1. politics-dz

    By:politics-dzin: ‏8 مارس 2015
    مدير الموقع طاقم الإدارة politico نجم المنتدى

    إنضم إلينا في:
    ‏22 فبراير 2015
    المشاركات:
    4,025
    الإعجابات المتلقاة:
    4,019
    الجنس:
    ذكر
    الإقامة:
    الجزائر
    الصفحة الرئيسية:


    مقدمة

    تشهد السياسة الخارجية التركية منذ سنوات حالة من التحول الواضح عن مسارها التقليدي، ويبدو هذا التحول جلياً من خلال استقراء جملة المواقف والتوجهات التي طرأت على سياق هذه السياسة مؤخراً؛ وعلى نحو يشي بحدوث نوع من التغير استجد على أولوياتها بل وطال جملة المبادئ التي طالما ارتكزت إليها تقليدياً. فالمتتبع لهذه السياسة يدرك دونما عناء أنها خرجت عن طورها المعهود الذي أراده لها مؤسس الجمهورية مصطفى كمال (أتاتورك) منذ عشرينيات القرن الماضي ؛ حين سعى إلى التملص من ميراث عثماني تراكم عبر ما يقرب من سبعة قرون مؤسَساً على فكرة الجامعة الإسلامية دون اعتبار لعوامل الجنس أو اللغة. وعوضاً عن ذلك شرع في بناء الجمهورية التركية الوليدة إذ ذاك على أسس علمانية موجهاً دفتها صوب التغريب والتأريب، وفي ذات الوقت قلص إلى حد كبير من انغماس البلاد في الشئون الدولية، كما حرص بحزم على عزلها عن محيطها العربي الإسلامي. وعلى هذا النهج الكمالي الصارم سار خلفاء أتاتورك من قادة تركيا العلمانيين فساسوها لعقود عديدة على هدى من تعليماته التي اعتبروها نصوصا مقدسة لا تقبل التشكيك أو النقد ويتعين إعمالها بحذافيرها دون تحريف أو نقصان.غير أنه




    بحلول عقد التسعينيات من القرن المنصرم ومع وصول تورجوت أوزال إلى سدة الحكم في أنقرة بحلول أواخر الثمانينيات شرع رئيس الوزراء التركي الجديد في انتهاج سياسة أكثر انفتاحاً على العالم الخارجي إلى حد وصفه البعض بولوج السياسة التركية مرحلة العثمانية الجديدة، وذلك على الرغم من أن أوزال ظل ممسكا بأهداب العلمانية.وعلى هذا المنوال الانفتاحي ذي الصبغة العلمانية عبرت السياسة الخارجية التركية عقد التسعينيات، ثم كان أن ولجت مع مطلع الألفية الثالثة مرحلة أكثر انفتاحاً على الشئون الدولية بعامة وعلى المحيط العربي الإسلامي على وجه الخصوص، وتلكم هي المرحلة التي تمر بها هذه السياسة منذ وصول حزب العدالة والتنمية ذي الجذور الإسلامية إلى الحكم منذ عام 2002.

    وبناء على ما تقدم يمكن القول إن السياسة الخارجية لتركيا الجمهورية قد مرت بثلاث مراحل رئيسية هي: مرحلة الثوابت الكمالية المطلقة ،ومرحلة ظهور العثمانية الجديدة، وأخيراً الانغماس في الدائرة العربية الإسلامية. وتأسيساً على ذلك تأتي مشكلة البحث.


    مشكلة البحث

    تتمحور مشكلة البحث حول تساؤل رئيسي هام قوامه: إلى أي مدي يمكن وصف ما تشهده السياسة




    شكر وتقدير: يتقدم الباحث بموفور الشكر إلي مركز بحوث كلية الحقوق والعلوم السياسية، جامعة الملك سعود لقاء دعمه هذا البحث.


    الخارجية التركية حاليا بالتغير النوعي والأصيل؟ ؛ وهو التساؤل الذي تندرج تحته تساؤلات فرعية عديدة لعل من أظهرها: ما هي المنطلقات والثوابت الأيديولوجية التقليدية للسياسة الخارجية لتركيا الجمهورية؟، وما هي المراحل التي مرت بها تلك السياسة؟، وإلى أي مدى حافظت هذه السياسة على طابعها الذي أسس له مصطفى كمال أتاتورك؟، وما هو حجم التغيير الذي شهدته تلك السياسة لاسيما خلال العقد الأخير؟، وهل طال هذا التغيير الثوابت الكمالية أم أنه مجرد تغيير شكلي يستند إلى اعتبارات برجماتية مرحلية؟، وبتعبير آخر، هل يمكن القول إن الأيديولوجية التي تستمد منها السياسة التركية مبادئها قد تغيرت بالفعل؟؛ أم أن الكمالية لاتزال راسخة تضرب بجذورها في عمق الواقع السياسي التركي قاطبة؟.



