1. Nour

    Nour نور الهدى قراش إداري نجم المنتدى

    إنضم إلينا في:
    ‏5 مارس 2015
    المشاركات:
    374
    الإعجابات المتلقاة:
    382

    الشراكة العربية الإفريقية..من أين إلى أين؟

    [​IMG]
    مصطفى صايج(*): استاذ العلاقات الدولية بجامعة الجزائر
    قمة سيرت لقادة الدول العربية والإفريقية جاءت بعد ثلاثة وثلاثين سنة من القمة الأولى التي انعقدت في القاهرة سنة 1977، والتي مهدت لها القمة العربية التي انعقدت بالجزائر سنة 1973، وبعد أكثر من ثلاثين سنة من القمة الأولى، مرت العلاقات العربية الإفريقية بمراحل وفترات انعدام التأسيس لبناء الروابط الجغرافية بين منطقتين تجمعهما حتمية الجغرافية باعتبار أكثر من 60 بالمائة من الدول العربية متواجدة جغرافيا في القارة الإفريقية،

    كما جمع المنطقتين في الماضي المصير المشترك الواحد في فترة حركات التحرير من مؤتمر باندونغ إلى مساهمة الجزائر البلد الإفريقي العربي القاري في دفع فرنسا لكي تتخلي عن معظم مستعمراتها الفرنكوفونية سنة 1960 من أجل التركيز على احتلال الجزائر. وفي فترة السبعينيات أرست الجزائر في قمة حركة عدم الانحياز المطالب العربية الإفريقية الهادفة لإقامة نظام اقتصادي دولي جديد مع دفع مسألة الحوار جنوب- جنوب كآلية للتكيف مع الهيمنة الرأسمالية للشركات المتعددة الجنسيات التي تسيطر على سياسات الدول الغربية. وفي مرحلة النضوج السياسي هذه كانت العلاقات العربية الإفريقية في أوج تلاحمها بدافع الجغرافيا ودافع المصير المشترك، ولكن بأمل كان القادة الأفارقة ينشدونه وهو أن تتدفق عائدات البترودولار على التنمية في القارة السمراء، تجسد الطموح والأمل في قمة القاهرة سنة 1977 لإيجاد مؤسسات للتنسيق المشترك، دعمته مؤسسات عربية لتمويل التنمية في إفريقيا على غرار البنك العربي للتنمية الاقتصادية في إفريقيا والصندوق العربي للتنمية الاقتصادية والاجتماعية في إفريقيا وصناديق عربية قطرية مثل الصندوق الكويتي.

    [​IMG]

    ولم تشهد العلاقات العربية الإفريقية أية شراكة منذ قمة القاهرة الأولى لأن الاستثمارات العربية أو رفع من التبادل التجاري بين المنطقتين بقي ضئيلا جدا، وما لاحظناه مقابل هذا الفتور العربي في إفريقيا الصعود القوي لإسرائيل الدبلوماسي والتجاري والاستثماري والمالي في القارة، فبعدما كانت عدد الدول التي تقيم علاقات دبلوماسية مع الكيان الصهيوني في فترة الحربين 1967 و1973 ثلاثة دول تتزعمها نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا حتى وصلت إلى غاية اليوم أكثر من أربعين دولة تقيم علاقات بشكل شامل أو جزئي مع إسرائيل، وبذلك تراجع التأييد الإفريقي للقضية الفلسطينية في المحافل الدولية لصالح إسرائيل، ففي الوقت الذي كان التفاعل الإيجابي للترابط الجغرافي والمصير المشترك استطاع العرب والأفارقة ونظرائهم في أسيا وأمريكا اللاتينية أن يدمغوا الصهيونية بالعنصرية في لائحة بالجمعية العامة للأمم المتحدة في منتصف السبعينات، وعندما تراجعت الكتلة الإفريقية بتعداد 53 دولة نزعت العنصرية عن إسرائيل وأضحى كل من يتقرب من إسرائيل يدمغ بمعاداة السامية. ويكفي أن نعيد قراءة بعض الأرقام لنشهد تطور العلاقات الإفريقية الإسرائيلية في ميدان التبادل التجاري حيث لم تكن قيمة التبادل التجاري تتجاوز 450 مليون دولار سنة 1990 لتنتقل سنة 2008 إلى ما يزيد عن مليارين دولار، وتتواجد إسرائيل بشركاتها المدنية والعسكرية بشكل مكثف في المناطق الإفريقية الحيوية في القرن الإفريقي والبحيرات الكبرى وفي بلدان حوض النيل حيث استطاعت أن تحاصر مصر عبر كينيا وإثيوبيا وعينها على البحر الأحمر ونهر النيل، كما تستثمر في الموارد الثمينة كالألماس مقابل إمداد القبائل الإفريقية بالسلاح، وهي الدبلوماسية التي توصف بها إسرائيل حيث استطاعت أن تطرق أبوبا القارة السمراء مستثمرة في النزاعات القبلية بإمداد كل طرف بالسلاح الذي يريده وزيادة، وليس من الصدفة أن تجد من بين ستة دول إفريقية تحوي على موارد الألماس ثلاثة منها في حروب أهلية، وهو ما دفع مجلس الأمن فيما سبق لإصدار قرار يربط تجارة الألماس بتجارة السلاح، ولم تكن إسرائيل بعيدة عن التجارتين.

