1. تسنيم رحمن

    تسنيم رحمن عضو نجم المنتدى

    Country:
    Algeria
    إنضم إلينا في:
    ‏13 أكتوبر 2015
    المشاركات:
    4
    الإعجابات المتلقاة:
    9
    لم يعد الفقر شيئاً مقبولاً في عالم ينعم بموارد كبيرة وتقدم مذهل. وعلى الرغم من النمو السريع الذي تحقق في العقود الأخيرة في معظم اقتصاديات دول العالم فإن ثلثي فقراء العالم يعيشون في آسيا. وإن العولمة التي توصف بأنها حولت العالم إلى قرية معولمة صغيرة قد حولته أيضاً في البلدان الفقيرة إلى عملية نهب معولمة.

    العولمة يمكن أن تكون ظاهرة تاريخية موضوعية. وبوصفها كذلك يمكن أن يكون لها خيرها وشرها، إيجابياتها وسلبياتها. إنها دينامية خالقة لنمو اقتصاد كوني، ولكنها دينامية خالقة أيضاً لتفاوت كوني في النمو. والعولمة تأخذ بيد البشرية إلى اكتشاف تنوعها، لكن العولمة تنزع ايضاً الى فرض نمطية أحادية على البشرية جمعاء.

    العولمة تحرر طاقات، لكنها تطلق في الوقت نفسه قوى سلبية لابد من ضبطها، فهي إذن ليست آلية عمياء. إنها قابلة لأن تكون كما تريد لها البشرية أن تكون. فالبشر ليسوا فقط موضوع العولمة، بل هم أيضاً، وفي وسعهم أن يكونوا، فاعلها.

    ومن دون التنكر للطبيعة الاقتصادية لآليات العولمة (فتح الأسواق، تداول الرساميل، ترحيل المصانع، نقل التكنولوجيا) يمكن التأكيد على أولوية البعد السياسي. وما هو سياسي ليس مكتوباً عليه أن يقف مكتوف الأيدي أمام ما هو اقتصادي. والسياسة، بالمعنى الفلسفي العميق للكلمة، هي وحدها التي تستطيع، كالقابلة، ان تستولد عولمة ذات وجه إنساني.

    عولمة تحفظ حق البشرية في نمو دائم ومتوازن، وتصون البيئة ولا تُنضب مواردها القابلة للنضوب، وتضمن مستقبل الأجيال المقبلة، وتعمم قيم السلم والديمقراطية وحقوق الإنسان.

    لقد تجلت أولى مآزق العولمة في ربطها القسري بالنزعة الليبرالية المتطرفة، فإذا كانت العولمة ظاهرة تاريخية عامة فإن الليبرالية المتطرفة ظاهرة ايديولوجية ذاتية، ادعت لنفسها حق تسيير العولمة، وسعت إلى فرض نفسها على مستوى الشعور، كما اللاشعور الكوني، وكأنها مرادفة للعولمة.

    إن النموذج الأبرز لليبرالية المتطرفة هو ذلك الذي طبقته مارغريت تاتشر في بريطانيا ورونالد ريغان في الولايات المتحدة، فهذا النموذج الليبرالي التاتشري - الريغاني قام على تقليص الدور الاجتماعي للدولة وعلى إلغاء العديد من المكاسب والضمانات الاجتماعية للمواطن.

    فمع تاتشر وريغان كانت الليبرالية قد عادت بالفعل وحشية. ولهذا فإن الرأسمالية الأميركية والبريطانية عادت تصحح مسارها من خلال تسليم مقاليدها لبيل كلينتون الديمقراطي وتوني بلير العمالي.

    وليس من قبيل المصادفة أن يكون عقد التسعينات من القرن العشرين هو الذي شهد تجدداً في قوى اليسار الأوروبي والأميركي، مع أن سقوط النظام السوفياتي في مطلع ذلك العقد نفسه الذي كان يفترض فيه أن يسدد ضربة قاضية نهائية إلى الايديولوجيا اليسارية؛ فالتجربة الريغانية - التاتشرية في الليبرالية المتطرفة ردت إلى هذا اليسار قدراً من الفرص التي خسرها مع سقوط القلعة الأخيرة لليوتوبيا الاشتراكية.

