1. politics-dz

    politics-dz مدير الموقع إداري politico نجم المنتدى

    Country:
    Algeria
    إنضم إلينا في:
    ‏22 فبراير 2015
    المشاركات:
    3,914
    الإعجابات المتلقاة:
    3,836
    نقاط الجائزة:
    113
    الجنس:
    ذكر
    الإقامة:
    الجزائر
    الصفحة الرئيسية:

    Print

    [​IMG]

    شنَّ تحالف دولي بقيادة السعودية عملية "عاصفة الحزم" في اليمن لمنع الحوثيين والرئيس المخلوع علي عبد الله صالح من فرض سيطرتهم على البلاد بالقوة، فغيَّرت قواعد اللعبة السابقة ، وبات الصراع الملسح الدائر في اليمن صراعا إقليميا بل دوليا، توسعت أطرافه ورهاناته ووسائله ومساحاته، واستردت دول الخليج المبادرة لإعادة صياغة بيئتها الإقليمية بما يتوافق مع رؤيتها الأمنية.

    وقد تناول مركز الجزيرة للدراسات الأزمة اليمنية من بداياتها، فحلل رهاناتها واستشرف مساراتها، وقد بينت التطورات أن تقديرات المركز كانت صائبة في تحديد الاتجاهات الكبرى، ومن بينها توقع تدخل خليجي مسلح مدعوم دوليا إن حاول الحوثيون حكم اليمن بالقوة.

    وقد خصص المركز لمتابعة هذه الأزمة المعقدة نافذة بحثية، تُبرز من جديد الأعمال المنشورة سابقا من غير تعديل حتى يتابع القارئ التطور في تقديراتنا، وتتسع بأوراق جديدة تتابع التطورات المتتالية بالتحليل والاستشراف.

    [​IMG]
     
    بلال44 و alaa-abomajd معجبون بهذا.
  2. politics-dz

    politics-dz مدير الموقع إداري politico نجم المنتدى

    Country:
    Algeria
    إنضم إلينا في:
    ‏22 فبراير 2015
    المشاركات:
    3,914
    الإعجابات المتلقاة:
    3,836
    نقاط الجائزة:
    113
    الجنس:
    ذكر
    الإقامة:
    الجزائر
    الصفحة الرئيسية:

    Print

    [​IMG]

    مقدمة

    في وقت متأخر من مساء الأربعاء، 25 مارس/آذار، بدأت أسراب من طائرات سلاح الجو السعودي قصف أهداف عسكرية محددة في أنحاء اليمن. أُعلن عن العملية، التي أُطلق عليها اسم "عاصفة الحزم"، بعد انطلاقها بساعات قليلة، في بيان رسمي من الرياض وعبر مؤتمر صحفي عقده السفير السعودي في واشنطن لإيضاح الأساس القانوني للعملية وأهدافها. أبدى الشارع العربي ترحيبًا واسعًا بالعملية، حتى قبل أن تبدأ الدول العربية المختلفة في الإعراب عن الترحيب، والتأييد، وتوكيد الرغبة في الالتحاق بالجهد العسكري، أو عن المعارضة والتحفظ. وربما لم تقابِل خطوة سعودية منذ سنوات طويلة مثل هذا الترحيب والحماس الشعبي العربي؛ هذا، إضافة إلى التأييد الرسمي، الذي انعكس في قرارات قمة شرم الشيخ العربية في 28-29 مارس/آذار.

    خلف هذا الترحيب والحماس ثمة شعور عربي متزايد بالضيق والإهانة، رسَّبته سياسات التوسع الإيراني اللامبالي، التي انتهزت فرصة القلق والاضطراب وفراغ القوة في الجوار العربي، المصاحب لانطلاق وتعثر حركة الثورة والتغيير. ما ضاعف من هذا الشعور أن إيران اختارت الوقوف إلى جانب حركة الثورة المضادة ومحاولة إجهاض أحلام التغيير والانتقال الديمقراطي. وبدا في كل الحالات تقريبًا أن خطوات إيران في الجوار العربي تنذر باندلاع صراعات طائفية، وحروب وانقسام داخليين.

    بعد ما يقارب الأسبوع على انطلاق "عاصفة الحزم"، وهدوء عاصفة الحماس والتأييد، أصبح من الأسهل –ربما- محاولة النظر إلى الأسباب التي أطلقت هذه العملية، وإلى حقيقة التحالف العشري الذي أعلن عن مشاركته في مجرياتها، وإلى آفاق العملية وأثرها على خارطة القوة الإقليمية.

    لماذا أخذت السعودية قرار الحرب؟

    لا يشكِّل الحوثيون، بحدِّ ذاتهم، خطرًا على المملكة العربية السعودية؛ فهم في النهاية قوة ذات قاعدة شعبية محدودة، حتى بين اليمنيين الزيود. الاشتباكات التي جرت بينهم والقوات السعودية في 2009 نجمت عن تعديهم على مواقع حدودية سعودية، بعد أن ظنُّوا أن السعودية تدعم حرب النظام اليمني آنذاك ضدهم. خلال السنوات التالية، تعاملت الرياض مع الظاهرة الحوثية باعتبارها إحدى مظاهر التشظي السياسي اليمني. ولكن المشكلة التي أخذت السعودية في مواجهتها، منذ استيلاء الحوثيين على صنعاء في سبتمبر/أيلول الماضي، أن الحوثيين بدوا في حالة تحالف مع إيران أوسع وأعمق بكثير مما كان يُظَنُّ؛ واتضح بما لم يترك مجالًا للشك أن عبد الله صالح، الرئيس اليمني السابق، الذي يمارس نفوذًا قويًّا على أكثر من نصف القوات المسلحة اليمنية، أصبح طرفًا في التحالف الحوثي-الإيراني؛ وأن الحوثيين لا يكترثون بالحوار اليمني الداخلي وأنهم يعملون على فرض سيطرة أحادية شاملة على الشأن اليمني.

    يعتبر السعوديون اليمن دائمًا، ومنذ ولادة المملكة العربية السعودية، أهم بقعة استراتيجية في الجزيرة العربية خارج حدود المملكة، لأنها يمكن أن تتحول إلى مصدر تهديد حقيقي للمملكة. لم تخض السعودية حربًا مبكرة مع اليمن في 1934 وحسب، بل وساندت القوى المناهضة للوجود الناصري في اليمن طوال سنوات الحرب اليمنية الأهلية في ستِّينات القرن الماضي. ولم تتوقف السعودية عن الاهتمام بالشأن اليمني طوال نصف القرن الماضي، بما في ذلك تقديم مليارات من المساعدات المالية للدولة اليمنية. ولم تكن السعودية لتقبل أن يتحول اليمن إلى قاعدة لنفوذ خصمها الإيراني، بفضل قوة أقلية سياسية، سيما بعد أن أصبحت إيران القوة النافذة في العراق وسوريا ولبنان. ولا يقل أهمية أن الرياض تتخوف من أن يحوِّل فشل الدولة والإضطراب الاجتماعي والسياسي اليمن إلى حاضنة آمنة للقاعدة والجماعات المسلحة الراديكالية المشابهة.

    بيد أن ما حسم قرار التدخل العسكري السعودي المباشر في النهاية كان:

    1. أن الحوثيين تحركوا سريعًا، بمساندة رئيسية من وحدات الجيش والحرس الجمهوري والقوات الخاصة الموالية لعبد الله صالح، بعد الاستيلاء على العاصمة للسيطرة على المحافظات اليمنية الأخرى، بما ذلك محافظات الأغلبية الشافعية في الوسط والجنوب والساحل؛ وأنها تقدمت بصور حثيثة للسيطرة على عدن، بعد أن نجح الرئيس عبد ربه هادي في الهروب إلى عاصمة الجنوب وإعلانها عاصمة مؤقتة للبلاد.
    2. أن الحوثيين بدأوا فعلًا، وباسم الدولة اليمنية، فتح أبواب البلاد للنفوذ الإيراني.
    3. أن الولايات المتحدة، الحليف التقليدي للسعودية، أخبرت الرياض بصورة واضحة أن ليس لديها من خطة للتدخل في الشأن اليمني أو محاولة إعادة التوازن في الساحة السياسية اليمنية.
    نشأت فكرة مجلس التعاون الخليجي في وسط السبعينات من القرن الماضي، أصلًا، لتملأ الفراغ الذي تركه الانسحاب البريطاني من المنطقة، وبات ملحًّا مع بداية الثمانينات الإسراع بتجسيدها لتوفير إطار عربي يحفظ التوازن مع إيران بضمان من القوى الغربية، والولايات المتحدة على وجه الخصوص. وقد ازداد الوجود والالتزام الأميركيان في منطقة الخليج منذ حرب الخليج الأولى في 1990-1991 بصورة ملحوظة. وسواء في منطقة الخليج، أو في مناطق توتر أخرى من المشرق، وُلِد شعور بأن السعودية أدمنت الاعتماد على قوة الحليف الأميركي وضماناته. وكان واضحًا، كما أشرنا في عفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا، أن التحدي الأبرز الذي تفرضه الأزمة اليمنية على صانع القرار السعودي يتعلق بما إن كانت الرياض على استعداد للدفاع عن مصالحها، بدون انتظار التدخل الأميركي، وأن تتحمل تبعات الاعتماد الكلي على حليف بات يختلف معها في تقدير الخطر الإيراني. والواضح أن الأزمة اليمنية وصلت، من وجهة نظر الرياض، حدًّا من التهديد ألزم السعودية التحرك مهما كان الموقف الأميركي.