    هدف البحث

    بناءً على ما تقدم فإننا نستهدف من وراء هذا البحث الإجابة عن جملة التساؤلات التي طرحناها آنفاً باعتبارها تؤسس مجتمعةً مشكلة للبحث، وبالتالي فإننا معنيون هنا بتقديم حكم موضوعي يوصِّف بدقة حجم وطبيعة التغيير الذي طرأ على السياسة الخارجية التركية خلال العقد الأخير بصفة خاصة، بكل ما يقتضيه ذلك من تعريف بالثوابت التقليدية لتلك السياسة منذ نشأة الجمهورية في البلاد، وكذلك المراحل التاريخية المختلفة التي مرت بها، ومدى تخليها - لاسيما خلال الفترة الأخيرة- عن منطلقاتها الأيديولوجية المستمدة بصفة أساسية من أفكار مؤسس الجمهورية التركية مصطفى كمال(أتاتورك).


    مادة البحث

    تتمثل مادة البحث بطبيعة الحال وكما هو واضح مما تقدم في السياسة الخارجية لتركيا الجمهورية خلال مختلف المراحل التاريخية التي مرت بها، مع التركيز على المرحلة الراهنة لتلك السياسة بكل ما تحمله من أحداث وتوجهات ومواقف ذات دلالة تسترعي الانتباه وتستوجب الدراسة والتحليل والتقييم.

    منهج البحث

    ارتباطاً بطبيعة مادة البحث وهدفه سنلجأ إلى المنهج الاستقرائي كمنهج رئيسي للتحليل ؛ وبالتالي سنعمد إلى ملاحظة واقع السياسة الخارجية لتركيا الجمهورية منذ ظهورها إلى حيز الوجود في عام 1923؛ من حيث المراحل التاريخية المختلفة التي مرت بها، والمبادئ التي ارتكزت إليها، والأهداف التي استهدفتها، وكيفية تعاطي القادة الأتراك خلال المرحل المختلفة مع المشكلات والقضايا الدولية؛ وذلك كله بهدف الوصول إلى إجابات موضوعية عن جملة التساؤلات التي تدور حولها مشكلة البحث.


    خطة البحث

    سنعرض لمادة البحث من خلال ثلاثة مباحث تليها بطبيعة الحال الخاتمة ، وذلك على النحو التالي:

    المبحث الأول:السياسة الخارجية التركية خلال مرحلة الثوابت الكمالية.

    المبحث الثاني:السياسة الخارجية التركية وظهور العثمانية الجديدة.

    المبحث الثالثً: السياسة الخارجية التركية في المرحلة الراهنة.

    وأما الخاتمة فتتضمن بطبيعة الحال أظهر ما خلصنا إليه من نتائج تتعلق بهدف البحث.

    وفيما يلي تفصيل لما تقدم:


    المبحث الأول

    السياسة الخارجية التركية خلال مرحلة الثوابت الكمالية



    باعتلائه سدة الحكم في أنقره عام 1923 شرع مصطفى كمال أتاتورك -على نحو ما أشرنا سلفاً- في التخلص من الإرث العثماني بكل ثوابته الأيديولوجية؛ وفي المقدمة منها فكرة الجامعة الإسلامية((1)، وهي الفكرة التي فحواها إعلاء شأن رابطة الدين كمقوم لهويات الأمم والشعوب، بحيث تجب في هذا الصدد ما عداها من روابط سلالية بيولوجية أو ثقافية لغوية. فلقد دشن العثمانيون دولتهم كدولة للمسلمين ودار للإسلام لا دولة للجنس التركي أو غيره من الأجناس، إنها الفكرة الإسلامية التي اعتنقها خلفاء بني عثمان الذين طالما اعتبروا أنفسهم قادة لدولة الخلافة الإسلامية، وولاة أمر المسلمين قاطبة، والمدافعين عن ثغور الإسلام في شتى أصقاع البسيطة. وذلكم هو ما يعبر عنه البعض بقوله: "لم يكن السلاطين العثمانيون يزكون نسباً إلا نسبهم الإسلامي الصريح،وكان الوطن عندهم هو كل أرض يسكنها المسلمون، وكانت كلمة الملة تعني الدين والأمة معاً، لذلك صبغوا دولتهم بصبغة إسلامية خالصة، وحددوا غايتها بالدفاع عن الإسلام ورفع رايته على الأنام"(2) .

