة
    وحرية الأفراد-


    تشكل مفاهيم ومفردات المجتمع المدني جزءاً من النظرية السياسية الغربية حول الديمقراطية،فهو أداة يوظفها الأفراد لتقييد السلطة ، ومن هنا كانت ولادته في الغرب مصاحبة لتأسيس الديمقراطية.وإن كان من علماء السياسة في الغرب من لا يرى مبررا للفصل ما بين المجتمع المدني والديمقراطية ، أو القول بوجود نظرية خاصة بالمجتمع المدني ، إلا أن خصوصيته وأهميته في الحالة العربية وفي دول العالم الثالث عموما ، هو ما يدفعنا لتخصيص فصل خاص به ، بل واعتبار الإسهامات الفكرية بشأنه أساسا جيدا لنظرية حول المجتمع المدني.


    المبحث الأول
    مقاربة مفاهيمية للمجتمع المدني

    المطلب الأول: في تعريف المجتمع المدني
    لا يسمح المجال بالرجوع إلى البدايات الأولى لظهور المجتمع المدني واقعاً وتداوله مفهوماً وتشكله كنظرية متكاملة، ولكن يمكن الإشارة إلى أن بدايات تداول مفهوم المصطلح المدني كان في الغرب وتحديداً مع منظري العقد الاجتماعي – توماس هوبس وجون لوك وجان جال روسو ومنتسكيو – وفي بداية تداوله مع توماس هوبس كان يعني الدولة، فالمجتمع المدني كان النقيض لمجتمع ما قبل الدولة أي لحياة شريعة الغاب،
    نفس الامر مع لوك حيث لم يكن يميز بين المجتمع المدني والمجتمع السياسي ، فهما واحد وهو نقيض حالة الطبيعة " فكل الذين يؤلفون جماعة واحدة ويعيشون في ظل قانون ثابت وقضاء عادل يلوذون بهم وبوسعهما البت في الخصومات التي تنشأ بينهم ومعاقبة المجرم، فإنما يعيشون في مجتمع مدني ،أما الذين لا ملاذ عام لهم على الأرض فهم ما يزالون في الطور الطبيعي "
    أما مونتسكيو فقد عايش دولة مستقرة نسبيا وهو عندما يتحدث عن التمدن أو المجتمع المدني إنما يقصد حالة التوازن التي تقوم بين القوى التي تشكل الدولة، والقانون هو عصب هذا التوازن، ومن هنا سمى كتابه روح القوانين ، المجتمع المدني هو مجتمع القانون واحترام الملكية الخاصة وهو نقيض الاستبداد." لقد اتخذ المجتمع المدني عند روسو شكل :1)-حكم القانون ، 2) الفصل بين السلطات ،3)التوازن بين السلطات أو التوازن بين القوى في الدولة " . بالنسبة لروسو يقول :الرجل الأول الذي سيج قطعة أرض وقال هذه لي ووجد من الناس من هم من البساطة إلى درجة أن يصدقوه ،هو أول من أسس المجتمع المدني " ، ومن هنا أضاف روسو عنصر المساواة إلى المجتمع المدني
    ولكن مع مرور الوقت ومع التمايز الذي بدأ يظهر ما بين الدولة – كجهاز سياسي- والمجتمع كفعاليات ومصالح بدا مفهوم المجتمع المدني ينحو إلى الدلالة عما يميز فعاليات المجتمع عن السلطة السياسية. وعلى هذا الأساس يعرف برتراند بادي في كتابه sociologie politique المجتمع المدني بأنه (كل المؤسسات التي تتيح للأفراد التمكن من الخيرات والمنافع العامة دون تدخل أو توسط الدولة) .

    إن النقطة المهمة في هذا السياق هي أن المجتمع المدني تصاحب مع –أو نتيجة لـ تأسيس الديمقراطية والثورات السياسية والصناعية والعلمية والدينية، وهو رديف لحرية التعبير والتنظيم، وأنه غالباً تأسس من أسف من المجتمع وبالتدريج، وفرض نفسه على الدولة بفعل نضالات متواصلة سلمية غالباً وصدامية في بعض الأحيان.

    فالمجتمع المدني بنية وعلاقات ومؤسسات يؤسسها الأفراد بـ "استقلالية" عن الدولة، وهو بهذا المعنى لا ينفصل عن حركة المجتمع الحديث وتطوره، وما يستجد من تطورات على علاقات أطرافه مع بعضها البعض وعلاقته بمجمله بالمجتمع السياسي. كما أنه مفهوم يتأثر بالموجات الفكرية المتسارعة وبتحديد الفكر الديمقراطي لمقولاته، لكل ذلك فإن مفهوم المجتمع المدني لابد وأن يتكيف مع هذه المستجدات، وهكذا فإن المفهوم في السسيولوجيا السياسية اليوم يستعمل بمعان لا تتفق تماماً مع ما جاء به رواده الأوائل، سواء رواد النظرية التعاقدية، أو "هيغل" أو "الماركسيون"، ومع ذلك يمكن أن نستخلص من الخطاب السياسي المعاصر الدلالات التالية للمجتمع المدني:
    - المجتمع المدني هو تلك الفعاليات – علاقات ومؤسسات وثقافة – الاجتماعية والسياسية التي تمكن المواطنين من مراقبة تصرفات الدولة والتدخل عندما تعارض هذه التصرفات مصالح وحقوق المواطنين.
    المجتمع المدني هو تنظيمات المجتمع المعبرة عن المطالب والمصالح والثقافة السائدة والتي قد تكون في حالة مصالحة مع السلطة السياسية أو في تعارض معها.
    المجتمع المدني هو كل المؤسسات والأنشطة المنظمة التي تتيح للأفراد التمكن من الخيرات والمنافع العامة دون تدخل مباشر من الحكومة.

    غالبية التعريفات المتداولة حديثاً حول المجتمع المدني تسير في هذا الاتجاه، ونلاحظ على هذه التعريفات أنها تركز على استقلالية – إلى حد ما – المجتمع المدني عن السلطة السياسية، وهكذا أصبح المفهوم في الأدبيات السياسية المعاصرة – وهي أدبيات ليبرالية في غالبيتها بعد انهيار المنظومة الاشتراكية – يؤكد على الاستقلالية التي يتمتع بها الأفراد عن الدولة سواء على مستوى تشكيل الأحزاب أو الانخراط في النقابات أو ممارسة حق التجمع والتظاهر وكل سبل الاحتجاج السلمية وكل ذلك في إطار القانون. وهذا يعني أنه تم تجاوز الحديث عن العلاقة المباشرة بين المواطن والدولة وتجاوز الهيمنة المطلقة للسياسي على الاجتماعي،" إن الدفاع عن المجتمع المدني كان متزامنا مع تطور الأفكار حول الفردية وحقوق الأفراد في الحرية والملكية" . مع ظهور المجتمع المدني أصبح الحديث يدور عن علاقة غير مباشرة أو علاقة جدلية بين المجتمع والدولة أو السلطة كتجسيد سياسي للدولة ، حيث تتوسط بين الطرفين تنظيمات المجتمع المدني من أحزاب وهيئات وجمعيات ونقابات، دون أن يعني الأمر بطبيعة الحال قطيعة بين الطرفين، فالدولة تبقى بنية فوقية ومهيمنة بدرجة ما، لأنها دون هذا الدور لا تستطيع أن تقوم بوظيفتها السياسية والحقوقية، كما أن مؤسسات المجتمع المدني تبقى مقيدة بشبكة من القوانين والضوابط التي تحددها الدولة، و إلا سيتحول المجتمع المدني إلى دولة داخل الدولة.
    المطلب الثاني: مقاربات عربية لمفهوم المجتمع المدني
    فأن موضوع المجتمع المدني العربي أصبح إشكالية، حيث أضيف إلى عدم التحديد الدقيق للمصطلح تباين المجتمعات العربية من حيث كونها التربة التي سيزرع فيها هذا المصطلح. فهل المجتمع المدني فكر وممارسة كما عرف في الغرب، حيث ولد وترعرع وأخذ دلالاته عبر تاريخ الغرب، هو نفسه المجتمع المدني الذي يتحدث عنه المثقفون العرب ويرومون تكوينه في مجتمعاتهم؟ وهل يتفق المثقفون والسياسيون العرب على تصور واحد للمجتمع المدني؟ وهل يمكن الحديث عن مجتمع مدني عربي بالمطلق أم عن مجتمعات مدنية عربية تختلف باختلاف درجة التحديث السياسي ومدى التقدم في مجال الديمقراطية في كل دولة عربية؟، إذا كان يجوز الحديث عن مجتمع مدني عربي فما هو حال المجتمع المدني الفلسطيني؟ وما هي القواسم المشتركة ما بين إرهاصات تشكل المجتمع المدني العربي قبل الاستقلال وتشكل المجتمع المدني الفلسطيني والفلسطينيون على أبواب إقامة دولتهم؟.

    كما سبقت الإشارة فإن تداول مفهوم المجتمع المدني في الغرب جاء لاحقاً لوجوده الفعلي، بمعنى أنه وجدت المؤسسات (المستقلة) عن الدولة من أحزاب ونقابات وتجمعات ثم أطلق على هذه الفعاليات الاجتماعية اسم المجتمع المدني، أما في مجتمعاتنا العربية – والثالثية عموماً – فقد تم التفكير بالمجتمع مدني في سياق المشروع الحداثي الساعي لتأسيس الديمقراطية، فهو وجد كفكرة ومشروع ثم تم البحث عن كيفية خلقه أو البحث عنه إن كان هناك ما يدل على وجوده.

    وهكذا نلاحظ أنه في الوقت الذي هدا فيه النقاش الفكري حول مفهوم المجتمع المدني في الغرب، حتى بات التطرق إليه أمراً نادراً، تزاحمت الكتابات والتنظيرات حول المجتمع المدني في دول العالم الثالث بما فيها المجتمعات العربية، حيث أن الحديث عن المجتمع المدني في هذه المجتمعات تصاحب مع التحركات التي تعرفها هذه المجتمعات نحو الديمقراطية والتخلص من إرث النظم التسلطية التيوقراطية والدكتاتورية. بحيث أصبح مفهوم المجتمع المدني اللازمة الضرورية في أي طرح سياسي يعالج مشكلة الديمقراطية في هذه البلدان. ونعتقد أن الأمر لا يخص البلدان العربية فقط بل إن تلازم الديمقراطية والمجتمع المدني هو قانون عالمي إن صح التعبير، فإذا كانت فالديمقراطية تعني المشاركة في القرارات التي تؤثر في حياة الفرد ومصيره، فكيف يمكنها أن تكون دون المجتمع المدني، فالمجتمع المدني هو المقصود بالمشاركة؟.

    ومع ذلك فكما تباينت المواقف والتصورات حول مدى وجود ديمقراطية في الدول العربية، ما بين قائل بوجودها وقائل بأن ما يوجد هي ديمقراطية مشوهة وشكلية وقائل بأن هناك إنجازات لا تنكر نحو الديمقراطية، كذلك الأمر مع المجتمع المدني، حيث تلازم القول بوجود المجتمع المدني من عدمه مع القول بوجود ديمقراطية من عدم وجودها، بالإضافة على ذلك فإن مفهوم المجتمع المدني عرف تعويماً وتسطيحاً في مجال استخدامه في العالم العربي، ولا يعود هذا الأمر فقط لكونه مفهوماً مستورداً وبالتالي جديداً على الفضاء الفكري العربي، بل يعود أيضاً لأن المثقفين السياسيين أصبحوا يوظفون مقولة المجتمع العربي انطلاقا من براغماتية سياسية، فمن يتفق مع الحركية السياسية السائدة في بلده ويضفي عليها حكم قيمة إيجابي، يقول بوجود مجتمع مدني ويطلق صفة المجتمع المدني على تشكلات وعلاقات قد تؤسسها الدولة أو تكون تعبيراً عن بنيات تقليدية كالقبيلة والطائفة...، ومن يقف موقف المعارضة من النظام السياسي القائم ومن توجهاته الرامية إلى إجداث تغيرات ذات مظهر ديمقراطي ينفي صفة المجتمع المدني عن التشكلات المدنية التي يؤسسها النظام مباشرة أو يدعمها أو التي تولد من المجتمع ولكنها لا تعراض النظام القائم، بل ينفونها حتى عن مؤسسات مجتمع مدني حقيقي، وهؤلاء الآخرون لا يعترفون بوجود مجتمع مدني إلا في ظل وجود ديمقراطية حقيقية وفي ظل تحولات جذرية تكون بمثابة القطعية مع النظام القائم.

    يرى المفكر السوري برهان غليون أن الصعوبة الكبرى التي تواجه الكتابة حول المجتمع المدني العربي تكمن في انعدام التحديدات الدقيقة للمصطلح، وهو يرى أن مقاربة المجتمع المدني في العالم العربي تتطلب تحرير المفهوم من اختلاطات ثلاث:
    الأول: وهو الغالب الذي يجعل من المجتمع المدني رصيد قيم الحرية والتحرر وبالتالي يضعه في مواجهة السلطة والدولة وهما بداهة في العالم العربي تتميزان بالتسلط.
    الاختلاط الثاني: ينبع من مطابقة مفهوم المجتمع المدني مع مفهوم الشأن الخاص المتعلق بالفرد وحريته وحياته الشخصية مقابل الشأن العام والدولة التي تهتم بالأمور الوطنية.
    الاختلاط الثالث: هو الذي يضع مفهوم المجتمع المدني في تقابل مفهوم المجتمع الأهلي، فإذا كان هذا الأخير يشمل البنى التقليدية من دينية وقبلية وجهوية، فإن المجتمع المدني يتطابق مع البنى والتنظيمات الحديثة من حزبية ونقابية وتنظيمات نسائية وطلابية الخ... .

    ومن هنا يرى برهان غليون أن المجتمع المدني هو مفهوم مجرد وليس واقعاً عملياً اختبارياً قائماً بذاته، أي ليس شيئاً جاهزاً، فالمجتمع المدني لا يمكن أن يفهم كحقيقة تجريبية بالانفصال عن الدولة والتطورات العامة للمجتمع، وبالتالي لا يخلو أي مجتمع بشري من تنظيم مدني أو مجتمع مدني وإلا كان هذا المجتمع مجتمعاً همجياً. هذه المقاربة التي أتى بها "غليون" تنحو إلى القول بتاريخية المجتمع المدني العربي والإسلامي حتى أنه يذهب إلى القول إنه لا يمكن تصور نشوء الدولة العربية الإسلامية الأولى من دون وجود البنى الاجتماعية المدنية التي سندت الإسلام في بناء سلطته المركزية على أسس عقيدية.

    ويقترب تصور برهان غليون من تصور "هيغل" في نقطة أساسية وهي عدم استقلالية المجتمع المدني عن الدولة استقلالاً تاماً، وهي العلاقة التي تقوم على الصراع والتكامل، بحيث لا يستغني أحدهما عن الآخر، "إن السياسة لا تحتاج كي تقوم إلى إلغاء البنى المدنية ما قبل الدولة، ولكنها بما تقدمه من مبادئ أسمى ومؤسسات أكثر فاعلية تتيح توحيد هذه البنى المدنية وجمعها تحت رايتها، وهي لا تتقدم كسياسة، أي كحالة أشمل غلا بقدر ما تنجح في معالجة تناقضات المؤسسات المدنية وتعمل على عقلنتها ووضعها في سياق ومنطق جديد هو المنطق الوطني الشامل، ولذلك لا قيمة للسياسة إلا إذا ارتبطت بهذا المجتمع المدني بمعنيين: أخذا وعطاء، إنها لا تستطيع أن تبقى إلا بقدر ما يستمر المجتمع المدني في خلق العصبيات والقيم والبني اللاسياسة الأولى، الأسرة والفرد والعقيدة والعادة...الخ، ولا يستطيع هذا المجتمع أن يحفظ توازنه وينظم نفسه في مرحلته المتقدمة، إلا بقدر ما تستمر الدولة وتنجح في معالجة التناقضات التي تنجم عن صراعاته الطبيعية" .

    في مقابل هذا الرأي الذي يعتبر المجتمع المدني انعكاساً لواقع المجتمع وتفاعلاته، يأتي موقف المفكر المغربي "محمد عابد الجابري" الذي يعبر عن موقف متشائم تجاه المجتمع المدني في الوطن العربي، لأنه يربط وجود المجتمع المدني بالمدينة والتمدن " هناك واقعة أساسية وبديهية لا يمكن أن تكون موضوع خلاف ، وهي أن المجتمع المدني هو ، أولا وقبل كل شيء ،مجتمع المدن ، وان مؤسساته هي تلك التي ينشئها الناس بينهم في المدينة لتنظيم حياتهم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية " ، وحيث أن البادية والريف هما السمة الغالبة على المجتمعات العربية بالإضافة إلى الجهل والأمية،إذن لا يوجد مجتمع مدني في الوطن العربي .من جهة أخرى يربط الجابري المجتمع المدني بالديمقراطية ليصل إلى نفس النتيجة ، فحيث أن الديمقراطية لم ترسخ في المجتمع العربي، هذا يعني غياب المجتمع المدني. والديمقراطية التي يقصدها ليست الديمقراطية الشكلية التي تعرفها بعض البلدان العربية، بل يقصد بها ذلك النوع من العلاقة بين الحاكمين والمحكومين، بين الدولة والشعب، ونموذجها هو القائم في أوروبا الغربية وأمريكا الشمالية. إنها العلاقة المبنية على تداول السلطة السياسية على أساس الأغلبية الانتخابية التي يفرزها التعبير الديمقراطي الحر من خلال التنافس الحزبي في إطار احترام حقوق المواطن السياسية منها على وجه الخصوص .

    وبالتالي فإن المجتمع المدني الذي يعترف به "الجابري" هو المجتمع الذي يمارس فيه الحكم على أساس أغلبية سياسية حزبية وتحترم فيه حقوق المواطن السياسية، الاجتماعية، الاقتصادية والثقافية في حدها الأدنى على الأقل، إنه بعبارة أخرى المجتمع الذي تقوم فيه "دولة المؤسسات" بالمعنى الحديث لـ "المؤسسة" البرلمان، القضاء المستقل، الأحزاب، النقابات والجمعيات...الخ.
    فـ "الجابري" يتحفظ على ما تعرفه البلدان العربية من مظاهر الحداثة ومن أشكال الديمقراطية – بالرغم من اعترافه أن رياح الديمقراطية بدأت تهب على العالم العربي- ، لأنه يرى أن بنى الدولة الحديثة قد أقحمت إقحاماً في معظم الأقطار العربية، وما تعرفه هذه البلدان من مؤسسات وأحزاب وبرلمانات ونقابات وجمعيات ما هي إلا أشكال مشوهة لما تعرفه المجتمعات الغربية الديمقراطية. فبينما مؤسسات المجتمع المدني في الغرب نشأت بفعل تطور داخلي وبموازاة مع نشوء وتطور هذه الدولة نفسها، المر الذي نتج عنه قيام مجتمع مدني مستقل عن المجتمع السياسي – الدولة – مجتمع قوامه مؤسسات اقتصادية "شركان، بنوك..." وثقافية" مدارس، معاهد، وسائل إعلام ونشر"، بينما حدث هذا في الغرب الديمقراطي نجد أن بنى الدولة الحديثة في الأقطار العربة قد غرستها الدول الاستعمارية غرساً وبالقوة أحياناً.
    في اتجاه مخالف يذهب وحيد عبد المجيد الذي يفصل ما بين الديمقراطية والمجتمع المدني، فإذا كانت الديمقراطية تتصف بالعالمية فالمجتمع المدني له صفة الخصوصية، ويقول في ذلك: (إن فكرة المجتمع المدني في الغرب لا مجال لها لدينا، نحن في مجتمع القيم الدينية فيه قيم جوهرية ولا يمكن بأي حال القفز فوقها أو تحييدها كما هو الحال في المجتمع المدني الغربي، فنحن نتحدث عن المجتمع المدني بشكل تقريبي أو نأخذ بعض جوانبه على عكس الحال في النموذج التعددي وآلياته التي تتسم بأن لها طبيعة إنسانية عامة وقابلة للوجود في أي مجتمع، وبالتالي فعندما نتحدث عن قضية الديمقراطية في المجتمع نميزها عن قضية المجتمع المدني) .


    وحيث أن هذه الدولة العربية الحديثة ليست نابعة من المجتمع ولا تعبر عن نضج حقيقي لمكوناته، فإنها تلجأ إلى استعمال وسائل العنف المشروع وغير المشروع وتسخر كل أدواتها لتمتين سيادتها، وهي في سبيل ذلك لا تتورع عن اختراق المجتمع المدني الجنيني، وذلك بخلق أحزابها السياسية ونقاباتها وجمعياتها.

    وبالنسبة للمفكر التونسي "الطاهر لبيب" فهو يميز ما بين المجتمع المدني – أو المؤشرات الموضوعية الدالة عليه – من جهة ومفهوم المجتمع المدني أي البناء المفاهيمي الفكري الذي يعبر عن هذا الواقع، فالتاريخ العربي الإسلامي عرف حركات وعلاقات اجتماعية سياسية ودينية داخلة في علاقات ضدية مع السلطة السياسية القائمة، سواء حركة القرامطة أو الخوارج أو حركات التحرر ضد الاستعمار أو ضد الأنظمة الاستبدادية، إلا أن هذه الحركات لم تجعل من الحرية المدنية مسألة مركزية لها، ولم تراكم إنجازات على مستوى الواقع، ربما لأن المجتمع العربي الإسلامي آنذاك لم يكن مهيئاً لتحقيق هذا المطلب الاجتماعي/ السياسي، ذلك أن براديغم الطاعة هو الذي ساد كإيديولوجيا، والاستبداد السياسي هو الذي تراكم. وهو يرى أن الحركات السياسية، النقابية والفكرية والتي هي إرهاصات أو شروط تكون مجتمع مدني، كانت في عهد الاستعمار أكثر تنوعاً ونشاطاً مما أصبحت عليه بعد الاستقلال وهذه ظاهرة عرفها كل البلدان التي استعمرت سابقاً، بما فيها البلدان العربية، إلا أن مطلب التحرر من الاستعمار طغى على غيره من المطالب ولم تهتم هذه الحركات إلا قليلاً بقضايا الديمقراطية والحقوق المدنية للأفراد، حيث كانت جل المطالبات متجهة ضد المستعمر. إن "الطاهر لبيب" لا يفصل بين المجتمع المدني والديمقراطي وبينه وبين الحرية، فالمجتمع العربي لم يعرف الحرية بمعناها السياسي إلا مع الحملة الفرنسية 1798، ولم يعرف الديمقراطية غلا كمطلب لبرالي وخصوصاً بعد انهيار المعسكر الاشتراكي، أما على مستوى استعمال المفهوم، فإن "الطاهر لبيب" يرى "أن مفهوم المجتمع المدني عندنا بلا تاريخ، وهذا مأتى الحرج العلمي في استعماله، إن الاستعمال "الطارئ" يعبر عن حالة طوارئ في الفكر العربي ولا يحيل في كل الصور إلى ممارسة تم تنظيرها ولا إلى تنظير واقع تمت ممارسته، إنه سابق للظواهر التي يريد الإحالة إليها، لقد طاف متسيساً وراج رواجاً سريعاً بعل توظيفه وقبل أن يتقيد بمعنى أو استعمال". .

    المطلب الثالث: المجتمع المدني في العالم العربي وتحديات التأسيس
    إن تاريخ المجتمع المدني العربي هو جزء من تاريخ نضال الشعوب العربية ضد الاستبداد والقهر، وحيث إن طبيعة الدولة العربية من حيث نظامها السياسي وتشكلاتها الاجتماعية وعلاقاتها الخارجية، يبرز لنا حالة الغربة التي تعيشها الدولة عن المجتمع والعكس صحيح، وافتقادها غالباً للشرعية والمشروعية، بالإضافة إلى حضورها السلطوي القاهر في كل شيء، فإن علاقة الدولة – السلطة السياسية – بالمجتمع كانت غالباً علاقة صراع أو سعي إلى الهيمنة، وهذا الصراع – علاقات الضدية – لم تكن أطرافه، السلطة من جانب وقوى اجتماعية، سياسية ودينية واقتصادية من جانب آخر، ترفع بشكل واضح وخصوصاً الطرف الثاني شعار تأسيس المجتمع المدني، لأن مفهوم المجتمع المدني كما أشرنا مفهوم غربي يعبر عن نوع الثقافة السياسية والنظام السياسي السائدين في الغرب. ومع ذلك فإن المطالب الاجتماعية في سياق التحديث السياسي والنضال الديمقراطي كانت تعمل على تأسيس أو تفعيل مجتمع مدني، وعليه يمكن أن تصنف الحركات والجمعيات والأحزاب الموجودة اليوم في الدول العربية كمؤسسات مجتمع مدني بقدر ما تكون معارضة لاستبداد الدولة وتسلطها، وبقدر ما ترفع من شعارات الحرية والاستقلال.

    ومن جهة أخرى فإننا نعتقد أن الحديث عن وجود مجتمع مدني عربي أو عدم وجوده أو التساؤل حول تاريخ نشوئه هي أمور متجاوزة، لأن المجتمع المدني لا يؤسس بقرار في لحظة زمنية معينة ومتفق عليها، فتاريخه هو تاريخ النضال من أجل الحرية المدنية والديمقراطية، وحيث إن الديمقراطية ليست شيئاً يحدث بقرار أو يستورد بل هي متراكمة أنجزت حداثية، سياسية واقتصادية واجتماعية عبر الزمن، إنجازات تحصل بالنضال ومقاومة السلطة أحياناً وبالتفاهم والالتقاء معها في منتصف الطريق إن كان ذلك ممكناً، فكذا الأمر مع المجتمع المدني، إنه مراكمة إنجازات عبر الزمن وعبر النضالات، وحتى النقاش الذي يدور في مجتمع عربي ما حول وجود أو عدم وجود مجتمع مدني هو بحد ذاته مساهمة في تأسيس مجتمع مدني أو إرهاص دال على وجوده.

    ولكن مما لا شك فيه أن وجود مجتمع مدني – بمعنى التشكلات التضامنية السياسية والاجتماعية والاقتصادية: أحزاب، نقابات، جمعيات، نواد، ملتقيات ثقافية، اتحادات طلابية ونسوية – التي يؤسسها الأفراد باعتبارهم ذوات مدافعة عن مصالح، وفعالية هذا المجتمع واستقلاله ولو نسبياً عن الدولة – هو شرط ضروري من أجل الديمقراطية وإقامة دولة القانون، وأن المجتمع المدني والمجتمع المدني المضاد في نفس الوقت، بمعنى أن قوى التحرر والديمقراطية تسعى لتأسيس مجتمع مدني في مواجهة تسلط الدولة أو رفضها الاعتراف بمن يخالفها من فعاليات المجتمع. ولكن الدولة وحيث إنها لا تستطيع مقاومة أو إلغاء هذا المجتمع المدني – نظراً لاستحقاقات خارجية تدفع في اتجاه تبني الديمقراطية والحريات السياسة، وكذا بفعل التحولات الإيجابية الدالة على نضج المجتمع العربي والتي تهدد السكونية السياسية السائدة – فإنها تعمل على تأسيس مجتمعها "المدني" الخاص بها: أحزاب سلطة، جمعيات سلطة، نواد سلطة، بل أن الزعيم رئيساً كان أو ملكاً يوظف شخصيته الكارزماتية وشعبيته لتأسيس "مجتمع مدني" خاص به، والسلطة السياسة تحاول من خلال ذلك أن تسحب البساط من تحت أقدام الأحزاب الشعبية وفعاليات المجتمع المدني الأخرى المعارضة للنظام و ركوب موجة الديمقراطية إن لم تنصب نفسها قائدة التحول الديمقراطي. وإن لم تستطع أو أصبحت التحولات الديمقراطية متجاوزة لها ومهددة لمصالحها، فإنها تحاول الحد من هذه التحولات بدفع "مجتمعها المدني" لمواجهة المجتمع المدني الشعبي الحقيقي، وتصبح هي بمثابة الحكم وتتدخل بحزم باسم حماية المجتمع من الحرب الأهلية أو الفوضى وباسم المصلحة الوطنية،والتي هي في هذه الحالة ما هي إلا مصلحة النخبة الحاكمة!.