    حلفاء بمستويات مختلفة

    بيد أن واشنطن أكَّدت في تصريحات مختلفة من كبار مسؤولي الإدارة، وخلال اتصال هاتفي بين الرئيس الأمريكي باراك أوباما والملك سلمان بن عبد العزيز في اليوم الأول للعملية، على تأييد الخطوات السعودية في اليمن وعلى استعدادها لتقديم مساعدات لوجستية واستخباراتية للجهد الحربي السعودي. والأرجح أن الرياض أبلغت واشنطن قبل أيام على الأقل من بدء الضربات الجوية بعزمها على التحرك العسكري في اليمن، سيما أن الولايات المتحدة لديها من الإمكانيات ما يساعد على إعداد بنك الأهداف الضرورية للطائرات المهاجمة، كما أن زمن العملية في اليمن، التي لا يُتوقع لها أن تكون قصيرة، يتطلب إمدادات عسكرية أميركية، بما في ذلك قطع غيار الطائرات والمعدات العسكرية الأخرى، والذخائر. ولكن من غير المتوقع أن يعلن أي من الطرفين عن حجم ونوعية المساعدات الأميركية في أي وقت من العملية؛ ففي ظل المباحثات الجارية في لوزان حول الملف النووي الإيراني، تحاول واشنطن ألا تتخذ خطوات تمثل استفزازًا مباشرًا لإيران وتفسح المجال لمزيد من ضغوط المحافظين الإيرانيين على الرئيس حسن روحاني وفريقه المفاوض.

    أعلنت الرياض، رسميًّا، وبعد ساعات قليلة من انطلاق "عاصفة الحزم"، أن العملية العسكرية في اليمن لا تتعهدها السعودية وحسب، بل تحالف من عشر دول، اتضح بعد ذلك أنها تضم، إضافة إلى السعودية، كلًّا من قطر، والبحرين، والكويت، والإمارات، ومصر، والأردن، والسودان، والمغرب، وباكستان. والحقيقة، أن قرار التدخل في اليمن كان قرارًا سعوديًّا في البداية، وأن دول مجلس التعاون الخليجي أُبلغت بالقرار قبل أيام من انطلاق العملية؛ حيث أعرب أربع من دول المجلس عن مساندتها للقرار السعودي، وامتنعت عُمان. وهذا ما جعل البيان الخليجي بشأن العملية يصدر باسم الدول التي أبدت استعدادًا للمشاركة في العملية وليس باسم مجلس التعاون. لم تكن مصر ولا الأردن طرفًا في قرار العملية، ربما لأن السعودية لم تكن مطمئنة تمامًا لخطوات التقارب الأردني مع إيران خلال الأسابيع القليلة السابقة على انطلاق "عاصفة الحزم"، ولا لاتصالات القاهرة مع الحوثيين، في اليمن وخارجه. ولكن، ما أن أُبلغت دول عربية مختلفة، وعدد من الدول الإسلامية، بقرار العملية، بعد بدء القصف الجوي، حتى عبَّرت مصر والأردن والسودان والمغرب وباكستان عن استعدادها للانضمام للتحالف، وأيَّدت تركيا العملية، على أن يبحث مسؤولون أتراك وسعوديون ما يمكن لأنقرة أن تقدمه من عون.

    من المؤكد أن الهجمات الجوية الأولى قامت بها طائرات سعودية، وأن دول الخليج المشاركة في التحالف لم تكن قد أنهت استعداداتها للمشاركة بعدُ عندما انطلقت العملية. من جهة أخرى، فإن المشاركة الباكستانية لم تكن قد تحددت حتى بعد مضي أسبوع على بدء الهجمات الجوية. وبينما احتاجت مصر أيامًا لإرسال عدد من الزوارق البحرية إلى السواحل اليمنية، بدون أن تتوفر أدلة على مشاركتها في الهجمات الجوية، وليس من الواضح ما إن كانت هناك مشاركة أردنية ومغربية فعلية. أما الدور السوداني فيتعلق بمشاركة عدد قليل من الطائرات في الطلعات الجوية.

    الملاحظ في الأيام القليلة السابقة على بدء "عاصفة الحزم" أن أحمد علي عبد الله صالح، ابن الرئيس المخلوع وأحد العناصر النافذة في إدارة سيطرة صالح ونفوذه في الجيش اليمني، والذي كان يعمل سفيرًا لليمن في الإمارات، طلب زيارة السعودية قبل يومين فقط من انطلاق العملية. وبالرغم من أن ميزان القوى في الساحة اليمنية كان قد مال بصورة كبيرة لصالح الحوثيين والقوات الموالية للرئيس المخلوع، إلا أن أحمد علي عبد الله صالح أبدى في اللقاء مع وزير الدفاع السعودي، محمد بن سلمان، استعداده ووالده للانقلاب على الحوثيين وحشد عشرات الآلاف من القوات الموالية لهما لخوض الحرب ضدهم، مقابل مطالب خاصة بوالده تتمثل في رفع العقوبات الأممية وإنهاء تجميد الأموال ومنع السفر، وتوكيد الحصانة له ولوالده. السؤال الذي أثارته هذه الزيارة هو ما إن كان طرف خليجي قد سرَّب لأحمد عبد الله صالح قرار الحرب السعودي، ودفعه لمحاولة التوصل إلى صفقة قبل أن تُقرع طبول الحرب.

    [​IMG]

    (الجزيرة)
    الواضح، على أية حال، أن الإدارة السعودية، التي كانت قد فقدت الثقة كليَّة بعبد الله صالح، وأدركت حجم الخطأ الذي ارتُكب في المبادرة الخليجية ونصها على توفير حصانة له، وقبولها بعد ذلك باستقراره في اليمن ولعب دور الثقل المرجِّح في التوازنات السياسية اليمنية، رفضت العرض الذي تقدم به أحمد علي عبد الله صالح. وإن كان في هذا الرفض من دلالة، فالواضح أن الرياض تتصور أن "عاصفة الحزم" لابد أن تمهد لحل أكثر جذرية للأزمة اليمنية، حل يستبعد صالح ومعسكره كلية، ويؤسس لاستقرار يمني أكثر ديمومة.

    آفاق الحرب

    توحي النشاطات العسكرية التي شهدها الأسبوع الأول من "عاصفة الحزم" بأن الضربات الجوية لم تزل هي العماد الرئيس للعملية، وأن السعودية تتحرك، وحلفاؤها، لتحقيق الأهداف التالية:

    1. الاستخدام الكثيف لسلاح الجو لتدمير مواقع الدفاع الجوي اليمنية، ومراكز القيادة، ومعسكرات التجمع، وخطوط الإمداد والتموين، ومخازن السلاح الخاصة بالقوات الموالية لصالح والحوثيين، وتقديم العون اللازم للقوات الموالية للرئيس هادي وقوات القبائل المناهضة للحوثيين، سيما في مناطق الاشتباك حول مدينة عدن وفي مأرب والبيضاء وشبوة وذمار ولحج والضالع. وقد حققت الضربات الجوية المبكرة ما يمكن وصفه بالسيطرة الكاملة على الأجواء اليمنية.
    2. استخدام سلاح الجو والقوات البحرية لفرض حصار كامل على الموانيء اليمنية، ومنع وصول أية أمدادات عسكرية محتملة من إيران أو مصادر أخرى، للحوثيين والقوات الموالية لصالح.
    3. حشد قوة برية كافية للدفاع عن الحدود السعودية ضد أية محاولات لاختراقها.
    تستطيع الضربات الجوية، بالطبع، إن استمرت لفترة طويلة نسبيًّا وبمعدلات عالية، إيقاع أذى كبير بالحوثيين وقوات عبد الله صالح، ولكنها لن تستطيع وحدها فرض الاستسلام على الحوثيين، الذين هم أقرب إلى الميليشيات التي يمكن لتضاريس اليمن الصعبة أن توفر لها حماية نسبية لوقت طويل. قد تتسبب الضربات الجوية، ربما، في شلل فادح للقوات النظامية الموالية لصالح، وأن تقنع قادة هذه القوات بالانسحاب من ساحة الحرب، أو التخلي عن عبد الله صالح. أفضل الاحتمالات في حال اقتصار الحرب على الضربات الجوية، أن تدفع الخسائر الحوثيين إلى طلب الحوار من جديد، وأن تصبح مشاركتهم فيه على أساس ما حصلوا عليه من مخرجاته قبل سيطرتهم على صنعاء. ولكن، في حال رفض الحوثيين الانصياع للشرعية والذهاب إلى الحوار فلابد عندها من تطوير العملية إلى حرب برية.

    السؤال الآن هو: من سيقوم بهذه الحرب، إن أصبحت ضرورية بالفعل؟

    يمكن إن دُفعت قوات التحالف لخوض حرب برية (التي يُتوقَّع أن تكون القوات السعودية عمادها الرئيس)، أن يصبح اليمن ساحة لما يُعرف بالحرب غير المتناظرة (asymmetric war)، تواجه فيها قوات نظامية مجموعات من العصابات المسلحة ذات المعرفة الوثيقة بالبلاد والظروف، وتمُنَى القوات النظامية -على الأرجح- بخسائر فادحة. الخيار الأقل مخاطرة أن تقوم السعودية ودول الخليج بدعم الرئيس الشرعي بهدف تنظيم قوة يمنية متماسكة لقتال الحوثيين والقوات الموالية لصالح، وتحرير العاصمة ومدن البلاد الرئيسية من سيطرتها.