    وعلى النحو المتقدم كان من الطبيعي أن تكون السياسة الخارجية لهكذا دولة ذات طابع انفتاحي على الشئون الدولية، فخاضت غمار حروب توسعية ودفاعية عديدة خلال عمرها المديد الذي دام زهاء السبعة قرون، كما أسهمت بفعالية في العديد من التحالفات والمؤتمرات الدولية، وبسطت سلطانها ذات يوم على بقاع مترامية الأطراف من قارات العالم الثلاث القديمة ، ولعل خير تعبير عن كل ما تقدم هو ما وجد من نقش بقلعة بندر يعود إلى عام 1538 يعبر من خلاله أحد أقوي سلاطين بني عثمان وهو السلطان سليمان القانوني عما وصل إليه من قوة بقوله:" أنا عبد الله وسلطان هذا العالم ورأس ملة المسلمين بفضل الله علىَّ. قدرة الله والسنة المعظمة لمحمد هي التي ترشدني. أنا سليمان الذي يذكر اسمي في الخطبة بمكة والمدينة. في بغداد أنا الشاه، وفي بيزنطة أنا القيصر ،وفي مصر أنا السلطان.أرسل سفني في مياه أوربا والمغرب والهند.أنا السلطان الذي حاز على تاج وعرش هنجاريا، وحول سكانها إلى رعية مطيعة ، تجرأ القائد بترو على التمرد ضدي ولكني دسته بحوافر حصاني وأخذت بلاده مولدافيا" (3) .

    وعلى النقيض من كل ما تقدم راح مصطفى كمال يؤسس الجمهورية التركية التي أقامها على أنقاض الدولة العثمانية بعد أن ضعضعتها وطوحت بها الهزيمة في الحرب العالمية الأولى. فلقد سعى أتاتورك -كما أسلفنا الإشارة- إلى الخلاص من الموروث الأيديولوجي العثماني ،وبالتالي نبذ الإسلام كمقوم لهوية الدولة ومنطلق عقائدي لسياستها الداخلية والخارجية على السواء. لقد أنحى النظام الأتاتوركي - كما يقول البعض- باللائمة على الإسلام ووصفه بأنه سبب التخلف الاقتصادي في تركيا؛ مساوياً بين التقدم والهوية الغربية العلمانية، كما آمنت النخبة الأتاتوركية بأنه لا يمكن تحقيق التمدن إلا بتخليص الجمهورية من التراث العثماني الإسلامي. وتأسيساً على ذلك انتهجت أنقره في عشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين سياسة متطرفة راديكالية تهدف إلى إزالة الصبغة العربية والإسلامية عن المجتمع(4). وعليه أضحت العلمانية هي الدعامة الرئيسية للكمالية، إذ اعتمد أتاتورك- في سبيل بناء جمهوريته - نهجاً علمانياً متشدداً؛ فألغى السلطنة العثمانية وعزل الخليفة وشطب الأحرف العربية والتعليم الإسلامي والحركات الصوفية وألغى الحجاب، واعتبر الدين رمزاً للنظام القديم والرجعية ومعارضة الجمهورية.(5) كذلك فقد جرى العلمانيون الأتراك دوماً على ربط الديمقراطية بالعلمانية ارتباطا لا انفصام له، فبرأي الكماليين يتساوى تطبيق العلمانية مع الإيمان بالديمقراطية ، كما أنه يتعين اعتبار أية قوة سياسية غير علمانية بصورة آلية قوة لا ديمقراطية(6).

    إنها إذاً الكمالية وقد صارت منذ عهد أتاتورك الأيديولوجية الرسمية لتركيا والتي في ظلها حرص خلفاؤه على إلغاء الأسس الدينية للدولة ، واستئصال معظم الرموز الثقافية المعبرة عن تلك الأسس والمرتكزات؛ على نحو يهيئ لتدمير منهجي متواصل لروح الحضارة العثمانية الإسلامية وإبدالها بنظائرها الغربية ، وبالتالي جرى العمل على إقصاء الإسلام تماما عن الساحة السياسية وإعلاء مبادئ أتاتورك وعلى رأسها الجمهورية والقومية والعلمانية وكان هذا يعني عملاً قطع الطريق على أية محاولات رامية للوصول إلى السلطة السياسية باسم الإسلام (7).وفي ذات السياق أكدت الأتاتوركية على استبعاد الدين كمقوم للهوية التركية واعتمدت السلالة الطورانية بديلاً في هذا الصدد ؛ فلقد أكد أتاتورك وخلفاؤه من الساسة العلمانيين على نبذ حقبة الخلافة العثمانية وأحلوا محلها فكرة الجمهورية القومية ذات النزعة الطورانية المؤسسة على المبدأ السلالي التركي، وهو المبدأ الذي ظل الساسة الأتراك دوماً قابضين عليه ويرددونه في كافة مناسباتهم، والذي عبر عنه سليمان ديميريل - على سبيل المثال- في خطاب له ألقاه في يوليو 1997 أثناء الاحتفال بتدشين أحد تنظيمات الشبيبة الأتاتوركية بقوله : "إن الوطن الذي تمت إقامته بفضل عبقرية أتاتورك هو الجمهورية التركية، والناس الذين أقاموا هذه الجمهورية هم الأتراك. أما المكان الذي تمت فيه إقامة هذا الوطن فيعرف باسم تركيا، واللغة الرسمية لهذا الوطن هي التركية. يتعين على الجميع أن يبذلوا أقصى درجات الاهتمام بالمفاهيم الأربعة التي ذكرتها، إنها ضمانة السلام والثقة والسعادة في هذا البلد"(8).