    ومفيد القول إن مجتمعاتنا – بنياتها الاجتماعية والسياسية والدينية – ليست هي مجتمعات الغرب والشروط التاريخية لمجتمعاتنا ليست هي تلك التي عرفها الغرب، وعليه فلا ينتظر أن تكون نظمنا السياسية صورة طبق الأصل لما هو معروف في الغرب. نعم نريد ديمقراطية، ومجتمع مدني، وازدهار اقتصادي...الخ، ولكن يجب أن نؤسسها نحن بعلانيتنا وبإمكاناتنا الخاصة لا أن نستوردها ونقحمها على مجتمعنا. إن المراقب للحياة السياسية في مجتمعاتنا سيلاحظ تعدد الجمعيات والنوادي ودور الثقافة ومنظمات حقوق الإنسان التي وإن كان بعضها من خلق الدولة فإن العديد منها ملاذ يلجأ إليه مثقفون وسياسيون ومهمشون ومن يشعر بالاغتراب في وطنه، بعيداً عن الأحزاب والتنظيمات الرسمية – حكومية كانت أو معارضة – وهذا ملموس في نشاط الجماعات الإسلامية داخل هذه الجمعيات وكذا الدور الثقافية ومنظمات حقوق الإنسان والمنظمات غير الحكومية التي بدا دورها في السنوات الأخيرة يتزايد، وأحياناً تفوق مؤسسات المجتمع المدني الحقيقية في مواجهتها لخروقات السلطة.

    أيضاً يمكن نتساءل لماذا لا نعتبر ما تقوم به بعض الأنظمة العربية التي استقرت على خيار الديمقراطية، من دعم لتأسيس الأحزاب والنقابات والجمعيات هو إسهام منها في خلق "مجتمع مدني" وتفعيلة ما دامت الظروف العامة للمجتمع – انتشار الأمية، الجهل، الفقر، ضعف الوعي السياسي – لا تساعد كثيراً على تسريع عملية تأسيس المجتمع المدني؟ وحتى مع افتراض سوء النية عند الدولة بالزعم أنها تؤسس مجتمعها المدني خوفاً من أن يفرض عليها المجتمع المدني الحقيقي الذي تلوح بوادر تأسيسه، لماذا لا تبتهل القوى الحية في المجتمع هذه البادرة من الدولة وتجيرها بما يخدم الديمقراطية وتفعيل المجتمع المدني الحقيقي؟. ولماذا لا نأخذ بتصور "هيغل" حول المجتمع المدني حيث رأي أنه في بعض اللحظات التاريخية يصبح إشراف الدولة على المجتمع المدني ضرورة لابد منها، ولكن لحين؟
    وقد أثبتت التجربة في أكثر من دولة ثالثية أن غياب إشراف الدولة عن مؤسسات المجتمع المدني يؤدي إلى تمزق المجتمع المدني وتصادمه مع بعضه البعض وبالتالي قد يؤدي إلى حرب أهلية وقد ثبت أيضاً أن الديمقراطية لا تقوم إلا حيث تكون الدولة قوية.

    إن كل ملم بمؤسسات المجتمع المدني، يعرف أن تأسيسها واستمراريتها وقيامها بواجباتها يحتاج إلى تمويل ومراقبة ومرجعية يقوم عليها، والمجتمع الأهلي العربي في غالبيته لا يتوفر على أموال كافية ولا على قدرات تنظيمية أضف إلى ذلك أن الفئة الاجتماعية العربية المؤهلة لقيادة المجتمع المدني – الطبقة البرجوازية أو المثقفون – هي أميل إلى طلب السلطة مباشرة عن طريق الثورة أو الانقلابات من النضال طويل المدى في إطار المجتمع المدني.
    إن نظرة على الواقع الراهن للمجتمع المدني في العالم العربي تكشف لنا حالة أو اكثر من تمظهرات المجتمع المدني:
    الأولى: مؤسسات مجتمع مدني هشة وضعيفة لا تأثير لها أو فعالية ويمكن أن تزول بعد فترة قصيرة من ظهورها.
    ثانياً: مؤسسات مجتمع مدني تمول وتشجع من جهات أجنبية – كمنظمات حقوق الإنسان – مما يجعلها عرضة للملاحقة من الدولة واتهامها بالخيانة أحياناً، وخصوصاً إذا اقتصر نشاط هذه المنظمات على الدفاع عن حقوق الأقليات – طائفية أو عرقية.
    ثالثاً: مؤسسات مجتمع مدني تؤسسها الدولة وأصحاب النفوذ والجاه، وهؤلاء الآخرون هم بشكل أو بآخر أقرب إلى السلطة من قربهم للمجتمع المدني الحقيقي، لأن حرصهم على مصالحهم ونفوذهم وتطلعهم للسلطة، يدفعهم لدفع مؤسسات المجتمع المدني للخضوع لإشراف الدولة ورقابتها أو العمل بما لا يتعارض مع سياستها.
    رابعاً: مؤسسات مجتمع مدني حقيقي ولكنها محاصرة وتواجهها تحديات سواء من طرف الدولة أو من طرف بنية المجتمع وثقافته، وهذا المجتمع المدني هو الذي تراهن عليه الجماهير ليكون الأرضية المحتضنة للديمقراطية.

    إن مقاربة إشكالية المجتمع المدني في الدول العربية تستدعي تجاوز الدوران حول التساؤل: هل يوجد مجتمع مدني أو لا يوجد؟ فهذا السؤال لا يختزل الإشكالية ولا يعبر عنها وهو غير دقيق علمياً، لأنه يؤسس على فرضية انتقاء التباينات بين المجتمعات ويفترض وجود نموذج مثالي وجاهز للمجتمع المدني ما علينا إلا أن نقارن ما عندنا بهذا النموذج المثالي، كما أنه يفترض إمكانية عدم وجود مجتمع مدني بالمطلق. ونعتقد أن المقاربة العلمية للموضوع يجب أن تهتم بالتساؤل حول شكل وبنية المجتمع المدني؟ وطبيعة علاقته بالدولة؟ ومدى توفر مؤشرات تمأسسه؟ وكيف يمكن تفعيله؟. وفي هذا السياق يمكن التأكيد مجدداً أن إرهاصات تشكل مجتمع مدني تعود إلى بدايات ظهور الأحزاب السياسية والنقابات والجمعيات، إلا أن خصوصية الدولة العربية ومركيز السلطة ومتطلبات مرحلة النضال ضد الاستعمار، جعل هذا المجتمع يدور حول الدولة، يقترب كثيراً منها أحياناً حتى تنمحي شخصيته، وأحياناً يبتعد عنها ويتصادم معها حتى يبدو الأمر وكأن قطيعة بين الطرفين.

    ويمكن القول إن علاقة المجتمع المدني في العالم العربي بالدولة تشبه علاقة المراهق بأسرته، فالمراهق وإن شب عن الطوق وأصبح قادراً على تدبير بعض أموره وبلورة شخصية متميزة فإنه يبقى دون مرحلة البلوغ الكاملة التي تؤهله ليؤسس شخصية خاصة به ومستقبلة، وكذا المجتمع المدني العربي، لقد ولد وبدأ ينمو ويترعرع بل ويملك الجرأة أحياناً ليرفع صوته في وجه الدولة إلا أنه يبقى تحت رعايتها، إنه يخضع لمراقبة دائمة من الدولة خوفاً منه وخوفاً عليه في نفس الوقت.

    المبحث الثاني
    المجتمع المدني الفلسطيني وتحديات الانتقال الديمقراطي

    المطلب الأول: خصوصية المجتمع المدني الفلسطيني
    إذا كانت تساؤلات عميقة تنتصب أمام الباحث في المجتمع المدني في دول العالم العربي نظراً لخصوصية الدولة التي هي غالباً مقحمة على المجتمع ومفروضة عليه، ونظراً لخصوصية مجتمعات هذه الدول عن المجتمعات الغربية التي ظهر فيها المجتمع المدني وتم تأصيل مفهومه، فكيف الحال بالنسبة للباحث في المجتمع المدني في فلسطين، التي تعيش خصوصية داخل "الخصوصية" العربية؟.

    لاشك هنا أن المقاييس والمؤشرات المتبعة في التعرف على وجود مجتمع مدني في بلد ما، لن تسعفنا كثيراً في الحالة الفلسطينية، لأنه إذا اعتبرنا المجتمع المدني يعني تلمس نقاط تفصل ما هو مدني عن ما هو سياسي، أو ما هو عام – الدولة – عن ما هو خاص – العلاقات والتنظيمات التي يؤسسها الأفراد للتعبير عن مطالبهم والدفاع عنها -، فإنه في الحالة الفلسطينية يتداخل العام مع الخاص والسياسي مع المدني، نظراً لأن الشعب الفلسطيني ومنذ أمد بعيد وحتى اليوم يعيش تحت الاحتلال، وبالتالي لم يعرف دولة وسلطة سياسية وطنية يمكن في مواجهتها بلورة مجتمع مدني، فالسلطة القائمة هي دوماً سلطة احتلال.

    وهكذا تداخل ما هو سياسي بما هو مدني في التجربة السياسية الفلسطينية، فالشعب الفلسطيني بكل فئاته ومستوياته انتظم في حركة جماهيرية واحدة، قيادة سياسية، شعب، نقابات، أحزاب، وجمعيات، لمواجهة القوات المحتلة، فالجميع لهم هدف واحد هو مواجهة الاحتلال وليس مواجهة بعضهم بعضاً، وهنا نلاحظ خصوصية المجتمع المدني ووظيفته، فهو مجتمع ولد في خضم مقاومة الاستعمار البريطاني أولاً والصهيوني ثانياً، وولادته لمت تكن في إطار حركة مطلبية اقتصادية أو اجتماعية بل في إطار حركة جماهيرية سياسية نضالية تسعى للاستقلال والحرية وإبراز الهوية الوطنية والحفاظ عليها، وبالتالي فإن المطلب الأساسي لمؤسسات المجتمع المدني الفلسطيني هو تأسيس المجتمع السياسي الوطني – دولة وسلطة وطنية، بالإضافة إلى ذلك أن نصف الشعب الفلسطيني عاش ويعيش خارج أرض الوطن وتربطه علاقة خاصة وشائكة مع الدول التي يعيش فيهان وهذه خاصية لا نجدها في تجارب الشعوب الأخرى.

    إن المؤسسات المتعارف عليها كمكونات للمجتمع المدني – أحزاب، نقابات، جمعيات واتحادات...الخ – كانت حاضرة وبكثافة في المجتمع الفلسطيني إلا أن وظيفتها غير وظيفة مثيلاتها في البلدان الأخرى، فغياب دولة فلسطينية – بفعل الاستعمار البريطاني ثم الصهيوني – غير من وظيفة (المجتمع المدني) الفلسطيني وجعلها تصب في اتجاه إبراز الهوية الوطنية الفلسطينية والحفاظ عليها، وإعادة تأسيس الدولة، فالمجتمع المدني في هذه الحالة هو المؤسس للدولة وللسلطة السياسية، وليس العكس وبالتالي يحق تسميته بالمجتمع المدني/ السياسي، وليس المجتمع المدني المفارق للسياسي.

    ومع ذلك فقد مر المجتمع المدني الفلسطيني بعدة مراحل هي المنعطفات التي عرفتها القضية الفلسطينية، وستقتصر هنا على واقع المجتمع المدني الفلسطيني وعلاقته بالتحولات الفكرية والسياسية التي يشهدها المجتمع الفلسطيني في ظل ما يسمى الحكم الذاتي.

    بدخول منظمة التحرير الفلسطينية مسلسل التسوية وتوقيعها اتفاقية أوسلو وبداية الحكم الذاتي الفلسطيني في مناطق من الضفة الغربية وقطاع غزة ، عرف المجتمع الفلسطيني، والمجتمع المدني، السياسي خصوصاً تحولا جذرياً، فالعملية سعت إلى نقل المجتمع الفلسطيني من مرحلة الثورة والنضال إلى مرحلة المراهنة على الحلول السلمية وبالتالي إنهاء حالة الحرب مع الكيان الصهيوني، مع ما يترتب على ذلك من تغير في وظيفة المؤسسات المدنية والسياسية التي ظهرت في مرحلة الثورة، ونقل مركز قوة حركية المجتمع الفلسطيني من خارج فلسطين إلى داخلها. إلا أن أهم تحول يخص موضوع بحثنا هو بداية ظهور التمايز ما بين مجتمع مدني ومجتمع سياسي، ذلك أن السلطة الوطنية الفلسطينية التي تدير مناطق الحكم الذاتي أصبحت بمثابة (السلطة السياسية) أو مشروع دولة، وبالتالي لها حساباتها وسياساتها وارتباطاتها الناتجة عن مسلسل التسوية، وهي سياسة وارتباطات لا تتفق بالضرورة مع موقف كل الشعب الفلسطيني ومؤسساته المدنية والسياسية.

    وهكذا لاحظنا منذ توقيع اتفاقية أوسلو ظهور "مجتمع مدني" حيوي يمارس جوراً مزدوجاً قوات الاحتلال الصهيوني من جهة أخرى ومعارضة بعض ممارسات السلطة الوطنية الفلسطينية من جهة أخرى ويمكن حصر فعاليات المجتمع المدني في هذه المرحلة كما يلي:

    1- مؤسسات المجتمع المدني التابعة للمعارضة السياسية – حماس والجهاد الإسلامي خصوصاً – وهذه المؤسسات متعددة: نقابات، جمعيات، اتحادات، مؤسسات دينية، تعليمية وخيرية، ومما يجب التنبيه له في هذا السياق أن أهمية هذا النوع من المجتمع المدني لا تكمن في قوتها التنظيمية والتأسيسية بل في قدرتها التعبوية والتحريضية، ذلك أن سنوات الاحتلال علمت الجماعات الإسلامية كيف تحافظ على وجودها وتمارس مهامها بشكل سري .
    2- مؤسسات المجتمع المدني التي تمارس نشاطها في ظل الاعتراف بشرعية السلطة، وهذه تتفاوت ما بين اتحادات شعبية، وجمعيات ومنظمات لحقوق الإنسان، بالإضافة إلى شخصيات وطنية لها وزن في الساحة الوطنية والجزء الأكبر من هذه المؤسسات هي التي كانت تابعة لمنظمة التحرير وحولت نشاطها إلى نشط مدني/ سياسي.
    4- منظمات واتحادات غير حكومية ذات انتماءات وعلاقات متعددة داخلية وخارجية، ويفوق عدد هذه المنظمات في مناطق الحكم الذاتي 1500 منظمة، أهمها منظمات حقوقية، ومنظمات ذات صبغة اجتماعية وأخرى ذات طابع ديني، وقد كانت هذه المنظمات فاعلة في دعم نضال الشعب الفلسطيني قبل بداية مسلسل التسوية، حيث كانت المنظمة والتنظيمات الفلسطينية الأخرى تمارس من خلالها مهاماً كانت عاجزة عن أن تقوم بها بشكل مباشر، إلا نه بعد دخول المنظمة إلى مناطق الحكم الذاتي، التحقت بعض هذه المنظمات بالسلطة وبعضها تحول إلى مؤسسات مدنية تعارض نهج التسوية.
    إن المتتبع لعملية إعادة تأسيس المجتمع المدني في فلسطين وتحديداً داخل مناطق الحكم الذاتي، يلاحظ الصعوبات التي يواجهها الفلسطينيون سواء من طرف الكيان الصهيوني ومحاولات خنقه للطموحات الفلسطينية بإعادة بناء الوطن، إن من طرف استحقاقات اتفاقات أوسلو التي تضع خطوطاً حمراء لا يستطيع الفلسطينيون تجاوزها، كما أن السلطة الفلسطينية تحولت إلى شبه سلطة سياسية لها أهداف ومصالح تتصادم في كثير من الأحيان مع فعاليات المجتمع المدني.

    ومع ذلك يجب الإشارة إلى أنه قليلاً ما يروج مصطلح المجتمع المدني في الخطاب السياسي الفلسطيني اليوم، نظراً لأن هذا المصطلح كما سبق الذكر يحيل دائماً إلى الديمقراطية كمكون من مكوناتها أو كمؤسس لها، وفي جميع الحالات يتم تداوله في الدول المستقلة وذات السيادة. أما بالنسبة للمجتمع الفلسطيني فبالرغم من وجود مؤسسات سياسية وأحزاب وسلطة إلا أن ذلك لا يرق لدرجة وجود دولة، كما أن الحركة السياسية التي تشهدها مناطق الحكم الذاتي لا يمكن نسبتها إلى الممارسة الديمقراطية الحقيقية ما دامت السلطة السياسية نفسها فاقدة لحرية اتخاذ القرار السيادي وكل ما يصدر عنها من قرارات يخضع لمراقبة إسرائيلية، ويمكن القول في هذا السياق أنه يوجد في فلسطين وعند الفلسطينيين ديمقراطيين دون ديمقراطية .

    إلا أن المجتمع الفلسطيني شهد ظاهرة جديدة لم تعرفها بنفس الدرجة والنوع حركات التحرر الأخرى ألا وهي المنظمات غير الحكومية التي أصبحت تقوم بجزء من مهمات المجتمع المدني وتتداخل معه في كثير من الأحيان وتلعب دوراً في تفعيل وتنشيط الحياة السياسية الفلسطينية، الأمر الذي يتطلب منا التوقف قليلاً عند هذه الظاهرة.

    المطلب الثاني: المجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية
    أحياناً يحدث تداخل في المهام ما بين المنظمات غير الحكومية والمجتمع المدني، فكلاهما يتكون من التنظيمات والعلاقات التي يؤسسها المواطنون للدفاع عن مصالحهم الاقتصادية والسياسية والاجتماعية أو للدفاع عن قيم إنسانية عالمية بعيداً عن السلطة السياسية أو بالأحرى بعيداً عن سيطرتها أو تدخلها المباشر، إلا أن نقطة الاختلاف بينهما تكمن في الامتداد الخارجي أو العلاقات الخارجية. فإذا كان من شروط قيام مجتمع مدني حقيقي أن يقوم الأفراد لا السلطة بتشكيله وأن يكون مستقلاً عنها وغير تابع لها، فمن المنطقي إذن أن تكون مؤسسات المجتمع المدني ذات طابع وطني أي أن لا تؤسس بإيحاء خارجي أو تمول من الخارج حتى لا تصبح أداة في يد مموليها، فللمجتمع المدني وظيفة وطنية خالصة .

    أما المنظمات غير الحكومية فيمكن أن نقسمها إلى قسمين: المنظمات غير الحكومية المحلية أو الوطنية وهذه يمكن اعتبارها الاسم الآخر للمجتمع المدني أو هي المجتمع المدني ذاته، وهناك المنظمات غير الحكومية الدولية، وهي وإن كانت تشترك مع منظمات المجتمع المدني في استقلاليتها عن الدولة وفي طبيعة النشاط الذي تقوم به فأنها تختلف معها في أنها امتداد لمنظمات ذات صبغة دولية وأهداف إنسانية عالمية وغالباً ما تتعلق بحقوق الإنسان الأمر الذي يجعلها أكثر إثارة للجدل في دول العالم الثالث حديثة العهد بالديمقراطية، وتعرف المنظمة غير الحكومية الدولية بأنها: منظمات ذات صفة دولية ولها هدف عام يشمل عدد كبير من الدول ولا يتعارض مع الإعلان العالمي لحقوق الإنسان أو ميثاق هيئة الأمم المتحدة، وليس لها هدف تجاري أي لا تسعى إلى الربح المادي وإن يكون لها أجهزة علنية ودائمة ومعترف بها من طرف الدولة حيث تمارس نشاطها.

    بالرغم مما أشرنا إليه من اختلاف ما بين المنظمات غير الحكومية الدولة والمجتمع المدني إلا أنهما يشتركان في كونهما منظمات يجمعها النضال من أجل الحرية وحقوق الإنسان ومواجهة تعسفات الدول، فوجودهما مرتبط بوجود ديمقراطية أو النضال من أجل الديمقراطية، فالدول غير الديمقراطية عدوة لهذه المنظمات ولا تسمح لها بالوجود وإن اضطرت لذلك فهي تضيق الخناق على عملها .

    وعودة إلى الوضع الفلسطيني، مع بداية الحكم الذاتي في 1994 قام وضع ملتبس لا هو وضع دولة مستقلة ولا هو وضع احتلال حيث وجدت سلطة سياسية وطنية: مؤسسات وأجهزة أمنية وسجون الخ. وأصبح الشعب يواجه سلطتين سلطة الاحتلال من جهة والسلطة الوطنية من جهة أخرى، بالتأكيد لا يمكن وضع السلطتين في سلة واحدة، ذلك أن السلطة الوطنية هي امتداد للحركة الوطنية الفلسطينية أو وريثتها وهي مكسب وطني بالرغم من كل الظروف المحيطة بتشكلها وممارساتها، ولكنها تبقى سلطة تمارس التسلط تأمر وتنهي تصدر قوانين وتنفذها تعتقل وتحاكم، تمنح وتمنع، وهي في كل ذلك مقيدة باتفاقات تفرض استحقاقات يشعر الغالبية من الشعب الفلسطيني أنها مهينة تمس كرامته وحريته وما زاد العلاقة توتراً ووضع السلطة إحراجاً، غياب قانون فلسطيني وبالتالي غياب دولة القانون بالمعنى الدقيق للكلمة، فالسلطة الفلسطينية وبداخلها المجلس التشريعي لا تستطيع أن تضع قوانين تعبر عن سيادة وطنية وهو الأمر الذي يدفع السلطة أحياناً إلى تطبيق حزمة من القوانين الملتبسة، كقوانين الانتداب البريطاني أو القوانين المصرية التي كانت تطبق في قطاع غزة أيام الإدارة المصرية أو قوانين أردنية أو القوانين الإسرائيلية أيام الاحتلال، هذا الوضع يجعل مناطق الحكم الذاتي وكأنها تعيش حالة طوارئ.

    في ظل هذه الظروف شعر المجتمع الفلسطيني في مناطق الحكم الذاتي أنه في الوقت الذي عليه واجب مساندة السلطة في عملية إعادة بناء الدولة الفلسطينية وواجب مواجهة مخططات العدو الاستيطانية، عليه في نفس الوقت العمل على تأسيس مجتمع مدني يمكن اللجوء إليه للحد من تسلط السلطة وللتعبير عن مطالبات والدفاع عن مصالح لم تلبها السلطة الفلسطينية وخصوصاً في إطار حقوق الإنسان، بالإضافة إلى ذلك أن قطاع من المجتمع يشعر أن مرحلة الثورة لم تنته بعد وأن الواجب الوطني يحتم توجيه كل الجهود لمقاومة الاحتلال الصهيوني بدلاً من الانشغال بقضايا ثانوية كالصراع على سلطة لا تملك من السلطة إلا اسمها.

    إذا كانت المنظمات غير الحكومية تأسست في بداية الأمر كنوع من التحايل على العدو الصهيوني الذي كان يمنع تشكل أي أحزاب أو منظمات سياسية، ثم في مرحلة ثانية عندما تحولت م-ت-ف داخل فلسطين إلى سلطة سياسية هيمنت قوى المعارضة الفلسطينية ذات التوجه الديني التي أبعدت أو أبعدت نفسها عن السلطة ومؤسساتها على هذه المنظمات، إلى هنا يبقى الأمر مفهوماً ومقبولاً، إلا أن الوضع تغير وأخذ منحاً مغايراً عندما أخذت أطراف خارجية وخصوصاً المنظمات غير الحكومية الدولية، تمول وتدعم ما يفترض أنها مؤسسات المجتمع المدني، هذه الأخيرة التي أصبحت تستقطب أعداداً متزايدة من النخبة السياسية والمثقفة وتدفع لهم رواتب وحوافز مادية جد مرتفعة، مما أدى إلى تسابق أفراد النخبة على الانخراط في هذه المنظمات تحت شعار الدفاع عن حقوق الإنسان الفلسطيني أو تنشيط مجال البحث العلمي، ومن هنا لاحظنا كثرة عدد المنظمات الحقوقية ومراكز البحوث والدراسات في مناطق الحكم الذاتي حيث يفوق عددها عدد نظيراتها في أي دولة عربية وهو الأمر الذي أدى إلى تنافسها وتسابقها على كشف أي تصرف لأجهزة السلطة يستشف منه أنه يمثل انتهاكاً لحقوق الإنسان.
    لا نقصد من كلامنا أعلاه التشكيك بالمنظمات غير الحكومية أو الزعم أن ملف حقوق الإنسان في مناطق الحكم الذاتي ناصع البياض، ولكننا نرى أن هناك قوى خارجية تلعب لعبة خطيرة توظف فيها البعض من السلطة والبعض من المنظمات غير الحكومية، هذه اللعبة الخطرة إن كان من ضمن أهدافها افتعال مواجهة ما بين المجتمع المدني الفلسطيني والسلطة الفلسطينية بحيث ينشغل كل طرف بالآخر وينسى الجميع العدو المشترك الذي ليس فقط المنتهك الرئيس لحقوق الإنسان الفلسطيني بل أيضاً محتل الأرض ومدنس المقدسات. وليس هذا هو الهدف الوحيد بل هناك هدف لا يقل خطورة يتمثل في خلق فجوة كبيرة ما بين النخبة الفلسطينية والشعب الفلسطيني، وإفراغ المجتمع الفلسطيني وحركته الوطنية من الفعاليات النشطة والنابغة إما بإدماجهم بالسلطة ومنحهم مواقع ورواتب متميزة أو باستقطابهم في منظمات غير حكومية حقوقية أو غير حقوقية وفي مراكز بحوث ودراسات تنبت كل يوم وكأن القضية الفلسطينية غامضة لا يعرف فيها الحق من الباطل وبالتالي تحتاج إلى مراكز بحث ودراسة!.

    ولكن لعلاقة السلطة بالمعارضة أو بالمجتمع المدني وجه آخر يرتبط بخصوصية القضية الفلسطينية – التي سبق التطرق إليها – حيث أن البعدين القومي والديني للقضية يفرضا إيجاد نوع من التعاون ما بين الفلسطينيين – سلطة ومجتمع مدني – والعالمين العربي والإسلامي، فكيف يمكن أن نتحدث عن البعد القومي والمسؤولية العربية دون تنسيق ما بين التنظيمات الفلسطينية ذات الخطاب القومي وأنظمة عربية ترفع شعارات القومية أو تبدي استعدادها لمساعدة الفلسطينيين من منطلق الحس القومي؟ وكيف يمكن الحديث عن البعد الإسلامي والمسؤولية الإسلامية وخصوصاً في موضوع القدس دون تنسيق مع الدول والمنظمات الإسلامية وقبول دعمها المادي والمعنوي؟ بالإضافة إلى أن تردي الأوضاع الاقتصادية لمناطق الحكم الذاتي وسياسة الأرض المحروقة التي تمارسها إسرائيل تجعل قدرة المجتمع المدني الفلسطيني على النهوض اعتماداً على قدراته الذاتية أمراً صعباً.

    لا غرو أن تمارس السلطة الفلسطينية حقوقها السلطوية على المجتمع الفلسطيني لأن لا دولة أو كيان سياسي دون ولا سلطة دون تسلط ، ولكن عليها في نفس الوقت أن تقوم بما يمليه عليها واجبها كوريثة لحركة التحرر الوطني وكمشروع لدولة ديمقراطية عصرية، ومن جهة أخرى على العاملين في مؤسسات المجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية، وخصوصاً الحقوقية، منها أن يضعوا نصب أعينهم المصلحة الوطنية لا ما تطلبه منهم الجهات الأجنبية الممولة. فهذه الأخيرة لا تهدف بالضرورة خدمة المصلحة الوطنية أو الاهتمام بالوضع الحقوقي في مناطق الحكم الذاتي من منطلق الغيرة على الإنسان الفلسطيني، بل لأهداف أخرى، كما أن على هذه المنظمات أن لا تنس أن الانتهاك الرئيس لحقوق الفلسطينيين لا يأت من السلطة الفلسطينية بل من إسرائيل، الأمر الذي يعيدنا إلى نقطة البدء بالتذكير أن فلسطين لم تستقل بعد، الأمر الذي يتطلب بدوره إيجاد صيغة لتوحيد جهود المجتمع المدني والسلطة لمواجهة العدو المشترك دون تجاهل حقوق الإنسان الفلسطيني داخل مناطق الحكم الذاتي لأنه عندما تنتهك حقوق الإنسان وتصادر حريته داخل وطنه وعلى يد مواطنيه لا يستطيع أن يطالب بحقوقه وحريته في مواجهة الآخرين.