    مثل هذه القوة يمكن أن تتشكَّل من:

    1. المتطوعين القبليين.
    2. الفصائل المسلحة للتجمع اليمني للإصلاح وحلفائه.
    3. قوات الجيش الموالية للرئيس الشرعي.
    4. القوات التي تنشق عن القيادات العسكرية الموالية لصالح.
    المشكلة حتى الآن أن الرئيس هادي غادر البلاد للمشاركة في القمة العربية وعاد منها إلى الرياض وليس إلى عدن، وأنه حتى قبل مغادرته لم يكن قد عيَّن وزيرًا جديدًا للدفاع، بعد أن نجح الحوثيون في اختطاف وزيره السابق؛ وليس ثمة مؤشرات على أن الرئيس قام أو أنه يخطط للقيام بتشكيل لجنة عسكرية لتنظيم القوى المختلفة الموالية للشرعية والمناهضة للحوثيين وصالح. بمعنى، أن العمل على تنظيم جيش الشرعية، إن صحَّ التعبير، لم يبدأ بعد، وقد يمضي بعض الوقت قبل أن يبدأ بالفعل. باختصار، هذه حرب قد تطول بصورة أكثر مما تصور كثيرون.

    دلالات الحرب وأثرها الإقليمي

    اتخذت السعودية قرار الحرب بدون أن تسعى لغطاء دولي أو عربي، أو حتى من مجلس التعاون الخليجي. ما سوَّغ هذه الحرب وأسَّس لشرعيتها هو الطلب الذي تقدم به الرئيس هادي لتدخل سعوي وخليجي لإنقاذ اليمن من الانقلاب الحوثي. هذه خطوة سعودية حاسمة وغير مسبوقة، تُذكِّر بالتقاليد التي أرساها عبد العزيز آل سعود، قبل أن يتحول التحالف إلى الولايات المتحدة وانتظار التدخل الأميركي بديلًا عن سياسة الاعتماد على الذات وتحمل أعباء حماية المصالح الحيوية. بكلمة أخرى، قد تكون عملية "عاصفة الحزم"، بغضِّ النظر عن التأييد الأميركي والأوروبي، بداية تحرر سعودي مما يسمى أحيانًا بالإدمان الأميركي، وتبلور دور سعودي إقليمي نشط ومستقل، يرتكز إلى المقدرات السعودية والتحالفات الإقليمية الممكنة.

    في جوهرها، تُعتبر "عاصفة الحزم" خطوة أولية نحو وضع حدٍّ للتوسع الإيراني في المشرق العربي، وليس حماية الشرعية اليمنية وحسب. وليس ثمة شك، في أن تأييد باكستان وتركيا، مهما كان حجم مشاركتهما، للقرار السعودي والعملية في اليمن يوفر توازنًا غير مسبوق مع إيران، بعد أن خرجت الولايات المتحدة بصورة ملموسة من توازنات قوى المشرق العربي-الإسلامي. فوجيء الإيرانيون، كما فوجيء كثيرون غيرهم، بقرار الحرب السعودي، وسواء لحسابات الجغرافيا أو لعجزها عن فتح جبهة مواجهات جديدة تضاف لتواجدها العسكري في العراق وسوريا، أو لحرصها على أن لا تدخل في حرب في مواجهة تحالف من القوى السنِّية يجعلها تبدو معزولة داخل العالم الإسلامي، فإن طهران تدرك أن السكوت عن الهزيمة في اليمن يعني أن تتصاعد المقاومة لوجودها في العراق وسوريا ولبنان. ولذا، فمن المرجح أن تحاول طهران في المرحلة المقبلة تعزيز سيطرتها على مقدرات العراق وقراره، وأن تعيد ترتيب أوراقها في سوريا ولبنان، بغضِّ النظر عن نتائج مباحثات لوزان حول الملف النووي.

    على أن ما يجب تذكره دائمًا أن هذه حرب، وأن الحرب مهما كانت دقيقة وموجهة يصحبها دائمًا دمار واسع النطاق، وعواقب اقتصادية باهظة. وليس ثمة شك في أن الحرب ستنتهي بدمار هائل لمقدرات اليمن العسكرية، على الأقل. إن نجحت "عاصفة الحزم" في تحقيق أهدافها خلال فترة زمنية معقولة، وأمكن إعادة بناء النظام السياسي على أساس من إجماع يمني جديد، فستحتاج دول الخليج لتعزيز الوضع السياسي الناشئ إلى جهد تنموي كبير لليمن، وأن تدرس احتمال إعطاء البلاد وضعًا خاصًّا داخل مجلس التعاون الخليجي. بهذا فقط يمكن أن يوضع اليمن على سكة استقرار دائم، وأن توفر له حصانة كافية من التدخلات الأجنبية والتشظي الطائفي والجهوي.

    في النهاية، سيكون لهذه الحرب أثرها الكبير على موقع قطبيها الرئيسين: إيران والسعودية. لأسباب عديدة، لا تقتصر على اليمن بالتأكيد، كشفت الحرب عن تنامي الاستقطاب المذهبي نتيجة اعتماد إيران في توسيع نفوذها على ميليشيات شيعية بالمنطقة العربية، فتولَّدت حالة من العداء لدى الغالبية العربية التي شعرت بالخطر على هويتها المذهبية السنية وبالقلق العميق من سياسات التوسع الإيرانية. من ناحية أخرى، فإن نجاحًا ولو نسبيًّا للحرب سيضاعف من دور وتأثير السعودية العربي والإقليمي، التي تتمتع أصلًا بثقل كبير بفعل انهيار مؤسسة الدولة وتراجع تأثير عدد متزايد من الأقطار العربية.
     
    أعجب بهذه المشاركة dr nabeel alobaidi
  3. politics-dz

    politics-dz مدير الموقع إداري politico نجم المنتدى

    Country:
    Algeria
    إنضم إلينا في:
    ‏22 فبراير 2015
    المشاركات:
    3,914
    الإعجابات المتلقاة:
    3,836
    نقاط الجائزة:
    113
    الجنس:
    ذكر
    الإقامة:
    الجزائر
    الصفحة الرئيسية:

    Print

    عاصفة الحزم": الحسابات والمآلات
    [​IMG]

    مقدمة

    شنَّ عدد من الدول بقيادة المملكة العربية السعودية، في الساعات الأولى من صباح يوم الخميس الموافق 26 مارس/آذار 2015، عددًا من الغارات الجوية على مواقع تابعة لجماعة الحوثي اليمنية والرئيس المخلوع علي عبد الله صالح، بعد طلب رسمي من الرئيس الشرعي لليمن عبد ربه منصور هادي، ناشد فيه دول الخليج "تقديم المساندة الفورية بكافة الوسائل والتدابير اللازمة لحماية اليمن وشعبه من عدوان الميليشيات الحوثية المدعومة من قوى إقليمية".

    يبدو أن ما عجَّل بتحديد ساعة الصفر للبدء في عملية "عاصفة الحزم" هو تقدم الحوثيين وقوات صالح نحو عدن للسيطرة الكاملة على اليمن، واعتبار السعودية ذلك، منذ مدة، خطا أحمر لن تسمح بتجاوزه لأنه يوقع اليمن تحت النفوذ الإيراني، فيتعرض أمنها وأمن جيرانها في منظومة مجلس التعاون الخليجي لخطر داهم.

    علاوة على أن هذه العملية وقعت أيضًا قبل يومين فقط من اجتماع القادة العرب في قمتهم المقرر عقدها في شرم الشيخ المصرية، وقبل أيامٍ قليلة من الموعد المحتمل (نهاية مارس/آذار الجاري) لتوقيع اتفاقية مهمة بين دول مجموعة 5+1 (الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن+ألمانيا) من جهة وإيران من جهة أخرى، بخصوص ملفها النووي.

    لكن مجريات العملية تدل على أن السعودية اتخذت القرار منذ أيام، لأن الضربات الجوية قصفت بنكا من الأهداف التابعة للحوثيين وصالح، مما يعني أن هناك تعاونا استخباراتيا وتنسيقا عملياتيا ودبلوماسيا بين الحلفاء الرئيسيين، ويمكن ترتيب القوى المنخرطة في العملية من حيث الأهمية في دوائر تحيط ببعضها، فدائرة القلب تضم دول الخليج المشاركة، والدائرة التي تليها تضم أمريكا على وجه الخصوص، لكن التحرك المتأخر لبعض الحلفاء المشاركين في العملية أو إعلانهم بأنهم لا يزالون يدرسون طريقة مشاركتهم يدل على أنهم لم يكونوا ضمن الدائرة الضيقة التي اتخذت القرار.

    أدخل هذا التطور العسكري عوامل جديدة في التفاعلات الجارية بالمنطقة؛ فالسعودية فاجأت خصومها بقدرتها على تشكيل تحالف واسع من الدول العربية والإسلامية وإقناع الولايات المتحدة بالتعاون معها، وبمبادرتها إلى شنِّ حرب ظنوا أنها لن تجرؤ على القيام بها دون غطاء من الجامعة العربية أو مجلس الأمن. وقد أظهر هذا التدخل أيضًا أن السعودية وضعت خطوطًا حمراء لأمنها ولرؤيتها لأمن المنطقة وأنَّ تجاوزها سيكون مكلفًا، وأنها قادرة على فرض أجندتها بعيدًا عن الأولويات الأميركية التي كانت تحرص على تفادي عوامل التوتر مع إيران من أجل تمرير الاتفاق النووي.

    هذه الاعتبارات ستعيد ترتيب أولويات الفرقاء المنخرطين في الأزمة اليمنية داخليًّا وخارجيًّا، وتدفعهم إلى تغيير استراتيجياتهم وتحالفاتهم ومساراتهم.

