1. politics-dz

    politics-dz مدير الموقع إداري politico نجم المنتدى

    Country:
    Algeria
    إنضم إلينا في:
    ‏22 فبراير 2015
    المشاركات:
    3,914
    الإعجابات المتلقاة:
    3,836
    نقاط الجائزة:
    113
    الجنس:
    ذكر
    الإقامة:
    الجزائر
    الصفحة الرئيسية:

    Print

    [​IMG]

    د . صدفة محمد محمود

    خلال السنوات الماضية، أصبح الاقتصاد الصيني ثاني أكبر اقتصاد في العالم، وفي ظل انشغال الولايات المتحدة الأمريكية بأزمتها المالية، كثفت الصين من استراتيجيتها "الانطلاق نحو العالمية" لتدعيم نفوذها في النظام الدولي، وكانت أمريكا اللاتينية من المناطق التي حرصت الصين على تعزيز التواجد فيها.

    تنامى وجود الصين في أمريكا اللاتينية بشكل ملحوظ خلال السنوات الماضية مستفيدة في ذلك من تراجع الدور والنفوذ الأمريكيين هناك، والذي تأكد مع وصول التيارات اليسارية المناهضة لواشنطن إلى سدة الحكم في العديد من دول القارة الجنوبية، لذا كان من الطبيعي أن تنظر الولايات المتحدة للدور الصيني الآخذ في التزايد في أمريكا اللاتينية بقلق بالغ، لمردوده السلبي على نفوذها في القارة من ناحية، وبما يمكن أن يلحقه من ضرر بمصالحها الاستراتيجية والاقتصادية من ناحية أخرى، خاصة بعد أن انتزعت الصين مكانتها كشريك تجاري أول للعديد من دول القارة، وأصبحت منافساً لها في مجال الاستثمار . وفي هذا الإطار، يرى بعض الباحثين أن التمدد الصيني في الفناء الخلفي للولايات المتحدة كان أحد الأسباب التي دفعت واشنطن إلى تطبيع علاقاتها مع كوبا بعد أكثر من خمسين عاماً من القطيعة .

    التواجد الصيني المتزايد في أمريكا اللاتينية تؤكده مؤشرات التجارة والاستثمار على حد سواء؛ فعلى مستوى التبادل التجاري بين الصين وأمريكا اللاتينية، تشهد حركة التجارة البينية نمواً يعتبره بعض الباحثين الأسرع بالمقارنة مع أي منطقة أخرى في العالم، حيث زاد حجم التبادل التجاري بين الجانبين بمقدار 18 ضعفاً خلال العقد الماضي، ليبلغ نحو 261 مليار دولار، ويراهن البعض على تفوق الصين على الولايات المتحدة كأكبر شريك تجاري لدول أمريكا اللاتينية ككل، ما يجعل منها ساحة أخرى للتنافس بين بكين وواشنطن .تعد الاستثمارات من الأدوات المهمة التي تعتمد عليها الصين لتطوير علاقتها بدول أمريكا اللاتينية، حيث تتبع ما يطلق عليه بعض الباحثين "الدبلوماسية النقدية" . وفي هذا الإطار، قدمت البنوك الصينية المملوكة للدولة منذ عام 2005 قروضاً لأمريكا اللاتينية تزيد قيمتها على 119 مليار دولار، وقدمت في عام 2014 وحده 22 مليار دولار مقارنة بحوالي 9 .12 مليار دولار عام ،2013 وذلك وفقاً لتقديرات نشرتها مؤسسة "حوار الأمريكيتين" و"مبادرة الحوكمة الاقتصادية العالمية" بجامعة بوسطن مطلع العام الحالي . وبلغت القروض الصينية أعلى معدلاتها السنوية في عام 2010 (37 مليار دولار)، مما يعني تجاوز قيمتها إجمالي ما قدمه البنك الدولي وبنك التنمية للدول الأمريكية وبنك الصادرات والواردات الأمريكي لأمريكا اللاتينية في العام نفسه.