    نستخلص مما سبق أن المجتمع العربي بما فيه المجتمع الفلسطيني يشهد تبلور شكل من المجتمع المدني – بدرجات متفاوتة بطبيعة الحال – بما هو شيئ متميز عن السلطة السياسية، وظهوره جاء متصاحباً مع التوجهات الديمقراطية، ونعتقد أنه ليس المهم في هذه المرحلة حجم وفعالية مؤسسات المجتمع المدني وليس المهم إن كانت الدولة تساهم في تكوينه، بل المهم توفر الإرادة في خلق هذا المجتمع ليلعب دور الرقيب والحسيب على أنشطة الدولة بالإضافة إلى دور التثقيف السياسي والاجتماعي للمواطنين. وأنه من الخطأ في هذه المرحلة الانتقالية في الحياة السياسية العربية، وخصوصاً في الدول ذات التوجه الديمقراطي، التشكيك بكل ما يصدر عن الدولة من توجهات ترمي إلى خلق مؤسسات مجتمع مدني، ذلك أنه يجب أن لا يغرب عن البال أن الديمقراطيات العربية هي ديمقراطيات أبوية وموجهة، بمعنى أن التحولات الديمقراطية في هذه الدول تسير تحت إشراف القائد أو الزعيم الملهم رئيساً كان أم ملكاً، والإنجازات الديمقراطية التي تتحقق جزء منها تفرضه القوى المناضلة من أجل الديمقراطية وجزء يأتي كمنحة من الزعيم "الديمقراطي، وينطبق نفس الأمر على تأسيس المجتمع المدني، وهذا يعني تقبل القول بوجود مجتمعيين مدنيين في هذه المرحلة، وترسخ الديمقراطية الحقيقية سيعزز مكانة المجتمع المدني الحقيقي على المجتمع المدني الذي تؤسسه السلطة.

    ومن هنا يمكن القول أنه لم تتبلور بعد نظرية سياسية حول المجتمع المدني العربي، بل هناك كتابات لم ترق إلى درجة النظرية.

    وبالنسبة للحالة الفلسطينية توجد قواسم مشتركة ما بين الإرهاصات الأولى لتأسيس المجتمع المدني العربي قبل الاستقلال، وسيرورة تشكل المجتمع المدني الفلسطيني، فكلاهما ولد في رحم حركة التحرير الوطنية وكلاهما كان يناضل ضد الاستعمار ويسبق المصلحة الوطنية على المصلحة الفئوية أو الاقتصادية. ولكن ما يفرقهما هو أنه في الحالة الأولى انتقل المجتمع من مرحلة الاستعمار إلى مرحلة الاستقلال مباشرة، أما في الحالة الفلسطينية فما بين الاحتلال والاستقلال جاءت مرحلة الحكم الذاتي المحدود وهي مرحلة ضبابية على كل المستويات، فلا السلطة الفلسطينية سلطة سياسية بمعنى الكلمة ولا المجتمع المدني مجتمع مدني بمعنى الكلمة، وهذا ما يعطي للتجربة الفلسطينية الخصوصية المشار إليها.

    الفصل –
    أهم المصطلحات المستعملة في النظرية السياسية


    فحيث أن النظرية هي مجموعة من المصطلحات أو المفاهيم Concept والقضايا Propositions ،إذن يصبح المصطلح هو العامود الفقري للنظرية أو الوحدة الأساسية
    فيها ،وعليه سنقوم بشرح أهم المصطلحات الرائجة في النظرية السياسية والتي لم يتم التطرق إليها في الفصول السابقة .


    أولا : العدالة:
    من أقدم وأهم المفاهيم السياسية ،حتى بات العدل هو أساس الحكم الصالح وهدف أي نظام سياسي بغض النظر عن الأيديولوجية التي يتبناها -باستثناء الأنظمة العنصرية كالنازية والفاشية والصهيونية- ،وكل النظم السياسية تزعم بأنها تهدف لتحقيق العدل ،إلا أن الممارسة كثير ما تشي بعكس ذلك0 كلمة عدالة ترادف في اللغة الإنجليزية كلمة Justice وهي اشتقاق من الكلمة اللالتينية Jus بمعنى "حق" أو "قانون" Law . والعدالة هي إحدى الفضائل الأربع الكبرى التي سلم بها الفلاسفة في العصور القديمة. وهذه الفضائل هي الحكمة والشجاعة والاعتدال والعدالة.
    يعتبر كل من أفلاطون وأرسطو أول من نظر لمفهوم العدالة. ولقد جاء تحليل أفلاطون لمفهوم العدالة رداً على قول السفسطائيين وعلى لسان ثراسيماخوس بأن العدالة هي مصلحة الأقوى . فلقد دحض أفلاطون مقولتهم هذه ورفضها تماماً في "الجمهورية" مؤكداً أنه لا يجب ولا يجوز أن يكون هناك توازن بين الحق من جانب والقوة من جانب آخر. فالقوة، في رأيه، لا تبرر الحقوق ولا تفرضها، وفي رأيه أن العدالة هي أن يحصل كل فرد على ما هو حق له بمعنى أن يعرف كل فرد وأن يؤدي ما هو مؤهل له بالطبيعة وألا يتدخل فيما هو حق للآخرين،إلا أن هذا التحليل الأفلاطوني يؤسس على ألا مساواة حيث ان أفلاطون يعتبر أن الله خلق الناس غير متساويين ،وبالتالي فالعدالة التي يرومها لا تعني المساواة بين الناس .
    أما أرسطو فلقد اعتبر العدالة القضية المحورية للفكر السياسي كله. ولقد عرفها بأنها حد وسط بين الظلم المتمثل في الاعتداء على ما يخص الآخرين والظلم المتمثل في اعتداء الآخرين على ما يخصك. ولقد ميز أرسطو بين ما أسماء عدالة التوزيع (Distributive justice) وترجع إلى الدولة حيث تعمل على ضمان حصول كل فرد على نصيب عادل من موارد الدولة، وعدالة التعويض (Retributive Justice) وترجع إلى القضاء حيث يعمل على تعويض المظلوم من الظالم.
    ولقد أثر هذا التقسيم الأرسطي لمفهوم العدالة في الفكر السياسي حتى يومنا هذا، وإن كان المفكرون المعاصرون لا ينظرون إلى العدالة التوزيعية و العدالة التعويضية بوصفهما نوعين من أنواع العدالة بل بوصفهما تطبيقين لنفس المفهوم. وعادة ما يبرز التركيز على مفهوم العدالة التعويضية عند الحديث عن القانون وعلاقته بالعدالة، في حين تعظم الإشارة إلى مفهوم عدالة التوزيع عند الحديث عن العدالة الاجتماعية (Social Justice).
    فإذا أخذنا فكرة عدالة التعويض أولاً وجدنا أنها كانت الفكرة المسيطرة على الفكر السياسي الخاص بمفهوم العدالة وحتى الثورة الصناعية. والعدالة، وفقاً لهذا الاتجاه، هي احترام المبادئ والقواعد والحقوق. فهذا الاتجاه يعتبر أن العدالة هي الفضيلة التي تحمي النظام الاجتماعي القائم حيث لكل فرد مركزه ووضعه القانوني المحدد. أما فيما يتعلق بالجانب العقلي لمفهم العدالة التعويضية فقد أكد أنصار هذا المفهوم أنه لا بد من توافر ثلاثة شروط حتى يمكن أن نتكلم عن عدالة العقاب. الشرط الأول هو أن العقاب لا بد أن يقع على هؤلاء الذين أثبتت الإجراءات القانونية أنهم مذنبون دون النظر لاعتبارات العفو أو الرحمة أو تخفيف العقاب. الثاني أن العقوبات لا بد أن تختلف باختلاف الجرائم. والثالث أنه لا بد أن يتناسب العقاب مع الجريمة.

    أما عدالة التوزيع فقد بدأت تظهر شيئاً فشيئاً كمناقشات تذكر بمفهوم أرسطو عنها،وهو الأمر الذي مهد لظهور مفهوم العدالة الاجتماعية وتسيده للفكر السياسي في العصر الحديث خاصة منذ بدايات القرن التاسع عشر. ويرتكز مفهوم العدالة الاجتماعية على افتراضيين أساسيين: الأول هو أن العمليات الاجتماعية تخضع لقوانين بشرية يمكن صياغتها وبالتالي فإنه يمكن عن طريقة إعادة صياغة تلك القوانين إعادة تشكيل المجتمع، والثاني أن الحكومات كمصدر قوة وصاحبة سلطة يمكنها أن تنفذ إعادة تشكيل المجتمع هذا. والمفكرون السياسيون الذين يتحدثون عن العدالة الاجتماعية ينقسمون إلى فريقين. الفريق الأول يناقش مفهوم العدالة الاجتماعية من جهة الاستحقاق (Desert) والتقدير (Merit). أما الفريق الآخر فيناقشها من جهة الحاجة (Need) والمساواة (Equality).
    أما العدالة الاجتماعية من جهة الاستحقاق والتقدير فتعني أن المركز الاجتماعي والدخل المادي لكل فرد لا بد أن يكون متناسباً، بقدر الإمكان، مع مهاراته وكفاءته، ولقد ظهر هذا المفهوم أساساً ليجابه مفاهيم مثل الامتياز بالوراثة ولينادي بمجتمع مفتوح، الفرص فيه متساوية للجميع حتى يبرز من يتساهل الصعود والتألق اعتماداً على قدراته الذاتية. ولكن ثارت مشكلات عدة تتعلق بمفهوم الاستحقاق وكيف يمكن تحديد التقدير عملياً حيث أكد بعض المفكرين أن القول بأن قيمة الفرد تحددها مهاراته وقدراته قول غير منطقي، لأن هذه القيمة لا بد أن يحددها ما يبذله من مجهود فعلي. ويقف وراء هذه المناقشات الاتجاهان: الليبرالي من جانب والاشتراكي من جانب آخر.
    ففي حين أن الفلسفة الليبرالية تؤكد أن السوق الحرة هي معيار تحديد قيمة الفرد وما يستأهله حيث يعرض كل فرد قدراته فتحدد قيمته وفقاً للعرض والطلب المفتوح. إلا أن المفكرين الاشتراكيين ينتقدون هذا الاتجاه الليبرالي مؤكدين أن السوق يتأثر بعوامل غير العرض والطلب مثل الحظ والبيئة الاجتماعية للعارض وغيرها من العوامل التي ليس لها أي علاقة بمهارات العارض وكفاءته فاقترحوا بالتالي أن تحدد قيمة ما يستأهله الفرد بوسائل مباشرة تقوم عليها الدولة مثل نظام تحديد الأجور في ظل اقتصاد موجه حيث تتولى الدولة مهمة التوزيع بين الأفراد حسب كفاياته ووفقاً للمصلحة العامة.
    أما العدالة الاجتماعية من جهة الحاجة والمساواة فتؤكد أن العدالة لا تتحقق إلا بإعادة توزيع الموارد وفقاً لمدى حاجة الأفراد إليها. ويؤكد أنصار مفهوم العدالة هذا إلى أنه يؤدي إلى سيادة مفهوم المساواة حيث إن إشباع حاجات الأفراد بتنويعاتها المختلفة تجعلهم متساوين بمعنى من المعاني. ولكن الصعوبة الأساسية التي تواجه أنصار هذا المفهوم تكمن في تحديد معنى الحاجة. فهل الحاجة هي الرغبة والتفضيل، بمعنى أن كل من يرغب أو يفضل الحصول على شيء يكون بالفعل في حاجة إليه؟ وينبع من هذه الصعوبة صعوبة أخرى هي كيف يمكن تحديد ماهية الحاجة مع الاختلاف الشديد في حاجات الأفراد وفقاً للأنماط الحياتية المختلفة. وفي مواجهة هذه الصعوبات تبلور اتجاهان فكريان رئيسيان الأول هو الاتجاه الشيوعي الذي يرى أن كل فرد أقدر على تحديد حاجاته وأن على الدولة أن توفر بالفعل الموارد اللازمة لإشباع كل الحاجات بغض النظر عن مدى تباينها، ثم هناك الاتجاه الديمقراطي الاشتراكي الذي يرى أن السلطة العامة في الدولة لا بد أن تكون هي المناطة بتحديد حاجات الأفراد وفقاً للمستويات المعيشية السائدة في المجتمع.
    أما أنصار النظرية النفعية فيرفضون مفهوم العدالة الاجتماعية القائم على توزيع الموارد وفقاً للحاجة، كما أنهم يرفضون التوزيع القائم وفقاً للاستحقاق ويؤكدون أن توزيع الموارد في المجتمع يكون عادلاً بالنظر إلى النتائج التي يحققها فإذا ترتب على توزيع ما تحقق أكبر قدر من السعادة لأكبر عدد من الأفراد فهو توزيع عادل بغض النظر عن المبدأ الذي اتبعه.
    وربما بسبب هذه الصعوبات التي يثيرها مفهوم العدالة الاجتماعية المستند إلى مفهوم العدالة التوزيعية ظهر اتجاه حديث يرفض أصحابه التمسك بأفكار العدالة الاجتماعية ويطالبون بالعودة إلى المفهوم التقليدي للعدالة بمعنى احترام القانون والحقوق التي يحميها.
    العدل (في المفهوم الإسلامي):
    العدل – في المصطلح الإسلامي، هو الضد والمقابل للجور والظلم.. لا بالمعنى السلبي، فقط، أي نفي الجور والظلم وغيبتهما.. وإنما بالمعنى الإيجابي، المتمثل في سيادة "الوسطية الإسلامية الجامعة"، التي لا تنحاز إلى قطب واحد من قطبي الظاهرة، وكذلك لا تنعزل عنهما معاً ولا تغايرهما كل المغايرة، وإنما تجمع عناصر العدل والحق فيهما، مكونة الموقف العادل بين ظلمين، الحق بين باطلين، المعتدل بين تطرفين… فالعدل: هو التوسط.. والوسطية الجامعة لعناصر الحق من أقطاب الظواهر موضوع الدرس ومحل النزاع..
    وهذا المعنى –للعدل- في المصطلح الإسلامي – هو الذي يشير إليه حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي يقول "الوسط: العدل.. جعلناكم أمة وسطاً" – رواه الترمذي والإمام أحمد..
    والعدل – في شرعة الإسلام – فريضة واجبة، وضرورة من الضرورات الاجتماعية والإنسانية، وليس مجرد "حق" من الحقوق، التي لصاحبها أن يتنازل عنها إن هو أراد ذلك، أو أن يفرط فيها، بالإهمال، دون وزر وتأثيم..
    إنه فريضة واجبة، فرضها الله، سبحانه وتعالى، على الكافة دون استثناء – بل لقد فرضها على ذاته، سبحانه، بالمعنى اللائق بذاته، حتى لقد جعلها اسماً من أسمائه الحسنى..
    فرضها على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمره بها.. "فلذلك فادع واستقم كما أمرت، ولا تتبع أهواءهم، وقل آمنت بما أنزل من كتاب، وأمرت لأعدل بينكم.." (الشورى: 15)..
    وفرضها على أولياء الأمور، من الولاة والحكام، تجاه الرعية والمتحاكمين.. "إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل، إن الله نعما يعظم به، إن الله كان سميعاً بصيراً" (النساء: 58).
    بل لقد أنبأن الله، سبحانه وتعالى، أن هذه "الأمانة" التي فرض على الإنسان حملها وأداءها، كانت هي المعيار الذي تميز به الإنسان، وامتاز عن غيره من المخلوقات غير المختارة.. "إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوماً جهولا" (الأحزاب: 72).. ومن المفسرين من قالوا : إنها أمانات الأموال والعدل بين الناس فيها..
    وفرضها، معياراً، للعلاقة بين الرعية وبين أولى الأمر –الدولة والسلطان- يشير إليه حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي يحدث الولاة عن تكافؤ "العقد" بينهم وبين رعيتهم، محذراً  الذي يحث الولاة عن تكافؤ "العقد" بينهم وبين رعيتهم، محذراً إياهم من التفريط فيما عليهم تجاه الرعية، في سياق حديثه إلى الرعية عن علاقتهم بالولاة والأئمة: "إن لهم – (الأئمة) – عليكم حقاً، ولكم عليهم حقاً مثل ذلك، ما إن استرحموا رحموا وإن عاهدوا وفوا، وإن حكموا عدلوا فمن لم يفعل ذلك منهم فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين.." –رواه الإمام أحمد..
    وهو – العدل – فريضة في مجتمع الأسرة – الذي هو لبنة بناء مجتمع الأمة.. يشير إليها حديث رسول الله ، الذي يقول فيه :"اعدلوا بين أبنائكم" رواه البخاري ومسلم والنسائي وأبو داود والإمام أحمد.. وتعنيه الآية القرآنية التي تقرر ما للمرأة وما عليها "ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف" (البقرة) .. وتلك التي تعلق التعدد في الزوجات على تحقق العدالة بينهن "فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة.." (النساء: ).
    إنها فريضة شاملة لكل ميادين الحياة.. عدل الولاة في الرعية.. وعدل القضاة في المتحاكمين.. وعدل الإنسان في أهل بيته.. ولهذا الشمول كانت إشارة حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يقول فيه :"المقسطون عند الله يوم القيامة على منابر من نور عن يمين الرحمن، عز وجل، وكلتا يديه يمين، الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا" – رواه مسلم والنسائي والإمام أحمد.
    ويستوي، في وجوب العدل أن يكون الغير أو حيال النفس.. بل إن تحريم الإسلام ظلم الإنسان لنفسه لمن أكبر الأدلة على أن العدل ضرورة وفريضة، وليس مجرد "حق" من الحقوق .. وإلا لجاز للإنسان أن يتنازل عن "حقه" فيه فيظلم نفسه.."إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا: فيه كنتم؟ قالوا: كنا مستضعفين في الأرض، فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا. إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا. فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم، وكان الله عفواً غفوراً" (النساء: - ).
    وحتى هؤلاء المستضعفين، فرض الله على القادرين الجهاد لتحريرهم من الاستضعاف.. "وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذي يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك ولياً واجعل لنا من لدنك نصيراً". (النساء:).
    وتؤكد هذا المعنى – تأثيم ظلم الإنسان لنفسه – الآية الكريمة "الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم فقالوا السلم ما كنا نعمل من سوء، بلى إن الله عليهم بما كنتم تعلمون، فادخلوا أبواب جهنهم خالدين فيها فلبئس مئوى المتكبرين" (النحل:).
    وإذا كان العدل فريضة واجبة، وضرورة اجتماعية للإنسان، وعليه تجاه نفسه.. وتجاه الآخرين.. موالين ومحبوبين كان هؤلاء الآخرون أم معادين مكروهين.. فإنه كذلك، فريضة وضرورة، في مختلف الميادين.. في القانون وإمامه.. وفي الشؤون الأدبية والمعنوية.. وفي أمور المال والثورة والاقتصاد والمعاش – أي التكافل الاجتماعي – (أنظر مادة "التكافل").
    ولقد حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن علاقة التنافي بين "العدل" و "الجور".. فوجود الواحد منهما، يعني نفي الآخر وانتقاءه.. فقال:"لا يلبث الجور بعدي إلا قليلاً حتى يطلع، فكلما طلع من الجور شيء ذهب من العدل مثله، حتى يولد في الجور من لا يعرف غيره؟.. ثم يأتي الله، تبارك وتعالى، بالعدل، فكلما جاء من العدل شيء ذهب من الجور مثله، حتى يولد في العدل من لا يعرف" – رواه الإمام أحمد..
    فهو – العدل – واحد من فرائض الله.. وواحد من قوانينه وسننه في الاجتماع الإنساني.. له معالمه.. وله آلياته في الحضور وفي الغياب.

    ثانيا:الحرية Liberty ,Freedom

    المساواة (في المفهوم الإسلامي):-
    المساواة هي تشابه المكانة الاجتماعية، و الحقوقية ، و المسؤوليات ،و الفرض للناس في المجتمع ،علي النحو الذي تقوم فيه الحالة المتماثلة فيما بينهم..
    وسوى بالشيء ؛ جعله مثله سواء ، فكانا مثلين لين .. وفي القرآن الكريم ؛ "بلى قادرين على أن نسوى بنانه" (القيامة:4)..
    وسواء : تدل على معنى التوسط والتعادل، يقال، فلان وفلان سواء أي متساويان وقوم سواء أي متساوون.
    ولقد شاع الحديث عن المساواة، في فكر الحضارة الغربية، منذ أن أعلنت مبدأ مبادئ حقوق الإنسان ، في الإعلان الذي أصدرته الثورة الفرنسية لذلك سنة 1789م.. فدخلت منذ ذلك التاريخ في الكثير من الدساتير والمواثيق الدولية..
    أما ميادين المساواة، فعادة ما يذكر فيها، المساواة السياسية والمساواة الاقتصادية والمساواة المدنية والمساواة الاجتماعية..
    ويجري الحديث عنها في علاقات المواطنين الداخلية وبين الأمم والدول وبين الأجناس والقوميات والشعوب.
    وبعض المذاهب والفلسفات قد نحت منحاً خيالياً في الحديث عن تصوراتها لتطبيقات مبدأ المساواة بين الناس، فتصوت إمكان تحقيق التماثل الكامل والتسوية الحقيقية بين الناس في كل الميادين، وبالتحديد في الميادين الاقتصادية – شؤون المال والثروة والمعاش – وفي الميادين الاجتماعية – التي تتأثر أوضاعها ومراتبها، عادة، بأوضاع الاقتصاد والمعاش والأموال والثروات. لكن هذه التصورات قد استعصت على الممارسة الواقعية وعلى التطبيق في أي مجتمع من المجتمعات حتى تلك التي حكم فيها أنصار هذه المناصب والفلسفات..
    ولعل أقرب التصورات إلى الدقة والواقعية، في مذهب المساواة، وإمكان وضع مبدئها في الممارسة والتطبيق، وهو التصور الذي يميز بين:
    أ- المساواة بين الناس أمام القانون على النحو الذي ينفي امتيازات المولد، والوراثة، واللون، والعرق، والجنس، والمعتقد..
    فهذه المساواة ممكنة.. بل وضرورية.. وواجبة التحقيق والتطبيق.. وهي قد تحققت بدرجات كبيرة في عديد من المجتمعات.
    ب- والمساواة في تكافؤ الفرص أمام سائر المواطنين.. وسائر الأمم والقوميات وسائر الدول.. المساواة وتكافؤ الفرص المتاحة بمختلف الميادين وذلك حتى يكون التفاوت ثمرة للجهد الذاتي والطاقة المتاحة.. وليس بسبب التمييز والقسر والحجب أو الامتياز.
    جـ- أما المساواة فيما بعد الفرص المتكافئة فإنها هي التي تعد خيالاً وحلماً يستعصي على التحقيق، ويناقض السنن والقوانين الحاكمة لسير الاجتماع والعمران.
    ففي المجتمع الذي تتكافأ فيه فرص تحصيل واكتساب وامتلاك العلم والمال والاشتغال بالشؤون العامة، سياسية واجتماعية، نجد الطاقات لدى الناس متفاوتة، ومن ثم تتفاوت أنصبتهم وحظوظهم في الملك والكسب والمحصول، بسبب تفاوت طاقاتهم المادية والذهنية والإرادية.إلخ. فالمساواة في الفرص المتكافئة لا تثمر مساواة في مراكز الناس المالية والاجتماعية، لتفاوت القدرات، الموروثة، والذاتية، والمكتسبة بين هؤلاء الناس.. فالمساواة في تكافؤ الفرص لا تثمر، بالضرورة، مساواة في أنصبة الناس وحظوظهم من هذه الفرص..
    وحتى المأثورة الإسلامية، التي يحسب بعض الناس أنها تقنن المساواة المطلقة والتماثل المطلق بين كل الناس في كل الميادين.. مأثورة: "الناس سواسية كأسنان المشط.." حتى هذه المأثورة لا تشهد لهذا المعنى في المساواة المطلقة، إذا نحن أكملنا نصها .. فنصها الكامل يقول "الناس سواسية كأسنان المشط، لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى".. فهي لم تغفل الحديث عن التفاضل والتمايز والتفاوت بين الناس، وإنما هي أكدت على حقيقة: ولادة الناس جميعاً متساوين تمام المساواة فهم يولدون على الفطرة، صفحاتهم بيضاء ثم بعد ذلك تتفرق بهم السبل وتتفاوت الأنصبة. والمأثورة تدعو إلى حقيقة ثانية: وهي أن تكون التقوى هي معيار التفاضل والتمايز والتفاوت – والتقوى هي اتقاء كل ما هو سلبي – فهي معنى جامع لعمل المعروف وتجنب المنكر..
    فهي – كما رأينا – جامعة لما فيه المساواة ولما فيه التمايز والتفاضل مع التزكية لتأسيسي التفاضل على التقوى، أي على المشروع الشرعي من الأسباب..
    وإذا جاز لنا أن نصور المساواة، العادلة والممكنة، بين الفرقاء المختلفين، في مجتمع من المجتمعات، أو بين الأمم والقوميات والحضارات، وفي المجتمع الدولي فإن صورة أعضاء الجسد الواحد هي هذه الصورة للمساواة العادلة..
    فإسهام كل عضو من الأعضاء في حياة الجسد وحيويته ليس متماثلاً ولا متساوياً وحظ كل عضو ونصيبه من رصيد حياة الجسد وحيويته ليس متماثلاُ ولا متساوياً.. لكن علاقة كل الأعضاء بكل الجسد هي علاقة "التوازن" –وليست علاقة "المساواة"؟.. فالتوازن والارتفاق، الذي يصبح فيه كل عضو فاعلاً ومنفعلاً ومتفاعلاً مع الآخرين، وكأنه المرفق الذي يرتفق به وعليه الآخرون كما يرتفق هو بهم وعليهم، مع التفاوت في الحظوظ والمقادير والدرجات في عملية الارتفاق والتوازن هذه.. إن هذه الصورة هي الممكنة والحقيقية والعادلة في مبدأ المساواة بالميادين التي تتفاوت في تحصيلها طاقات الناس، وتتفاوت فيها أيضاً احتياجاتهم لما يحصلون من هذه الميادين..
    ولعل هذه الحقيقية الاجتماعية، والسنة الحاكمة في العمران البشري –سنة "التوازن" لا "المساواة المطلقة" – هي التي قادت المجتمعات التي طمعت في تحقيق المساواة المطلقة إلى الإخفاق والإحباط..
    ولعلها هي التي جعلت مذهب الإسلام الاجتماعي لا يذكر حقيقة تميز المجتمع إلى طبقات اجتماعية، مع التأكيد على ضرورة الحفاظ على أن تكون العلاقة بينها عند مستوى "العدل.. الوسط.. التوازن".. وفي كلمات الإمام علي بن أبي طالب (23ق.هـ – 40هـ – 600-661م) إلى واليه على مصر الأشتر النخعي (37هـ-657م) – في عد توليته – الذي يعد من قمم الوثائق الفكرية والسياسية والاجتماعية والإدارية في تراثنا الإسلامي.. في كلماته يقول: "..واعلم أن الرعية طبقات، لا يصلح بعضها إلا ببعض، ولا غنى ببعضها عن بعض، فمنها، جنود الله.. ومنها : كتاب العامة والخاصة ومنها : قضاة العدل ومنها : عمال الإنصاف والرفق.. ومنها: أهل الجزية والخراج، من أهل الذمة ومسلمة الناس ومنها: التجار وأهل الصناعات.. ومنها : الطبقة السفلى، من ذوي الحاجة والمسكنة فالجنود حصون الرعية وسبل الأمن ثم لا قوام للجنود إلا بما يخرج الله لهم من الخراج ثم لا قوام لهذين الصنفين إلا بالصنف الثالث من القضاة والعمال والكتاب ولا قوام لهم جميعاً إلا بالتجار ذوي الصناعات..
    فهي كلمات ترسم لوحة الحقيقة الاجتماعية لمذهب الإسلام الاجتماعي، التعددية، القائمة علاقات أطرافها على "التوازن"، فلا قيام لطرف منها إلا بالارتفاق على الجميع.. ولهذه الحقيقة من حقائق معنى المساواة في مذهب الإسلام، كان "الدفع" وليس "الصراع" هو السبيل الذي يزكيه الإسلام طريقاً لتصحيح الخلل الاجتماعي في علاقات الطبقات، فإنا حل "الخلل الاجتماعي" محل "التوازن الاجتماعي" في العلاقة بين الطبقات، كان "الدفع" – الذي يزيل الخلل، ويعيد التوازن بين الفرقاء، مع الاحتفاظ بسنة التعدد – هو السبيل الإسلامي للحراك الاجتماعي.. وليس "الصراع"، الذي يعني صرع ونفي الآخر، والانفراد بالوجود والثمرات.. فالصراع الاجتماعي والطبقي – كما عرفته مذاهب الحضارة الغربية – قد استهدف مساواة ينفرد فيها طرف –البورجوازية- في الليبرالية – والبروليتاريا – في الشمولية الماركسية –بالوجود والثمرات، بعد نفي النقيض.. أما "الدفع"، في المفهوم الإسلامي، فهو حراك اجتماعي، يغير مواقع الفرقاء المختلفين، ويعيد العلاقة بينهم إلى مستوى "التوازن – الوسط – العدل" عندما ينفي "الخلل .. الظلم" ودون أن ينفي الآخر أو يصرعه بالصراع..
    فالصراع يعني نفي الآخر ".. فترى القوم فيها صرعى كأنهم أعجاز نخلٍ خاوية" (الحاقة:7)..
    أما الدفع فإنه تغيير للمواقع، دون نفي التعددية والتمايز: "ادفع بالتي هي أحسن إذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم" (فصلت: 34)..
    فهو سبيل الحراك الاجتماعي – وليس الصراع الاجتماعي والطبقي – المتسق مع مذهب الإسلام الاجتماعي، الذي يرى المساواة "توازناً" و "عدلاً" بين فرقاء متمايزين – يتأسس تمايزهم على المشروع والحلال من الأسباب والتصرفات.. ولا يراها مساواة مطلقة فيما تتفاوت فيه – بالطبع والكسب – القدرات والاحتياجات..
    ( م ع )
    (الإسلام والثورة) للدكتور محمد عمارة – القاهرة سن 1988م. (نهج البلاغة) للإمام علي بن أبي طالب – طبعة دار الشعب – القاهرة.