    وعلى الجملة يمكن إيجاز الثوابت الكمالية فيما يلي:

    (1) إعلاء شأن العلمانية كبديل أيديولوجي للإسلام فيما يتعلق بتنظيم وبناء الدولة التركية في شتي قطاعاتها الحياتية، وما يحكمها من أنظمة سياسية، واقتصادية، واجتماعية، وتعليمية، وغيرها.

    (2) التملص من الصبغة الإسلامية الموروثة للبلاد والاتجاه بها صوب التأريب ووالتغريب، باعتبار ذلك السبيل الوحيد- حسب هذا التصور- لولوج عالم التحضر والمدنية.

    (3)اعتماد القومية الطورانية مقوماً لهوية الشعب التركي كبديل عن السند الإسلامي التقليدي الذي تبناه العثمانيون دهراً طويلاً.

    (4) نزع تركيا من محيطها الإسلامي العربي والتأكيد على كونها دولة أوربية حضارةً وجغرافيا.

    وتأسيساً على كل ما تقدم وانطلاقاً من هذه الثوابت يممت السياسة الخارجية التركية وجهها شطر الغرب وأدارت الظهر - إلى حد بعيد- للدائرة العربية الإسلامية .غير أنه مما تتعين الإشارة إليه أن هذه السياسة اتسمت - في البداية وحتى بدايات عقد الخمسينيات من القرن الماضي - بقدر كبير من السلبية إزاء العالم الخارجي ؛ ولاسيما منطقة الشرق الأوسط التي طالما أطلق عليها قادة المرحلة (المستنقع الشرق أوسطي)، وأبدى صانع القرار التركي تمسكا بالشعار الأتاتوركي الشهير (السلام في الداخل والسلام في العالم)، والذي كان يعني عملاً عدم انغماس تركيا في الشئون الدولية بقدر الإمكان والتركيز على بناء الدولة العلمانية ذات الصبغة الأوربية التي أرادها مؤسس الجمهورية.وفيما يتعلق بالشرق الأوسط تحديداً اتسمت هذه السياسة- على حد تعبير البعض- بدرجة عالية من الحذر قد تصل أحيانا إلى مستوى الخنوع(9). لقد كان جوهر الأتاتوركية – على حد قول البعض- هو توجيه تركيا بصرامة نحو الغرب بغية تحويلها إلى دولة غربية ومتقدمة، لذلك فإن حكم الأتاتوركيين عمد لأكثر من نصف قرن إلى تجاهل منطقة الشرق الأوسط وكأنها غير موجودة، واعتبار الارتباط التاريخي بها أمراً مؤسفاً شهده التاريخ التركي. (10) والحق أن هذا التجاهل لم يكن يرتد فحسب إلى رغبة الأتراك في التبرؤ من ماضيهم العثماني؛ وإنما نجم كذلك عن صدمتهم الشديدة إزاء موقف العرب منهم خلال الحرب العالمية الأولى، إذ لم ينس الأتراك أن العرب قد طعنوهم في الظهر حين انضموا إلى معسكر الأعداء وقت استعار أوار تلك الحرب.(11)