    إن الليبرالية المتطرفة هي ذلك النظام الايديولوجي المؤسس على الاعتقاد، أو على وهم الاعتقاد، بأن اقتصاد السوق هو النموذج الاقتصادي الأصلح للبشرية، وأن هذا النموذج ناظم لنفسه بنفسه، وفي غني بالتالي عن كل تدخل من خارجه، لاسيما من جانب الدولة. وبعبارة أخرى، إن الليبرالية المتطرفة هي بمثابة يوتوبيا اقتصادية خالصة تلغي العامل الأساسي وتؤكد على ضرورة كف يد الدولة، لأن اقتصاد السوق، إذا ما أطلقت الحرية تامة لآلياته،، كفيل بحسب هذه اليوتوبيا بأن يقود البشرية إلى الفردوس الأرضي.

    هذا على الصعد الوطنية، أما على الصعيد الدولي العام فإن السؤال الأكثر مركزية قد ارتبط بقوة بمدى أثر العولمة على الأسواق الناشئة في الدول النامية، وما إذا كانت العولمة تساعد هذه الأسواق في تخطي عتبة التنمية المستديمة بحيث تصل إلى درجة الأمان وعدم التقهقر إلى الوراء جراء أية خضات مفاجئة، اقتصادية أم سياسية، أم أن هذه العولمة تساعد على إعاقة نمو الأسواق الجديدة عبر فتح باب المنافسة مع الأسواق المتقدمة عنها في القوة والمتانة، فيبدو التنافس غير متكافئ، وتغدو النتيجة لصالح الطرف الأقوى.

    وهناك من يرى أنه إذا كانت النتيجة الأخيرة هي الأكثر احتمالاً فإن العولمة في واقع الأمر لا تعمل سوى على تكريس الهوة الواسعة بين أغنياء العالم وفقرائه، مجتمعات ودولاً. وأن حقبة الحماية وعدم الانفتاح الكلي، التي ميزت بعض أنماط الاقتصاد الآسيوي الذي نهض في النصف الثاني من القرن العشرين، كالاقتصاد الماليزي، كانت في النتيجة أفضل من بريق الانخراط في العولمة ومواجهة مخاطرها من دون التسلح بأسلحة كافية.

    وعلى خلفية هذه الحقيقة، يمكن أن نلحظ أن العديد من مناطق العالم، قد شهدت في عصر العولمة تدهوراً خطيراً في أوضاعها الاقتصادية. ففي افريقيا ارتفع عدد الفقراء إلى 350مليون نسمة، أي أكثر من نصف تعداد إجمالي السكان. وأميركا اللاتينية التي تبنت نخبها القيادية سياسات التصحيح البنيوي، سجلت في التسعينات معدلاً وسطياً للنمو يقل بـ 3في المئة عن معدل السبعينات. بل إن عملاقاً أميركياً لاتينياً مثل المكسيك (زهاء 100مليون نسمة) خسر في ظل العولمة 20في المئة من قيمة ناتجه القومي السنوي، وتراجع مستوى الدخل الفردي فيه في 1997إلى المستوى الذي كان عليه عام

    1979.ويمكن أن نلحظ كذلك، أن العولمة لم تغير شيئاً في واقع المركزية الغربية للاقتصاد العالمي الرأسمالي، فالولايات المتحدة، التي لا تمثل سوى , 218في المئة من سكان العالم، لا تزال تستأثر بـ , 2123في المئة من الناتج الإجمالي العالمي. كما أن المستفيد الكبير الأول من عائد العولمة كان ولا يزال مجموعة الدول السبع الأغنى والأكثر تصنيعاً في العالم (الولايات المتحدة، اليابان، ألمانيا، فرنسا، بريطانيا، ايطاليا وكندا)، ففي العام 1965كان الدخل الوسطي للفرد في بلدان هذه المجموعة يزيد بعشرين ضعفاً على مستوى دخل الفرد في مجموعة البلدان الأكثر فقراً في العالم، ولكن في منتصف عقد العولمة "الأول"، أي في العام 1995، تضاعف ذلك الفارق الى تسع وثلاثين مرة.