    تحرص الصين التي تحتاج للطاقة على أن يكون لها موطئ قدم في فنزويلا التي تمتلك أكبر احتياطيات نفطية في العالم؛ حيث استحوذت منفردة على 47 في المئة من القروض الصينية لأمريكا اللاتينية خلال العام الماضي، ما يجعلها أكثر دول القارة حصولاً على قروض من الصين (3 .56 مليار دولار) خلال السنوات الخمس الماضية، ويجعل الصين أكبر دائن لفنزويلا . وقد جرى سداد أغلبية هذه القروض في صورة شحنات نفطية، حيث تستورد الصين من فنزويلا أكثر من 600 ألف برميل نفط يومياً . وعلى إثر الزيارة التي قام بها الرئيس الفنزويلي "نيكولاس مادورو" أوائل يناير/ كانون الثاني الماضي تعهدت الصين بإقراض بلاده 20 مليار دولار، وحصلت كاراكاس خلال الشهر الحالي على قرض صيني بقيمة 5 مليارات دولار . كما بلغت قيمة القروض التي قدمتها الصين للبرازيل 22 مليار دولار، والأرجنتين 19 مليار دولار، بينما تلقت الإكوادور 8 .10 مليار دولار . ومن الملاحظ أن القسم الأكبر من القروض التي تقدمها البنوك الصينية يتركز بشكل خاص في قطاع التشييد وتطوير البنية التحتية الذي تستثمر فيه الصين (9 .49 مليار دولار)، ويستحوذ قطاع الطاقة على قدر كبير من الاستثمارات الصينية (9 .32 مليار دولار)، كما أن الصين وأمريكا اللاتينية تتعاونان في مجال الأغذية والزراعة .تقوم استراتيجية الصين للاستثمار في أمريكا اللاتينية على إقراض المليارات من الدولارات لبلدانها في مقابل ضمان إمدادها بالمواد الخام والنفط، كما تشترط مشاركة الشركات الصينية في تنفيذ المشروعات الخاصة بالتشييد والأعمال الهندسية والخدمات النفطية في أمريكا اللاتينية . وخلال زيارة الرئيس الصيني "شي جين بينغ" لبعض دول القارة في يوليو ،2014 تعهد بزيادة حجم التبادل التجاري بين الجانبين لخمسمئة مليار دولار، وزيادة حجم الاستثمار المباشر في دول القارة لمئتين وخمسين مليار دولار خلال العقد المقبل . ولكن لماذا تُبدي الصين مثل هذا الالتزام نحو أمريكا اللاتينية التي يأخذ نموها الاقتصادي في التباطؤ، والتي تواجه العديد من دولها أزمات سياسية واجتماعية خطرة، فضلاً عن الخبرة التاريخية لبعض دول القارة في الفشل في إدارة أزمات الديون بنجاح؟

    تنبع الرغبة الصينية في تعزيز تواجدها في أمريكا اللاتينية من سعيها لتأمين احتياجاتها من المواد الخام والطاقة لضمان استمرار نموها الاقتصادي، وفتح أسواق جديدة لصادراتها، فضلاً عن خلق فرص هائلة للشركات الصينية، وضمان التنوع في أسواق وارداتها من الطاقة، خاصة مع تدهور الأوضاع السياسية والأمنية في منطقة الشرق الأوسط، وذلك في ظل ما يعرف عن أمريكا اللاتينية من وفرة المواد الخام ومصادر الطاقة والغذاء .من ناحية أخرى، يرى المراقبون أن دوافع الصين من تعزيز علاقتها بدول القارة الجنوبية ليست اقتصادية بحتة، حيث تهتم بأمريكا اللاتينية في إطار رغبتها في تدعيم نفوذها على الساحة الدولية، وتعزيز تواجدها في الفناء الخلفي للولايات المتحدة، رداً على اتجاه الأخيرة نحو منطقة آسيا والمحيط الهادي بالقرب من الصين فيما يعرف ب "سياسة الارتكاز الجديد"، كذلك تستهدف الحصول على دعم هذه الدول لسياسة "الصين واحدة"، والحد من أي دعم دولي لتايوان مستقلة، والتي يعتبرها القوميون الصينيون امتداداً للصين . وتأتي أهمية التعاون مع دول القارة في ظل احتفاظ عدد كبير منها بعلاقات دبلوماسية مع تايوان، حيث يعترف بها 12 دولة في أمريكا اللاتينية والكاريبي .