    على أية حال فإن أول تعبير عن توجه السياسة الخارجية التركية في حلتها الأتاتوركية بمضمونها المتقدم؛ تمثل في اعترافهم بإسرائيل وإقامة علاقات دبلوماسية معها في عام 1949 ، لتصبح تركيا أول دولة إسلامية تقدم على هكذا خطوة(12).واستمراراً لسياسة التوجه نحو الغرب ــ أو إن شئنا الدقة التمسح بالغرب ــ أقدمت تركيا على الانضمام لحلف شمال الأطلنطي في عام 1952حيث أضحت مذاك حارس الغرب على الجناح الجنوبي لأوربا في مواجهة المد الشيوعي ، واعتبر الساسة الأتراك أن عضوية بلادهم في النيتو دلالة على هويتها الأوربية والغربية.(13)وفي إطار ذات النهج كانت تركيا من الدول المؤسسة لحلف غربي شرق أوسطي في عام 1955 هو حلف بغداد ؛ إذ تعاونت في ذلك الصدد مع الحكومة العراقية برئاسة نوري السعيد المعروف بممالئته الشديدة للغرب ، وهو الحلف الذي فشل في اجتذاب دول عربية أخرى نظراً لاعتباره معادياً لتيار القومية العربية المزدهر وقتذاك؛ والذي شن زعيمه جمال عبد الناصر حرباً إعلامية ودبلوماسية شعواء على الحلف وصمه من خلالها بالإمبريالية ومعاداة العروبة.(14)ومن الأمور الجديرة بالملاحظة خلال تلك الأزمة أن الأتراك أبلغوا الحكومة الأردنية إذاك بأنه إذا لم ينضم الأردن إلى معاهدة بغداد فمن المرجح أن ينتهي الأمر بتركيا إلى أن تقاتل إلى جانب إسرائيل يوماً ما.(15)غير أن الحكومة الأردنية لم تصمد أمام الضغوط الناصرية الرهيبة المناوئة للحلف؛ وبالتالي فشل المشروع الغربي في ضم الأردن إلى حظيرته.(16) ومن المفارقات في هذا الصدد أن التهديد التركي للأردن الذي قصد به مزيداً من استرضاء الغرب قد استفز الغرب ذاته إلى حد أن واشنطن ولندن حذرتا الأتراك من أي تنفير إضافي للدول العربية الموالية للغرب.(17) وعلى الرغم من ذلك استمر الأتراك في سياستهم المثيرة لحفيظة العرب ، إذ شرعت تركيا في حشد قواتها العسكرية على الحدود مع سوريا عام 1957 حين بدا أن الحزب الشيوعي على وشك الاستيلاء على السلطة في دمشق، كما دعت الحكومة التركية إلى تدخل عسكري غربي في العراق لإعادة الملكية التي أسقطها انقلاب عبد الكريم قاسم عام 1958. كذلك فقد صوتت تركيا إلى جانب فرنسا في الأمم المتحدة خلال حرب الاستقلال الجزائرية، وسمح الأتراك للبحرية الأمريكية باستخدام قاعدة إنجرليك الجوية إبان الأزمة اللبنانية عام 1958(18) ، وإلى جانب ذلك كان الود المفقود يسود العلاقات التركية السورية من جراء تنازع الدولتين على لواء الإسكندرونة الذي كان الفرنسيون قد منحوا الأتراك الهيمنة عليه منذ عام 1939.(19)ولا يفوتنا في هذا المقام أن نشير كذلك إلى حال التنافر التي بدت عليها العلاقات التركية المصرية حين امتنعت الدولتان عن المشاركة سوياً فيما يعرف بحلف الميدو، أو منظمة الدفاع عن الشرق الأوسط التي كانت الولايات المتحدة قد شرعت في إنشائها مع بداية خمسينيات القرن الماضي؛ في إطار سياساتها إذاك لاحتواء المد الشيوعي في المنطقة. (20)

    وعلى الجملة ظل التوجه الغربي الراسخ بوصفه العمود الفقري للسياسة الخارجية ؛ يحظى بأقوى درجات التفضيل والتأييد لدى الجيش ونخبة الأعمال ودعاة التغريب التقليديين في الوسط السياسي، والمتمركزين بصفة رئيسية في صفوف أحزاب الشعب الديمقراطي والطريق القويم والوطن الأم ومعظم أرباب الصحافة والإعلام البارزين في البلاد(21).وقد لعبت المؤسسة العسكرية التي هيمن عليها تقليدياً غلاة الكماليين دوراً بارزاً في الحفاظ وبكل صرامة على الأسس العلمانية للسياسة التركية قاطبة ، وبخصوص السياسة الخارجية يشار إلى أن أن دستور1961 أدخل تغييراً يهدف إلى إعطاء القوات المسلحة منفذاً رسميا إلى عملية صنع القرار، كما عمل الدستور على ضمان قيام رئيس الوزراء بصياغة السياسة الأمنية بالتعاون والتنسيق مع الأجهزة البيروقراطية العسكرية والمدنية ذات العلاقة. يشار كذلك إلى أن مجلس الأمن القومي الذي يرأسه رئيس الجمهورية ويضم رئيس الوزراء ووزراء الخارجية والدفاع والداخلية ورئيس هيئة الأركان العامة وقادة الجيش والقوات الجوية والقوات البحرية وقوات الدرك ؛ استحوذ على سلطات أوسع عقب انقلاب 1980(22).

    وارتباطاً بهذا التوجه الكمالي الغربي العلماني ظلت تركيا ،لعقود عديدة، تمثل الحليف المخلص لكل من الولايات المتحدة وأوربا، حيث ساهمت منذ اندلاع الحرب الباردة في عملية الاحتواء الفعال للاتحاد السوفييتي عبر قيامها بحراسة الخاصرة الجنوبية الشرقية للتحالف الأطلسي، كما ساهمت بفعالية في احتواء نظام صدام حسين في العراق (23) ، كما لعبت تركيا دوراً محورياً في احتواء إيران منذ قيام الثورة الإسلامية بها في عام 1979 ؛ وظلت العلاقات التركية الإيرانية متسمة بالانعدام المتبادل للثقة كون البلدين ينطلقان من نظرتين مختلفتين إلى العالم ومن أيديولوجيتين متباينتين يكاد التوفيق بينهما أن يكون مستحيلاً (24).

