1. Nour

    Nour نور الهدى قراش إداري نجم المنتدى

    Country:
    Algeria
    إنضم إلينا في:
    ‏5 مارس 2015
    المشاركات:
    374
    الإعجابات المتلقاة:
    381
    نقاط الجائزة:
    63
    الجنس:
    أنثى
    الوظيفة:
    موظفة
    الإقامة:
    سطيف

    Print

    ز-بريجنسكي

    (*): مستشار الأمن القومي الأمريكي سابقاً ، أستاذ السياسة الخارجية بجامعة جون هوبكنز - واشنطن

    إن الهيمنة قديمة قدم الإنسان ذاته. ولكن السيطرة العالمية الراهنة لأميركا تتميز بسرعة ظهورها، وبحجمها العالمي، وبطريقة ممارستها. فخلال قرن واحد حولت أميركا نفسها، وحولت أيضاً بواسطة ديناميات دولية، من دولة معزولة نسبيا في نصف الكرة الغربي إلى قوة تصل سلطتها إلى ارجاء العالم كلها وتمسك بهذه الأرجاء على نحو لم يسبق له مثيل قط.

    الطريق القصيرة إلى سيطرة عالمية

    كانت الحرب الإسبانية الأميركية عام 1898 أول حرب استيلائية لأميركا في ما وراء البحار. فقد امتدت القوة الأميركية بعيداً إلى المحيط الهادي، وإلى ما وراء هاواي و الفلبين. ومع بدء القرن العشرين كان الاستراتيجيون الأميركيون قد انخرطوا في تطوير عقائد عن السيطرة البحرية على محيطين، وبدأت البحرية الأميركية تتحدى المفهوم القائل إن بريطانيا "تحكم الأمواج". وهكذا فإن المزاعم الأميركية عن وضع خاص يجعل من أميركا الحارس الوحيد لأمن نصف الكرة الغربي، والذي كان قد ادعى في وقت سابق من القرن من خلال عقيدة مونرو، وبرز لاحقاً "بتقرير المصير الواضح" المدَّعي أيضاً من قبل أميركا، كانت قد عززت أيضاً بإنشاء قناة باناما التي سهلت السيطرة البحرية على كلا المحيطين الأطلسي والهادي.أمنت أسس طموحات التوسع الجيوبوليتي لأميركا بسرعة تصنيع اقتصاد هذا البلد. ومع نشوب الحرب العالمية الأولى، كانت القوة الاقتصادية المتنامية لأميركا قد وصلت فعلاً إلى ما يعادل نحو 33 بالمئة من الدخل القومي السنوي العالمي، وبالتالي حلت مكان بريطانيا لتصبح القوة الصناعية الأولى في العالم. عززت هذه الدينامية الاقتصادية الملحوظة بثقافة عملت لصالح الاختبار العلمي والابتكار. وخلقت فرصاً غير مسبوقة لمخترعين طموحين ومحطمين للمعتقدات والمؤسسات التقليدية. ممن لم يمنعوا من متابعة أحلامهم الشخصية بواسطة الامتيازات المزخرفة أو السلطات الحاكمة المتحجرة اجتماعياً. وباختصار، فإن الثقافة القومية كانت متجانسة على نحو فريد من نوعه مع النمو الاقتصادي، وإذا اجتذب الأفراد الأكثر موهبة من الخارج، وأدخلوا بسرعة في النسيج العام للبلد فإن الثقافة سّهلت، في ضوء ذلك، توسع القوة القومية.أمنت الحرب العالمية الأولى أول فرصة للنقل الكثيف للقوة العسكرية الأميركية إلى أوروبا. فالدولة التي كانت معزولة نسبياً حتى ذلك التاريخ استطاعت أن تنقل بسرعة بضع مئات الآلاف من الجنود عبر الأطلسي، وكان ذلك عبارة عن حملة عسكرية غير مسبوقة حجماً وتنوعاً تنقل عبر المحيط، الأمر الذي دل على ظهور لاعب رئيس جديد في المسرح الدولي. ولا يقل عن ذلك أهمية أن هذه الحرب حثت على القيام بأول جهد دبلوماسي رئيس من اجل استخدام المبادئ الأميركية في إيجاد حل للمشكلات الدولية لأوروبا. وقد مثلت نقاط ردود ولمسن الأربع عشرة عملية حقن المثالية الأميركية في علم السياسة* الطبعية الأوروبي، وعزز ذلك بالقوة الأميركية. (وقبل عقد ونصف، كانت الولايات المتحدة قد لعبت دوراً بارزاً في حل نزاع في الشرق الأقصى بين روسيا واليابان، معززة بذلك وضعها الدولي المتنامي الأهمية). وعموماً، فإن الجمع بين المثالية الأميركية والقوة الأميركية جعل من أميركا قوة ملموسة كلياً على المسرح الدولي.