    الثورة (في المفهوم الإسلامي):
    الثورة – ككثير من قضايا ومباحث وتطبيقات العلوم الاجتماعية والسياسية والإنسانية – مما تتعدد لها وفيها التعريفات..
    فهي: نقطة تحول في الحياة الاجتماعية، تدل على الإطاحة بما عفا عليه الزمن، وإقامة نظام اجتماعي تقدمي جديد..
    أو هي : التعبير الجذري المفاجئ في الأوضاع السياسية والاجتماعية، بوسائل تخرج عن النظام المألوف، ولا تخلو عادة من العنف..
    أو هي: في التعريف الذي أختاره، العلم الذي يوضع في الممارسة والتطبيق، من أجل تغيير نظم ومجتمعات الجور والضعف والفساد، تغييراً جذرياً وشاملاً، والانتقال بها من مرحلة تطورية معينة إلى أخرى، أقل قيوداً، وأكثر حرية وأبعد في التقدم، الأمر الذي يتيح للقوى الاجتماعية صاحبة المصلحة في هذا التغيير، أن تأخذ بيدها مقاليد القيادة، فتصنع الحياة الأكثر ملاءمة وتمكيناً لها، محققة بذلك خطوة على درب التقدم الإنساني نحو مثله العليا، التي ستظل دائماً وأبداً زاهرة بالجديد، الذي يغري بالتقدم ويستعصي على النفاد والتحقيق..
    والثورة، في علوم الاجتماع الغربية، هي غير "الإصلاح"، لا لتميز وسائلها، عادة، بالعنف، فقط.. وإنما لأن مفهوم "الإصلاح"، في تلك العلوم لا يعني التغيير الجذري والشامل، الذي تعنيه "الثورة" .. بل يعني "الإصلاح" – في العلوم الغربية: الترقيع.. والتغيير الجزئي.. والسطحي.. فهو غير شامل وغير جذري..
    أما في الاصطلاح العربي والإسلامي، فأن المغايرة بين الثورة والإصلاح، في هذا المقام غير قائمة.. فالإصلاح، هو الآخر، تغيير شامل وجذري وعميق – كالثورة تماماً.. وهو إنما يتميز عنها في الأدوات التي يتم بها التغيير .. إذ في الثورة عنف وهياج لا يوجدان في أدوات الإصلاح على نحو ما هما عليه في الثورات.. وفي الإصلاح تدرج، قد لا ترضى عن وتيرته الثورات..
    فرسالات الأنبياء والرسل: تغيير جذري وشامل للحياة والأحياء – فهي متضمنة معنى الثورة- في العمق والشمول.. لكن، لأنها تبدأ بذات الإنسان ونفسه، كانت إصلاحاً بريئاً من العنف والهياج.. فثورة النفس: هياج فيه من الهدم أكثر مما فيه من البناء.. بينما إصلاح النفس: بناء لا هياج فيه.. وقد الله العظيم: "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب" (هود:88)..
    وفي القرآن الكريم إشارات إلى ما يعنيه هذا المصطلح –الثورة- من تغيير عميق، ومن انقلاب في الأوضاع.. فبقرة بني إسرائيل كانت "لا تثير الأرض" (البقرة:71).. أي لا تقلبها، بالحرث، القلب الذي يغيرها فيجعل عاليها سافلها.. ومن الأمم السابقة من "كانوا أشد قوة وأثاروا الأرض وعمرها" (الروم:9).. أي قلبوها، وبلغوا عمقها..
    وفي القرآن والسنة إشارات لتضمن هذا المصطلح لمعنى الهياج والانتشار.. فالخيل، إذا اقتحمت الميدان "فأثرن به نقعاً" (العاديات:4).. أي هيجن به التراب.. والله سبحانه وتعالى، هو "الذي أرسل الرياح فتثير سحابا" (فاطر:9).. أي تهيجه وتنشره..
    وفي الحديث، الذي ترويه السيدة عائشة، رضى الله عنها، حول هياج الأوس والخزرج: "فثار الحيان، الأوص والخزرج، حتى هموا أن يقتتلوا، ورسول الله قائم على المنبر، فلم يزل رسول الله يخفضهم حتى سكتوا وسكت"
    - رواه البخاري ومسلم والإمام أحمد.
    وفي الحديث الذي يرويه مرة البهزي، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم متنبئاً بفتنه عهد عثمان بن عفان: "كيف في فتنة تثور في أقطار الأرض كأنها صياصي – (قرون) –بقر" –رواه الإمام أحمد..
    وكذلك، أحاديث: "أثيروا القرآن، فإن فيه خير الأولين والآخرين". و"من أراد العلم فليثور القرآن".. أي لا تقفوا عند ظواهر الألفاظ، بل أبلغوا العمق "بالقراءة الثورية" للقرآن الكريم؟.
    ولقد استخدم أدبيات الفكر الإسلامي مصطلح "الثورة" للدلالة على هذا المعنى.. فرأس الخوارج، نافع ابن الأزرق (65هـ – 685م) يدعو أصحابه إلى اللحاق بثورة عبد الله بن الزبير (1- 73هـ – 622 – 692م) بمكة، لنصرتها وللدفاع عن بيت الله الحرام فيقول لهم:".. وهذا، من قد ثار بمكة، فأخرجوا بنا نأت البيت ونلق هذا الرجل" الثائر"..
    على أن الأدبيات الإسلامية قد عرفت – للتعبير عن معنى الثورة ومضمونها – أو بعض هذا المعنى والمضمون – مصطلحات أخرى، جرى استخدامها، بل وشيوعها في هذه الأدبيات.
     فمصطلح "الفتنة": شاع استخدامه للتعبير عن الاختلاف، والصراع حول الأفكار والآراء، وقيام الأحزاب والتيارات المتصارعة، والثورة، أي الوثوب، ووقوع البلاء والامتحان والاختبار، وتمييز الجيد من الرديء، عن طريق الصهر في حرارة الأحداث والصراعات.. وهي معان لجوانب من العلم والحدث الثوري..
     ومصطلح "الملحمة": عرفته الأدبيات العربية الإسلامية، للدلالة على التلاحم في الصراع والقتال، والقتال في الفتنة – (الثورة) – بالذات، والإصلاح العميق الذي يشمل الأمة ويعمها، لأنه يؤلف بين أفراد الأمة وطوائفها، فيحقق وحدتها وتلاحمها.. ولذلك، وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه "نبي الملحمة" أي نبي القتال.. ونبي الإصلاح، الذي يقيم وحدة الأمة وتلاحمها..
     ومصطلح "الخروج": دل على الثورة، لأنه عنى الخروج على ولاة الجور، وتجريد السيف لتغيير نظمهم.. ولقد شاع اسم "الخوارج"، علماً على تيار "الثورة المستمرة" في تاريخ الإسلام..
     وكذلك استخدم مصطلح"النهوض" و "والنهضة" ومصطلح "القيام" للدلالة على الخروج، والثورة .. لما فيهما من معنى الوثوب والانقضاض والصراع.. وفي حديث أنس بن مالك، رضي الله عنه: "حضرت عند مناهضة حصن تستر، عند إضاءة الفجر.." – رواه البخاري.. وحديث ابن أبي أولى: "كان النبي صلى الله عليه وسلم، يحب أن ينهض إلى عدوه عند زوال الشمس" – رواه الإمام أحمد..
     كذلك استخدم القرآن الكريم، للدلالة على معنى الثورة، مصطلح "الانتصار".. فالانتصار : هو الانتصاف من الظلم وأهله، والانتقام منهم .. وهو فعل يأتيه "الأنصار" –الثوار- ضد "البغي" الذي هو الظلم والفساد والاستطالة ومجاوزة الحدود..
    استخدم القرآن الكريم هذا المصطلح، في هذه المعاني، عندما قال "فما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا، وما عند الله خير وأبقى للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون، والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواشح وإذا ما غضبوا هم يغفرون، والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون، والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون، وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح بأجره على الله إنه لا يحب الظالمين، ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل، إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق أولئك لهم عذاب أليم، ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور" (الشورى 36-43)..
    فمن صفات المؤمنين: إنهم إذا أصابهم البغي هم ينتصرون..
    بل لقد استثنى القرآن الكريم الشعراء الذين ثاروا وانتصروا من بعد ما ظلموا.. استثناهم من الحكم، الذي أصدره على الشعراء –أنهم في كل واد يهيمون، وأنهم يقولون ما لا يفعلون.. "والشعراء يتبعهم الغاوون، ألم تر أنهم في كل واد يهيمون؟ وأنهم يقولون ما لا يفعلون؟ إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيراً وانتصروا من بعد ما ظلموا، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون" (الشعراء، 224-227)..
    ولعل لعلاقة الانتصار بردع الظلم والبغي .. كان اختيار اسم "الأنصار" للذين انتصروا للإسلام ضد الظلمة والبغة.. والشاعر يخاطب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول:
    والله سمى نصرك الأنصارا أثرك الله به إيثاراً..؟
    هذا عن المصطلحات .. ومضامين هذه المصطلحات..
    أما عن مشروعية الثورة، كسبيل لتغيير نظم الجور والضعف والفساد.. فإنها قضية اختلف فيها علماء الإسلام.. لا لأن أحداً منهم قد أقر الجور أو رضي بالضعف أو هادن الفساد، فالجميع قد آمنوا بأن الأمر بالمعروف والنهي بالمعروف عن المنكر فريضة إسلامية، "ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر" (آل عمران).. و"من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان" – رواه مسلم والترمذي والنسائي والإمام أحمد.. و "لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، ولتأخذن على يد الظالم، ولتأطرنه على الحق أطراً، أو ليضربن الله بعضكم ببعض، ثم تدعون فلا يستجاب لكم" – رواه الترمذي وأبو داود وابن ماجة والإمام أحمد..
    لم يختلف أي من علماء الإسلام على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.. ولقد أجمعوا على وجوب التغيير السلمي – بالإصلاح – لنظم الجور والضعف والفساد.. لكن الخلاف بينهم قام حول استخدام العنف – السيف – الثورة – في التغيير، لا كراهة للتغيير، وإنما لاختلافهم في الموازنة، بين إيجابيات وسلبيات استخدام العنف في التغيير.. ولقد نهضت طبيعة مناهج التفكير، وملابسات العصر بدور كبير في هذا الاختلاف ..
     فالخوارج قد رأوا الخطر الأعظم، على الإسلام والمسلمين، في الانقلاب الأموي الذي حدث على فلسفة الشورى، وعلى علاقة الحاكم بالمحكوم.. فرجحت لديهم كفة الثورة – بل والثورة المستمرة – على كل المحاذير..
     والمعتزلة قد رأوا ذلك الرأي.. مع نضج في الفكر السياسي، جعلهم يشترطون "التمكن"، الذي يجعل النصر محققاً أو ظناً غالباً، لإعلان الثورة.. تفادياً لما جرته الهبات والتمردات من مآس وآلام.. كما اشترطوا وجود الإمام الثائر.. أي الدولة والنظام البديل..
     وأهل الحديث – بإمامة أحمد بن حنبل (164 – 241هـ – 780 – 855م) – قد رفضوا سبيل الثورة، لأنهم رجحوا إيجابيات النظام الجائر على سلبيات الثورة.. فقالوا: "إن السيف – العنف – باطل، ولو قتلت الرجال، وسبيت الذرية، وأن الإمام قد يكون عادلاً ويكون غير عادل، وليس لنا إزالته وإن كان فاسقاً.." ومن أقوال ابن تيمية:"..فستون سنة من إمام جائر أصلح من ليلة واحدة بلا سلطان"..
     والإمام الغزالي (450 – 505هـ – 1058 – 1111م)- من الأشعرية – وقف موقف الموازنة .. فقال عن الحاكم الجائر: "والذي نراه ونقطع به: أنه يحب خلعه إن قدر على أن يستبدل عنه، من هو موصوف بجميع الشروط، من غير إثارة فتنة ولا تهيج قتال. فإن لم يكن ذلك إلا بتحريك قتال، وجبت طاعته وحكم بإمامته.. لأن السلطان الظالم الجاهل، متى ساعدته الشوكة، وعسر خلعه، وكان في الاستبدال به فتنة ثائرة لا تطاق، وجب تركه، ووجبت الطاعة له..".
    ومعنى هذا، أنه إذا احتمل الناس تبعات الثورة، وأطاقوها، ولم يكن التغيير عسيراً.. فإن الثورة تجوز، سبيلاً للتغيير..
    ونحن نلحظ أن أهل الحديث قد غلبوا الالتزام بالماثورات الداعية إلى طاعة الأمراء.. دون تمييز – أحياناً – بين "أمراء القتال" – الذين قيلت فيهم هذه الأحاديث – وبين أمراء وولاة الجور، الذين دار بشأن الثورة عليهم الخلاف..
    كما نلاحظ أن الفترات التي تشهد فيه الخطر الخارجي على الدول الإسلامية – تتريا كان هذا الخطر أم صليبياً – هي التي زادت فيها وعلت الأصوات الرافضة للثورة على ولاة الجور.. وذلك تغليباً –في الموازنة – لكفة الوحدة في مواجهة الخطر الخارجي، على كفة الصراع الداخلي ضد ولاة الجور؟.. فالمواجهة المسلحة مع الكفار، أوجب وأولى من المواجهة مع الظلمة والطغاة؟..
    أما ميادين الثورة فلقد رحبت لتشمل العديد من الميادين .. وعبر المسيرة الحضارية، إذا نحن بحثنا عن التغيير الشامل والجذري، الذي ينتقل بالإنسان إلى طور جديد أكثر تقدماً.. سنجد في الاجتهاد ثورة على التقليد.. وفي الجهاد ثورة على الاستسلام.. وفي التجديد ثورة على الجمود.. وفي الإبداع ثورة على المحاكاة.. وفي التقدم ثورة على الرجعية والاستبداد.. وفي العقلانية ثورة على ظاهرية وحرفية النصوصيين..
    (م ع)
    (الإسلام والثورة) – للدكتور محمد عمارة – طبعة القاهرة سنة 1988م. (مسلمون ثوار) –للدكتور محمد عمارة – طبعة القاهرة سنة 1988.
    الإرهاب

    مصطلح الإرهاب السياسي المتداول في اللغة العربية اليوم هو ترجمة لكلمة TERRORISM الانجليزية وكلمة TERRORISME الفرنسية وهما مشتقان من اللغة الاتينية حيث أن كلمة TERROR تعني الرعب والفزع أو الشخص الذي يبثهما في قلوب الآخرين . ومع ذلك يجب الإشارة إلا أن كلمة إرهاب كلمة عربية أصيلة ذكرت في القرآن الكريم قال تعالى ( وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم ) ويتقاطع معناها مع المعنى الذي يروج اليوم في جانب واحد وهو بث الخوف والرعب ، ولكن الإرهاب المذكور في القرآن يكون لرد المعتدي ، قال الله تعالى ( ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين ) .
    أخذ مصطلح الإرهاب مفهومه السياسي الغربي مع الثورة الفرنسية وتحديدا عام 1794 حيث دخل مصطلح TERRORISME المعاجم الفرنسية بمعنى سياسة الرعب التي بثتها الثورة الفرنسية في عهد روبيسبيير وسان جوست وتحديدا عامي 1793و1794– وسنشير إلى ذلك بعد قليل - . ومنذ ذلك التاريخ أخذ فقهاء السياسة والقانون يستعملون مصطلح الإرهاب للإشارة إلى أعمال العنف السياسي التي تثير الهلع والفزع عند الجمهور ،إلا أن مستجدات الحياة السياسية والعلاقات الدولية ودخول مفاهيم الشرعية السياسية والدولية أضفى بعدا قيميا على مفهوم الإرهاب والعنف السياسي بحيث أن هذا الأخير يقترب أو يبتعد عن الإرهاب بمدى قربه أو بعده عن الشرعية كما يحددها القائمون على النظام السياسي الوطني أو النظام الدولي ، وزاد مفهوم الإرهاب الدولي إرباكا مع انقسام العالم إلى معسكرين متصارعين – المعسكر الإشتراكي والمعسكر الغربي – وظهور حركات التحرر في دول الجنوب .ولم يعد أمر التعرف على الإرهاب وتعريفة يدور حول مكونه المادي – أي عنف ورهبة وفزع – بل حول شرعيتة أو عدم شرعيته .
    وكذا تعددت التعريفات حول الإرهاب ، فقد عرفه الفقيه سوتيل بأنه العمل الإجرامي المقترف عن طريق الرعب أو العنف أو الفزع الشديد بقصد تحقيق هدف محدد . ويعرفه جيفانوفتش بأنه اعمال من طبيعتها أن تثير لدى شخص ما الإحساس بالتهديد مما ينتج عنه الإحساس بالخوف من خطر بأي صورة .إذا كان التعريفان السابقان يعرفان الإرهاب بشكل عام سواء كان سياسيا أو غير سياسي ، فأن هذا الإرهاب يصبح سياسيا عندما يصبح هدف الفاعل من ممارسته لفعل الإرهاب تحقيق هدف سياسي أو التأثير على الوضع العام ،ومن هنا يعرف الفقيه البولوني فاسيورسكي الإرهاب بأنه (منهج فعل إجرامي يرمي الفاعل من خلاله إلى فرض سيطرته بالرهبة على المجتمع أو الدولة بالمحافظة على علاقات اجتماعية عامة أو من أجل تغييرها أو تدميرها ) .

    وبصورة عامة هناك موقفان من " الإرهاب الدولي " (4) :
    الموقف الأول : الموقف الرافض للإرهاب بغض النظر عن الدوافع.
    بما أن العمليات "الإرهابية" تستهدف غالبا مصالح أو أفراد ينتمون للولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل وللدول الأوروبية ،(5) فإن هذه الدول تبذل قصارى جهدها لإسقاط أي صفة شرعية عن هذه العمليات ، فتضع في سلة واحدة كل العمليات الإرهابية سواء منها العمليات الإرهابية الدموية التي تمارسها جماعات لا تمثل إلا نفسها أو قطاع صغير من الشعب والعمليات التي تمارسها دول متطرفة في مواقفها السياسية ومنبوذة دوليا، أو العمليات التي تُمارس من قبل حركات تحرر معترف بها دوليا وتمارس كفاحها المسلح كحق من الحقوق التي منحها المنتظم الدولي وتطبيقا لحق تقرير المصير.
    يلاحظ أن أنصار هذا التيار المعارض كليا للإرهاب السياسي يكرس كل وسائله الإعلامية لمحاربة هذه الظاهرة والتنديد بمن يقف وراءها دون البحث في أهدافها والدوافع الكامنة وراء ممارسة هذا الضرب من العنف السياسي. وقد تحفظت هذه الدول ودول أخرى تدور في فلكها بشأن شرعية نضال حركات التحرير الوطنية ، وهذا ما ظهر جليا من خلال الاجتماعات المتكررة للجمعية العامة للأمم المتحدة ولمجلس الأمن لبحث هذه الظاهرة، وكما يظهر من خلال التعريف الذي تعطيه هذه الدول للإرهاب الدولي. عرّفت الولايات المتحدة الإرهاب الدولي بأنه : " التهديد باستخدام العنف لأغراض سياسية بواسطة أفراد أو جماعات سواء يعملون مع / أو معارضون لسلطة حكومية ثابتة، سواء قصد بأعمالهم صدم أو إكراه جماعة مستهدفة أوسع قدرا من الضحايا المباشرين".(6)
    الموقف الثاني : البحث عن الدوافع قبل الإدانة ( شرعية الغاية تشرعن الوسيلة).
    من دعاة هذا الموقف مجموعة من دول العالم الثالث بما فيها الدول العربية، ويتلخص موقفها في أن معالجة (الإرهاب الدولي) لا تتم بمجرد إدانته أو تجريم مرتكبيه، لأن هذا لا يشكل إلا نصف القضية ولن يحل المشكلة ، إن محاربة الإرهاب الدولي تكمن في البحث في جذور الظاهرة، بواعثها، وأهداف القائمين بها، فالغاية قد تبرر الوسيلة أحيانا.
    برز التباين لأول مرة ما بين أنصار الموقف الأول الرافض للإرهاب دون البحث في بواعثه وأهدافه والموقف الثاني الذي يجد سندا شرعيا لممارسي بعض العمليات الإرهابية ، في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة لبحث ظاهرة "الإرهاب الدولي" ، على إثر قيام مجموعة من الفدائيين الفلسطينيين بعملية فدائية ضد الفريق الرياضي الإسرائيلي ومرافقيهم في ميونيخ عام 1972 وفي الاجتماعات اللاحقة ، وما زال التباين بين وجهتي النظر مطروحا حتى اليوم بالرغم من قرار مجلس الأمن يوم 12 سبتمبر 2001 بعد العمليات التفجيرية في نيويورك وواشنطن.
    وفي عام 1973 أخذت الجمعية العامة للأمم المتحدة بوجهة نظر التيار الثاني في تحديد موقفها من "الإرهاب الدولي" فجاء في توصيات الجمعية العامة حول الموضوع: " على الرغم من الحاجة إلى مكافحة الإرهاب الدولي وغيره من وسائل العنف التي تهدد أرواح الأبرياء أو تحرم الأفراد من حرياتهم الأساسية إلا أن الأمر يتطلب دراسة الأسباب التي تكمن وراء ممارسة الإرهاب، والتي تجد جذورها في الإحساس باليأس والإحباط والظلم، والذي يدفع بعض الناس إلى التضحية بالأرواح الإنسانية، بما في ذلك أرواحهم هم أنفسهم وذلك من أجل أحداث تغييرات راديكالية في معالم هذه الصورة القاتمة ".(7)
    يمكننا استخراج العناصر المكونة للعمل الإرهابي بصورة عامة وهي :
    1- أنه عمل عنيف يعرض أرواح وممتلكات الأفراد للخطر أو يهدد بتعريضها.
    2- موجه إلى أفراد أو مؤسسات ومصالح أو كليهما معا تابعة لدولة ما.
    3- يقوم به أفراد أو جماعات بصورة مستقلة، أو يكونون مدعومين من طرف دولة ما.
    4- يهدف إلى تحقيق أهداف سياسية.
    ومن خلال العناصر أعلاه المكونة للعمل الإرهابي بصورة عامة، يمكن القول أن جوهر الإشكالية يتمحور حول العنصر الأخير، أي الهدف السياسي للعمل الإرهابي، ذلك أن تحديد شرعية العمل الإرهابي أو عدم شرعيته يرتبط بمدى شرعية الأهداف السياسية ، فشرعية الأهداف السياسية تسقط صفة الإرهاب بمعناها الإجرامي عن العمليات العنيفة التي تقوم بها الجماعات السياسية الممارسة لها، من منطق أن العنف ليس بالأمر الغريب عن الحياة السياسية.ولكن يبقى السؤال الذي يجعلنا ندور في حلقة مفرغة ، من هي الجهة أو المرجعية التي لها الحق في تقييم شرعية أو عدم شرعية العمل الإرهابي ؟ .
    وفي الواقع فإن اعتماد (شرعية) الهدف من استعمال ذلك النوع من العنف السياسي المسمى (إرهاب) كمقياس للحكم على مدى شرعيته ليس بالأمر المستحدث، بل نجد له جذورا في التاريخ السياسي الأوروبي.
    ثالثا : النضال من أجل تقرير المصير للشعوب : إرهاب أم كفاح مشروع ؟ :