    معضلة فرقاء الداخل

    يمكن تصنيف القوى اليمنية المعنية بهذه التحولات إلى طرفين رئيسيين، تندرج تحتهم تشكيلات عديدة، وهما: القوى الملتفة حول الرئيس عبد ربه منصور هادي من جهة، وجماعة الحوثي والرئيس المخلوع علي عبد الله صالح من جهة أخرى.

    سيواجه الرئيس هادي صعوبة في التوفيق بين تكاليف التدخل الخارجي، والحفاظ على الدعم الداخلي لمشروعيته، فمن جهة يبدو لجوؤه إلى القوة المسلحة، في نظر المؤيدين له، دفاعًا مشروعًا عن النفس في وجه عدوان داخلي وخارجي على شرعيته؛ فالحوثيون والرئيس المخلوع علي عبد الله صالح انقلبوا على كل مخرجات الحوار التي توافق عليها اليمنيون لترتيب المرحلة الانتقالية ورعتها الدول الخليجية والأمم المتحدة، ولجؤوا إلى القوة لفرض سيطرتهم على البلاد. أما إيران فقد باتت طرفًا في الانقلاب لأنها عقدت صفقات اقتصادية مع الحوثيين وأمدَّتهم بالسلاح واعتبرت توسعهم مكسبًا يعزز نفوذها ويُضعف من مركز خصومها الخليجيين. لكن من جهة أخرى سيحاول الحوثيون والرئيس المخلوع صالح إحداث شروخات في صفوف خصومهم، بتحميل الرئيس هادي مسؤولية سقوط ضحايا مدنيين نتيجة الغارات الجوية التي يشنُّها التحالف، واتهامه بالتفريط في حياة اليمنيين من أجل السلطة. إلا أن من المرجح أن تحالف هادي سيظل متماسكًا لأن البديل عن التدخل الخارجي هو سيطرة عسكرية للحوثيين وصالح تقضي على نتائج الثورة والحوار الوطني، وتعيد اليمن إلى سلطة تجمع بين الديكتاتورية والطائفية.

    أما القوى الجنوبية المطالبة بالاستقلال، فقد حاولت أن تُجنِّب عدن والمناطق الجنوبية الصراعات على السلطة المركزية بصنعاء، وظلت تحاول إقناع هادي بتبني مطلب الاستقلال، لكن تقدم الحوثيين وصالح إلى عدن وتنامي مخاطر سيطرتهم عليها، جعلها تفاضل بين قبول شرعية هادي، الرئيس الجنوبي، أو القبول بالوقوع تحت سيطرة القوى الشمالية التي يمثلها الحوثيون والرئيس المخلوع صالح الذي حاربهم في 1994، وستميل إلى الخيار الأول دون أدنى شك.

    من الجهة المقابلة، أوقع التدخل العسكري الخارجي الحوثيين في مأزق، فإذا استماتوا في التقدم جنوبًا نحو عدن للقضاء على أية سلطة تنازعهم سلطتهم على البلاد فإنهم يفتقدون القوى التي تحمي مركزهم الرئيسي بصعدة في الشمال على تخوم الحدود السعودية، لكن إن قرروا التراجع عن عدن والعودة إلى الشمال لشنِّ حرب داخل الأراضي السعودية فإنهم يخسرون المواقع التي سيطروا عليها باليمن وتخرج صنعاء من أيديهم، فلا يعود لديهم أوراق يفاوضون بها في التسوية السياسية القادمة. ولعل الراجح أنهم سيضطرون إلى التراجع لأن خسارتهم عدن خصم من نفوذهم أما خسارتهم لصعدة فتقضي على وجودهم بالكامل.

    أما الرئيس المخلوع صالح، فيُعدُّ الحلقة الأضعف في هذه التحولات، فهو يتأرجح بين التعاون مع الحوثيين ليمهد الطريق إلى تولي ابنه أحمد رئاسة اليمن، وبين حرصه على الغطاء الخليجي الذي منحه الحصانة عقب الثورة ومثَّل ملجأً لكثير من أمواله التي كشف تقرير أممي أنها تبلغ نحو 60 مليار دولار، علاوة على أن القوى الشمالية التي تشكِّل حزبه، خاصة القوى القبلية، ترتبط بعلاقات قوية مع العربية السعودية، وقد لا تسايره إن قرر التصدي عسكريًّا للسعودية من أجل تحقيق طموحاته العائلية. وقد يقرر صالح الابتعاد عن الحوثيين والمطالبة بحلٍّ سياسي يحافظ على مكاسبه السابقة ويمنع قواته من الانهيار، لكن إن أخطأ التقدير وأصرَّ على الحسم العسكري، فإن من المرجح أن تقع شروخ كبيرة في بنية قواته.

    من التقديرات السابقة، يتضح أن صالح هو الحلقة الأضعف، وقد يقع الضغط العسكري والسياسي والاقتصادي عليه حتى يتخلى عن الحوثيين، فيصيروا دون غطاء يحمي ظهورهم، وينتقلوا من الحرب الهجومية إلى الحرب الدفاعية للاحتماء بجبال صنعاء مجددًا.

    دول الخليج: ترتيب الأولويات

    تجدر الإشارة إلى أن البيان الذي أعلن بدء العملية العسكرية صدر بإسم خمس دول خليجية، وهي السعودية، قطر، الإمارات، البحرين والكويت؛ ما يدل على أن مجلس التعاون كمنظمة إقليمية تضم ست دول لا تمثل الجهة التي أصدرت البيان، وهذا ما يفسِّر استثناء سلطنة عُمان من مجموعة الدول الخليجية التي أعلنت انضمامها إلى العملية العسكرية.

    ولعل الموقف العماني يندرج في اتجاه سابق، جعل السلطنة تتفادى الدخول في مواجهة مع إيران، لأنهما يتقاسمان مضيق هرمز، ولا يوجد في السلطنة مكون شيعي نشط قد تستعمله إيران لإثارة القلاقل، علاوة على أن إيران ساندت في عهد الشاه العرشَ العُماني في القضاء على ثورة ظفار اليسارية.

    وتُعد مشاركة باقي دول الخليج إشارة إلى أنها تشترك في اعتبار التمدد الإيراني خطرًا على أمنها، وأنها تتجاوز خلافاتها الجانبية للتصدي له، وتستعيد التضامن فيما بينها، وستقبل بتقديم تنازلات متبادلة في مناطق وقضايا أخرى من أجل الحفاظ على التماسك في هذا الامتحان المهم. وستضع إيران هذا التضامن في الحسبان مستقبلًا فتكون أكثر حذرًا في تحركاتها بمنطقة الخليج، وتحاول أن تتفادى التوتر والصراع حتى لا توقِع نفسها في عزلة إقليمية تسعى جاهدة للخروج منها.

    ستكون السعودية، من بين الدول الخليجية المشاركة، اللاعب الأكبر في تحديد النتيجة النهائية للحرب لأنها تتقاسم حدودا مشتركة مع اليمن، وتوجد صعدة مقر الحوثيين على مقربة من حدودها الجنوبية، وستحرص على أن تقضي بالكامل على أي خطر قد يمثله الحوثيون عليها مستقبلا، وتقضي على إي إمكانية لتمدد إيراني بجوارها الجنوبي. إلا أن السعودية تواجه تحديا جديا، وهو أن الحرب قد تشغلها باليمن فترة طويلة، فينقص تركيزها على جبهات أخرى مثل سوريا والعراق، فتنتهز إيران الفرصة وتشدِّد قبضتها أكثر على البلدين.

    إيران: تكلفة التوتر

    اليمن ساحة مهمة جدًّا لإيران لكي تمد نفوذها في المنطقة، فهو يقع بالخاصرة الجنوبية لخصمها الرئيسي، العربية السعودية، فركَّزت على بناء تحالف قوي مع الحوثيين؛ حيث قدَّمت لهم كثيرًا من الدعم المالي والعسكري، وكانت تحرص على أن يكونوا لاعبًا رئيسيًّا في المعادلة اليمنية.

    وخلال الأشهر الأخيرة صدر الكثير من التصريحات بإعتبار التمدد الحوثي في اليمن هو استمرار لمسار الثورة الإيرانية، وأُطلقت تهديدات بأن الدور القادم على السعودية، لكن التطورات العسكرية الجارية وضعت إيران في مأزق: كيف يمكنها مساندة الحوثيين دون الوقوع في عزلة إقليمية مجددًا؟

    السيناريو الأول: تحريك الخلايا النائمة لزعزعة القوى الخليجية المناوئة، لكن هناك عائقان أمام هذا السيناريو، ويتمثلان في أن هذه الخلايا النائمة لا تمتلك القوى المسلحة الكافية لقلب الأوضاع، علاوة على أنها تخشى من أن يُعتبر تحركها خدمة لأجندات خارجية طائفية تكشفها داخليًّا بدول الخليج.

    السيناريو الثاني: استعمال الحوثيين لاستدراج السعودية في حرب استنزاف، لكن مخاطر هذا السيناريو مرتفعة، لأنه قد يؤدي إلى إنهاك كامل للحوثيين وقد يهدِّد بقاءهم ويفرض عزلة متزايدة على إيران.

    السيناريو الثالث: امتصاص الصدمة المسلحة بتهدئة الأجواء والدعوة إلى تغليب التسوية السلمية والحوار، ويقوِّي حظوظ هذا السيناريو حرص إيران على عقد الاتفاق النووي مع الولايات المتحدة، وتخوفها من أن اختيارها تصعيد المواجهة مع دول الخليج المشاركة في العملية قد يضطر الدول المحايدة أو المترددة في العالم العربي والإسلامي إلى الالتحاق بالتحالف الذي تقوده السعودية، فتزيد من العزلة المفروضة عليها إقليميًّا منذ عشرات السنوات بدلا من كسرها كما كانت تأمل.