    ويمثل الدولار الأميركي عملة التعامل الدولي الاقتصادي والمالي، مع أن مثل هذه العملة العالمية كان يفترض فيها، كما اقترح كينز، ألا تكون عملة قومية تابعة لأي أمة. وبفضل هذا الطابع الأممي لعملتها فإنها تجرّ إلى داخل الولايات المتحدة مئات المليارات من الدولارات مما يتيح لها أن تعيش في حالة عجز هائل ومزمن في ميزانيتها الداخلية مع تحكمها في الوقت نفسه بمقادير الاقتصاد العالمي.

    وبحكم لغتها القومية، فالانكليزية، مثلها مثل الدولار، غدت اللغة العالمية بامتياز، لغة الاقتصاد والمال والإعلام، وعلى الأخص لغة العلم، عصب الحضارة الحديثة. وبحكم قوتها الرمزية، فأميركا من خلال قوة صناعتها السينمائية والتلفزيونية، تتحكم بمخيلة قطاع كبير من البشرية، وتملي عليه أحلامها ومفهومها للحداثة.

    وكما أن العولمة لم تفلح إلا في أن تكون مناطقية، كذلك فإنها ظلت في واقعها قطاعية. فعائد العولمة، حتى في المناطق التي استفادت منها، لم يرتد على جميع السكان وعلى جميع قطاعات النشاط الاقتصادي. فدينامية العولمة ترافقت في كل مكان مع تفاقم الاستقطاب الاجتماعي، فازداد الأغنياء غنى والفقراء فقرا. وهنا ايضا تقدم الولايات المتحدة المثال الأفصح دلالة. ففي العام 1977كان واحد في المائة من الأميركيين الأغنياء يحوزون - بعد الاقتطاع الضريبي - ما يعادل مداخيل 50مليوناً من الأميركيين الفقراء. ولكن في نهاية عقد العولمة "الأول"، في العام 1999تحديداً، بات واحد في المائة من أغنياء الأميركيين يحوزون ما يعادل مداخيل 100مليون من فقراء الأميركيين ( 38في المئة من إجمالي السكان).

    وعلى الرغم من كل ذلك، يمكن القول أن العولمة الاقتصادية بوتيرتها واتجاهها النمطي الراهن قد دفعت على مستوى الواقع باتجاه خلق ما يعرف بالتخصصات الإنتاجية في الاقتصادات القومية تبعاً للتراث المتراكم من الخبرات التكنولوجية وطبيعة الثروات والموارد الطبيعية وكثافة اليد العاملة وغلائها أو رخصها النسبيين. ومن هذا المنظور اكتسب ما يسميه العلم الاقتصادي بـ المزايا المقارنة لكل أمة أو لكل اقتصاد قومي أهمية استثنائية في ظل العولمة. فالعولمة، باختراقها الحدود القومية، عززت المنافسة الدولية بين اقتصادات الأمم. كما أن المزايا المقارنة أعطت لكل اقتصاد قومي، وفي صدد كل منتوج على حدة، موقعاً مميزاً في المنافسة الدولية.

    وفي زاوية غير مثارة لدينا في العالم الثالث، يثور ضجيج في الغرب الرأسمالي نفسه بسبب ما تخلقه العولمة من بطالة في بلدان المركز جراء سياسة ترحيل المصانع التي تمارسها الشركات المتعددة الجنسيات. والمصانع التي تغلق في أوروبا الغربية وأميركا الشمالية يعاد فتحها في أوروبا الشرقية وأميركا الجنوبية، فضلاً عن آسيا الشرقية والجنوبية الشرقية التي غدت في العقود الأخيرة المستفيدة الأولى من ظاهرة ترحيل مراكز الإنتاج.