    وصفوة القول في شأن هذه المرحلة من تاريخ تركيا أن السياسة الخارجية للبلاد واستناداً إلى الثوابت الكمالية قامت بصفة عامة النأي عن الدائرة العربية الإسلامية والانحياز للغرب وعلى رأسه الولايات المتحدة ، كما أن الأتراك حينما اضطروا إلى الخوض فيما أسموه بالمستنقع الشرق أوسطي خاضوه كدولة حليفة للغرب ؛ ترتبط بثوابته وإستراتيجياته حتى وإن كان من شأن ذلك إلحاق الضرر البالغ بعلاقات بلادهم مع جيرانها العرب والمسلمين. غير أنه مما تجدر الإشارة إليه أن تركيا، خلال ذات المرحلة ،اضطرت في مناسبات عديدة وارتباطاً باعتبارات برجماتية وأحياناً عقائدية، إلى الخروج بسياستها الشرق الأوسطية عن مسارها الكمالي التقليدي. ومن ذلك على سبيل المثال:

    (1) قيام تركيا بعقد معاهدة سعد أباد في عام 1937 مع كل من إيران والعراق والتي استهدفت التنسيق المشترك بصدد التصدي للحركات الكردية الانفصالية.(25) وبطبيعة الحال يمكن تبرير هذا الموقف التركي باعتبارات برجماتية تتعلق بمقتضيات المصلحة القومية للبلاد.

    (2) انحياز تركيا إلى الموقف المصري إبان حرب الأيام الستة في عام 1967 ؛ حيث رفضت في هذا الصدد الانضمام إلى مجموعة الدول البحرية التي كانت تطالب بإعادة فتح خليج العقبة أمام السفن الإسرائيلية ، ثم تكرر الانحياز للموقف العربي خلال الحرب العربية الإسرائيلية عام 1973 حيث منعت أنقرة واشنطن من استخدام القواعد الأمريكية لإعادة تزويد الإسرائيليين بالأسلحة وسمحت للطائرات الروسية باستخدام المجال الجوي التركي لمساندة السوريين.(26) والحق أن مثل هذه المواقف يمكن ردها إلى حد كبير لاعتبارات عقائدية تقليدية لم يفلح التطبيق العلماني الصارم في التملص منها، وهي ترتبط بداهة بكون تركيا دولة تنتمي دينياً - على الأقل- إلى العالم الإسلامي.

    (3) شاركت تركيا في المداولات حول منظمة المؤتمر الإسلامي في الرباط عام 1969 وأصبحت عضواً كامل العضوية بالمنظمة في عام 1976. واعتبر الموقف التركي في هذا الخصوص بمثابة أول مخالفة كبرى للمبادئ العلمانية في سياستها الخارجية (27)، وإذن فنحن هنا بصدد موقف لا يمكن تفسيره إلا برده لاعتبار عقائدي وثيق الصلة بكون تركيا في النهاية دولة إسلامية.

    (4) يشار كذلك إلى أن الأهمية الاقتصادية المتنامية لمنطقة الشرق الأوسط و بروز المشاعر الإسلامية في الداخل أجبر الدولة التركية في السبعينيات - كما يقول البعض- على أن تكون أكثر حساسية تجاه العالم العربي الذي كانت سابقا تستخف به وتزدريه ؛ وكان من مظاهر هذا التحول السماح لمنظمة التحرير الفلسطينية بافتتاح بعثة دبلوماسية كاملة في أنقرة عام 1979، وفي خطوة لم يسبق لها مثيل أقال البرلمان وزير الخارجية من منصبه بسبب لامبالاته بالمصالح الإسلامية في القدس ؛ الأمر الذي أضر بالعلاقات التركية الإسرائيلية ؛ التي ما برحت أن تدهورت عقب الانقلاب العسكري بتركيا في 12 سبتمبر 1980، حيث استدعت أنقرة سفيرها في إسرائيل وطلبت من إسرائيل أن تفعل الشيء نفسه ؛ ولم تعد العلاقات إلى مستوى تبادل السفراء إلا في ديسمبر 1991. وفي ذات التوقيت (1980) كان قد جرى رفع مستوى تمثيل بعثة منظمة التحرير الفلسطينية بأنقرة إلى مستوى سفارة رداً على الانتقادات الحادة التي وجهها الغرب إلى تركيا لامتناعها عن التصويت على قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة بإلغاء قرار مساواة الصهيونية بالعنصرية في عام 1976 (28).