    وللأمانة أن القارة الإفريقية لم تتحالف مع إسرائيل إلا بعد أن سارعت مصر السادات إلى التطبيع الدبلوماسي مع إسرائيل وهو ما ساهم في الفراغ الكبير للعلاقات العربية الإفريقية منذ كامب ديفيد إلى غاية قمة سرت في منتصف أكتوبر من سنة 2010، وهو فراغ يتحمله قصور الإدراك الإستراتيجي العربي لمحيطها الجيوستراتيجي، ففي الوقت الذي تسارعت القوى الكبرى والصاعدة للبحث عن الموارد والاستثمارات في القارة الإفريقية كان العرب يديرون ظهرهم للقارة الإفريقية، فكان للأوربيين شراكاتهم مع القارة عبر الاتحاد الأوروبي أو عبر القمم الفرنسية أو البريطانية مع القارة الإفريقية، كما كان للصين الصاعدة قممها منذ سنة 2000 لتقفز بميزان تبادلاتها التجارية من بضعة مليارات إلى 110 مليار دولار سنة 2009، وهذا التنافس امتد إلى إيران وتركيا والبرازيل وغيرها من الدول الصناعية الصاعدة، فالقارة التي تجذب هذا التنافس هي قارة لديها من الإمكانيات ما تغري كثرة المتنافسين عليها، وهو ما جعل مفوض الاتحاد الإفريقي، جان بينغ، يخطب ود العرب في قمة سرت، مركزا على الفرص الأكيدة التي تمنحها القارة الإفريقية، فإفريقيا حقيقة تمثل ثقل استهلاكي بترتيبها السابعة عالميا بقوة بشرية تصل إلى مليار نسمة، كما أن المساحة الجغرافية لإفريقيا تعطي جاذبية للمستثمرين العرب في كل المجالات، فمساحة القارة هي عشرة أضعاف مساحة فرنسا وهي أربعة أضعاف الولايات المتحدة الأمريكية، والمقارنة هنا ليست اعتباطية لأن الأموال العربية استثمرت طوعا أو كرها في تنمية واشنطن وباريس، كما أن القارة الإفريقية فضلا عن القوة البشرية والموقع الجغرافي والمساحة فإنها تحتوي على موارد حيوية لمستقبل التنمية والاستثمارات بين المنطقتين العربية والإفريقية، هذه الجاذبية والإغراء ربما هو ما دفع العرب في قمة سرت أن يهرعوا لوضع إستراتيجية للشراكة العربية الإفريقية بخطة سداسية تمتد ما بين 2011 و2016 تحدد مجالات التعاون في التجارة والاستثمارات والطاقة والموارد المائية والموارد البشرية، لكن يبقى أن نؤكد على أمر ضروري في أية شراكة وهو من يمول هذه الشراكة، لأن الصيغة العامة التي تحددها كل الاتفاقيات في التمويل تجعلنا نتساءل: عن الدول التي ستضطلع بالمساهمة في بعث هذه الشراكة؟ وعن دور القطاع الخاص الذي يضع أمواله في بيئة استثمارات تحتاج إلى تأمين وضمانات تؤطرها القوانين وتوضحها المعلومات الشفافة وعن الحالة المالية لدول إفريقيا التي تصنف معظمها في رأس الدول الأكثر فسادا في العالم ؟ وعن دور المجتمع المدني الذي يغيب في بيئة اجتماعية تغلب عليها منطق القبيلة وأمراء الحرب؟ لست متشائما إلى هذا الحد لكن دعونا نرتقب بعد ثلاثة سنوات من الآن عندما يجتمع القادة الأفارقة والعرب قي القمة الثالثة في سنة 2013 لنعيد قراءة هذه المعطيات، وفي حينها هل سنتحدث عن السودان الدولة القارة أم عن سودان جنوبي وسودان شمالي؟ وهل سنسمع بدولة اسمها الصومال أم بثلاثة أقاليم كما هي مقسم حاليا وفعليا؟ حقيقة العرب استيقظوا متأخرين لأن إسرائيل تلعب بأوراق إستراتيجية في إفريقيا وتراقبها إيران في الوقت الذي تعود فرنسا إلى أساليبها الاستعمارية التقليدية بذريعة البحث عن مروحة الداي في منطقة الساحل الصحراوي، وتنتظر واشنطن المزيد من التجزئة لإقامة أفريكوم في قارة تعد الأكثر فقرا وفسادا في العالم.