    أكدت الثورتان الفرنسية والأمريكية على الحق في الحرية والمساواة للأفراد، وأصبحت مسألة الاستقلال والحرية للشعوب والأفراد من المبادئ المعترف بها في المواثيق والاتفاقات الموقعة ما بين دول العالم الغربي ودُونت في دساتير دوله، إلا أن تطور المنتظم الدولي وتطور الأفكار السياسية حتما ضرورة خروج هذه المبادئ من إطارها الأوروبي الأمريكي لتأخذ صبغة عالمية، وتمد جذورها في بلدان آسيا وإفريقيا، ولكن تطبيق هذه المبادئ كان يصطدم بغياب الاستقلال الوطني لشعوب هذه القارات بسبب الاستعمار الذي مارسته نفس الدول التي قالت بالحرية والاستقلال وناضلت من أجلهما .
    وهكذا بدأت الأصوات تتعالى مطالبة بحق الشعوب في تقرير مصيرها الوطني ،هذا الحق الذي وردت فكرته في المبادئ الأربعة عشر التي أعلنها الرئيس الأمريكي ويلسون إبان الحرب العالمية الأولى، ثم أكدت عليها الأمم المتحدة بتدوينها في مقاصدها فحثت على إنماء العلاقات الودية على أساس احترام "المبدأ الذي يقضي بالتسوية في الحقوق بين الشعوب وبأن يكون لكل منها الحق بتقرير مصيرها".(19)
    إن ازدواجية الغرب في التعامل مع هذه المبادئ تبدو جلية إذا عرفنا أن أول من طبق مبدأ حق تقرير المصير وحق الشعوب الخاضعة للاحتلال بمقاومة الاستعمار هو الغرب نفسه عندما قامت القوات النازية باحتلال فرنسا والعديد من دول أوروبا ، آنذاك نهضت دول العالم الحر وعلى رأسها الولايات المتحدة وناصرت الشعوب المحتلة من النازيين بالمال والسلاح ، بل وضعت أراضيها لتكون قواعد لجيش تحرير فرنسا وغيره من حركات مقاومة النازية والفاشية ، ولو الدعم الذي وجدته شعوب أوروبا من الولايات المتحدة وبريطانيا والاتحاد السوفييتي لكان مصير أوروبا ومصير العالم اليوم مختلفا.
    بعد نهاية الحرب العالمية الثانية أخذت الجمعية العامة على مسئوليتها وضع هذا الحق موضع التنفيذ، من خلال تشجيع الدول غير المتمتعة بالاستقلال على المطالبة بحقوقها، وحث الدول المستعمرة على منح الشعوب الخاضعة لها ،الاستقلال والحرية ومد يد العون لها. وفي قرار للجمعية العامة معنون بـ : "إعلان منح الاستقلال للبلدان والشعوب المستعمَرة" نصت الفقرتان الأوليتان منه على :
    1-. إن إخضاع الشعوب لاستعباد الأجنبي وسيطرته واستغلاله يشكل إنكارا لحقوق الإنسان الأساسية، ويناقض ميثاق الأمم المتحدة، ويهدد قضية السلم والتعاون العالميين.
    2-. لجميع الشعوب الحق في تقرير مصيرها، ولها بمقتضى هذا الحق أن تحدد بحرية مركزها السياسي، وتسعى بحرية إلى تحقيق إنمائها الاقتصادي والاجتماعي والثقافي.(20)
    ومن منطلق أن الاستعمار نقيض لحق تقرير المصير، فقد جددت الجمعية العامة التنديد بالاستعمار وبالسياسة الاستعمارية التي تحرم الشعوب من حريتها واستقلالها وتشكل انتهاكا لكرامة الإنسان، كما نددت بكل أشكال احتلال الأراضي بالقوة باعتباره شكلا من أشكال الاستعمار.
    ولأن الاستعمار ينتهك الكرامة الإنسانية، ولأن حق تقرير المصير تدعمه الشرعية الدولية ويخدم السلام العالمي، فقد أعطت الجمعية العامة الحق للشعوب باللجوء إلى كل أشكال النضال بما فيها الكفاح المسلح من أجل نيل استقلالها وهذا ما جاء واضحا في البرنامج الصادر عن الجمعية بتاريخ 12/10/1970 والمعنون بـ : "برنامج العمل من أجل التنفيذ التام لإعلان منح الاستقلال للبلدان والشعوب المستعمرة"، حيث اعتبر البرنامج أن الاستعمار بأي شكل من الأشكال يعتبر خرقا لميثاق الأمم المتحدة ولكل المواثيق الدولية، كما اعتبر : " أن للشعوب المستعمرة حقها الأصيل في الكفاح بجميع الوسائل الضرورية التي في متناولها ضد الدول الاستعمارية التي تقمع تطلعاتها إلى الحرية والاستقلال" وحث البرنامج الدول بتقديم "كل مساعدة معنوية ومادية تحتاج إليها في كفاحها لنيل الحرية والاستقلال".
    إلا أنه كان لقرار الجمعية العامة الصادر عام 1977، أهمية خاصة حول الموضوع، فهو من جانب اتُخذ بأغلبية ساحقة في الأصوات كما أنه خطا خطوة مهمة بربطه مباشرة بين حق تقرير المصير وشرعية اللجوء للكفاح المسلح، كما أنه ندد بالدول التي تنكر على الشعوب حقها في النضال لنيل الاستقلال. ونظرا لأهمية القرار فإننا نورد هنا أهم فقراته.
    "إن الجمعية العامة،
    إذ تؤكد من جديد، ما للإعلان العالمي لحق الشعوب في تقرير المصير والسيادة والسلامة الإقليمية وللإسراع في منح الاستقلال للبلدان والشعوب المستعمرة من أهمية بوصفهما شرطين حتميين للتمتع بحقوق الإنسان.
    وإذ تستنكر الانتهاكات المستمرة لحقوق الإنسان التي تُرتكب في حق الشعوب التي لا تزال واقعة تحت السيطرة الاستعمارية والأجنبية، والتحكم الأجنبي ،ومواصلة الاحتلال غير الشرعي لناميبيا ، وحرمان الشعب الفلسطيني من حقوقه الوطنية غير القابلة للتصرف...
    1- تدعو جميع الدول إلى التنفيذ الكامل والأمين لقرارات الأمم المتحدة بشأن ممارسة الشعوب الواقعة تحت السيطرة الاستعمارية والأجنبية لحق تقرير المصير.
    2- تؤكد من جديد شرعية كفاح الشعوب في سبيل الاستقلال والسلامة الإقليمية والوحدة الوطنية والتحرير من السيطرة الاستعمارية والأجنبية ومن التحكم الأجنبي بجميع ما أتيح لهذه الشعوب من وسائل بما في ذلك الكفاح المسلح .
    3- تؤكد من جديد ما لشعبي ناميبيا وزمبابوي وللشعب الفلسطيني وسائر الشعوب الواقعة تحت السيطرة الأجنبية والاستعمارية، من حقوق، غير قابلة للتصرف، في تقرير المصير والاستقلال الوطني والسلامة الإقليمية والوحدة الوطنية والسيادة، دون أي تدخل خارجي.
    4-. تدين بقوة جميع الحكومات التي لا تعترف بحق تقرير المصير والاستقلال لجميع الشعوب التي ما زالت واقعة تحت السيطرة الاستعمارية والأجنبية والتحكم الأجنبي ولا سيما شعوب إفريقيا والشعب الفلسطيني".(21)
    يتبين لنا من خلال مقارنة العنف الذي تمارسه الشعوب إعمالا لحقها في تقرير مصيرها، بالعنف الوارد في الحالتين السابقين المشار إليهما- عنف الدولة مع الثورتين الفرنسية والروسية وعنف الجماعات الفوضوية ومثيلاتها -، أن النوع الأول يحظى بالشرعية الدولية ويأتي دفاعا عن النفس، فهو عنف يستهدف إلغاء حالة القهر والتسلط التي تمارسها القوى الاستعمارية ضد الشعوب المستعمرة كما أنه عنف يصب في مصلحة السلام العالمي انطلاقا من كون الاستعمار يتناقض مع السلام العالمي، أو بمعنى آخر أنه عنف أو إرهاب مشروع يأت ردا على إرهاب الدولة الذي تمارسه الدول الاستعمارية من منطلق أن الاستعمار هو إرهاب بل أبشع أشكال الإرهاب ، حيث يشمل بإرهابه كل الشعب ، مهددا استقراره ومهينا كرامته وسالبا حريته .
    لقد مارست العديد من الشعوب هذا الضرب من النضال أو الإرهاب المشروع ضد مستعمريها وقاهريها، بل يمكننا القول بأن غالبية الشعوب المستعمَرة والتي نالت استقلالها، لجأت إلى أسلوب الكفاح المسلح ودعمتها في ذلك قوى التحرر العالمي والشعوب المحبة للسلام، مع اختلاف في المضامين الأيديولوجية التي توجه هذا النضال. ولأن سياسة التحرر من الاستعمار كانت دائما توجه ضد الدول الرأسمالية ومصالحها، فإن هذه الحقيقة كانت وراء المواقف المتحفظة التي وقفتها وتقفها الدول الغربية والولايات المتحدة في مواجهة حركات التحرر العالمية وأخرها حركة التحرر الفلسطينية.
    لقد أعطى العنف المتضمن في الكفاح المسلح مضامين أبعد من المضامين ذات البعد العسكري المحض، فهذا فرانز فانون يعتبر "أن محو الاستعمار لهو خالق رجال جدد، حقا أن المستعمر يصبح إنسانا بمقدار ما يحدث من عمل لتحرير ذاته … لقد أدرك المستعمر منذ ولادته إدراكا واضحا أن هذا العالم المضيق المزروع بأنواع المنع لا يمكن تبديله إلا بالعنف المطلق".(22)
    بل إن فانون ، ذلك الزنجي القادم من جزر المارتنيك للقتال إلى جانب الشعب الجزائري ضد الفرنسيين، لا يتصور أن ينال شعب من الشعوب استقلاله، أو أن تتحد أمة من الأمم دون اللجوء إلى العنف الذي يرفع القانون من قيمته إلى درجة التقديس، ذلك أن "محو الاستعمار إنما هو حدث عنيف دائما" 23)
    يمكننا استخلاص بعض المضامين المميزة للعنف المصاحب للكفاح المسلح تطبيقا لحق الشعوب في تقرير مصيرها.
    1-. إنه عنف جماهيري، فهو عنف أغلبية الشعب أو يحض برضى الأغلبية.
    2-. إنه عنف موجه ضد قوى مستعمرة أو نظام يفتقر للشرعية.
    3-. هدف العنف إجبار المستعمر على منح الشعب حقه في تقرير مصيره.
    4-. هذا العنف مدعم بالشرعية الدولية ويخدم السلام العالمي.
    5-. لا يمكن القول بأن هذا النوع من العنف يشكل عدوانا ضد أحد، فهو بمثابة الدفاع عن النفس، فهو عنف في مواجهة عنف أكبر.
    6- نظرا لأن المستعمر (بكسر الميم)، لا يقتصر تواجده على الأرض المستعمَرة بل إن سيادته تشمل أماكن أخرى، فإن الحق في اللجوء للكفاح المسلح يمتد إلى حيث يوجد المستعمر.
    7- نظرا لأن القوى المستعمرة تتفوق عسكريا على الشعب الخاضع للاحتلال ،مما يجعل قدرة حركات التحرر على مقارعته بنفس أدواته القتالية – طائرات ودبابات وصواريخ – فمن الطبيعي والمشروع أن تلجا حركات التحرر إلى الوسائل القتالية المتاحة وخصوصا العمليات الاستشهادية وضرب العدو في نقاط ضعفه.
    رابعا : شرعية العمليات الفدائية التي يمارسها الفدائيون العرب ضد إسرائيل :

    سبق وأن ذكرنا في بداية البحث أن هناك موقفان تجاه ما يسمى بـ (الإرهاب الدولي) : موقف رافض له بالمطلق وموقف آخر يحبذ البحث في الدوافع والأهداف قبل الإدانة، و السبب في الاختلاف يرجع إلى مواقف إيديولوجية ومصلحية، ذلك أن من يضع الكفاح المسلح للشعوب لنيل حقها في تقرير المصير ، في سلة واحدة مع عمليات الإرهاب ذات الطابع الأوروبي الغربي والتي هي إفراز لواقع المجتمع الأوروبي أو مع الإرهاب الذي تمارسه جماعات داخل دول الجنوب ولكنها تفتقر إلى الشرعية والدعم الشعبي ، إنما يشوه نضال حركات التحرر ، ويحارب حق هذه الشعوب في الاستقلال وتقرير المصير. وليس من الصعب فهم أسباب رفض اعتراف الغرب وإسرائيل بشرعية كفاح حركات التحرر ،ذلك أن استقلال وتحرر شعوب العالم الثالث من الاستغلال والهيمنة والتدخل الأجنبي بكل أشكاله يعني تقليص نفوذ الدول الرأسمالية ووضع حد لتحكمها في هذا العالم، وهذا يعني وضع حد للمنافع المادية الضخمة التي جناها ويجنيها العالم الرأسمالي باستغلاله للشعوب، ومن جهة أخرى يتأتى الموقف الغربي الأمريكي الصهيوني الرافض لإضفاء الشرعية على العنف المسلح الذي كانت تخوضه حركات التحرر وما زال يخوضه الشعب الفلسطيني، من كون أن هذه الأخيرة كانت تحظى بدعم ومساندة الدول الاشتراكية وغالبا ما كانت تتبنى مواقف سياسية وإيديولوجية متشابهة مع مواقف المعسكر الاشتراكى – سابقا-.
    ومن هنا ليس غريب أيضا أن تكون غالبية العمليات المصنفة تحت عنوان – الإرهاب - تُمارس ضد مصالح إسرائيلية أو أمريكية أو أوروبية ، وغالبا ما توجه أصابع الاتهام إلى العرب والمسلمين ، وقبل انتشار نفوذ حركات الإسلام السياسي كانت أصابع الاتهام توجه مباشرة للفلسطينيين . وقد دأبت وسائل الإعلام الغربية والإسرائيلية على تضخم أية عملية عنيفة مسلحة يشتبه في أن مرتكبها عربي أو مسلم ، بينما تتجاهل أو تقلل من أهمية العمليات الإرهابية التي تمارسها جماعات إرهابية أوروبية كجماعة الباسك في إسبانيا والجيش الجمهوري في أيرلندا ، ولا تهتم بالعنف الذي تمارسه حركة التاميل في سيريلانكا أو يمارسه حزب العمال الكردستاني في تركيا ، الخ ، فقد منحت الولايات المتحدة لزعيم الجيش الجمهوري الأيرلندى تأشيرة دخول لها وتم استقباله من طرف مواطنيه من حملة الجنسية الأمريكية استقبال الأبطال .
    هذه الانتقائية في التعامل مع ما يُدرج تحت عنوان الإرهاب السياسي ، من الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل تحديدا،إنما تهدف لتحميل العرب والمسلمين مسؤولية ظاهرة "الإرهاب الدولي" وتشويه نضال الفلسطينيين ومن يناصرهم في نضالهم من أجل الحرية والاستقلال ،كما نصت على ذلك قرارات المنتظم الدولي، وتصوير الفلسطينيين والعرب والمسلمين أنهم إرهابيون وقتلة، بل وإعطاء المبرر للاعتداء على سيادة دول عربية تحت شعار محاربة الإرهاب ، وهذا ما بدأت تتضح معالمه مع الحملة الأمريكية الأخيرة ضد الإرهاب .

    لقد أكدت الأمم المتحدة في قرارات متعددة على حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، ولأن المجال لا يتسع هنا لسرد كل القرارات المتعلقة بالموضوع، فسوف نذكر بعضها.
    في عام 1970، أكدت الجمعية العامة مطالبتها بضرورة انسحاب إسرائيل من الأراضي العربية المحتلة، وبالكف عن انتهاك حقوق الإنسان في الأراضي المحتلة وأعلنت أنها : "تعترف لشعب فلسطين بالتساوي في الحقوق وبحق تقرير مصيره بنفسه وفقا لميثاق الأمم المتحدة. وتعلن أن الاحترام التام لحقوق شعب فلسطين غير القابلة للتصرف هو عنصر لا غنى عنه في إقامة سلام عادل ودائم في الشرق الأوسط".50(24)
    وفي عام 1974، وعلى إثر اعتراف مؤتمر القمة العربي بالرباط بأن م.ت.ف. هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، صدر عن الجمعية العامة قرار، يوم الثاني والعشرين من نوفمبر 1974، يؤكد من جديد الحقوق الأساسية للشعب الفلسطيني، حيث أعربت فيه الجمعية العامة عن قلقها لما يمثله عدم التوصل إلى حل للقضية الفلسطينية من مخاطر على الأمن والسلام الدوليين، ولكون الشعب الفلسطيني قد مُنع من التمتع بحقوقه غير القابلة للتصرف بما فيها حقه في تقرير مصيره، كما نص القرار على أن الجمعية العامة :
    1- تؤكد من جديد حقوق الشعب الفلسطيني في فلسطين، غير القابلة للتصرف وخاصة :
    أ) الحق في تقرير مصيره دون تدخل خارجي.
    ب) الحق في الاستقلال والسيادة الوطنية.
    2- وتؤكد من جديد أيضا حق الفلسطينيين، غير القابل للتصرف، في العودة إلى ديارهم وممتلكاتهم التي شردوا عنها واقتلعوا منها وتطالب بعودتهم.
    3- وتشدد على أن الاحترام الكلي لحقوق الشعب الفلسطيني هذه، غير القابلة للتصرف وإحقاق هذه الحقوق أمران لا غنى عنهما لحل قضية فلسطين.
    4- وتعترف بأن الشعب الفلسطيني طرف رئيس في إقامة سلام عادل ودائم في الشرق الأوسط.
    5- وتعترف كذلك بحق الشعب الفلسطيني في استعادة حقوقه بكل الوسائل وفقا لمقاصد الأمم المتحدة ومبادئها.
    6- وتناشد جميع الدول والمنظمات الدولية أن تمد بدعمها الشعب الفلسطيني في كفاحه لاسترداد حقوقه وفقا للميثاق.
    7- وتطلب إلى الأمين العام أن يقيم اتصالات مع منظمة التحرير الفلسطينية في كل الشؤون المتعلقة بقضية فلسطين.51
    كما منحت الجمعية العامة منظمة التحرير الفلسطينية مركز المراقب في الجمعية وفي المؤتمرات الدولية الأخرى التي تعقد برعاية الأمم المتحدة.
    وهكذا أعطت الأمم المتحدة لشعب فلسطين الحق باستعمال كافة الوسائل بما فيها الكفاح المسلح من أجل إحقاق حقوقه المشروعة.
    اعتراف الأمم المتحدة بشرعية الكفاح المسلح لحركات التحرر ينبع من عدالة القضية التي تدافع عنها حركات التحرر وهي الإستقلال وتقرير المصير ، أيضا من كون الكفاح المسلح هي طريقة القتال أو الحرب المتاحة أمام الشعوب الضعيفة في مواجهة قوى المستعمر المتفوقة والمدعومة بأحدث ما اخترع من آلات الحرب والدمار، ذلك أن الشعب المستعمر (بفتح الميم) غير قادر على خوض حرب كلاسيكية مع المستعمر، حرب مواجهة تحشد لها الجيوش، فيلجأ لما يتوفر عليه من إمكانات تتيح له إلحاق الأضرار بالخصم وإرهاقه، واستنزاف قواه من خلال تسليح الجماهير وتدريبها واستعمال أسلوب القتال في مجموعات صغيرة، واللجوء إلى أسلوب الكر والفر وضرب مواقع منعزلة للعدو، أو قطع خطوط تموينه ،و غير ذلك من الأساليب التي تختلف باختلاف ظروف كل بلد.
    إن كانت الأمم المتحدة أعطت للشعوب بما فيها الشعب الفلسطيني الحق في اللجوء إلى الكفاح المسلح ضد الاحتلال الأجنبي، فإنه لم يتم التطرق إلى مجال محدد يمارس فيه هذا الكفاح المسلح .
    ولكننا نرى أن الكفاح المسلح موجه إلى الدولة المستعمرة، المنكرة على الشعب حقه في تقرير مصيره، والدولة تعني أفرادا ومصالح ومؤسسات تخضع لسيادتها، وعليه فإن كل ما يخضع لسيادة الدولة المستعمرة وإشرافها يصلح محلا لممارسة الكفاح المسلح ضده باستثناء المدنيين .
    فإذا قلنا حق الشعب الفلسطيني في الكفاح المسلح ضد إسرائيل، فإن هذا يعني الحق في ممارسة الكفاح المسلح أينما امتدت السيادة الإسرائيلية ، يعني أن السفارات الإسرائيلية في الخارج والسفن والطائرات الإسرائيلية والشركات الإسرائيلية وكل العاملين في هذه الأماكن بما انهم يخضعون للسيادة الإسرائيلية وينفذون السياسة الصهيونية، ويخدمون أهدافها التوسعية العدوانية ،فهم هدف مشروع لممارسة الكفاح المسلح ضدهم، وقد عبر فرانز فانون عن ذلك يقوله "أن القتال في الحرب العصابات لا يتم في المكان الذي يكون فيه المقاتل، بل في المكان الذي يذهب إليه، إن كان مقاتل في حرب العصابات إنما ينقل الوطن إلى حيث تمضي قدماه العاريتان".52
    وهذا الطرح وإن كان يجد مبرره في الطبيعة العدوانية للكيان الصهيوني الرافض للسلام والمنتهك لكل الشرائع الدولية والإنسانية ، فأنه يتوافق أيضا مع الموقف الذي اتخذته الجمعية العامة حول "الإرهاب الدولي" بل أيضا أُخذ به في الاتفاقية الدولية لـ "مناهضة أخذ الرهائن" التي وضعتها الأمم المتحدة عام 1979، فبعد أن وصفت الجمعية العامة أخذ الرهائن بأنه "عمل يعرض حياة الأشخاص الأبرياء للخطر وينتهك الكرامة الإنسانية". ذكرت في المادة (12) منها ما يلي :
    "لا تسري هذه الاتفاقية على فعل من أفعال أخذ الرهائن يُرتكب أثناء المنازعات المسلحة المعرفة في اتفاقيات جنيف لعام 1949 أو بروتوكولاتها، بما في ذلك المنازعات المسلحة التي يرد ذكرها في الفقرة 4 من المادة 1 من البروتوكول الأول لعام 1977، والتي تناضل فيها الشعوب ضد السيطرة الاستعمارية والاحتلال الأجنبي ونظم الحركة العنصرية، ممارسة لحقها في تقرير المصير كما يجسده ميثاق الأمم المتحدة وإعلان مبادئ القانون الدولي المتعلقة بالعلاقات الودية والتعاون بين الدول وفقا لميثاق الأمم المتحدة ".
    وشعورا من منظمة التحرير الفلسطينية بشرعية النضال الفلسطيني والدعم العالمي الذي يحظى به هذا النضال، دافع السيد ياسر عرفات رئيس منظمة التحرير الفلسطينية، في كلمته في الأمم المتحدة يوم الثالث عشر من نوفمبر 1974، عن الكفاح المسلح الذي يخوضه الشعب الفلسطيني ضد إسرائيل، مميزا بين هذا الشكل من الكفاح وبين الإرهاب فقال :
    "إن الذين يسموننا إرهابيين يريدون أن يحولوا دون اكتشاف الرأي العالمي لحقيقتنا ودون رؤيته للعدالة في وجوهنا، وهم يسعون إلى إخفاء ما تتسم به أعمالهم من إرهاب وطغيان، وموقفنا في الدفاع عن النفس …".
    وحدد المقياس في التمييز بين الإرهابي وبين المناضل من أجل الحرية ، بالهدف الذي يقاتل من أجله حيث أن "الفرق بين الثوري والإرهابي يكمن في السبب الذي يقاتل كل منها من أجله، إذ ان كل من يناصر قضية عادلة ويقاتل في سبيل الحرية وتحرير أرضه من الغزاة والمستعمرين، لا يمكن بأي حال أن يسمى إرهابيا".
    ولكن يبدو أن تعقد الظاهرة الإرهابية وتداخل مكونات عدة في تشكيلها، ونظرا لصعوبة المنعطف الذي مرت به القضية الفلسطينية بعد إخراج منظمة التحرير من لبنان 1982، صدر بيان القاهرة في العام 1985 عن رئيس منظمة التحرير السيد ياسر عرفات ، الذي أعطى موقفا جديدا من الإرهاب تميز بنبذ العمليات الفدائية خارج حدود فلسطين المحتلة ، حدث هذا في وقت تكثف فيه الحديث عن التسوية السلمية الصراع العربي الإسرائيلي .53
    ثانيا :الجهاد : شرعية المبدأ والتباس الممارسة :
    لن ندخل في تحليلات فقهية - لأننا ليس من أهل الاختصاص - ولكن نشير إلى ان القرآن الكريم تحدث عن الإرهاب والقتال والجهاد والحرابة كحالات تستوعب ما يسمى اليوم بالعنف السياسي ، وقد ذكر ما يشير إلى الإرهاب في الآية :" وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم" ، فالإسلام لا يمانع بممارسة الإرهاب والترهيب ولكن ضد أعداء الله واعداء الوطن وكحالة دفاعية أو ما يسمى اليوم بحالة الدفاع الشرعي عن النفس ، يقول تعالى ( ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين ) . أما (الحرابة)، فيقول فيها صبحي الصالح : (أنها توحي لغة بالمخالفة والمضادة ومدلولها اللغوي هذا يُلمح أيضا في الاصطلاح الفقهي ، عند إفساد الأمن وتعطيله بالإرهاب ،ومضاده النظام والخروج عليه بقوة السلاح لقطع الطريق وإخافة الآمنين والفساد في الأرض).56
    ويرى صبحي الصالح بأنه إذا كانت الأعمال المدرجة ضمن الأعمال الإرهابية التي تطرق إليها تعريف الحرابة قد عددت على سبيل المثال وليس الحصر الحالات التي عاصرها القدامى، فإنها تنطبق أيضا على حالات مستحدثة لها علاقة بالتطور التكنولوجي والنمو في مجالات المعرفة الأخرى التي أصبحت سمة من سمات العصر الحديث وبالتالي فإن الحرابة تصدق على أعمال وممارسات هي وليدة عصرنا الحالي.
    ونرى أن هذا التعريف يصدق على العديد من المجموعات الإرهابية في العالم الرأسمالي حيث انتشرت عصابات المافيا، والجماعات العنصرية والمنظمات التي ترفض نمط الحياة الرأسمالية واستلاب الإنسان من قبل الآلة وتعقد الحياة الاجتماعية والاقتصادية ، كما أن بعض الأنظمة العربية والإسلامية المشتبكة في صراع مع جماعات إسلامية تدرج هذه الجماعات ضمن مفهوم الحرابة مُسقطة عنها صفة الجماعات الجهادية ، ومن هنا تُكثر هذه الأنظمة من وصف هذه الجماعات بالزنادقة والمرتدين وقطاع الطرق الخ .
    مقابل هذا النوع من العنف غير المشروع وُجد الجهاد في الإسلام الذي اعتبر فرضا على كل مسلم ومسلمة . أولى الإسلام للجهاد حيزا كبيرا من اهتماماته، وتعددت الآيات والأحاديث التي تحض على الجهاد وتعتبره واجبا على المسلمين.و يشمل الجهاد في معناه الواسع أشكالا متعددة من البذل والتضحية في سبيل الحق ودين الحق، فهو جهاد بالنفس والمال (إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون).57
    وبالإضافة إلى الجهاد بالمال والكلمة الحق ووجود الجهاد الأصغر والجهاد الأكبر ، فإن الجانب القتالي من الجهاد ( الجهاد الأصغر ) أخذ حيزا كبيرا من مفهوم الجهاد ودلالته، حتى أنه غالبا ما اقترنت كلمة الجهاد بالقتال والحرب، والمسلمون جماعات وفرادى مطالبون بالجهاد فهو واجب على كل مسلم ومسلمة، "والمسلم مطالب بالجهاد حتى وأن عارضه أولي الأمر، (فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق)، و (من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع بلسانه وإن لم يستطع فبقلبه وهذا أضعف الإيمان).
    ويشمل الجهاد في الإسلام، الجهاد من أجل نشر دين الحق، والجهاد من أجل مناصرة المظلوم، وإحقاق الحق .. " وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والوالدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك وليا واجعل لنا من لدنك نصيرا).58ويقول تعالى أيضا.. ( لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين . إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون )*
    أما المفكر الإسلامي سيد قطب فهو يوسع من مفهوم الجهاد في الإسلام ويجعله صالحا لكل زمان ومكان، وضد كل قوى الظلم والشر في العالم فهو .. (دفاع عن الإنسان ذاته ضد جميع العوامل التي تفيد حريته وتعوق تحرره، هذه العوامل التي تتمثل في المعتقدات والتصورات كما تتمثل في الأنظمة السياسية القائمة على الحواجز الاقتصادية والطبقية والعنصرية والتي كانت سائدة في الأرض كلها يوم جاء الإسلام والتي ما تزال أشكال منها سائدة في الجاهلية الحاضرة في هذا الزمان).59 وقد أخذت جماعات إسلامية معاصرة بهذا المفهوم الواسع للجهاد ، كالجماعات الإسلامية في فلسطين وحزب الله والجماعات الإسلامية في مصر وجماعة الإخوان المسلمين في سوريا وجماعة طالبان وتنظيم القاعدة الذي يتزعمه أسامة بن لادن وبعض الجماعات الإسلامية في الجزائر ،مع تباين شاسع بينها في تحديد أولويات الجهاد بل في تحديد مفهوم الحق والباطل .
    لا غرو أن للشعوب الخاضعة للاحتلال والهيمنة وعلى رأسها الشعب الفلسطيني الحق في المقاومة ، ولكن ممارسة هذا الحق هو الذي يحتاج إلى حذر شديد حتى لا يشوه عدالة الحق وعدالة القضية ،فممارسة حق النضال لتقرير المصير يفقد معناه إذا تحول إلى أعمال فئوية لجماعات لا تندرج في إطار الإجماع الوطني، وخصوصا إذا غاب التنسيق بين من ينصبون أنفسهم قيمين على القضية. فعلى الساحة الفلسطينية مثلا ، يحتاج الكفاح المسلح أو الجهاد ، لتكون له مرودية،إلى أن يندرج في إطار استراتيجية فلسطينية بل عربية إسلامية مشتركة أو على الأقل في إطار تنسيق يسمح بأن توظف هذه العمليات لخدمة الأهداف الوطنية، وهذا التنسيق للأسف غير موجود، وعدم وجوده يجعل قدرة إسرائيل والولايات المتحدة على استثمار هذه العمليات لصالحها أكبر من الفوائد التي تتحقق للقضية .
    لقد علمتنا التجربة وعلمنا التاريخ أن كثيرا من الحقوق الوطنية ومن القيم السامية يخسرها أصحابها وتفقد مصداقيتها إن لم يتعاملوا معها بعقلانية وضمن رؤية شمولية تربط ما بين الفعل والهدف والوسيلة وردود الأفعال المحلية والدولية، وإن الطريق إلى جهنم معبدة بذوي النوايا الحسنة، ونحن لا نشكك بوطنية وبقوة إيمان أولئك الذين فجروا أنفسهم واستشهدوا داخل فلسطين من أجل الوطن والدين، والشعب الفلسطيني يزخر بالكثير من أمثالهم، ولكن المشكلة المثارة اليوم تتعلق بجماعات إسلامية غير فلسطينية تقوم بعمليات قتالية (الجهاد) ضد الولايات المتحدة ودول غربية باسم فلسطين ودفاعا عن الإسلام . فهل مثل هذه العمليات تندرج ضمن مخطط استراتيجي كفاحي إسلامي شامل ؟ وهل ينطبق عليها مفهوم الإسلام للجهاد ؟ وإن كان الأمر كذلك فكيف ينجح هذا المخطط إن لم يكن معتمدا على قاعدة إسلامية شعبية ورسمية واسعة؟.
    لا محاجة أن بلاد المسلمين ترزح تحت نير الاستعمار غير المباشر وتعاني الأمرين من الاستغلال الاقتصادي والسياسي الغربي ،ليس هذا فحسب بل أن إسرائيل وقوى سياسية مؤثرة في الغرب وعلى رأسه الولايات المتحدة تعتبر الإسلام خطر يهدد حضارتهم وهذا ما ظهر جليا بعد تفجيرات 11 سبتمبر ، ولكن كيف يمكن الرد على هؤلاء الأعداء ؟ وما هو موقف الإسلام من المسيحية واليهودية ؟ . إن ما يربك المواطن العربي والمسلم ويجعله في حيرة من أمره حيال اتخاذ موقف مع أو ضد عمليات ( جهادية ) تقوم بها جماعات إسلامية مثل العمليات التي قام بها تنظيم القاعة هو عدم وجود رؤية موحدة أو إجماع عن المسلمين حول هل أن اليهودية والمسيحية ديانات سماوية ومعتنقيها أهل كتاب أم أنهم - خصوصا اليهود - كفرة على المسلمين مقاتلتهم دون هوادة أينما كانوا سواء في ديار الإسلام أو في ديارهم ( دار الكفر ) ؟ .ومما يزيد من حالة الإرباك عند الإنسان المسلم أن عديد من الجماعات التي تصفها الولايات المتحدة بالإرهابية ، تقاسمها أنظمة عربية الرأي في هذا الوصف ، فالجماعات الإسلامية –الإسلام السياسي - في سوريا وتونس ومصر والجزائر والسعودية والبحرين ، تصنف كجماعات إرهابية ... ، بل أن بعض علماء الدين المرموقين في العالم العربي – في مصر والسعودية تحديدا - نفوا صفة الجهاد حتى عن العمليات التي يقوم بها فلسطينيون ضد الكيان الصهيوني ، واعتبروا مفجري العبوات الناسفة انتحاريين لا استشهاديين ...، فهل تلام الولايات المتحدة إن اعتبرت هذه الجماعات كجماعات إرهابية وتطالب بناء عليه من العالمين العربي والإسلامي مساعدتها بالقضاء عليهم ، وتطالب السلطة الفلسطينية بتفكيك حركتي الجهاد وحماس ؟.