وعموماً، فإذا أردنا دقة أكثر في الكلام، نقول إن الحرب العالمية الأولى كانت حرباً أوروبية غالباً ولم تكن حرباً عالمية. ولكن طابعها التدميري الذاتي سجل بداية النهاية للتفوق السياسي والاقتصادي والثقافي الأوروبي على سائر العالم. وفي أثناء الحرب، لم تكن أي دولة أوروبية قادرة بمفردها على تحقيق النصر، وبالتالي فإن نتيجة الحرب تأثرت إلى حد كبير بدخول دولة صاعدة غير أوروبية، هي أميركا، إلى النزاع. وفي ما بعد، فإن أوروبا ستصبح بدرجة متزايدة، الطرف المستهدف في سياسة القوة العالمية بعد ان كانت الطرف الفاعل في هذه السياسة.ومهما يكن الأمر، فإن هذا التفجر السريع والقصير الأمد في الزعامة العالمية الأميركية لم يثمر انخراطا أميركيا مستمراً في شؤون العالم. وعوضا عن ذلك، فسرعان ما تراجعت أميركا إلى حالة الجمع بين الانعزالية والمثالية على نحو مشع للرغبات الذاتية. وبالرغم من أن الديكتاتورية كانت تعيد تنظيم ذاتها وتستعيد قوتها في منتصف العشرينيات والثلاثينيات في القارة الأوروبية، فإن الدولة الأميركية، التي كانت تملك آنذاك أسطولا قويا يعمل في محيطين ويتفوق بوضوح على البحرية البريطانية، بقيت غير ملتزمة بشيء وفضل الأميركيون أن يكونوا مجرد متفرجين في المسرح العالمي .وانسجاما مع هذه النزعة وجد آنذاك المفهوم الأميركي عن الأمن، الذي استند إلى وجهة نظر ترى في أميركا مجرد جزيرة قارية. وهكذا ركزت الاستراتيجية الأميركية على حماية شواطئ أميركا، وبالتالي كانت ذات حجم قومي ضيق، ولم تعر سوى أهمية قليلة إلى الاعتبارات الدولية أو العالمية. وظل اللاعبون الدوليون الحساسون متمثلين في الدول الأوروبية إضافة إلى اليابان التي تنامي دورها أيضا .
    * ترجمة كلمة (Geopolitics) وهي تأثير العومل الاقتصادية والبشرية في سياسة الدولة الخارجية بخاصة (المترجم).وصلت المرحلة الأوروبية في السياسة العالمية إلى النهاية الأخيرة لها في أثناء الحرب العالمية الثانية، التي كانت أول حرب عالمية حقيقة. وإذ خيضت هذه الحرب في ثلاث قارات في وقت واحد، مع حدوث صراعات شديدة والوطأة في المحيطين الأطلسي والهادي، فقد ثبت بعدها العالمي على نحو ملموس عندما اصطدم الجنود البريطانيون واليابانيون، الذين احتلوا، على التوالي جزيرة أوروبية غربية بعيدة وجزيرة شرق آسيوية بعيدة مماثلة أيضا على مسافة آلاف الأميال عن وطنيهما، وذلك على الحدود الهندية البورمية. وهكذا أصبحت أوروبا وآسيا ميدان قتال واحد.ولو تحقق النصر في الحرب لصالح ألمانيا النازية لكان محتملاً أن تبرر دولة واحدة بوصفها القوة المتفوقة عالمياً. (وكان انتصار اليابان في المحيط الهادي سيحقق لها دوراً مسيطراً في الشرق الأقصى، ولكن كانت اليابان ستظل، في كل الاحتمالات، دولة مهينية إقليمية فقط. وعوضا عن ذلك فإن هزيمة ألمانيا تقررت نهائيا بواسطة الدولتين المنتصرتين غير الأوروبيتين تقريباً. أي الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، اللتين أصبحتا وريثتين للمحاولة الأوروبية غير المنجزة التي هدفت إلى تحقيق سيطرة عالمية.