    على الناحية الأخرى، تلجأ دول أمريكا اللاتينية إلى الاقتراض من الصين بدلاً من الولايات المتحدة أو البنك الدولي، نظراً لأن البنوك الصينية لا تفرض شروطاً صارمة بالنسبة لظروف العمل والبيئة، كما أنها تتجنب فرض بعض الشروط التي يتمسك بها المانحون الغربيون وبخاصة تطبيق سياسات التقشف المالي أو تلك المتعلقة بالمشروطية السياسية واحترام حقوق الإنسان، لذا فإن القروض الصينية تحظى بأهمية خاصة بالنسبة لدول مثل فنزويلا والإكوادور التي تواجه صعوبات في الاقتراض من المؤسسات المالية الدولية .

    بطبيعة الحال، تسعى دول أمريكا اللاتينية من خلال تطوير علاقاتها مع الصين إلى تقليص اعتمادها على الولايات المتحدة، وتنويع شركائها الدوليين بما يكفل لها الاستقلال الوطني، ويضمن في الوقت ذاته الدعم المالي لمشروعات البنى التحتية والتنموية بها .مما لا شك فيه أن الاستثمارات والتجارة الصينية مع دول أمريكا اللاتينية قد ساعدتها على تحقيق نمو اقتصادي سريع ومطرد، وخففت بشكل كبير من تداعيات الأزمة المالية العالمية، إلا أن العديد من الباحثين يؤكدون أن العلاقات مع الصين قد تتسبب في الكثير من المشكلات والأضرار لأمريكا اللاتينية، لأنها تزيد من اعتمادية دولها على الصين بشكل كبير، ويجعل مستقبل اقتصادات القارة رهيناً بشكل أساسي بتطورات الأوضاع الاقتصادية في الصين . علاوة على ذلك، لا تلتزم الحكومات المقترضة باتباع إجراءات صارمة في مواجهة تحديات البيئة ومناهضة الفساد، مما ينذر بتداعيات سياسية وبيئية خطرة .

    وعدم فرض الصين لشروط صارمة على ما تقدمه من قروض لحكومات القارة قد يجعل الأخيرة تنفق بلا حدود، مما قد يتسبب لها في مشكلات كثيرة في المستقبل . فضلاً عن أن تزايد تورط دول أمريكا اللاتينية في الاستدانة من الصين، ربما يضاعف من احتمالات عدم قدرة بعضها على السداد في ظل انخفاض أسعار المواد الخام، وتدني معدلات النمو الاقتصادي .تتعرض الصين لاتهامات متكررة بأنها تسعى إلى استنزاف الموارد الطبيعية بدول القارة، في ظل تركيزها على استيراد المواد الخام غير المصنعة، ومع اهتمامها الكبير بتصدير المواد الخام للصين، أهملت دول أمريكا اللاتينية صادراتها من المنتجات الصناعية وعالية التقنية، أضف إلى ذلك فشل معظمها في استغلال الأرباح الهائلة لصادرات المواد الخام في تطوير القدرات التنافسية لصناعاتها ودعم الابتكار، كما لم ينجح العديد منها في استثمار هذه الأموال في تخفيض حدة التفاوتات الاجتماعية والاقتصادية فيها .

    وفي ظل ما تواجهه دول أمريكا اللاتينية من مشكلات جراء التركيز المبالغ فيه على الصين سواء من ناحية التجارة أو الاستثمار، فإن هذه الدول مدعوة إلى تبني سياسة تنويع الشركاء الاقتصاديين، فهل يمكن أن تنجح الولايات المتحدة في إعادة نسج علاقاتها بدول أمريكا اللاتينية من جديد، وأن تعيق التمدد الصيني في فنائها الخلفي؟

    * باحثة متخصصة في شؤون البرازيل وأمريكا اللاتينية

    تاريخ النشر: 30/04/2015
     
جاري تحميل الصفحة...