    مما لا شك فيه أن المزاعم الأمريكية والصهيونية حول نعت العمليات الإستشهادية بالإرهاب هي مزاعم لا تقوم على أي أساس أخلاقي أو قانوني أو واقعي فحق الشعوب في مقاومة الاحتلال منصوص عليه في كل المواثيق الدولية والشرائع الدينية ، والشعب الخاضع للإحتلال له حرية وصف نضاله بما يتناسب مع عقيدته وأيديولوجيته فإن شاء سماه كفاحا مسلحا أو حرب عصابات أو حرب تحرير شعبية الخ ، وإن شاء سماه جهادا أو عمليات جهادية . أما الزعم بان المسلمين يوظفون الدين لأغراض سياسية ، فهذا الزعم قد يكون صحيحا في بعض الحالات وهو مرفوض بالنسبة لنا إن أخذ شكل حرب أهلية أو تصارع على السلطة ،أما فيما يتعلق بمعارضتهم لتوظيف الدين لمحاربة العدو الصهيوني فهذا مردود عليه ، أولا : لأن الكيان الصهيوني كيان استيطاني احتلالي قائم على الإرهاب والغصب ومقاومته واجبة على كل مواطن بغض النظر عن دينه ولونه ، ومن المعروف أن مناضلين وقادة أوائل في الثورة الفلسطينية كانوا من المسيحيين – جورج حبش ونايف حواتمه وناجي علوش الخ- . أيضا شارك في القتال إلى جانب الثورة الفلسطينية العديد من المناضلين من مختلف جنسيات العالم وأديانه بل شارك فيها يهودا خلال السبعينيات قاموا بعمليات عسكرية داخل فلسطين وتم اعتقالهم . وثانيا : كيف يقول الغرب وإسرائيل هذا القول وجزء كبير من التأييد الغربي المسيحي لإسرائيل قائم على أساس ديني – الكتاب المقدس عند المسيحيين يشمل العهد القديم وهو التوراة اليهودية والعهد الجديد وهو الإنجيل المسيحي – كما أن الكيان الصهيوني قائم بالأساس على مزاعم ومقولات دينية كمقولة وعد الرب وأرض الميعاد ... و الجماعات الدينية المتطرفة في إسرائيل هي التي تتحكم في سياسة البلاد ، هذا ناهيك عن أن دولة الكيان الصهيوني هي الدولة الوحيدة في العالم التي تمنح جنسيتها على أساس ديني .
    إذن من حق الشعب الفلسطيني أن يقاتل باسم الجهاد او باسم الشرعية الدولية ومن واجب كل عربي ومسلم مناصرة ومشاركة الفلسطينيين في قتالهم ، ولكن هذا لا يمنع من عقلنة الممارسة الجهادية والإستشهادية حتى لا تضر بعدالة القضية وقدسية المبدأ ، وحتى لا يكون الجهاد بدون طائل . وعندما نقول بعقلنة المقاومة فهذا لا يعني دعوة للتخلي عنها بل دعوة للبحث عن طرق ووسائل جديدة للمقاومة تأخذ بعين الاعتبار واقع العالم اليوم وواقع النظم والحركات السياسية العربية والإسلامية .فمثلا عندما يرفع المجاهدون راية الجهاد لتحرير فلسطين من البحر إلى النهر، فأن تحرير فلسطيني يعني القضاء على إسرائيل ، وإسرائيل دولة يعترف بها المنتظم الدولي بل حتى دول عربية وهي عضو في هيئة الأمم المتحدة ... فكيف يمكن أن نطالب العالم ان يقف إلى جانبنا للقضاء على دولة معترف بها ؟ نفس الأمر بالنسبة للعمليات الإستشهادية ، فهذه العمليات بالرغم من شرعيتها وكونها ردا على إرهاب صهيوني لا يرحم صغيرا ولا كبيرا من الفلسطينيين ، فهي تثير غضب الرأي العام العالمي الذي لا يفهم القيمة التي يمثلها الإستشهاد عند المسلم ، وينظر لها باعتبارها عمل إرهابي .
    وواقع الحال ما دام الفلسطينيون غير قادرين لوحدهم على القضاء على الكيان الصهيوني ضمن موازين القوى القائمة اليوم وما دامت الأنظمة والحركات السياسية العربية والإسلامية غير معنية بالجهاد في فلسطيني – فهي ترسل المقاتلين والمجاهدين والأموال إلى كابول وقندهار وكشمير وكوسوفو وتتجاهل القدس المحتلة وكأن تلك البلاد النائية أكثر قدسية من القدس – وغير قادرة ولا راغبة بتبني الجهاد في فلسطين ، فعلى الفلسطينيين أن يستقطبوا إلى جانبهم الرأي العام الدولي وتأييد دول العالم ، وهذا يتطلب وضع برنامج عمل وطني مرحلي يأخذ بعين الاعتبار هذه الخصوصيات ، برنامج لا يتخلى عن الحق بالمقاومة ولكن تمارس المقاومة أو الجهاد بمفهوم واسع ضمن استراتيجية عمل وطني لا كخيار حزبي أو فئوي وأن يتم التفكير بقصر العمليات الاستشهادية على مناطق محددة أو وقفها مؤقتا إن احتاجت المصلحة الوطنية ذلك .

    العولمة
    كلمة ألعولمة باللغة العربية، والبعض سماها ب(الشوملة) هي ترجمة للكلمة الإنجليزيةGlobalization والكلمة الفرنسية Mondialisation فالكلمة تعني وضع الشيء على مستوى عالمي ،أو تعميم خاص وطني ليصبح عالميا ، أو هي مسعى لإزالة الحدود والموانع ما بين الدول للسماح بحرية الأفكار والثقافات والأموال والسلع دون قيود تفرضها السيادة الوطنية أو الخصوصيات القومية. ومن هنا تأتي التخوفات من العولمة، ففتح الحدود وإلغاء السيادة القومية يجعل العالم سوقا مفتوحة يحكمها مبدأ البقاء للأصلح والأقوى، الأقوى ثقافيا والأقوى اقتصاديا. وحيث أن المروج للعولمة والمدافع عنها هي الدول المتقدمة صناعيا وخصوصا الولايات المتحدة الأمريكية، فهذا معناه إنها المستفيدة من العولمة، لأن اقتصادها أصبح من القوة والتضخم بحيث لم تعد الحدود والسوق الوطنية وخصوصا بالنسبة للولايات المتحدة قادرة على الاستجابة لمتطلبات هذا الاقتصاد المتضخم ،ولأن اقتصادها وثقافتها ومجتمعاتها في منعة من التهديدات الخارجية التي قد تفرزها العولمة.
    نظرا للتداخل الوثيق اليوم ما بين الاقتصاد والسياسة والثقافة، يجب الافتراض إن لم يكن التأكيد على أن من يتحكم بالاقتصاد العالمي سيكون معنيا بعولمة ثقافته وقوانينه وأنماط سلوكه لتسهيل انتشاره وتغلغله الاقتصادي، ومن هنا تصاحب الحديث عن العولمة الاقتصادية بالحديث عن العولمة الثقافية والعولمة السياسية (تعميم الديمقراطية) والعولمة القانونية (على مستوى القانون الدولي العام وتأسيس شرعية دولية جديدة وعلى مستوى القوانين الداخلية أي القانون الخاص :في الاقتصاد والتجارة وحتى التشريع في مجال مدونة الأحوال الشخصية ) .لا يعني هذا أن من يملك الاقتصاد الأقوى والأفضل يملك الثقافة الأفضل والقيم الأفضل ،فالأمر يرتبط بإمكانيات وليس أفضليات، فبالمال يمكن امتلاك وسائل الإعلام المتطورة وكل مشتملات الثورة المعلوماتية والتأثير على سياسات الدول الأقل قوة اقتصادية وشراء الأدمغة بل والمثقفين أحيانا وتوجيه كل ذلك لتعميم قيم ثقافية وسياسية تخدم فلسفة الأقوى اقتصاديا.

    إن أية محاولة لتفكيك مفهوم العولمة من اجل مقاربته إجرائيا تتطلب من الباحث الغوص في حقول معرفية متعددة كعلم اللغة واللسانيات وعلم الاقتصاد وعلم السياسة، بالإضافة إلى علوم الفلسفة والإعلام والتاريخ.وإن كانت هذه المقاربة الشمولية ترمي إلى التعرف على حقيقة المصطلح/الظاهرة إلا أن الحقيقة في هذا المجال تبقى نسبية كما هي في مجمل العلوم الإنسانية، وبالتالي ففي اعتقادنا أن الجهد البحثي المعرفي في هذا المجال يجب أن ينصب على البحث عن قاسم مشترك لمجمل التأويلات والتعريفات يهيئ لغة تخاطب متفق عليها تمكننا من قراءة واقع العولمة ونحن على هدى مما نقوم بدراسته.
    ضبط مفهوم العولمة يتطلب أيضا تمييزه وفصله عن مفهومات أو مصطلحات قريبة منه أو متداخلة معه، كالحداثةModernization ، فبالرغم من أن العولمة نتاج الليبرالية الجديدة وهذه الأخيرة هي نتاج الحداثة و ما بعد الحداثة Post Modernity –وألما بعد لا يعني القطيعة بل تَمثُل الشيء وتجاوزه- ومع أن البعض تساءل عما إذا كانت "العولمة هي دين الحداثة أم نذير نهايتها" ،إلا أننا نعتقد أن صلة الحداثة بالعولمة هو أن كلاهما نعت لواقع مغاير عما سبقه، فعندما تم تداول تعبير الحديث modern أواخر القرن التاسع عشر و بداية القرن العشرين كان مرادفا لتعبير (الآن) ،والعولمة هي حداثة (الآن ) مع الأخذ بعين الاعتبار ما أضفي عليها من مستجدات. أيضا لا يمكن فصل العولمة عن ظاهرتين انبثقت عنهما وهما ظاهرة التدويل Internationalisation وظاهرة تعدد الجنسية Multinationalsation ، فالعولمة تجد جذورها في المساعي المتواصلة لوضع قواعد قانون دولي عام ومنظمات دولية تسمو على القوانين الوطنية وتعبر عما هو مشترك بين المجتمعات والدول ،وتعدد أو تعدي الجنسية تجلت في الشرطات متعددة الجنسية والرأي العام العالمي والحركات الاجتماعية والنقابية والأمميات –الاشتراكية والشيوعية- المفتوحة أمام أفراد وجماعات من جنسيات مختلفة. أيضا يجب التمييز بين العولمة المتوحشة كما ينعتها البعض وهي محل البحث هنا والعولمة كتطلع أنساني نحو التوحد وتوسيع مجالات المصالح المشتركة،أو ما بين العولمة والعولمة المضادة، عولمتهم وعولمتنا .
    ربما أكثر حالات اللبس هو الذي يحدث ما بين العولمة والعالمية.فالفهم السائد لكلمة العالمية يعني الانتقال من العام المشترك إلى الخاص الوطني أو أسبقية العام على الخاص مع ترك الخيار للدول للدخول في العالمية أو أن تنأى بنفسها عنها،إلا أن المدقق في المجالات التي توصف بالعالمية سواء في القانون (القانون الدولي العام )أو بالاقتصاد (القانون الدولي الاقتصادي ثم اقتصاد السوق) أو في مجال حقوق الإنسان(الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ومجمل التشريعات الدولية بهذا الشأن) أو نظريات التنمية الشمولية /الإنسانية التي تتبناها الأمم المتحدة وتسعى لها دول الجنوب،إذا تمعنا بكل ذلك لوجدنا أن صفة العالمية لا تخفي حقيقة أن المنتج لهذه النظم والقوانين والتوجهات هو الغرب وهي تعبر عن ثقافته وتخدم مصالحه بالدرجة الأولى، فالدول الأوروبية المسيحية والولايات المتحدة هم الذين وضعوا أسس القانون الدولي العام بكل تشعيباته ثم أضفي عليه صفة العالمية وهم الذين وضعوا الإعلان العالمي لحقوق الإنسان التي أصبح له صفة العالمية، وهم الذين وضعوا أسس الديمقراطية والتنمية السياسية ثم أصبحت مطلبا عالميا وخصوصا بعد انهيار الاتحاد السوفييتي ،وقد أشار سيرج لاتوش (Serge Latouche) إلى أن مصطلح النظام الدولي الذي ساد في العقود السابقة كان يعبر عن عالمية مركزها الحضارة الغربية وخصوصا الولايات المتحدة (والتي لا تعني إلا فرض الأنساق القيمية في إطار ما هو متعارف عليه بأنه أنماط الحياة Way of life ولا يمكن أن تفهم عناصر حقوق الإنسان ،الديمقراطية إلا باعتبارها تعبيرات تحاول أن تحقق تنميطا حضاريا عالميا). وهذا ما دفع ريجيس دوبريه للقول إن العالمية كانت مجرد أكذوبة أو وهم أو ستارا خادعا "لأن الناس محليون أولا، وينبغي أن يقام سبيل للذهاب والإياب بين المحلي والعالمي... ينبغي أن نفكر عالميا ولكن أن ننشط محليا على الدوام" . إلا أن ما يميز العالمية عن العولمة هو أن الأولى لم تكن تلغي الخصوصيات وحرية الاختيار بالضرورة، فحرية الاختيار كانت متاحة أكثر مما هو الحال مع العولمة.
    ضبط المفهوم يمكننا أيضا من الحسم في مسالة حداثة الظاهرة التي يحيل إليها المصطلح أو قدمها، فإذا كان من الممكن أن نتحدث عن وجود إرهاصات للعولمة الاقتصادية كاقتصاد السوق والمؤسسات المالية العالمية وسيولة تنقل رؤوس الأموال، فإن العولمة الثقافية والسياسية بمفاهيمها المتداولة اليوم هي حديثة العهد نسبيا وترتبط بشكل كبير بتفاعلات الثورة المعلوماتية، حتى ذهب البعض إلى القول بأنه في عصر العولمة لم يعد السؤال مَن يتحكم بالوسائل المادية -من أراض وموارد طبيعية وحتى رؤوس أموال- بل من يتحكم بالوسائل اللامادية – تكنولوجيا متطورة وإعلام وبحث علمي ومعلومات- فالغزاة الجدد صانعو العولمة كما يقول بيترلاR.PETRELLA هم أشخاص معنويون أو طبيعيون يستطيعون من خلال امتلاكهم لإمكانات مالية ضخمة التحكم في تخصيص وتوزيع الموارد العالمية،ويحددون القيم والرهانات والأولويات ويتحكمون في قواعد اللعبة.
    ومن جهة أخرى لا بد من تبيان مفارقة يحتويها مصطلح العولمة، فإذا كان مفهوم العولمة هو تجاوز الحدود والخصوصيات، فأن مسيرة العولمة تزامنت مع تفجر حروب وصراعات دولية وأهلية، بل تصاحب مع مزيد من تشرذم العالم ثقافيا وأيديولوجيا. هذه المفارقة عكستها كتابات اثنين من المفكرين الاستراتيجيين الأمريكيين الذين تصدوا لتحليل المتغيرات الدولية ما بعد انهيار المعسكر الاشتراكي وهما، (فرانسيس فوكوياما) في كتابه نهاية التاريخ حيث أكد توجه النظام الدولي نحو نهاية الصراعات الإيديولوجية والثقافية وتوحد العالم اقتصاديا وسياسيا وثقافيا ضمن المنظومة الرأسمالية الغربية ،و(صمويل هنتنجتون) في مقالته صدام الحضارات حيث يختلف عن سابقه بالقول أنه مع إمكانية توحيد العولمة للدول في اقتصاد السوق إلا أن التوتر بل الصدام ما بين الدول سيستمر لأسباب ثقافية،فالنظم السياسية والاقتصادية قد تتغير وتتبدل ولكن لا يمكن للمجتمعات أن تتخلى عن ثقافتها وخصوصا ذات الثقافات العريقة.

    تعدد التعريفات وتضاربها أحيانا يعود لحداثة معالجة ظاهرة العولمة مفاهيميا ولكون العولمة لم تستقر نهائيا كواقع مسلم به بقدر ما هي توجه أو إرادة لصيرورتها واقعا، فتنجح في مجالات وبلدان وتتعثر في مجالات وبلدان أخرى، أو على حد تعبير راينسمث "لقد وصلت العولمة إلى العالم، ولكنها لم تصل إلى معظم منظمات العالم" وهذا ما يجعل نعت العولمة بالشوملة يفتقر إلى الدقة ما دامت لم تشمل كل العالم. ومن هنا يرى البعض بأن العولمة قد حُدًدت حتى الآن بشكل غامض هذا إذا حددت على وجه العموم، أما لماذا يصعب تعريف وتحديد العولمة فهذا يعود كما يقول كل من Hirst,P.And Thompson, G."إلى غياب نموذج يشرح لنا كيف يمكن أن يكون عليه النموذج المعولم" . العولمة ضمن الواقع الدولي الراهن تتصاحب مع حالة من الشك وفقدان اليقين ليس فقط في الحاضر بل بالمستقبل أيضا، ومن هنا لا نستغرب حالة القلق التي تنتاب كثير من الشعوب ومن المفكرين من جنسيات مختلفة من هذا القادم الجديد ومن انفلات الأمور من يد البشر ومن التفكير العقلاني بشكل تدريجي، ليس فقط على مستوى تلوث البيئة – ثقب الأزون – أو انتشار أسلحة الدمار الشامل أو التلاعب بالجينات البشرية أو تزامن العولمة مع انتشار الإرهاب، بل أيضا على مستوى القيم والأفكار وآليات التنشئة الاجتماعية والسياسية "إذ نرى عالما يسوده الاغتراب والاضطراب واللا يقين (عالم منفلت). ولعل ما يثير الجزع المعرفي والفكري والأخلاقي أن تقدم المعارف البشرية والقدرة على (التحكم المحكوم ) في المجتمع والطبيعة –وهي أمور كان يظن أنها ستخلق قدرا أكبر واكبر من اليقين- إذا بها تشكل أساسا عميقا لحالة العجز عن التنبؤ بالمستقبل " . صعوبة التعريف وحالة القلق لفظان ملطفان يعبران في الحقيقة عن حالة من الرفض للعولمة التي تسعى لتعميم النموذج الغربي وخصوصا الأمريكي، فالسياسة الخارجية الأمريكية سواء في العراق وفلسطين وأفغانستان ومواقفها المتعنتة المتعارضة مع توجهات غالبية دول العالم حتى الأوروبية في قضايا البيئة وحقوق الإنسان والتبادل التجاري، بالإضافة إلى الأزمات العميقة التي يعيشها المجتمع الأمريكي ... كل ذلك يولد خوفا وقلقا من العولمة ،وقلقا أشد من قيادة الولايات المتحدة لقاطرة العولمة.
    التأريخ للعولمة
    مسألة التأريخ للعولمة أمر يستحق النقاش ،فالجدل الدائر اليوم حول العولمة وخصوصا وجهة النظر المنتقدة للعولمة ،إنما تعالج العولمة المعاصرة المرتبطة بالنظام الرأسمالي أو التي هي نتاج له ، ووجهة النظر هذه ترى بأن العولمة ظهرت بعد انهيار الاتحاد السوفييتي أو هي نتاج نهاية القرن العشرين المتسمة بالهيمنة الأمريكية وبقيم الثقافة الغربية المسيحية، ومن هنا تبدو العولمة نتيجة مسببات راهنة،وتخدم الوضع الدولي القائم الآن. ولكن حتى ضمن هذه المقاربة فما نسميه اليوم بالعولمة هو نتاج لأفكار وترتيبات وأوضاع سابقة على العقد الأخير من القرن العشرين. لا شك بان هناك عوامل معاصرة سرعت من صيرورة العولمة وجعلتها أكثر حضورا و راهنية، إلا أن هذه العوامل كانت تفعل فعلها عبر الزمن داخل الدول وما بينها بتؤدة مع وجود ممانعات ولا شك،هذه الممانعات أخذت تتهاوى شيئا فشيئا.
    يترتب على هذه المقاربة التي تحيل العولمة لمرجعية أوروبية أمريكية رأسمالية حديثة التشكل، أحكام قيمة سلبية مؤداها تغييب إسهامات الشعوب والحضارات الأخرى في الإبداعات الإنسانية الراهنة ، وإن كنا لا ننكر أن حضارة القرن العشرين والقرن الواحد والعشرين ذات معالم غربية في غالبيتها ،إلا أن شعوب أخرى ساهمت فيها بطريقة مباشرة، كالصين واليابان ودول شرق أسيا بشكل عام، وبطريقة غير مباشرة من خلال سياسة النهب والاستغلال التي مارستها الدول الغربية على دول العالم الثالث، ثم الاستعمار غير المباشر أو النهب غير المباشر بما في ذلك الثروة النفطية التي خدمت الدول المتقدمة أكثر مما خدمت الشعوب المنتجة لها.
    في مقابل هذه المقاربة التاريخية الاختزالية، هناك وجهة نظر أخرى تذهب إلى القول بتاريخية العولمة، فالعولمة الراهنة ما هي إلا صورة منقحة ومتطورة لعولمة تعود إلى بداية التاريخ ،من القائلين بذلك بول كيركبرايد الذي وضع أربع مراحل للعولمة وهي:1) العولمة قبل الحداثة-ما بين بداية التاريخ وعصر النهضة-2) العولمة في ظل الحداثة الجديدة-1500إلى 1800- 3)العولمة الحديثة- 1850إلى 1954-4)العولمة المعاصرة-1954وحتى الآن-. هذا التوجه يرى بان العولمة موجودة في جذور النظام الرأسمالي بل هي المرحلة الراهنة من مراحل تطور النظام الرأسمالي،وحسب رأي جوناثان فريدمان(man J.Fried) ،فالبنى المعولمة ليست جديدة على النسق العالمي الراهن ،فالشركات التجارية الأوروبية التي انتشرت ما بين القرنين الخامس عشر والثامن عشر، وما ارتبط بها من نظم تجارية في المحيط الهندي وجنوب شرق أسيا والإمبراطوريات الكبرى، (كلها كيانات معولمة قوية). ويدعم هذا الرأي رونالد روبرتسون الذي يضع خمس مراحل تاريخية للعولمة منطلقها بدايات القرن الخامس عشر ،وهذه المراحل هي: المرحلة الجنينية ،مرحلة النشوء ،مرحلة الانطلاق ،مرحلة الصراع من اجل الهيمنة ،وأخيرا مرحلة عدم اليقين.
    هذه المقاربة التاريخية للعولمة بوجهتي النظر السابقتين لا تخلو من أنوية حضارية غربية حيث تقرن العولمة بالحضارة الغربية الحديثة التي بدأت مع عصر النهضة ،وهي ولا شك مقاربة صحيحة بمقدار ربط العولمة بالنظام الرأسمالي قيما وسلوكا ،إلا أن الوجه الأخر للعولمة ،إي العولمة كفكر وتطلع إنساني لتجاوز قيود الحدود السياسية والخصوصيات الثقافية الموهومة والتطلع نحو عالم يعترف بإنسانية الإنسان ككائن ينتمي إلى وطن عالمي وقانون عالمي ،تضرب بجذورها إلى ما قبل وجود الولايات المتحدة الأمريكية على الخريطة السياسية الدولية بل قبل وجود الرأسمالية كنظام اقتصادي والليبرالية كنظام سياسي. ويمكن القول أن الفلسفة الرواقية أول من بشر ودعا للعولمة دون أن تسميها عولمة وذلك من خلال مبدأين شكلا دعامة فكرها وهما :القانون الطبيعي ،قانون كل البشر الذي لا يفرق بين الناس على أساس الدين أو الموطن أو الخلفية الاجتماعية ،والمبدأ الثاني هو الدولة العالمية والمواطنة العالمية Cosmopolitanism أو( مدينة العالم( ،مبدأ هذه المدينة كما يقول زينون مؤسس هذه الفلسفة" يكمن في أن الناس يجب أن لا يتفرقوا في مدن وشعوب لكل منها قوانينها الخاصة،لأن كل الناس مواطنون،ولأن لهم حياة واحدة ونظاما واحدا للأشياء،كما هو حال القطيع الموحد في ظل قاعدة قانون مشترك". أيضا لا تخلو الديانة الإسلامية من شكل من العولمة ،فدعوة الإسلام للتوحيد وعدم تفريقه بين الناس على أساس العرق أو المكانة الاجتماعية ،وكونه رسالة لكل البشر في كل زمان ومكان ،وحيث انه عبادات ومعاملات تحدد للبشر المبادئ العامة لأسلوب حياتهم ،فهذا يعني أنه دعوة مبكرة للعولمة، وبالفعل تمكن الإسلام من ربط عديد من الشعوب ضمن نمط حياة وسلوك لفترة طويلة من الزمن. والعولمة متضمنة أيضا في الدعوات المبكرة في عصر التنوير في أوروبا لوضع قانون دولي عام أو قانون للأمم كما سماه جيرمي بنتام ،وفكرة تأسيس منظمات دولية لا تخلو من فكر معولم – كما سبقت الإشارة إلى ذلك-.
    وعليه يمكن القول أنه بالرغم من حداثة تداول مصطلح العولمة ،حيث تكثف الحديث عنها بعد انهيار الاتحاد السوفيتي بداية التسعينيات ،إلا أن مؤشرات وجود العولمة، بمعنى سهولة انتقال السلع والأفكار عبر الحدود الوطنية وتراجع سيادة الدولة القومية،أمر سابق لهذا التاريخ ،فالعولمة الاقتصادية كانت تتغلغل في نسيج حياتنا مع الشركات متعددة الجنسية والتبعية الاقتصادية والمالية لمراكز رأس المال الغربي ،والعولمة الثقافية كانت تفعل فعلها في ثقافتنا من خلال الإيديولوجيات المستوردة ومن خلال الإعلام وخصوصا الفضائيات ومن خلال الثورة المعلوماتية.غالبية الدول العربية دخلت العولمة دون أن تدري من خلال تبعيتها للغرب وإلتحاقها بالمركز الرأسمالي العالمي. وهذا يعني أنه وجدت العولمة أو إرهاصاتها بداية ثم تواتر الحديث عن ضرورة التسليم بها والتعامل معها كأمر واقع ،ومن هنا مأتى الحرج عند معارضي العولمة ،حيث لم يستفيقوا لمخاطرها أو تحدياتها إلا بعد أن أصبحت بعض تجلياتها أمرا واقعا بدرجة ما وخصوصا في مجال الاقتصاد (العولمة الاقتصادية ) .
    أيضا على الرغم من أن الحديث عن العولمة تزامن مع الحديث عن نهاية الايدولوجيا،إلا أن العولمة كفكر يتمأسس بشكل متدرج ،لا تخلو من أيديولوجيا ولو خفية،سواء من طرف مؤيديها أو من طرف معارضيها ،لأن العولمة تعبير عن مصالح وخيارات وإرادات ،فمؤيدوها يخفون حقيقة نواياهم بخطاب العلم والحداثة ومنطق التطور التاريخي، ومعارضوها يخفون الأسباب الحقيقية لمعارضتهم لها بالحديث عن الهوية والخصوصية الوطنية والمصلحة الوطنية ورفض الهيمنة والغزو الخارجي، وكل لا يخلو من ترسانة إعلامية وثقافية ومفاهيمية لتبرير وجهة نظره. مصطلح العولمة إذن حمال أوجه "حيث تتعدد وتتباين معانيها مع تباين مقاصد المتحدثين عنها والداعين إليها أو إلى مناهضتها. فهي حينا زعم بأن الكوكب قرية واحدة تهاوت فيها الحدود القومية مع إعلان وفاة أو نهاية الدولة-الأمة. والعولمة أيضا تدويل للحياة الاقتصادية والسياسية سقطت معه الحواجز الحمائية، وهي الحدود المفتوحة للشركات المتعدية القومية لدخول استثماراتها المالية ومنتجاتها،وتكريس للاستسلام لآليات السوق الحرة المتحررة من الضوابط والقوانين الاجتماعية . ويرى البعض الآخر العولمة في ضوء التحولات العلمية التقانية وتجلياتها من حيث حالة التماس والاتصال المباشر بين الناس أفرادا وجماعات على صعيد الكوكب".