    حسابات دولية

    سوف تؤثر الأزمة اليمنية على عدة ملفات دولية، أهمها: إعاداة تشكيل التحالفات الإقليمية؛ فقد ينشأ محور سُنِّي جديد يمتد من باكستان إلى السودان موجَّه ضد إيران، وقد يستغل النظام السوداني الفرصة للحصول على غطاء خليجي يعيد تأهيله دوليًّا بعد أن ظلَّ معزولا، وأيضًا قد تنتهز باكستان فرصة هذه الحملة في عدد من الملفات الدولية، من بينها الاستعانة بالسعودية لتقوية نفوذها في أفغانستان على حساب الهند وإيران، وقد تدفع هذه الحرب طهران إلى القبول بتسوية سياسية في سوريا بعد أن تأكدت من أن السعودية قادرة على تشكيل تحالف واسع والتدخل العسكري لوقف التمدد الإيراني. أو على العكس، قد ترد إيران على تعثر مشروعها باليمن بإقصاء حلفاء السعودية في كل من العراق ولبنان وسوريا من أي إمكانية للمشاركة السياسية.

    من جانب آخر، يدل تدخل السعودية العسكري في اليمن على أن الولايات المتحدة اعترفت للسعودية باستقلالية أوسع في التحركات الإقليمية حتى وإن كانت أولوياتهما تختلف، بعدما كانت ملفات المنطقة المهمة تدار بشكل رئيسي من قبلُ بين الولايات المتحدة وإيران كما في العراق.

    وستدفع العملية العسكرية أسعار النفط إلى الارتفاع في الأسواق الدولية، فتخف الأعباء المالية على روسيا قليلًا، ولعل موسكو ستحرص على إطالة أمد المواجهة بل ومساندة الحوثيين حتى تطيل أمد الصراع، فتظل أسعار البترول متجهة إلى الأعلى، والأنظار بعيدة عن تحركاتها في أوكرانيا.

    مسارات

    ستغيِّر عملية "عاصفة الحزم" توازنات القوى بين الفرقاء اليمنيين، فتجعل تكلفة الانقلاب مرتفعة بحيث قد توقع شروخًا بين الحوثيين وصالح تقضي على تماسكهم واستمرار مشروعهم. وستصر السعودية على استمرار العملية العسكرية حتى ينشأ ميزان قوى جديد يفرض على الحوثيين القبول بالمشاركة في العملية السياسية حسب مقررات الحوار الوطني، فيكون من نصيبهم إقليم من بين الأقاليم الستة، المقررة في مشروع الدستور، دون منفذ على البحر يمكنهم من الاستعانة بالإيرانيين لتنمية قواتهم المسلحة. ولعل ما يدل على أن السعودية ترمي إلى إنشا ميزان قوى جديد بإضعاف الحوثيين أن ضرباتها الجوية لم تنحصر في التصدي للقوات المتقدمة نحو عدن، بل كانت أغلبية الضربات مركزة على صنعاء لإضعاف قبضة الحوثيين عليها لأنها مركز الثقل الإداري واللوجيستي والاقتصادي، وإذا تضعضع مركزهم فيها فقدوا توازنهم في باقي المناطق فتشرع قواتهم في الانهيار، فينشأ ميزان قوى جديد نتيجة فقدانهم الأفضلية العسكرية.

    أمَّا خارجيًّا فإن "عاصفة الحزم" أظهرت أن السعودية قادرة على تشكيل حلف دولي يتصدى للتمدد الإيراني، وأن الولايات المتحدة اعترفت لها باستقلالية أوسع في القرار، وأن ترتيب شؤون المنطقة لن يحسمها أي توافق أمريكي إيراني يفتقد لإذن سعودي خليجي.
     
  4. politics-dz

    politics-dz مدير الموقع إداري politico نجم المنتدى

    Country:
    Algeria
    إنضم إلينا في:
    ‏22 فبراير 2015
    المشاركات:
    3,914
    الإعجابات المتلقاة:
    3,836
    نقاط الجائزة:
    113
    الجنس:
    ذكر
    الإقامة:
    الجزائر
    الصفحة الرئيسية:

    Print

    أولويات سلمان: ترميم الأحلاف لوقف التمدد الإيراني
    [​IMG]

    مقدمة

    أُعلنت وفاة الملك عبد الله بن عبد العزيز في وقت متأخر من مساء 22 يناير/كانون الثاني الماضي 2015، وأُعلن مباشرة في الرياض عن بيعة ولي العهد، الأمير سلمان بن عبد العزيز، ملكًا جديدًا على المملكة العربية السعودية. خلال ساعات، وفي صباح اليوم التالي، الجمعة، 23 يناير/كانون الثاني، وبالرغم من أن اليوم هو العطلة الأسبوعية الرسمية للمملكة، أعلن مذيع محطة التلفاز الحكومية 34 مرسومًا ملكيًّا وقرارًا وزاريًّا، تضمنت ما وُصف حينها بالانقلاب الكامل في بنية الحكم السعودية. تضمنت القرارات، والتي لابد أنها كانت قد أُعدَّت خلال الأيام القليلة السابقة، منذ تأكد تدهور صحة الملك الراحل، تعيين الأمير محمد بن نايف، وزير الداخلية، وليًّا لولي العهد، والأمير محمد بن سلمان، وزيرًا للدفاع ورئيسًا للبلاط الملكي، إضافة إلى تغييرات واسعة في عضوية مجلس الوزراء، وفي إدارة إمارات البلاد.

    ولكن التغيير الأبرز الذي أُعلن عنه كان حلَّ المجالس المتخصصة، التي أُنشئت في العهد السابق، وأصبحت بمثابة مجلس وزراء مواز، وإنشاء مجلسين رئيسيين لرسم السياسات الاستراتيجية والإشراف على تنفيذها، هما: مجلس السياسة والأمن، الذي يرأسه محمد بن نايف، ويضم وزراء الشؤون الأمنية والعسكرية والخارجية ورئيس المخابرات؛ ومجلس الاقتصاد والتنمية، الذي يرأسه محمد بن سلمان، ويضم كافة الوزراء الآخرين. ما فُهم من هذا القرار أن هذين المجلسين سيلعبان دورًا رئيسًا، تحت إشراف، وبتوجيه من الملك، في إدارة شؤون الحكم في المرحلة المقبلة.

    خلال الأسابيع القليلة التالية، توالت القرارات التي طالت الصف الثاني من مواقع ورجال الحكم؛ وبدا وكأن الملك سلمان تشكيل السلطة بالكامل. وكان طبيعيًّا أن تثار أسئلة عديدة حول ما إن كان التغيير الكبير في بنية الحكم والدولة سيواكبه تغيير مواز في سياسات المملكة الخارجية. إن كان الملك سلمان غيَّر معظم رجال الإدارة السابقة، فهل سيتخلص أيضًا من سياسات الإدارة السابقة الخارجية؟ ما أثار هذه الأسئلة كان عددًا من الخطوات غير المسبوقة، وغير المعهودة في تقاليد سياسة المملكة الخارجية، التي اتخذتها إدارة الملك الراحل، سيما في حقل السياسة العربية. هذه قراءة أولية لتحولات السياسة الخارجية في عهد الملك سلمان، ومحاولة لاستطلاع الملامح الرئيسة لهذه السياسة.

    الثقل المضاعف لموقع المملكة ودورها الإقليمي

    وُلدت المملكة العربية السعودية رسميًّا في سبتمبر/أيلول 1932، بالرغم من أن معظم بلادها كانت قد أصبحت تحت سيطرة الرياض وحكم الملك عبد العزيز آل سعود قبل ذلك. وليس ثمة شك في أن المملكة الوليدة لعبت من البداية دورًا رئيسًا في محيطها العربي، حتى قبل اكتشاف النفط وتوفر الفائض المالي لحكامها. وظلَّت المملكة منذ استقلال الدول العربية، إلى جانب مصر والعراق وسوريا، في المشرق، والجزائر والمغرب، في المغرب، تعتبر من دول الثقل والقرار العربيين، سواء في فترات التفاهم والتضامن بين الدول العربية، أو فترات الانقسام والمحاور المتصارعة. خلال السنوات الأربعة الماضية، وبعد اندلاع الثورات العربية، تضاعف تأثير المملكة ودورها، وذلك بفعل ما تسببت به حركة الثورة العربية من الاضطراب الداخلي الهائل في سوريا واليمن والعراق، والتراجع المتفاقم في دور مصر وقدرتها على الفعل.

    وظَّفت إدارة الملك عبد الله هذا التأثير المتزايد للمملكة بصورة جديدة مختلفة كليًّا عن الطريقة التي أدارت بها المملكة سياستها العربية في السابق. اتسمت السياسات السعودية العربية خلال معظم تاريخ المملكة، بخلاف فترة قصيرة من عهد الملك فيصل، بقدر كبير من البراغماتية، والحرص على عدم التدخل في خيارات الشعوب العربية، والعمل من أجل الحفاظ على استقرار الدول العربية وتضامنها، ودعم الحقوق الفلسطينية. ولكن إدارة الملك الراحل ابتعدت عن هذه البراغماتية خاصة في التعامل مع ملف الإخوان المسلمين، سيما بعد أن أفسحت الثورات العربية لصعود ملموس لقوى التيار الإسلامي السياسي. أظهرت المملكة، رغم تعاملها ببراغماتية مع الثورة الليبية واليمنية والسورية، خشية لا تَخفى من مسارات التحول الديمقراطي في المجال العربي عمومًا، فاختطَّت سياسة مناهضة للثورة والإخوان المسلمين في مصر.