    وعند الوقوف على بعض النماذج، نرى أنه في آذار مارس من العام 1996أعلن عملاق الهاتف الأميركي تي.ان.تي عن تسريح 40ألف عامل. وفي الشهر نفسه أعلنت شركة سوني اليابانية عن إلغاء 71ألف وظيفة عمل، وكذلك فعلت شركة الكاتيل الفرنسية التي أعلنت في الشهر ذاته أيضاً عن تسريح 21000عامل، مما جعل مجموع الذين استغنت عن خدماتهم يصل الى ثلاثين ألفاً في مدى أربع سنوات. وفي يوم التاسع عشر من ذات الشهر أعلنت شركة تلكوم الألمانية، عقب خصخصتها، عن نيتها الاستغناء عن خدمات 70000عامل خلال السنوات الثلاث المقبلة. وفي ذلك اليوم نفسه أضافت شركة الطيران السويسرية إلى قائمة المسرحين، التي كانت طالت 1200عامل، قائمة جديدة طالت 1600عامل.

    ويعود السبب في هذه التسريحات إلى أزمة النصف الأول من التسعينات، وهي واحدة من أقسى الأزمات الدورية التي مرت بها الرأسمالية العالمية منذ أزمة العام 1929الكبرى.

    ويمكن التأكيد على حقيقة أن الشركات العابرة للقومية ليست مسببة كبيرة لوظائف العمل، فرغم أنها تتحكم بثلثي التجارة العالمية وبربع الإنتاج العالمي فإنها لا تستخدم سوى 86مليوناً من الأشخاص، ومن هؤلاء 20مليوناً في البلدان النامية، يضاف إليهم 20مليوناً آخر من العاملين في شركات المقاولة بالباطن. والحال أن جمالي قوة العمل في البلدان النامية يصل الى , 23مليار شخص.

    وقد أظهر استفتاء موسع نشرت نتائجه في اجتماع المنتدى الاقتصادي الدولي الأخير، الذي عقد في نيويورك، وأعدته برايس وترهاوس كوبرز الدولية للخدمات، وشمل قرابة 1200رئيس تنفيذي لشركات في أوروبا وآسيا والأميركيتين، أن نصف رؤساء الشركات في العالم عمدوا إلى تسريح الموظفين لديهم، في حين عمد 46في المائة منهم إلى الاعتماد على موردين خارجيين لتأمين الحاجات غير الرئيسية لشركاتهم لتجنب الأعباء التي أدت إليها دورة الركود الاقتصادي العالمي الحالية.

    واعتبر 87في المائة منهم أن العولمة قوة إيجابية للتغير الاقتصادي مقابل 79في المائة اعتبروها إيجابية للتغير الاجتماعي، إلا أن ثلثهم يقر بأن حركة مناهضة العولمة تمثل تهديداً خطيراً للأعمال في السنوات المقبلة.

    ومخاطر الركود الاقتصادي العالمي هي اليوم أوضح من أي وقت مضى منذ تدفق بركان العولمة في العقد الأخير من القرن الماضي، ففي العام 2000حقق الاقتصاد العالمي نمواً استثنائياً زاد على , 48في المائة، لكنه تباطأ في العام 2001بحوالي النصف ليصل معدل نموه إلى 3في المائة فقط.

    وإضافة إلى أزمة الاقتصاد الأميركي، فقد سجل اقتصاد دول الاتحاد الأوروبي معدلاً وسطياً للنمو تعدى , 34في المائة في العام 2000، لكن هذا المعدل انخفض في العام 2001إلى , 24في المائة.

    والشيء نفسه يمكن أن يقال عن الاقتصاد الياباني، الذي لم يحقق أية تجلية لا في العام 2000ولا في العام 2001.وبعد أن كان الناتج القومي لليابان قد زاد في العام 2000بمعدل , 17في المائة، عاد في العام 2001إلى الانخفاض ليصل معدل نموه الى , 06في المائة فقط.

    وينتهي بعض الباحثين في مقاربتهم للحظة المعولمة لهذا العالم إلى القول أن كثيراً من الاضطراب قد شاب هذه اللحظة وخالجها، وأن العالم القديم كان إلى حد كبير عالماً متوازناً، يكرر نفسه أو يعيد إنتاجها ببطء، ودونما تغير يذكر في المدى المحسوس. وأن عالمنا اليوم شديد التسارع، يحرق مراحل تطوره حرقاً وينجز في قفزة زمنية واحدة ما لم ينجزه عبر مسيرته الوئيدة خلال العشرة آلاف سنة الأخيرة من العصر الحجري المصقول.
     
    nova و politics-dz معجبون بهذا.
جاري تحميل الصفحة...