    (5)سعي تركيا خلال عقد السبعينيات أيضاً- وتحت وطأة اعتبارات برجماتية تتعلق بأزمة النفط وقتذاك- إلى تعزيز التقارب مع جيرانها العرب والمسلمين بمنطقة الشرق الأوسط؛ حيث لجأت الحكومة التركية إلى مواجهة أسعار النفط المرتفعة من خلال زيادة صادراتها من البضائع والخدمات إلى المنطقة العربية وإيران، بحيث ارتفعت قيمة هذه الصادرات من 2 مليار دولار في عام 1975 إلى 4.9 مليار في عام 1980.(29)

    وهكذا يمكن القول، ارتباطاً بما تقدم،إن عقد السبعينيات شهد تحولاً إيجابياً واضحاً في السياسة الخارجية التركية تجاه الدائرة العربية الإسلامية الشرق أوسطية؛ وهو التحول الذي ارتبط بمزيج من الاعتبارات البرجماتية والعقائدية على النحو المتقدم. غير أن سنوات الثمانينيات سرعان ما جاءت بتراجع بائن في هذا المضمار أعاد العلاقات بين تركيا وجاراتها العربيات إلى الأجواء الجليدية التقليدية. وقد دفع إلى هذا التراجع ثلاثة عوامل يمكن إيجازها فيما يلي:

    (1)قناعة الأتراك بأن العرب تخاذلوا عن دعمهم دبلوماسياً في العديد من المواقف الدولية(30) التي كانت تتطلب مثل هذا الدعم؛ فعلى سبيل المثال لم تعر الدول العربية اهتماماً لسعي تركيا إلى تكريس ما تراه حق القبارصة الأتراك في تقرير مصيرهم، ووقف العالم العربي موقفاً سلبياً إزاء المطالبات التركية الملحة في هذا الصدد سواء في أروقة الأمم المتحدة أو حتى منظمة المؤتمر الإسلامي ، والأدهى من ذلك -حسب وجهة النظر التركية - أن العديد من الدول العربية ارتبطت بعلاقات ودية مع القبارصة اليونانيين (أعداء الأتراك اللدودين)؛ واعترفت بالحكومة القبرصية اليونانية بوصفها الإدارة الشرعية الوحيدة في الجزيرة. على صعيد آخر امتعضت تركيا بشدة إزاء المواقف المتخاذلة لبعض الدول العربية حينما تقدم الأتراك بمسودة قرار أمام منظمة المؤتمر الإسلامي يهدف إلى التنديد بسلوك بلغاريا العدواني تجاه الأقلية التركية خلال عامي 1986 و1987؛ حين شرع الزعيم البلغاري زيفكوف إذاك في حملة دمج قسري لعناصر تلك الأقلية، على نحو أدى إلى فرار ما يزيد عن الثلاثمائة ألف منهم إلى تركيا. وكان الموقف صادماً للأتراك حين امتنعت كل من الجزائر وسوريا ومنظمة التحرير الفلسطينية عن دعم المشروع التركي إرضاءً لبلغاريا وسيدها السوفيتي.

    (2)شروع الأتراك - بدءاً من عام 1983- دونما أي اعتبار لموقف كل من سوريا والعراق في تدشين مشروع جنوب شرق الأناضول بكل ماله من آثار سلبية خطيرة على حصة كل من الجارتين العربيتين في مياه نهري الفرات ودجلة ، على النحو الذي سنعرض له لاحقاً.

    (3)اتهام تركيا للسوريين بأنهم الداعم الرئيسي لحزب العمال الكردستاني المطالب بانفصال كردستان التركية عن البلاد، وهو الحزب الذي كان قد ظهر إلى حيز الوجود مع بداية عقد الثمانينيات؛ ويعتبره الأتراك منظمة إرهابية شديدة الخطورة على أمنهم القومي، وذلك - أيضاً - على النحو الذي سنعرض له بشيء من التفصيل اللاحق.