    ومع ذلك يجب التأكيد بان العولمة التي يراد لها أن تسود هي نتاج حضارة الغرب والصيغة الأكثر حداثة وفجاجة لهذه الحضارة والتي تجسدها الولايات المتحدة الأمريكية،إنها تجسيد وتكثيف المابعديات :ما بعد الرأسمالية وما بعد الامبريالية وما بعد الحداثة وما بعد الايدولوجيا وما بعد سيادة الدولة القومية ،إنها تجاوز-دون قطيعة- بشكل ما لإرث أوروبا العجوز ،أوروبا التي أصبحت تتعجب بتخوف مما تفعله الولايات المتحدة بهذا الإرث. لا يعني هذا إنها المرادف لنهاية التاريخ التي بشر بها فرنسيس فوكوياما،ولكنها قد تكون تحديا للتاريخ .وقد ذهب انطوني جيدنز إلى اعتبار التحولات التي يعرفها العالم في السنوات الأخيرة بما في ذلك العولمة، نتيجة أزمة اليسار وأزمة اليمين على حد سواء ،فالعولمة نعت لواقع مضطرب وغير مفهوم وبالتالي يسود تعريفها عدم الوضوح ،ومع ذلك فهو يتلمس أبعادها العميقة والخطيرة محذرا من ربطها فقط بالاقتصاد،أو بالنظام العالمي " تتعلق العولمة في حقيقتها بالتحول في الزمان والمكان ،ويمكن تحديد معناها بأنها العمل أو التأثير عن بعد، ولشيوعها علاقة بالكثافة المتزايدة في السنوات الأخيرة لوسائل الاتصال الفوري وحركة الانتقال الجماعية الواسعة على نطاق الكوكب... وتأثير العولمة مس أيضا أساليب الحياة المحلية بل والشخصية ... بل يمكن الحديث عن نشوء نظام اجتماعي جديد –ما بعد تقليدي ".

    الأوليغاركية:-
    مصطلح أصله اليوناني مكون من جزأين Oligoi وتعني قلة ثم arche وتعني حكم، ومن ثم، فالمصطلح – لغوياً – يعني نظام حكم القلة، ولا يقصد به حكم القلة وحسب بل حكم القلة صاحب الثروة بالتحديد والتي تستخدم المنصب السياسي لتحقيق مصالحها الشخصية.
    ووفقاً لتصنيف الحكومات عن "أفلاطون" فإن نظم الحكم تتدهور حتماً نتيجة للفساد الذي يطرأ على الهيئة الحاكمة. ونظام الحكم الأوليغاركي هو حلقة في التطور السلبي لهذه النظم إذ يتولد من نظام الحكم التيموقراطي عندما يصيبه الفساد والتحلل. فبعد أن كانت الطبقة الحاكمة التيموقراطية تمجد الشرف والسلطان ولا تأبه بالمال إلا لكونه وسيلة لإسباغ مظاهر المجد والسلطان عليهم، يضحي المال، بتقادم الزمن، غاية في حد ذاته فتزداد شهوتهم إليه ورغبتهم فيه ويتحول النظام من التيموقراطية إلى الأوليغاركية – أي حكم القلة التي تعشق الثروة وتستخدم السلطة السياسية من أجل تحقيق مصالحها الشخصية التي توفر لها المال.
    أما أرسطو، فهو على عكس أفلاطون لم يتكلم عن دورة حكم بل استخدم في تحليله لأنواع نظم الحكم معيارين أساسيين أولهما معيار كمي مؤداه عدد القائمين على الحكم وثانيهما معيار كيفي يهتم بمعرفة لصالح من يمارس الحكم. فالأوليغاركية هي الوجه الفاسد لنظام حكم القلة لأنه يعمل لصالح القائمين عليه وذلك في مواجهة نظام الحكم الارستقراطي وهو الوجه النقي لحكم القلة لأنه يعمل لصالح المحكومين. ولقد اقترب هويز من مفهوم أرسطو هذا فيرى أنه لا يوجد نظام حكم قائم بذاته اسمه الأوليغاركية ذلك أن "أوليغاركية" ما هو إلا الاسم الذي يصم به الناس نظام الحكم الارستقراطي عندما يكونون غير راضين عنه. بعبارة أخرى، يرىهوبز أنه يوجد نظام حكم قلة، إذا رضي الناس عنه أسموه ارستقراطية وإذا نقموا عليه أسموه أوليغاركية.
    وهذه التفرقة الحادة بين حكم قلة صالح نقي يعرف باسم الارستقراطية وحكم قلة فاسد يعرف باسم الأوليغاركية لم تعد مقبولة تماماً في الفكر السياسي المعاصر. فهو ينظر عادة إلى الارستقراطية على أنها نظام حكم يقوم بالأساس على تنظيم طبقي محدد، فيكرس من ثم مفهوم الطبقية. ثم أنه، وهو الأهم، ليس من المشاهد دائماً أنه نظام حكم يعمل للصالح العام. والعكس صحيح، فرغم أن العديد من المفكرين السياسيين يدخلون نظام حكم الحزب الواحد تحت بند نظم الحكم الأوليغاركية، فإنه من المشاهد أنه رغم أن بعض هذه النظم لا تعمل لصالح الشعب فإن بعضها الآخر يكون الصالح العام هو هدفها الأساسي.
    ويذهب بعض الفلاسفة المحدثين إلى أن الأوليغاركية هي واقع أمر أي نظام حكم وبغض النظر عن المسميات التي قد يتسمى بها، فعلم الاجتماع أسماه بقاون الأوليغاركية الحديد) ومؤداه أن السلطة في أي منظمة – تتوزع حتماً بدرجات متفاوتة على أعضاء تلك المنظمة، وبالتالي فإن هذه السلطة تتركز بصورة أكبر في أيدي بعض الأشخاص دون البعض الآخر، وهذا البعض الذي تتركز السلطة في يده عادة ما يكون أقل عدداً بكثير من البعض الآخر. ومن ثم، فإن نظم الحكم التي تنص دساتيرها على أنها ديمقراطية مثلاً هي في واقع الأمر أوليغاركية لأنه بغض النظر عن المؤسسات والقوانين التي يراد بها الحد من سطوة الأفراد الذين يحتلون مناصب الحكم، فإن هؤلاء الأفراد لا بد وأن يرتبطوا ببعضهم البعض ولا بد وأن ينسقوا تحركاتهم بصورة تجعلهم يسيرون دفة الحكم بوصفهم قلة ذات مصالح مشتركة خاصة.
    وتبعاً لوجهة النظر هذه، فإن صلاحية نظام الحكم في دولة ما لا يكون بالرجوع إلى دستور الدولة لاكتشاف ما إذا كان حكم قلة أم حكم كثرة لأنه، وكما قال مايكلز، حيثما توجد منظمة فستوجد أوليغاركية من الناحية الفعلية،وبغض النظر عما يتضمنه الدستور المنظم لتلك المنظمة. فالحكم على صلاح حكومة ما يكون من ثم بمحاولة تعرف ما إذا كانت هناك قواعد تمكن النخبة الحاكمة من أن تتماسك وتتيح لها الفرصة لاستثمار المنصب لتحقيق مناصب شخصية أم لا، وما إذا كان هناك قواعد تحد من قوة وسطوة المجموعة الحاكمة، وما إذا كان أفراد الشعب قادرين على ممارسة قدر لا يستهان به من التحكم في القلة صاحبة السلطة يصل إلى حد إقصائها عن السلطة عن طريق الانتخابات مثلاً أم أن كل ما يستطيعون فعله لا يتعدى مجرد ممارسة قدر من التأثير الجاد.
    ويرى العديد من المفكرين السياسيين المعاصرين أن سمة "الديمقراطية" بمعنى اشتراك الشعب في تسيير دفة الحكم تكون مقصورة في النظم الديمقراطية المعاصرة على مرحلة انتخاب الممثلين وحسب. ويؤكد هذا الفريق أن القول بأن نظاماً ما ديقمراطي بالنظر إلى هذه المرحلة يعتبر أكذوبة كبرى، ذلك أن التسيير الفعلي لدفة الحكم يكون في يد القلة التي اختارها الشعب وإنها تقوم بهذه المهمة دون الرجوع إلى الشعب في معظم الأحوال، ومن ثم فإن دور الشعب –أو الأغلبية – ينتهي بانتهاء الانتخابات. ومن ثم، يرفض هذا الفريق اطلاق سمة الديمقراطية على النظم الديمقراطية المعاصرة، مؤكداً أن هذا الوصف لا يصح إلى على نموذج الديمقراطية المباشرة، كما عرفها اليونان قديماً. ولكن يرد فريق آخر من المفكرين السياسيين مؤكداً أنه إذا كانت القلة تحكم بالفعل في كل النظم السياسية المعاصرة، وبغض النظر عما تنص عليه دساتيرها إلا أن قدرة أفراد الشعب على أن يكون لهم الكلمة الأخيرة في استمرار تلك القلة في الحكم ولا بد وأن يعتبر معياراً حقيقياً للقول بأن نظاماً ما هو نظام ديمقراطي، حتى لو كانت القلة – أو النخبة الحاكمة –هي التي تسير وحدها عملية الحكم في هذا النظام.
    البلوتوقراطية:-
    مصطلح يعني الحكم عن طريق الثروة. فالبلوتوقراطية هي نظام الحكم الذي تكون مؤسساته السياسية مبنية ومخططة بصورة لا تسم بالوصول إلى مناصب الحكم والسلطة إلا للأفراد الذين يمتلكون ثروات ضخمة. فطبيعة تكون المؤسسات السياسية في الدولة والطريقة التي تعمل بها تجعل الراغب في منصب الحكم محتاجاً إلى ثروات طائلة إما للاستحواذ على المنصب ابتداء أو للاحتفاظ به بعد الوصول إليه. ونسترعي الانتباه هنا إلى ضرورة عدم الخلط بين نظام الحكم البلوتوقراطي بالمعنى السابق وبين نظم الحكم التي تساعد طبيعة مؤسساتها السياسية من يتولى منصب الحكم على أن يستفيد من منصبه هنا لتكوين الثروات الضخمة. فنظام الحكم البلوتوقراطي يتطلب من راغب السلطة انفاق أموال طائلة من أجل تحقيق غرضه ولكن هذا لا يعني أن المنصب في حد ذاته يضحى مصدراً لتكوين ثروة.
    ونظام الحكم الذي ينظر إليه عادة على أنه أقرب النماذج إلى البلوتوقراطية هو نظام الحكم الأمريكي فطبيعة عملية الانتخابات في ظل النظام الديمقراطي الرئاسي المطبق في الولايات المتحدة تفرض على المرشحين أن ينفقوا أموالاً طائلة ولفترة غير قصيرة من الزمن في حملات انتخابية تتضمن عقد المؤتمرات الصحفية واستئجار الوقت من الشبكات التلفزيونية والسفر من ولاية إلى ولاية وغير ذلك من أساليب دعائية تتطلب قدراً لا يستهان به من الأموال. ولا يستطيع الناخب الذي يرغب جاداً في المنصب إلا أن يفعل هذا. فطبيعة المؤسسة السياسية تجعل من هذه الوسائل الأداة الوحيدة للتأثير على الناخبين ومحاولة كسب أصواتهم الانتخابية.
    وفي الجانب الآخر، عادة ما ينظر إلى نظم الحكم التي تطبق الديمقراطية المركزية، مثل النظام السوفيتي، على أنها نظام حكم غير بلوتوقراطية فالنظام السياسي لا يعرف إلا حزباً واحداً، ورغم وجود انتخابات لمناصب الهيئة المركزية للحزب السياسي، فإن طبيعة تكوين الحزب وطبيعة المؤسسة السياسية ككل لا تسمح بمنافسة ضارية على تلك المناصب بصورة تبرر إنفاق الأموال الطائلة على الدعاية الانتخابية.
    ويؤكد بعض المفكرين السياسيين المعارضين لمفهوم الديمقراطية المركزية أن نظم الحكم التي تطبقه، بدلاً منه أن تدفعالراغبين في السلطة إلى إنفاق الاموال من أجل المنصب، فإنها تساعد أحاب السلطة على أن يجمعوا ثروات طائلة مستغلين مناصبهم السياسية وطبيعة المؤسسة السياسية حيث لا تخضع النخبة الحاكمة لأي نوع من الرقابة الحقيقية من قبل المستويات الأدنى في الحزب.
    والذي يجب أن نلفت الانتباه إليه هذا هو أنه يوجد في كل النظم السياسية فرق واضح بين المثالية السياسة التي يقوم عليه النظام وبين ما يحدث في واقع الممارسات السياسية. فرغم أن طبيعة نظم الديمقراطية الرئاسية تسمح بقدر لا يستهان به من الرقابة والمساءلة لشاغلي مناصب السلطة إلا أن التحايل عند الرغبة في استغلال المنصب بصورة غير مشروعة لجمع الثروة ممكن دائماً. وفي الجانب الآخر، فإن مفهوم الديمقراطية المركزية، بالنظر إلى مثالياته التنظيرية، لا يسمح بالتأكيد باستغلال المنصب السياسي لجمع الثروة، وإن كانت طبيعة الممارسات السياسية الفعلية تسهل هذا الأمر لمن يرغب في الاستغلال غير المشروع للمنصب.