    التزمت إدارة الملك الراحل موقفًا داعمًا لقوى الثورة العربية المضادة مناهضًا لصعود الإسلاميين لسدة الحكم في مصر، وإن استند إلى أصوات الناخبين، بل ولأنه استند إلى أصوات الناخبين؛ وكان غريبًا على التقاليد السعودية أن تتخذ الرياض موقفًا مؤيدًا لنظام انقلاب 3 يوليو/تموز 2013 في مصر، بالرغم من الانقسام الواضح في مصر، وللإجراءات الدموية التي اتخذها النظام لفض الاعتصامات في ميداني رابعة العدوية والنهضة في أغسطس/آب 2013. وحتى في الساحة السورية، تجنبت السعودية تقديم أي دعم ملموس لجماعات الثوار السوريين ذات التوجه الإسلامي. وصل الموقف المناهض للإسلاميين ذروته بإعلان الإخوان المسلمين، الذين تمتعوا دائمًا بعلاقات دافئة مع المملكة، إلى جانب قوى وجماعات أخرى، تنظيمًا إرهابيًّا في القائمة السعودية المعلنة في 6 مارس/آذار 2014. وفي الآن نفسه، لم تعترض الرياض على مواقف حكومة رام الله ضد حركة حماس، وسياسة الحصار التي فرضها النظام المصري على قطاع غزة؛ فابتعدت عن تقليدها المعهود في الدفاع عن الحقوق الفلسطينية.

    أدى إعطاء المملكة الأولوية، بعد الانقلاب في مصر، لهدف مواجهة حركة الثورة والتغيير في المحيط العربي ومناهضة القوى الإسلامية السياسية إلى صناعة مناخ من التوتر والانقسام في مجلس التعاون الخليجي؛ وفقدان المملكة لحلفائها في التيار الإسلامي السياسي السُّني؛ فاستغلت إيران هذا الارتباك في السياسة السعودية ووسعت نفوذها بشكل غير مسبوق، ليس في سوريا ولبنان والعراق وحسب، بل وفي اليمن أيضًا؛ فاضطرت المملكة إلى تحمل أعباء مالية هائلة لدعم الأنظمة العربية الحليفة، سيما مصر؛ وإلى انتقادات في المملكة ذاتها لتلك السياسات التي وجد كثير من السعوديين أنها ابتعدت عن تقاليد بلادهم وميراثها. ولكن، ومنذ تولي الملك سلمان مقاليد الحكم، بدا وكأن التوجهات الإقليمية والعربية للإدارة الجديدة ستختلف بصورة ملموسة عن توجهات إدارة الملك الراحل.

    مؤشرات جديد في السياسة الخارجية

    كان أول المؤشرات على توجهات إدارة الملك سلمان قيام ولي ولي عهده ورئيس مجلس الأمن والسياسة، وزير الداخلية، محمد بن نايف، بزيارة الدوحة (11 فبراير/شباط 2015)، في أول خطوة له خارج البلاد منذ توليه مسؤولياته. اتسمت علاقات الدوحة مع الرياض في السنوات القليلة الماضية بقدر من التوتر، خصوصًا حول الموقف من نظام الانقلاب في مصر، ومارست الرياض ضغوطًا متزايدة من أجل أن تدفع الدوحة لتتغير رؤيتها للنظام المصري. ولذا، فقد اعتُبرت زيارة ابن نايف مؤشرًا على إعطاء إدارة الملك سلمان الأولوية لتعزيز التضامن الخليجي، بغضِّ النظر عن الخلافات حول الموقف من مسائل عربية أخرى، وعلى أن دعم النظام المصري لم يعد يحتل موقعًا متقدمًا في أولويات الرياض. في الأيام القليلة التالية، استقبلت الرياض الزعماء الخليجيين أو ممثلين لهم، بداية من أمير الكويت في 15 فبراير/شباط. وكان لافتًا أن الشيخ تميم بن حمد، أمير قطر، تلقى استقبالًا مميزًا، وقضى يومًا حافلًا باللقاءات الرسمية وغير الرسمية، عند وصوله للرياض في 17 فبراير/شباط.

    بعد الزيارة الرسمية التي قام بها الشيخ تميم للرياض بيومين، 19 فبراير/ شباط، أصدر الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي، من مقر الأمانة العامة في الرياض، بيانًا شديد اللهجة، في الرد على الاتهامات التي وجهها دبلوماسي مصري لقطر بدعم الإرهاب. وبالنظر للدور المرجعي الذي تقوم به الرياض لأمانة المجلس، قدَّر كثيرون أن بيان الزيَّاني ما كان ليصدر لولا موافقة السعودية. في وقت متأخر من مساء اليوم نفسه، نشر الزياني بيانًا آخر، أكد فيه على علاقات المجلس الوثيقة بمصر، بدون أن يشير إلى البيان السابق، ويُعتقد أن البيان الثاني صدر لاحتواء ردود الفعل الإماراتية الغاضبة على البيان الأول.

    منذ بداية الشهر التالي، مارس/آذار، بدأ العاهل السعودي في استقبال مسؤولين عرب ومسلمين آخرين، كان واضحًا أن دافعهم الرئيس لم يكن التعرف على الملك الجديد وتهنئته وحسب، بل والتعرف على توجهات المملكة السياسية تحت قيادته. قام الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بزيارة سريعة للرياض في 2 مارس/آذار، صدر عنها بيان منفرد من الجانب المصري، أشار إلى أن الجانبين بحثا العلاقات المشتركة ودعوة السيسي لتشكيل قوة تدخل عسكرية عربية مشتركة. ولكن لا الجانب السعودي أصدر بيانًا مقابلًا حول الزيارة، ولا البيان المصري تكفل بتوضيح ما إن كان مقترح قوة التدخل المشتركة قد وجد تأييدًا من السعوديين.

    في اليوم التالي، 3 مارس/آذار، وصل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في زيارة رسمية للرياض، بعد أن كان قد قضى اليومين السابقين في تأدية العمرة وزيارة المدينة المنورة. عقد الطرفان: السعودي والتركي جلستي مباحثات مطولة، اقتصرت الثانية منهما على عدد محدود من المسؤولين. وقد شارك في المباحثات، إلى جانب الملك سلمان، كل من محمد بن نايف ومحمد بن سلمان. ما رشح من المباحثات أن اللقاء شهد اتفاقًا كاملًا بين الطرفين حول سوريا واليمن، وحول مخاطر التوسع الإيراني الحثيث على أمن واستقرار المنطقة. كما اتفق الطرفان على استطلاع إمكانية تشكيل مجلس استراتيجي لتطوير العلاقات الثنائية، شبيه بالمجلس الاستراتيجي المشترك بين تركيا وروسيا؛ ولكنهما اختلفا في تقدير الوضع المصري.

    في موازاة هذه السلسلة من اللقاءات، نُشرت تقارير حول اتصالات جرت بين قيادة المملكة والسيد خالد مشعل، رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، التي هي ربما الأولى منذ سنوات، وحول اقتراب موعد زيارة مشعل للرياض. كما اتخذت الرياض موقفًا حازمًا من تطورات الوضع اليمني، مؤكدة على شرعية الرئيس هادي، وداعية لحوار يمني-يمني في الرياض. وهو الموقف الذي أيده لقاء وزراء خارجية دول مجلس التعاون الخليجي، وصاحبه نقل سفراء دول المجلس من صنعاء إلى عدن، التي أعلنها هادي عاصمة مؤقتة للبلاد. وأفادت تقارير بوجود دعم سعودي ملموس للقبائل اليمنية في محافظة مأرب الاستراتيجية، المعارضة للتوسع الحوثي. ولوَّحت الملكة على لسان وزير خارجيتها سعود الفيصل، في 23 آذار/مارس، إلى استعمال القوة إذا واصل الحوثيون الانقلاب على الرئيس اليمني، عبد ربه منصور هادي، وسعوا إلى فرض سلطتهم بالقوة على باقي مناطق اليمن.

    في 10 مارس/آذار، ألقى الملك سلمان خطابًا شاملًا، رسم فيه الخطوط الرئيسية لسياسة إدارته، وقد لوحظ أن معظم الكلمة خُصِّص للشأن الداخلي؛ حيث حرص الملك على توكيد التزامه بالثوابت التي قامت عليها المملكة، سيما الالتزام بالشريعة الإسلامية. أما في الشأن الخارجي، فقد عاد الملك في خطابه إلى اللغة السعودية التقليدية في التوكيد على الحقوق الفلسطينية والتزام المملكة دعم الشعب الفلسطيني؛ وأكد على ضرورة التضامن العربي والإسلامي.

    وفي 13 مارس/آذار، وبالرغم من أن مراقبي الوضع المصري لاحظوا غياب الملك سلمان عن مؤتمر شرم الشيخ الاقتصادي، الذي كان قد نُظِّم أصلًا باقتراح من الملك الراحل عبد الله بن عبد العزيز، فقد مثَّل الأمير مقرن ابن عبد العزيز، ولي العهد، بلاده، معلنًا في كلمته أمام المؤتمر أن السعودية ستدعم الاقتصاد المصري بأربعة مليارات دولار، منها مليار واحد وديعة في البنك المركزي (أي: قرض بلا فوائد). ولكن مقرن لم يوضح في كلمته مدة هذه الوديعة، ولا أعطى أية تفاصيل محددة حول المليارات الثلاثة الأخرى، وما إن كانت ستُقدَّم بصورة مساعدات نفطية، أو منح، أو استثمارات، ولا حول المدة الزمنية التي سيتوفر فيها هذا الدعم. غياب الملك سلمان، والغموض الذي أحاط بطبيعة الدعم الموعود، أشارا بوضوح إلى أن حماس إدارة الملك سلمان لنظام 3 يوليو/تموز في مصر لا يرقى لحماس سلفه.