ثم خضعت السنوات الخمسون التالية إلى الصراع الثنائي القطب الأميركي ـ السوفييتي الهادف إلى تحقيق السيطرة العالمية. وفي بعض النواحي، نجد أن هذا الصراع بين الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة مثل تحقيق نظريات الجيوبوليتيين الأكثر تشددا، وبتعبير أخر فإنه وضع أقوى قوة بحرية في العالم، تسيطر على المحيطين الأطلسي والهادي، مقابل قوة برية في العالم تتوضع في مركز البر الأوراسي (مع وجود الكتلة الصينية ـ السوفييتية المحيطة بمنطقة من اليابسة تذكر على نحو ملحوظ بحجم أو اتساع الأمبراطورية المنغولية ). ولم يكن ممكنا أن يصبح البعد الجيوبوليتي أكثر وضوحا من ذلك: أي أميركا الشمالية مقابل أوراسيا، مع كون العالم في موضع رهان. فالرابح سوف يسيطر على العالم ولم يكن ثمة طرف آخر قادرا على الوقوف في الطريق بمجرد أن يتحقق النصر لأحد هذين الطرفين .كان كل طرف مزاحم قد نشر في العالم كله دعوة أيديوليوجية اقترنت بتفاؤل تاريخي وبررت لكل منهما الجهود الضرورية اللازمة بينما كانت تعزز قناعة كل طرف بالنصر الحتمي. ومن الواضح أن كل طرف مزاحم كان مسيطرا ضمن مجاله الخاص به، وذلك خلافاً للمرشحين الأوربيين الإمبرياليين للهيمنة العالمية ،حين لم ينجح أحد منهم قط في تأكيد تفوقه الحاسم حتى ضمن أوربا ذاتها .واستخدام كل طرف ايديولوجيته لتعزيز سيطرته على أتباعه ومؤيديه بطريقة تذكرنا إلى حد ما بعصر الحروب الدينية . إن الجمع بين المجال الجيوبوليتي العالمي والطابع العالمي المزعوم للعقائد المتنافسة أعطى الصراع شدة غير مسبوقة. ولكن عاملاً إضافياً، ومشرباً أيضاً في المضامين العالمية، جعل هذا الصراع فريداً من نوعه فعلاً. فقد عنى ظهور الأسلحة النووية أن أي حرب قادمة، حتى ولو كانت من النوع الكلاسيكي، بين المتصارعين الرئيسيين لن تؤدي إلى تدمير متبادل فحسب/ ولكن يمكن أن تؤدي إلى نتائج مميتة لجزء هام من البشرية كلها، وهكذا أخضعت شدة النزاع في الوقت ذاته إلى قيود ذاتية استثنائية فرضها كلا الطرفين المتزاحمين .وفي المجال الجيوبوليتي، كان النزاع يشنّ غالباً في المناطق المحيطية من أوراسيا ذاتها. وقد سيطرت الكتلة الصينية السوفييتية على معظم أوراسيا، دون أن تفرض هذا السيطرة على المحيطات (الأطراف المحيطية) لهذه الكتلة. نجحت أميركا الشمالية في التوضع على كلا الشاطئين الغربي الأقصى والشرقي الأقصى للقارة الأوراسية الكبرى. وإن الدفاع عن رؤوس الجسور القارية هذه (الممثل على"الجبهة" الشرقية بحصار برلين وعلى الجبهة الشرقية بالحرب الكورية) كان بالتالي، أول اختبار استراتيجي لما أصبح يعرف بالحرب الباردة. وفي المرحلة الأخيرة من الحرب الباردة ظهرت جبهة دفاعية ثالثة، هي الجبهة الجنوبية، على خريطة أوراسيا. وقد أدى الغزو السوفييتي لأفغانستان إلى تسريع الرد الأميركي المزدوج الذي تمثل بالمساعدة المباشرة للمقاومة الوطنية في أفغانستان بغية إغراق الجيش السوفييتي في المستنقع الأفغاني؛ وفي البناء الواسع النطاق للوجود العسكري الأميركي في الخليج [الفارسي] بوصفه رادعاً لأي عملية نقل أخرى نحو الجنوب للقوة السياسية أو العسكرية السوفييتية، وهكذا التزمت الولايات المتحدة بالدفاع عن منطقة الخليج [الفارسي]، وذلك على نحو مماثل للدفاع عن مصالحها الأمنية الأوراسية الغربية والشرقية .كان الاحتواء الناجح من قبل أميركا الشمالية لجهود الكتلة الأوراسية بغية تحقيق تسلط فعال على أوراسيا كلها، وفي ضوء ارتداع كلا الجانبين حتى النهاية عن القيام بأي صدام عسكري مباشر خشية اندلاع الحرب النووية، قد عنى أن نتيجة الصراع ستقرر في نهاية المطاف بوسائل غير عسكرية وبالتالي فإن الحيوية الساسية، والمرونة الأيديولوجية، وألدينامية الاقتصادية والإغراء الثقافي، أصبحت كلها الأبعاد الحاسمة .


     

    الملفات المرفقة:

جاري تحميل الصفحة...