    وجملة القول في شأن هذه المرحلة، والتي تمتد من عام 1923 إلى عام 1989 تقريباً، أن السياسة الخارجية لم تكن خلالها - كما هو شائع - سلبية تماماً إزاء الدائرة العربية الإسلامية ؛ إذ على حين اتسمت خلال عقود العشرينيات والثلاثينيات والأربعينيات بتجاهل تلك الدائرة، اتخذت مواقف اعتبرت على الصعيد العربي الإسلامي معادية وممالئة للغرب خلال عقد الخمسينيات وحتى منتصف الستينيات تقريباً؛ غير أنها تميزت خلال السنوات اللاحقة وحتى نهاية السبعينيات تقريباً بتوجهات على قدر بائن من الإيجابية إزاء القضايا العربية الإسلامية، ثم عادت خلال عقد الثمانينيات إلى ذات نهجها الذي سارت عليه خلال حقبة الخمسينيات والسنوات الأولى من عقد الستينيات. ويلاحظ كذلك أن الحقبة الأولى الممتدة منذ تأسيس الجمهورية التركية وحتى نهاية عقد الأربعينيات كانت توجهات السياسة الخارجية عموماً تميل إلى الانزواء وعدم الانغماس في الشئون الدولية بصفة عامة، ولم يكن التجاهل التركي وقتذاك قاصراً على الدائرة العربية الإسلامية. كذلك فإنه يجدر التنويه إلى أن الأجواء السلبية التي خيمت على أجواء العلاقات التركية العربية لسنوات طويلة خلال تلك الحقبة لم يكن مردها دائماً إلى مواقف تركية ، وإنما أسهمت المواقف السلبية لبعض الدول العربية أحياناً بنصيب وافر في تكريس تلك الأجواء. أيضاً يتعين التأكيد على أن السياسة التركية خلال تلك الحقبة لم تكن مخاصمة تماماً لهوية تركيا كدولة إسلامية ، إذ على الرغم من التزامها الصارم بالمبادئ الكمالية إلا أنها اتخذت مواقف عديدة لا يمكن تفسيرها إلا بردها إلى الهوية الإسلامية التركية التقليدية، على نحو ما عرضنا سلفاً. يضاف إلى كل ما تقدم أن ملاحظة تاريخ السياسة الخارجية خلال تلك الحقبة الطويلة تشير إلى أن الفترات التي شهدت قطيعة تركيا لمحيطها العربي الإسلامي هي ذاتها فترات توافقها الكامل مع الغرب وعلى رأسه الولايات المتحدة ، والعكس صحيح. فخلال حقبة الجفاء التركية العربية الأولى الممتدة منذ نهاية الأربعينيات (تاريخ اعتراف الأتراك بإسرائيل) وحتى منتصف عقد الستينيات كانت علاقات تركيا مع الغرب على خير ما يرام ؛ باعتبارها طرفاً فاعلاً في أحلافه الرامية إلى حصر المد الشيوعي وعلى رأسها حلف شمال الأطلنطي. في حين أن التحسن الذي شهدته أجواء العلاقات التركية العربية منذ منتصف الستينيات وحتى نهاية السبعينيات تواكب مع تدهور في العلاقات التركية الأمريكية ، وهو التدهور الذي كان مرده إلى امتعاض الأتراك من الموقف الأمريكي غير الداعم لهم خلال الأزمة القبرصية الأولى عام 1964 (31).ثم إن عودة أجواء الجفاء لتخيم على العلاقات التركية العربية خلال عقد الثمانينيات تواكبت أيضاً مع التحسن الكبير لعلاقات تركيا مع الغرب ولاسيما الولايات المتحدة ؛ على إثر استرضاء الأمريكيين للأتراك بغية إعادتهم إلى حظيرة الغرب في أعقاب ذلك الحدث المدوي المستجد على الصعيد الشرق أوسطي في بداية عام 1979 والمتمثل في الثورة الإسلامية الإيرانية؛ التي حولت إيران من شرطي أمريكا في الخليج إلى واحدة من ألد الدول المعادية ، وبالتالي كانت الحاجة الأمريكية لتركيا ملحة كدولة أطلنطية شرق أوسطية لمواجهة واحتواء ذلك العدو المستجد.(
    أعجب بهذه المشاركة aymenovski
  2. politics-dz

    By:politics-dzin: ‏8 مارس 2015
    مدير الموقع طاقم الإدارة politico نجم المنتدى

    إنضم إلينا في:
    ‏22 فبراير 2015
    المشاركات:
    4,025
    الإعجابات المتلقاة:
    4,019
    الجنس:
    ذكر
    الإقامة:
    الجزائر
    الصفحة الرئيسية:


    أهلاً بك عزيزي الزائر لرؤية الردود يجب عليك تسجيل الدخول او الاشتراك معنا من هنا

  3. politics-dz

    By:politics-dzin: ‏8 مارس 2015
    مدير الموقع طاقم الإدارة politico نجم المنتدى

    إنضم إلينا في:
    ‏22 فبراير 2015
    المشاركات:
    4,025
    الإعجابات المتلقاة:
    4,019
    الجنس:
    ذكر
    الإقامة:
    الجزائر
    الصفحة الرئيسية:


    أهلاً بك عزيزي الزائر لرؤية الردود يجب عليك تسجيل الدخول او الاشتراك معنا من هنا

    أعجب بهذه المشاركة nina per
  4. مسيكة

    By:مسيكةin: ‏12 أكتوبر 2016
    عضو نجم المنتدى

    إنضم إلينا في:
    ‏12 أكتوبر 2016
    المشاركات:
    6
    الإعجابات المتلقاة:
    4
    الجنس:
    ذكر


    أهلاً بك عزيزي الزائر لرؤية الردود يجب عليك تسجيل الدخول او الاشتراك معنا من هنا

جاري تحميل الصفحة...
Top