    فإلى أين تتجه السياسة السعودية الخارجية فعلًا؟

    محددات عامة لسياسة إدارة الملك سلمان الخارجية

    إن كان ثمة حدث قرع أجراس الخطر في السعودية خلال الشهور القليلة الماضية فليس ثمة شك في أنه اليمن، وسيطرة الحوثيين على معظم الشمال اليمني، وفتحهم أبواب البلاد على مصراعيها للنفوذ الإيراني. ولا تغفل إدارة الملك سلمان، بالرغم من الخطوة التي اتخذتها الرياض لإعادة فتح السفارة السعودية في بغداد، أن إيران تكاد تسيطر على القرار العراقي، وأن النفوذ الإيراني تغلغل في مفاصل الدولة العراقية، تمامًا كما أن إيران أصبحت صاحبة اليد الطولى في سوريا ولبنان، سواء بصورة مباشرة أو عبر الحلفاء. ويقول عدد ممن التقوا الملك سلمان: إن الملك لا يتوقف عن الإشارة إلى التهديد الذي يمثله التوسع الإيراني الحثيث في الجوار العربي. وهنا يقع المتغير الرئيس في السياسة السعودية: أن أولوية المملكة باتت تتعلق بمواجهة مخاطر التوسع الإيراني.

    تتطلب هذه الأولوية تعزيز العلاقات الخليجية-الخليجية، سيما في ظل غيبة الدول العربية الرئيسة عن ميزان القوى الراهن في المشرق؛ كما تتطلب رفع مستوى العلاقات مع تركيا وباكستان؛ إضافة إلى حشد أوسع للحلفاء الإقليميين، سواء على مستوى الدول أو مستوى القوى السياسية من غير الدول. ولكن من الضروري، ربما، تجنب المبالغة في حجم التغيير الذي سيُحدثه تغيير سُلَّم الأولويات السعودية في السياسات التفصيلية لكل ملف عربي وإقليمي على حدة.

    لا توفر دول الخليج غطاءً سياسيًّا ضروريًّا للسياسة السعودية وحسب، بل هي أيضًا مصدر تأثير ونفوذ إضافي، سيما في دول الأزمات المتفجرة، مثل: اليمن وسوريا والعراق. وتلعب باكستان دورًا مهمًّا في منع التوسع الإيراني شرقًا، وربما في تطوير المقدَّرات السعودية النووية، إن وُلِدت الحاجة لمثل هذا التطوير؛ بينما يمكن لتركيا أن تلعب دورًا بالغ الأهمية في احتواء ومحاصرة النفوذ الإيراني في العراق، وفي دفع الأزمة السورية في الاتجاه الذي ترغب به الرياض، كما في توفير تأييد إقليمي وإسلامي للخطوات السعودية في اليمن. وليس ثمة شك في أن السعودية تحتاج تأييدًا شعبيًّا عربيًّا واسعًا لسياساتها في المرحلة المقبلة، وهو التأييد الذي لا يمكن أن يوفره تيار عربي كما يمكن للتيار الإسلامي أن يوفره. في بعض المناطق، كما في اليمن وسوريا والعراق وليبيا، يمكن أن تساعد قوى التيار الإسلامي العام على إحداث تغيير ملموس في ميزان القوى، وفي إضعاف الجماعات الإسلامية المتطرفة ومنعها من التوسع. وهذا ما يعني، على الأرجح، أن الإدارة السعودية الجديدة ستتجاهل ذلك الجزء الخاص بالتيار الإسلامي الرئيس في قائمة الجماعات الإرهابية الذي صدر عن الرياض في 2014، وأنها ستفتح الأبواب لتعاون أوثق مع قوى مثل حماس والإخوان المسلمين في سوريا والإصلاح في اليمن.

    من جهة أخرى، فإن الحرص السعودي على تعزيز الصف الخليجي والتقارب السعودي-القطري لا يعني بالضرورة أن العلاقات السعودية مع الإمارات ستنقلب رأسًا على عقب. الأرجح، أن الخصوصية التي اتسمت بها العلاقات السعودية-الإماراتية خلال السنوات الثلاث أو الأربع الماضية وصلت إلى نهايتها، ولكن هذه النهاية لن تنقلب إلى خصومة أو توتر، كما أن عودة الدفء لعلاقات السعودية بقوى التيار الإسلامي السياسي السنِّي، سيما الإخوان، لا يعني أن الرياض ستتبنى مقاربة الإطاحة بالنظام المصري. ليس ثمة دوافع أيديولوجية لاستمرار سياسة مطاردة القوى الإسلامية السياسية السنِّية، ولا تنظر إدارة الملك سلمان إلى نظام السيسي في القاهرة باعتباره أولوية عربية، ولكن مثل هذا التغيير لن يتحول إلى موقف معاد للنظام المصري.

    بصورة ما، لا يخفى على إدارة الملك سلمان أن الجيش كان دائمًا القوة الرئيسة في نظام حكم مصر، وأن السيسي ليس سوى ممثل للجيش، بمعنى أن شيئًا كبيرًا لم يتغير في مصر، على أية حال، وأن المهم الآن الحفاظ على ما تبقى من أمن مصر واستقرارها. ففي ظل اضطراب أوضاع عدد من الدول العربية وانزلاق بعضها إلى مناخ من الحرب الأهلية، سيجعل انهيار أمن واستقرار مصر من الصعب، إن لم يكن من المستحيل، محاولة استعادة الاستقرار في المجال العربي. بكلمة أخرى، ما يحدد مقاربة الرياض للمسألة المصرية هو مستقبل مصر وليس مستقبل السيسي. إضافة إلى أن عملية التحول الديمقراطي ليست هدفًا محببًا لأركان الحكم في السعودية.

    وبالرغم من أن العلاقات السعودية-الأميركية كانت دائمًا ذات صلة وثيقة بسياسات السعودية الإقليمية والعربية، فإن قدرًا من الغموض يحيط بهذه العلاقات اليوم. فمن ناحية، ثمة توقعات بأن مباحثات الملف النووي الإيراني في طريقها إلى التوصل لاتفاق، وأن مثل هذا الاتفاق سينعكس بالتأكيد على الموقف الأميركي من التوسع الإيراني الإقليمي. والحقيقة، أن أثر المباحثات على السياسة الأميركية في الشرق الأوسط بدأ بالفعل، ويمكن ملاحظته في التحالف غير المكتوب بين واشنطن وطهران في العراق، وحرص إدارة أوباما على عدم إغضاب الإيرانيين في سوريا واليمن. وتلاحظ الرياض، على أية حال، التراجع الكبير في الدور الأميركي في الشرق الأوسط منذ بداية عهد أوباما. تراجع الدور الأميركي، والمخاطر الكامنة في الاتفاق حول الملف النووي الإيراني، تفرض على السعودية أن تصبح أقل اعتمادًا على الحليف الأميركي، وأن تتجه بصورة أكبر نحو بناء تحالف إقليمي فعَّال ونشِط.

    من ناحية أخرى، ليس من السهل، بعد عقود من التحالف الخاص جدًّا أن تدير الرياض ظهرها لوعود العلاقة الخاصة مع واشنطن، كما أن بنية الدولة السعودية، العسكرية والأمنية، لم تقم أصلًا على أساس تعهد دور مستقل عن الحليف الأميركي. وربما تكون هذه واحدة من أكبر المعضلات التي تواجهها إدارة الملك سلمان، وسيلعب حلُّها دور المحدد الأهم لمستقبل العلاقات السعودية الإقليمية الأخرى وطبيعة هذه العلاقات.

    في النهاية، وبكلمة أخرى، لا يجب أن يكون ثمة شك في أن سُلَّم الأولويات السعودية أخذ في التغيير، ولكن من الضروري تجنب الذهاب بعيدًا في توقع أثر هذا التغيير على الملفات والسياسات التفصيلية العربية والإقليمية. حتى القلق السعودي المتزايد من التوسع الإيراني لا يعني بالضرورة أن الرياض أسقطت نهائيًّا خيار التفاوض مع طهران. ثمة ملامح انقلاب في الخارطة السياسية الداخلية ونظام الحكم؛ أمَّا على صعيد السياسة الخارجية، فإن المتغيرات ستكون أقل ضجيجًا وأكثر حذرًا، وسيمر بعض الوقت، قبل أن تتضح الملامح الكاملة لهذه المتغيرات.

     
  5. politics-dz

    politics-dz مدير الموقع إداري politico نجم المنتدى

    Country:
    Algeria
    إنضم إلينا في:
    ‏22 فبراير 2015
    المشاركات:
    3,914
    الإعجابات المتلقاة:
    3,836
    نقاط الجائزة:
    113
    الجنس:
    ذكر
    الإقامة:
    الجزائر
    الصفحة الرئيسية:

    Print

    مقدمة

    في تطور مفاجئ وغير متوقع للأحداث في اليمن، أقدم الرئيس عبد ربه منصور هادي ورئيس الحكومة خالد بحاح على تقديم استقالتيهما، فدخلت البلاد في حالة من الفراغ السياسي والدستوري؛ وقد جاء هذا التطور إثر تصعيد الحركة الحوثية لتحركاتها العسكرية؛ وذلك بالسيطرة على دار رئاسة الجمهورية وعدد من ألوية الحماية الرئاسية والصواريخ، وفرض شروط تجعلهم يستولون على صلاحيات رئيس الجمهورية؛ كالضغط عليه لإصدار قرارات جمهورية تتضمن تعيين نائب لرئيس الجمهورية من الجماعة الحوثية، وشغل عدد من الوظائف التنفيذية العليا، وتعديل مسودة الدستور، وإعادة تشكيل الهيئة الوطنية لمراقبة تنفيذ مخرجات الحوار المعنية بإقرار مسودة الدستور، وطالبوا بتعيين 17 عضوًا من الجماعة في هذه الهيئة؛ لكي يتمكنوا من امتلاك الثلث المعطِّل.