    الثيوقراطية:
    الأصل اللغوي للمصطلح مشتق من الكلمة اليونانية Theokratia وتعني "حكم الله" ولكن في استعمال الشائع، فإن المصطلح يقصد به "حكم رجال الدين". ونظام الحكم الثيوقراطي بهذا المعنى، وكما طبق ونوقش وفهم، في التاريخ والعالم القديم، لم يكن يعني تولي رجال الدين مناصب الحكم نيابة عن الله، وإنما كان يعني فقط حتمية توليهم مناصب القضاء والتشريع. وذلك لأن الثيوقراطية هي نظام الحكم الذي يعتبر أن الله هو السلطة السيادية العليا وأن القوانين الإلهية هي القوانين المدنية الواجبة التطبيق وأن رجال الدين بوصفهم الخبراء بتلك القوانين الآلهية فإنه تتمثل فيه سلطة الله والتي يكون لزاماً عليهم تجسيدها من خلال فرض وتطبيق قوانينه السماوية. وأول من استخدم مصطلح "ثيوقراطية" بذا المعنى المؤرخ اليهودي جوزيف وإن كان قد قصد به، على وجه التحديد، المفهوم اليهودي للحكومة كما هو وارد في التوراة حيث تؤكد أن القوانين الإلهية هي مصدر الالتزامات الدينية والمدنية على حد سواء.
    والفكرة الرائدة هي المقابلة بين نظام الحكم الثيوقراطي من جانب ونظريات العقد الاجتماعي من جانب آخر. فالفكرة الأساسية هنا هي أن نظام الحكم الثيوقراطي يقوم على أساس وجود ميثاق أو عهد بين الناس والله، وأن هذا العهد يضحى هو مصدر كل الالتزامات المدنية. يترتب على ذلك أن هذا العهد مع الله يكون هو المصدر الأوحد للسلطة ويلغي، من ثم، أي عقد آخر سواء بين الشعب والحاكم أو بين أفراد الشعب بعضهم وبعض – وهي الأفكار التي تقوم عليها نظريات العقد الاجتماعي – ذلك أن هذه العقود لا تضحى ملزمة حيث يجبها كلها العهد الذي يربط الناس بالله.
    ويدافع بعض المفكرين اليهود المتدينين عن المفهوم الأصلي للثيوقراطية مؤكدين أن مهمة تفسير القانون لم تكون موكلة في الثيوقراطية اليهودية القديمة إلى الحاكم ولكن إلى الأحبار –رجال الدين اليهودي – والذين لم يكونوا بدورهم أعضاء في الحكومة كما أكدوا أيضاً على أن الحاكم –عادة- لم يمكن ينتمي إلى طبقة رجال الدين. من ثم، فلقد كان هناك في ظل الثيوقراطية اليهودية فصل بين السلطات أدى عملياً إلى وضع حدود على سلطات الحاكم. ولقد خلصوا من دراسة هذا النموذج للثيوقراطية إلى أن فكرة الولاية الإلهية لم تمنع –بل ساعدت على- ظهور نظام حكم يتمتع بدرجة عالية من سيادة القانون.
    وهناك نماذج تاريخية أخرى لنظم الحكم ثيوقراطية منها فلورنسا تحت حكم سافونارولا وجنيف تحت حكم كالفن. ولقد كان لخبرة أوروبا في عصورها الوسطى المظلمة حيث امتدت سيطرة الكنيسة ورجالها إلى كافة نواحي الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية في رد فعل عنيف تجاه تدخل رجال الدين في حياة الأفراد بأي صورة من الصور. فكان أن ظهرت الحركات القومية والمذاهب الفردية والنظريات الديمقراطية كردود فعل لممارسات رجال الدين المسيحي المتعدية في أوروبا العصور الوسطى. وكان أن ترجم الفكر السياسي الأوروبي رفضه لممارسات رجال الكنيسة في العصور الوسطى إلى رفض للدين ذاته فظهرت الحركات العلمانية التي ترمي إلى الفصل التام بين الدين والسياسة، مؤكدة أن الدين مكانه ليس البرلمان ولكن دور العبادة، وهي الفكرة التي تقوم عليها المجتمعات السياسية في أوروبا وأمريكا حتى وقتنا الحالي.
    وتشهد المجتمعات الإسلامية في الوقت الحالي خبرة عكسية تماماً خاصة في الدول التي تبنت مفاهيم القومية وغيرها من الأفكار التي سادت المجتمعات الغربية نتيجة لخبرتهم التاريخية السابق الإشارة إليها. فمعظمهم المجتمعات الإسلامية تشهد حركة فكرية قوية تحاول تقديم تفسير لحالة التدهور والتخلف في كافة مناحي الحياة والذي تشهده المجتمعات الإسلامية إنما يرجع إلى استبعاد القوانين الإلهية من التسيد على كافة مناحي الحياة دينية ومدنية معاً. ومن ثم يدعو هذا التيار إلى ضرورة العودة إلى تطبيق القوانين الدينية وضرورة إعطاء رجال الدين مكانتهم الصحيحة في الهيئة الحكومية تشريعياً وقضائياً بل وكاستشاريين للقائمين على السلطة التنفيذية إذا لم يكن الآخيرون متفهمين في أمور الشريعة الإسلامية، وهو ما يعتبر لب المفهوم الثيوقراطي في الحكم.
    الديكتاتورية:
    الديكتاتورية في الاستعمال الحديث تشير إلى نظم الحكم التي تسمح لفرد أو منصب أو حزب أن يكون له من القوة والسلطة ما يجعله يسيطر سيطرة تامة على الدولة فيقرر منفرداً كل التحركات والقرارات السياسية، وأن يفرض الطاعة على كل المواطنين ليقبلوا صاغرين كل ما يصدر عنه من تحركات وأفعال.
    أما الأصل التاريخي للمصطلح فيرجع إلى عصر الجمهورية الرومانية حيث جرى العرف على اختيار أحد القضاة في وقت الأزمات المدنية أو العسكرية ومنحه سلطات واسعة وغير محدودة طوال فترة الأزمة. هذا القاضي كان يطلق عليه اسم "ديكتاتور". فالديكتاتورية تاريخياً كانت منصباً. ولكنها الآن تشير إما إلى شكل الحكم في النظام السياسي أو أيدلوجية تتشكل بها طريقة الحياة لمجتمع ما.
    ويرادف بعض علماء السياسة المعاصرين بين لفظ الديكتاتورية وألفاظ مثل: طغيان، استبداد، أوتوقراطية، قيصرية، تسلطية وشمولية. ويعترض بعض المفكرين على الموازاة بين الديكتاتورية و الاستبداد بالتحديد على أساس أن النظم الديكتاتورية تتخذ خطوات إيجابية في سبيل التمكين للقهر، في حين أن النظم الاستبدادية تتبع أسلوباً سلبياً في قهرها للمحكومين. فنظم الحكم الديكتاتورية تقوم أساساً على إصدار الأوامر التعسفية مطالبة المواطنين بوجوب طاعتها والالتزام بتنفيذها، في حين أن السمة الأساسية للنظم الاستبدادية هي إقامتها للعراقيل في وجه الحريات السياسية.
    ومن أهم السمات المميزة للنظم الديكتاتورية:
    1- التحكمية في ممارسة السلطة وقصرها على أشخاص معينين أو فئة محددة وغياب اي توزيع للسلطة وإلغاء كل المؤسسات أو الجمعيات السياسية والاجتماعية التي قد تلعب دوراً مؤثراً فتشكل منافساً لمن هم في السلطة، وتركيز كل القوى السياسية في يد فرد أو نخبة وإقامة جهاز حكم يكرس احتكار السلطة هذا.
    2- إلغاء أو إهمال القاعدة التشريعية للسلطة السياسية فعادة ما يلغي الدستور في مثل هذه النظم ليحل محله بناء قانوني جديد يخدم الطبقة الحاكمة ويضحى أداتها الأساسية في الحكم. ويرتبط بهذه السمة صعوبة، إن لم يكن استحالة، تنظيم عملية خلافة الديكتاتور القائم بصورة قانونية دستورية.
    3- إلغاء الحريات المدنية أو تقييدها بدرجة كبيرة.
    4- سيطرة الانفعالية والاندفاعية على عملية صنع القرار.
    5- استخدم وسائل استبدادية لتحقيق التحكم السياسي والاجتماعي تبدأ من الدعاية وفرض واجب الطاعة إلى التخويف والاستخدام الفعلي لوسائل الإرهاب والقمع.
    ويرى العديد من المفكرين السياسيين أن ثمة علاقة بين النظم الديكتاتورية والنظم الديمقراطية. ويعد أفلاطون أول من عبر عن هذه القناعة في محاورة الجمهورية حيث أكد أن الطغيان يتولد بالضرورة عن الديمقراطية. ولقد تبعه أرسطو في هذا وكذلك العديد من المفكرين السياسيين المحدثين ومنهم فرانز نيومان الذي كتب عام 1957 قائلاً أن الدكتاتورية تعتبر أحد تطبيقات الديمقراطية. ويرى هؤلاء المفكرون أن سبب تحول الديمقراطية إلى ديكتاتورية يكمن في ضعف الديمقراطية البنائي وعجزها عن حل المشكلات الاجتماعية والأزمات الاقتصادية التي تأسست أصلاً من أجل حلها، بل والأسوأ من هذا أن الممارسات الديمقراطية تشجع، بمرور الوقت، على عدم الالتزام بالدستور، كما أنها تنمي طريقة حكم سلطوية أبعد ما تكون عن الديمقراطية مما يؤدي في النهاية إلى تولد نظام الحكم الديكتاتوري في نظر هؤلاء المفكرين.
    وهناك تصفيات عدة للديكتاتورية أشهرها تصنيف شميت الذي يميز بين ديكتاتورية وقتية أو مشروطة والتي تتسم بتفويض الحاكم سلطات مطلقة في حالات الطوارئ وديكتاتورية الحاكم وتهدف إلى إحداث تغيرات جذرية في كل أوجه الحياة الاجتماعيةو السياسية. ولكن ينتقد البعض هذا التصنيف على أساس أنه لا يكون مثمراً عند تطبيقه على التنويعات المختلفة للنظم الديكتاتورية في الأحقاب التاريخية المتعاقبة والحضارات المتنوعة، ومن ثم فهم يفضلون عليه تقسيم نيومان والذي يفرق بين دكتاتورية بسيطة أو معتادة، ويمارس فيها الحاكم تحكماً مطلقاً وسيطرة تامة على أدوات السلطة التقليدية في النظام، والديكتاتورية القيصرية، ويحتاج فيها الحاكم إلى مساندة قطاعات عريضة من الشعب حتى يحصل على السلطة أولاً وكذلك يحتاج إلى استمرار هذه المساندة وإلى القيام بإصلاحات اقتصادية واجتماعية واسعة حتى يستطيع أن يدعم سلطاته ثانياً، والديكتاتورية الشمولية حيث يمارس الحاكم مهام الحكم بمساعدة جهاز سلطوي يسيطر عليه حزب واحد وحركة اجتماعية واسعة.
    ويرى بعض المفكرين أن الديكتاتورية يكون مرغوباً فيها أحياناً وفي ظل ظروف معينة. فنجد المفكر الثوري الفرنسي بلانكوي يتحدث عما أسماه بالدكتاتورية الثورية فيعني بها الانقلاب الذي تقوم به الصفوة، وليس ثورة جموع الشعب ويصف انقلاب أو ثورة الصفوة هذا بأنه الوسيلة الوحيدة والمضمونة للقضاء على الرأسمالية وآثارها. وهو يرى أن هذه الصفوة التي تقوم بالانقلاب لا بد أن تمسك بنصاب الأمور في الدولة، ولو مؤقتاً فتشكل نظام حكم نخبوي دكتاتوري يرسم برنامجاً ثورياً يطرحه على الناس ويفرضه عليهم في حالة عدم رضائهم عنه وعدم رغبتهم في مساندته.
    ولم يقتصر أثر البلانكوية على الأجيال المتتالية من الراديكاليين الفرنسيين ولكنه امتد أيضاً إلى ماركس الذي تعاطف مع لب الدعوة وإن كان قد رفض الاتجاهات النخبوية فيها وعدم إيلائها اهتماماً كافياً للطبقة العاملة. ولكن بلانكوي نفسه أظهر في مرحلة متأخرة اهتماماً بإيجاد قاعدة من الطبقة العاملة لمفهومه الثوري، وكان هذا الاهتمام هو الذي أوحى للماركسية بمفهوم ديكتاتورية البروليتاريا. ولقد أصبح هذا المفهوم شائعاً في الفكر الماركسي بعد ماركس، وخاصة في كتابات لينين، حيث أضحى له دلالة معينة هي إشاراته إلى طبيعة السلطة في الدولة الشيوعية في الفترة الانتقالية من مرحلة الثورة إلى مرحلة المجتمع الشيوعي الحقيقي. ويرى أنجلز أن البروليتاريا تمارس سلطات ديكتاتورية بغرض تحقيق التحكم في وسائل الإنتاج، ثم الديكتاتورية. كما أن ماركس كان يؤمن أيضاً أن ديكتاتورية البروليتاريا هي وسيلة تساعد على تحقق غاية فناء الدولة وهو هدف الشيوعية الأسمى. ويستخدم هذا التحليل من الناحية العملية لإضفاء الشرعية على الأحزاب الشيوعية الحاكمة ولتبرير السلطات السياسية الواسعة التي تمارسها تلك الأحزاب بحجة أن الأحزاب الشيوعية الحاكمة إنما تحكم باسم البروليتاريا وأن سلطاتها التحكمية هي وسيلة في سبيل تحقيق هدف الشيوعية الأسمى.
    والواقع أن الشرعية هي إحدى المشكلات المحورية في النظم الدكتاتورية. ومعظم النظم الدكتاتورية. ومعظم النظم الدكتاتورية تلجأ إلى البناء القانوني الذي خلقته ابتداء لتستمد منه شرعية وجودها وأساليب حكمها. ثم هناك بعض النظم الديكتاتورية التي تلجأ إلى العادات والتقاليد والأراف والقانون الطبيعي لتبرر وجودها وعندما تفشل تلجأ إما إلى العزف على وتران أن الممارسة التحكمية للسلطة هي وسيلة أيدويولجية ميتافيزيقية تبرر النظام الديكتاتوري القائم بوصفه جزءً من نظام كوني محددة معالمه مسبقاً ومقضي قيامه في هذا الوقت وعلى هذا الشكل إما وفقاً لقواعد القاء والقدر أحياناً أو وفقاً لنظرية النشوء والترقي أحياناً أخرى. ويعد العامل الكاريزماتي أيضاً أحد أهم العوامل المستغلة في إكساب النظام الديكتاتوري قدراً من الشرعية خاصة في تلك النظم التي تحاول إقامة واجهة ديمقراطية براقة لها مثل النظم الشمولية.
    ويهتم العديد من الباحثين السياسيين بدراسة ظاهرة الديكتاتورية في دول العالم الجديد التي نالت استقلالها حديثاً، ويضع هؤلاء الباحثون أسباباً عديدة لهذه الظاهرة رغم اتباع معظم هذه الدول – ظاهرياً – لأشكال حكم ديمقراطية برلمانية. ومن أهم الأسباب المذكورة في هذا الصدد هو أن الاتباع العملي لوسائل حكم ديكتاتورية هو ميراث فترات طويلة من الخضوع لاستعمار كان يمارس نفس أساليب الحكم السلطوية تلك. ومن الأسباب المذكورة أيضاً أن الممارسة الديمقراطية الحقة لا يمكن قيامها إلا في دول تعرف طبقة وسطى عريضة مستقرة ومبادئ سياسية واجتماعية مستتبة وقنوات اتصال كفء تعمل في الاتجاهين اي بين الحاكمين والمحكومين والعكس، وأن هذه المتطلبات غير متوافرة في معظم الدول الدول الحديثة الاستقلال مما يجعل الأساليب الديمقراطية تبدو دخيلة ومستوردة وغريبة على البنيان الاجتماعي الموجود. ثم هناك سبب أخير يطرحه هذا الفريق من الباحثين مؤداه أن أساليب الحكم الدكتاتورية أمر لا يمكن تجنبه في المرحلة الانتقالبية بين الخضوع للاستعمار وإقامة نظم دستورية متعددة الأحزاب. ويؤكد هذا الفريق من الباحثين أن الطبقة المتعلمة في معظم تلك الدول تؤمن أن التطور الصناعي الجذري والسريع كإحدى وسائل تحقيق الرفاهية الاجتماعية لا يمكن أن يتم في ضوء الظروف المتاحة إلا عن طريق نظام حكم تسلطي. ويخلص هؤلاء الباحثون إلى أن كل هذه الأسباب أو بعضها يؤدي إلى قيام هذه الدول بالأخذ بنظام الحزب الواحد المدعوم بمساندة المؤسسة العسكرية والهيكل البيروقراطي وحيث يكون على قمة هذا الهرم التسلطي زعيم كاريزماتي. ويطلق الباحثون على هذه النظم اسم "الديكتاتورية التنموية".
    الراديكالية:
    الراديكالية هي الميل إلى اخضاع الأنظمة والترتيبات القائمة لتساؤلات نقدية مع الاستعداد للدعوة إلى إصلاح أو حتى إزالة تلك الترتيبات إذا ما ثبت عدم استنادها إلى مبادئ محددة تبرر وجودها. ومن ثم، فإن العديد من علماء السياسة يعتبرون الراديكالية موقف أو توجه أكثر منها عقيدة سياسية. والموازاة المعتادة بين الراديكالية من جانب والتطرف من انب آخر لا تبعد عن الصواب، وإن كانت وجهة النظر الأخرى التي عادة ما تربط بين الراديكالية واليسار غير سليمة تماماً ذلك أن الراديكالية قد تكون أيضاً ناحية اليمين، فهنا يتوقف على طبيعة الأفكار ووجهات النظر التي تتبناها وتحاول أن تصل بها إلى مداها الأقصى ويتوقف أيضاً على طبيعة المؤسسات التي يتناولها الراديكاليون بالمعارضة النقدية.
    والراديكالية في ميدان السياسة هي ضد المحافظة ذلك أنها تؤمن بأن التحرك السياسي يمكنه أن يصلح من أوضاع الأفرا في المجتمع وذلك على خلاف المذهب المحافظ الذي يرى أن الأثر الحكرة السياسية في تحسين الأوضاع البشرية داخل المجتمعات السياسية أثر محدود جداً أحسن تقدير. ويتضح معنى التوجه الراديكالي من استعراض موجز لأشهر المدارس والمذاهب والحركات وحركة الراديكاليين البريطانيين وحركة الاشتراكيين الريكارديين ومذهب الراديكالية الفلسفية.
    أما لليفليرز وتسمى حركة المتساوين فكانت حركة إصلاحية راديكالية برزت خلال الحرب الأهلية الإنجليزية خاصة في الفتة ما بين 1646 – 1649م وتلخصت مطالبها في : اللتسامح الديني؛ حل المشكلات الاقتصادية والاجتماعية لأكبر قطاع ممكن من الشعب، القضاء على السلطة التحكمية سواء تمثلت في ملك أو طبقة ارتسقراطية أو حتى في مجلس العموم، ضمان وجود قانون دستوري يحمي الشعب من الأشكال المتختلفة للسلطة المطلقة التحكمية. ويعتبر الكثير من علماء السياسة الغربيين حركة الليفليرز نقطة بداية جيدة في التاريخ للنظريات السياسية الراديكالية حيث تعتبر أول حركة في بريطانيا تتحدث عن "الشعب" كقوة سياسية علمانية حيث أكدت هذه الحركة أن السلطة السياسية لا يمكن أن تستمد إلا من الشعب، فحاول أنصارها وضع مسودة دستور تؤكد هذه الفكرة وذلك في كتاباتهم المعنونة "اتفاقات الشعب".
    ولقد كانت حركة الراديكاليين البريطانيين والتي نشطت في انجلترا بين 1789م – 1815م صدى لحركة الليفليزر. ففي نهايات القرن الثامن عشر كان المسرح السياسي في بريطانيا يعج بمناقاشات ومطارحات تتناول بالنقد المبادئ التي يقوم عليه النظام السياسي وتطالب بالإصلاح السياسي. وفي هذا الجو المشحون تشكلت مجموعة من الجمعيات السياسية الراديكالية على المستويين المحلي والقومي أخذت على عاتقها مهمة تنظيم نشر وتوزيع الأدب الناتج عن تلك المناقشات والأهم من ذلك، أن هذه الجمعيات أضحت تنادي نفسها بالإصلاح البرلماني وبتغيير نظام الانتخاب. ولقد طور الراديكاليون البريطانيون نظرية سياسية في الحقوق الطبيعية وكذلك في السيادة الشعبية شكلت في القرن التاسع عشر في مطالبها الديمقراطية والاشتراكية كما أن الراديكاليين البريطانيين لعبوا دوراً مؤثراً في وضع أسس نظرية وممارسة الديمقراطية البرلمانية في بريطانيا.
    أما الاشتراكيون الريكارديون فكانوا جماعة منا لراديكاليين ظهروا في عشرينيات القرن الثامن عشر معلنين أن العمال في النظم الرأسمالية يحرمون ظلماً من جزء مما هو حق لهم. ورغم أن تأثير هؤلاء الراديكاليين على المستوى الشعبي لم يتعد منتصف ثلاثينيات القرن الثامن عشر إلا أنهم كانوا مثار اهتمام المنظرين السياسيين على مر العصور بسبب إرجاعهم أسباب أزمة العمال أساساً إلى النظام الاقتصادي. ورغم أن الا شتراكيين الريكارديين لم الاستغلال الاقتصادي. ورغم أن الاشتراكيين الريكارديين لم الاستغلال الاقتصادي إلا أن المدخل الذي تبنوه في دراستهم لأحوال العمل ومطالبهم الإصلاحية تعد علامة بارزة في تاريخ الفكر الراديكالي.
    أما الراديكالية الفلسفية فهي مذهب اقترن باسم جون ستيورات مل وغيره من تلامذة جيرمي بنتام وجيمس مل ورغم أنه مذهب سياسي اقتصادي فلسفي نظري إلا أنه اهتم بالجانب التطبقي أيضاً حيث طالب بتغيرات راديكالية في النظام القائم وارتبط بحركات الإصلاح حتى بدايات القرن التاسع عشر التي عارضت الكنيسة والطبقة الارستقراطية والاحتكارات الاقتصادية. وهدف المذهب الأساسي كان العمل على الإسراع بحركة الإصلاح حتى تنجح في تحويل المجتمع لاارستقراطي التقليدي إلى مجتمع حديث علماني وديمقراطي ليبرالي. ولقد قام هذا المذهب على أربع دعامات أساسية. الأولى هي النظرية النفعية والتي ترى أن على كل فرد أن يسعى إلى تعظيم حظه من السعادة، ومن ثم يرى هذا المذهب الراديكالي أن وظيفة الحكومة الأساسية هي أن تحقق أكبر قدر ممكن من الساعدة لأكبر عدد من الأفراد في المجتمع. أما الدعامة الثانية لهذا المذهب فهي التشريع حيث كان بنتام ناقداص لاذعاً للقانون العام لكونه تقليدياً، تحكمياً، متعارضاً مع ذاته وصعب الفهم، ولذا كان يطالب بتشريع جديد يتلافى هذه العيوب. والدعامة الثالثة كانت الأخذ بمبادئ اقتصادية وسياسية مستمدة من المذهب الفردي وتعد على طرف نقيض من الاحتكار والحماية والمبادئ الاقتصادية المرتبطة بالطبقة الارستقراطية أما المكون الرابع للمذهب فهو الإيمان العميق بالديمقراطية حيث أكد أن هدف السياسة يجب أن يكون توحيد مصالح الحكمام والمحكومين ويرى المذهب أن العقبة الرئيسية في سبيل تحقق هذا الهدف هو وجود مصالح متميزة لأناس معينين وأنه، من ثم، يجب منع هؤلاء الناس ذوي المصالح المتميزة من الوصول إلى وتولي اي مناصب سلطوية كما يجب منعهم من الوصول إلى من هم في السلطة وتوحيد المصالح معهم أو إغرائهم بوسائل غير شريفة بغرض استغلالهم في تحقيق مصالحهم الخاصة المتميزة تلك. ويؤكد المذهب على أن النظام الرستقراطي هو أوضح مثال على هذا حيث يستخدم الارستقراطيون سلطة الحكومة لتحقيق مصالحهم الطبقية، وإن أفضل وسيلة لإعاقتهم هو إقامة نظام نيابي يستند إلى المصلحة العامة للشعب ككل. إصلاحات عضوية على النظام مثل إحداث تغيير دستوري جذري يسمح بالانتخابات الحرة المتواترة وكذلك الاستفتاء والتصويت السري وغير ذلك من أساليب اصطلح على كونها ديمقراطية.
    وفي الوقت الحالي أصبحت الراديكالية هي سمة المجتمعات الغربية المعاصرة حتى أن الصحفي الأمريكي توم وولف استحدث مصطلح "الشيكالة الراديكالية" مشيراً بها إلى انتشار موضة تبني وجهات نظر راديكالية، واليسارية منها على وجه الخصوص، بين مفكري الطبقة الوسطى في المجتمعات الغربية كأحد أساليب تحقيق صعود يعتد به للسلم الاجتماعي.


    الفهرس

    المقدمة
    الفصل الأول: مقاربة مفاهيمية للنظرية السياسية:
    المبحث الأول: في تعريف الفكر السياسي:
    المطلب الأول: في تعريف الفكر:
    المطلب الثاني: تعريف السياسة:
    المطلب الثالث: هل علم السياسة علم الدولة أم علم السلطة:
    المطلب الرابع: خصائص الفكر السياسي وعلاقته بمنظمات فكرية أخرى:
    الفرع الأول: خصائص الفكر السياسي:
    الفرع الثاني: علاقة الفكر السياسي بالمنظومات الفكرية ا لأخرى:
    المبحث الثاني: النظرية السياسية:
    المطلب الأول: النظرية العلمية:
    المطلب الثاني: النظرية الاجتماعية:
    المطلب الثالث: النظرية السياسية:
    الفصل الثاني: نظرية السلطة:
    المبحث الأول: في مفهوم السلطة وأصلها:
    المطلب الأول: النظرية العامة للسلطة:
    المطلب الثاني: السلطة السياسية:
    المبحث الثاني: السلطة السياسية والشرعية:
    الفصل الثالث: النظريات المفسرة لأصل الدولة ومراحل تطورها:
    المبحث الأول: في تعريف الدولة:
    المبحث الثاني: نظريات حول أصل الدولة:
    المطلب الأول: نظرية القوة:
    المطلب الثاني: نظرية الحق الإلهي:
    المطلب الثالث: نظرية العقد الاجتماعي:
    المطلب الرابع: النظرية الماركسية:
    المطلب الخامس: نظرية تطور الأسرة:
    المبحث الثالث: النظرية السياسية حول مراحل تطور الدولة:
    المطلب الأول: المجتمع القبلي:
    المطلب الثاني: الحاضرة أو دولة – المدينة:
    المطلب الثالث: الإمبراطورية:
    المطلب الرابع: الإمارة الإقطاعية:
    المطلب الخامس: الدولة – الأمة:
    الفصل الرابع: الديمقراطية بين التنظير والممارسة:
    المبحث الأول: مقاربة فكرية مفاهيمية حول الديمقراطية:
    المطلب الأول: أسس النظرية التقليدية للديمقراطية:
    المطلب الثاني: تقاطع نظرية الديمقراطية مع نظرية النخبة:
    المبحث الثاني: الديمقراطية كصيرورة تاريخية واجتماعية:
    الفصل الخامس: الديمقراطية ما بين تسلط السلطة وهشاشة المجتمع المدني:
    المبحث الأول: مقاربة مفاهيمية للمجتمع المدني وبعض المقاربات الفكرية العربية في هذا الشأن
    المطلب الأول: تعريف المجتمع المدني:
    المطلب الثاني: المجتمع المدني العربي – تحديات التأسيس -:
    المبحث الثاني: المجتمع المدني الفلسطيني وتحديات الانتقال الديمقراطي:
    المطلب الأول: خصوصية المجتمع المدني الفلسطيني
    المطلب الثاني: المجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية:

    المراجع

    1- إبراهيم أبراش: تاريخ الفكر السياسي، بابل للطباعة والنشر، الرباط، 1999.
    2- إبراهيم أبراش: علم الاجتماع السياسي، دار الشروق، عمان، 1998.
    3-إبراهيم أحمد شلبي، تطور الفكر السياسي، الدار الجامعية، 1985.
    4- ابن تيميه، السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية.
    5- ألفين توفلر، تحول السلطة – المعرفة والثروة والعنف في بداية القرن العشرين، الجزء الأول – ترجمة حافظ الجمال وأسعد صقر، منشورات اتحاد الكتاب العرب، 1991.
    6- اندريه هوريو، القانون الدستوري والمؤسسات السياسية، الجزء الأول. بيروت 1977.
    7- ادوارم بيرنز، النظريات السياسية في العالم المعاصر، ترجمة عبد الكريم أحمد، دار الآداب، بيروت، بيروت، 1988.
    8- أرسطو، دستور الاثينيين، ترجمة طه حسين، دار المعارف بمصر، 1921.
    9- إ.م. بوشنكي، الفلسفة المعاصرة في أوروبا، عالم المعرفة 1992.
    10- الان تورين، ما هي الديمقراطية، ترجمة حسن قيسي، بيروت، 1995.
    11- بيار كلاستر – مجتمع اللادولة – ترجمة وتقديم محمد حسين دكروب – بيروت 1982.
    12- برهان غليون، نظام الطائفة – من الدولة إلى القبيلة – المركز الثقافي العربي، بيروت – 1990.
    13- برتران بادي وبيار بيرنبوم، سسيولوجيا الدولة، ترجمة جوزف عبد الله وجورج أبي صالح، بيروت، (د.ت).
    14- بوردون ديوريكو، المعجم النقدي لعلم الاجتماع، بيروت: 1986.
    15- حسن صعب، علم السياسة، بيروت، دار العلم للملايين.
    16- جوليان فروند، ما هي السياسة، ترجمة يحيى علي أديب، دمشق، 1981.
    17- جولينا فروند: سوسيولوجيا ماكس فيبر، ترجمة جورج أبي اصبع، بيروت، (د. ت).
    18- ج. س. هيرسون، سياسات وأفكار: دراسة علمية تحليلية لمفهوم النظرية السياسية الاجتماعية، مع تطبيقاتها على واقع السياسة الأمريكية العامة. (مكتبة الانجلو المصرية، القاهرة، 1987).
    19- جورج بالاندييه، الانتربولوجيا السياسية، ترجمة، جورج أبي صالح، بيروت، 1986.
    20- جون ماريوت jhon marriot، تاريخ العالم، المجلد الأول.
    21- جان توشار – تاريخ الفكر السياسي، ترجمة على مقلد، بيروت، 1963.
    22- ماكيفر، تكوين الدولة، ترجمة حسن صعب، بيروت/ نيويورك، 1966.
    23- جان وليام لابيار، السلطة السياسية، منشورات عويدات، بيورت، 1977.
    24- روبرت ماكيفر، تكوين الدولة، ترجمة حسن صعب، بيروت، نيويورك، 1966.
    25- روبرت ميرتون، النظرية الاجتماعية والبناء الاجتاعي، 1951.
    26- روبرت دال: الديمقراطية ونقادها، ترجمة نمير عباس مظفر، مراجعة، فاروق منصور، دار الفارس للنشر والتوزيع، عمان 1995.
    27- شومليه جاندرو، وكورفوايه، مدخل إلى علم الاجتماع السياسي، بيروت، 1988.
    28- ستيفن روز وآخرون، علم الأحياء والأيديولوجيا والطبيعة البشرية، ترجمة مصطفى ابراهيم فهمي، عالم المعرفة، عدد 148.
    29- سلمى حمزة الخنساء، تاريخ الفكر السياسي في العصور القديمة والوسطى، 1988.
    30- سمير نعيم أحمد: النظرية في علم الاجتماع، القاهرة: 1982.
    31- عبد الرحمن بن خلدون، المقدمة، بيروت دار إحياء التراث 1967.
    32- عبد الباسط محمد حسن، أصول البحث الاجتماعي، القاهرة، مكتبة وهبة 1977.
    33- عبد الكريم غلاب: دفاع عن الديمقراطية، بحث تاريخي تحليلي، دار الفكر المغربي، سلسلة الجهاد الأكبر رقم 2، نوفمبر 1966.
    34- عبد الرحمن الكواكبي، طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد، الجزائر 1988.
    35- عزمي اسلام – جون لوك، سلسلة نوابغ الفكر الغربي، دار المعارف، مصر 1963.
    36- فؤاد محمد شبل، الفكر السياسي: دراسة مقارنة للمذاهب السياسية والاجتماعية، الجزء الأول، الهيئة المصرية للكتاب، 1974.
    37- فريدريك معتوق، تطور علم اجتماع المعرفة، دار الطليعة، بيروت 1982.
    38- كافين رايلي، الغرب والعالم، سلسلة عالم المعرفة، الكويت، العدد 90.
    39- فوستيل دي كولانج، المدينة العتيقة، ترجمة عباس بيومي بك، 1952.
    40- لوسيان ليفي بروهل، الوظائف الذهنية في المجتمعات السفلى، باريس 1910.
    41- لويس كوهين ولورنس ماينون، مناهج البحث في العلوم الاجتماعية والتربوية، ترجمة كوثر حسين كوجك وليم تاوضرس عبيد، القاهرة، 1990.
    42- موريس دفرجيه، علم اجتماع السياسة، ترجمة، سليم حداد، بيروت 1991.
    43- موريس ديفرجه، سوسيولوجيا السياسة: مبادئ أولى في علم السياسة، ترجمة هشام دياب، دمشق 1980.
    44- مارسيل بريلو: مدخل إلى علم السياسة، ط: 2، 1980.
    45- ماركس وأنجلز، الأيديولجيا الألمانية، دمشق، 1976.
    46- محمد الداسر، تاريخ الفكر السياسي، الرباط.
    47- محمد وقيدي: العلوم الإنسانية والأيديولوجيا، بيروت: 1983.
    48- محمد نصر مهنا، النظرية السياسية والسياسة المقارنة، مؤسسة شباب الجامعة، الاسكندرية.
    49- محمد سليم العوا، في النظام السياسي للدولة الإسلامية، دار الشروق، القاهرة 1989.
    50- محمد سبيلا، حوارات في الفكر المعاصر، الرباط: 1991.
    51- محمد عابد الجابري العصبية والدولة – دار الثقافة – البيضاء 1971.
    52- د. محمد عابد الجابري: قضايا في الفكر المعاصر، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت ط 1 يونيو 1997.
    53- محمد عابد الجابري، العقل السياسي العربي: محدداته وتجلياته، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1986.
    54- منتسكيو – روح الشرائع، ترجمة عادل زعيتر، اللجنة الدولية لروائع الإنسانية، القاهرة 1953.
    55- معن زيادة، (رئيس التحرير) الموسوعة الفلسفية العربية، بيروت 1986.
    56- نيقولا تماشيف: نظرية علم الاجتماع، ترجمة محمود عودة وآخرون، القاهرة، دار المعارف، 1983.
    57- نيكوس بولانتزاس – السلطة السياسية والطبقة الاجتماعية – دار ابن خلدون – 1980.
    58- هانز موسى، الفكر الاجتماعي، نظرة تاريخية عالمية، ترجمة السيد الحسيني وجهينة سلطان، القاهرة 1980.
    59- هشام شرابي، النظام الأبوي وإشكالية تخلف المجتمع العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1992.
    60- وول ديورنت، قصة الحضارة، ترجمة زكي نجيب محمود، القاهرة 1956.
    61- ديلابورت، بلاد ما بين النهرين: الحضارات البابلية والآشورية، ترجمة محرم كمال.
    62- الطاهر لبيب: هل الديمقراطية مطلب اجتماعي؟ علاقة المشروع الديمقراطي بالمجتمع المدني. ندوة مركز دراسات الوحدة العربية حول – المجتمع المدني في الوطن العربي – مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1992.
    63- غسان سلامة (مشرف) ديمقراطية دون ديمقراطيين، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1997.
    64- المجتمع المدني في الوطن العربي، ندوة نظمها مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت: 1992.

    الدوريات
    65- إبراهيم إبراش، مفهوم الدولة في الفكر السياسي لمنظمة التحرير الفلسطينية، مجلة الوحدة عدد 53، فبراير 1989.
    66- إبراهيم إبراش، أحداث النمسا، نحو مقاربة جديدة للديمقراطية، جريدة الاتحاد الاشتراكي، الرباط، 23/2/2000.
    67- روبرت كارنيرو – (نظرية في نشأة الدولة) – مجلة الفكر العربي، بيروت، عدد 22 السنة الثالثة 1981.
    68- محمد عابد الجابري، إشكالية الديمقراطية والمجتمع المدني في الوطن العربي، مجلة المستقبل العربي، عدد 167، يناير 1993.
    69- محمد عابد الجابري، المسألة الديمقراطية والأوضاع الراهنة في الوطن العربي، مجلة المستقبل العربي، عدد: 157.
    70- محمود أمين العالم، العقل السياسي العربي (ندوة)، مجلة المستقبل العربي، عدد 140.
    71- وحيد عبد المجيد، الديمقراطية في الوطن العربي، مجلة المستقبل العربي، عدد 138، أغسطس 1990.

    المراجع الأجنبية

    74. B.Bertrand, Socilogie politique (paris: presses universitaies de France; 1997)
    75. MOSCA. THE RULING CLAS
    76. M. Weber, the theory of social and economic
    77. organization, trans, and ed T. persons, the free press, new york, 1964.
    78. L. Moskvichov, the End of ideologey, illusions and reality progress publishers Moscow, 1974.
    79. G. Homans: Social behaviour, it, elementary forms. N.Y, harcourt Brace and world.
    80. Sullivan, the limitations of science, Mentorbooks, New York, 1949.
    81. Ross, A. Theory and method in the social sciences, Minnesote. The university press 1954.
    82. Malinowski, The Scientific Theory of Culture, 1944.
    83. Gabriel Almond, and James Coleman, eds. The politics of the Developing A ress. New Jersey. 1960.
    -------------------------

    عفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا
     
    آخر تعديل بواسطة المشرف: ‏2 ابريل 2016
    راوية ،politics-dz و SC yasmine fleur معجبون بهذا.
جاري تحميل الصفحة...