    فقد اليمن باستقالة الرئيس هادي سلطة تمثل بشكل كبير إجماعًا بين قوى سياسية متصارعة على عدة قضايا؛ مثل: الصراع المناطقي بين الشمال والجنوب، والصراع المذهبي الزيدي والشافعي، والصراع السياسي بين نظام قديم يمثله الرئيس المخلوع صالح ونظام يستند إلى مشروعية الثورة يمثله الرئيس عبد ربه منصور، وصراع مسلح بين القاعدة في شبه الجزيرة العربية والقوات اليمنية. ويواجه اليمن حاليًّا احتمالات أن تنفلت هذه الصراعات ويتغذى بعضها من بعض فتتمزق المؤسسات بشكل نهائي، وتتقطع أوصال البلاد إلى مناطق متصارعة على الموارد والسلطة، والشروع في عمليات تهجير للسكان حسب الانتماءات المناطقية والمذهبية.

    ما الديناميات التي أوصلت اليمن إلى هذا الوضع؟ وما المسارات المحتملة؟

    تقديرات متباينة

    وضعت استقالة الرئيس هادي الجميع أمام مأزق حقيقي، أحدثت انقسامًا وتباينًا حادًّا حول ردِّ الفعل والبديل المناسب؛ فقد قدَّم الرئيس استقالته إلى مجلس النواب (البرلمان) للبت في قبولها، فيما تعتبره أطراف داخلية عديدة فاقدًا للشرعية منذ سنوات؛ لكنه استمد شرعية جديدة من المبادرة الخليجية التي أمدته بالحياة والاستمرار مقابل أن تكون القرارات بالتوافق وليست بالأغلبية، وهو ما يجعل قبول استقالة الرئيس يتطلب توافق الأطراف السياسية لا التصويت بالأغلبية؛ بينما أطراف أخرى تعتبر البرلمان لا يزال مؤسسة دستورية قائمة وشرعية، بدليل أن نيل الحكومة الأخيرة للثقة (حكومة بحاح) وإقرار برنامجها تم من خلاله؛ وهي الحكومة المشكَّلة بموجب اتفاق السلم والشراكة الذي أسقط، أو على الأقل أزاح جانبًا، المبادرة الخليجية، ويعد تقديم الرئيس هادي استقالته إليه دليل أنه يعترف بشرعيته.

    لكن البرلمان يواجه معضلة في التعامل مع الاستقالة، فرفضها لا يحل جذور الأزمة المتعلقة بسيطرة الحركة الحوثية وفرض إملاءاتها على الرئيس، وأما قبولها فيوقع البلد في إشكالية أخرى؛ فحسب المادتين (115، 116) من الدستور تصبح الاستقالة مقبولة بتصويت الأغلبية المطلقـة (51%) من أعضاء البرلمان لصالح قبولها، لتُنقل الرئاسة إلى نائب رئيس الجمهورية، وفي حالة عدم وجوده -كما في وضع اليمن حاليًّا- تتولى هيئة رئاسة مجلس النواب؛ التي يرأسها حاليًّا اللواء يحيى الراعي (القيادي في المؤتمر الشعبي العام والموالي للرئيس السابق علي عبد الله صالح) رئاسة الجمهورية لمدة لا تزيد عن 60 يومًا؛ يتم خلالها الإعداد لانتخابات رئاسية مبكرة، وما زالت الأغلبية في البرلمان موالية للرئيس السابق، وستجعله عمليًّا يتحكم مجدَّدًا في اتجاهات الأحداث السياسية، وهو ما يرفضه العديد من الأطراف؛ كأغلب القوى الجنوبية، وقوى ثورة فبراير/شباط 2011، بما فيها الحركة الحوثية؛ التي تفضِّل تشكيل مجلس رئاسي تتصدر واجهته أو تكون شريكًا رئيسًا فيه؛ وهو خيار مرفوض بشدة من أطراف محلية وأخرى إقليمية؛ لأنه سيمكِّن الحركة من المزيد من السيطرة وبسط النفوذ. مقابل ذلك لا يزال بعض الأطراف يأمل في الضغط على الرئيس هادي ليتراجع عن قرار الاستقالة. وأمام هذا الوضع المربك والحساس، لا يُستبعد أن يقوم أحد الأطراف بتحرك عسكري منفرد أو بالتحالف مع طرف آخر للسيطرة على السلطة وإذاعة البيان الأول.

    الأطراف الخارجية الراعية للعملية الانتقالية في اليمن، على الرغم من اتفاقها جميعًا على مصلحة الاستقرار وأهمية منع الأوضاع من الانهيار في اليمن؛ فإنها تبدو في حالة إرباك، وتعاني تحركاتها من تقديرات متعارضة؛ فقد عبَّرت المفوضة العليا للسياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي السيدة فيديريكا موغيريني، عن قلق الاتحاد الأوروبي إزاء التطورات الأخيرة في اليمن، ودعت الحوثيين وحلفاءهم إلى تحمل المسؤولية كاملة عن أفعالهم. فيما أعلنت الولايات المتحدة أنها تراقب التطورات في اليمن، وفي تعليق المتحدثة الرسمية باسم الخارجية الأميركية، جنيفر ساكي، على تقديم الرئيس هادي استقالته، قالت: إن واشنطن لا تزال تعتبر (هادي) الرئيس الشرعي لليمن. وأكدت استمرار دعم الولايات المتحدة لدولة يمنية موحدة؛ لكن واشنطن تجنبت تحميل مسؤولية التطورات الأخيرة للحركة الحوثية؛ بل صرح المتحدث الرسمي باسم البيت الأبيض -جوش إنرست- فيما يبدو أنها حالة غزل تجاه إيران والحركة الحوثية، بقوله: إنه "ليس واضحًا" لإدارة أوباما ما إذا كانت إيران تسيطر على المتمردين الحوثيين في اليمن. وأكد الرئيس باراك أوباما في كلمته خلال المؤتمر الصحفي المشترك في نيودلهي مع رئيس الوزراء الهندي ناريتدرا مودى، أن الأولوية القصوى لمصالح الولايات المتحدة في اليمن حاليًّا هي حماية الرعايا الأميركيين، ومكافحة الإرهاب. وهي بطبيعة الحال مصالح يمكن للحركة الحوثية أن تعتبرها مصالح مشتركة وتسهم في تأمينها.

    دول الخليج من جانبها، على الرغم من أنها على ما يبدو رافضة لسيطرة الحركة الحوثية على اليمن، بدليل بيان وزراء خارجية دول مجلس التعاون الخليجي؛ الذي وصف ما حدث في اليمن بأنه انقلاب على الشرعية، وطالب الحوثيين بوقف استخدام القوة وسحب قواتهم وتسليم الأسلحة التي استولوا عليها من الجيش، فإنها لم تترجم هذا الموقف إلى خطة عملية حول كيفية وقف التوسع الحوثي: فهل ستدعم مثلاً دعم انفصال الجنوب ليكون قوة تستنزف الشمال الذي تسيطر عليه الحركة الحوثية؟ أم تترك اليمن تستنزف قواه الحرب الأهلية حتى لا تصبح الحركة الحوثية تمثل خطرًا على الدول الخليجية؟ أم هل تدعم الرئيس اليمني السابق صالح ونظامه القديم ليعيد الاستقرار، ويبسط سيطرته على الأوضاع؟ أم تدعم القوى المناوئة له، وركيزتها حزب الإصلاح والقوى الإسلامية القريبة أو المحسوبة على الإخوان المسلمين؟

    وفي المجمل يتسم تحرك الأطراف الخارجية بالبطء والحاجة إلى مزيد من الوقت حتى تتبلور مواقف منسقة أو تحركات عملية؛ لكن ذلك لا يتناسب مع وتيرة تطورات الأوضاع في اليمن، المفتوحة على مسارات من الصراع؛ التي من ضمنها انزلاق الأوضاع نحو الانهيار.

    تتحكم في ديناميات الأزمة اليمنية الحدود التي يفرضها اللاعبون المحليون والخارجيون على بعضهم بعضًا، فلكل منهم أهداف وقدرات يتوقف مفعولها؛ بل قد تجعل صاحبها يتعرض لمخاطر قد تخرجه من اللعبة، إذا تجاوز حدودًا معينة يفرضها توازن القوى مع بقية اللاعبين.

    قوى التوافق

    تضم هذه القوى الرئيس عبد ربه منصور هادي، وأحزاب اللقاء المشترك، وقوى مؤثرة في الجنوب، والقوى الدولية، ومجلس الأمن الذي يمثله المبعوث الأممي جمال بن عمر، وتتفق كلها على الانتقال السياسي استنادًا إلى المبادرة الخليجية ومخرجات الحوار الوطني، وتتطلع إلى أن تكون الحصيلة دولة يمنية واحدة تضمن مشاركة واسعة للقوى السياسية والثورية، فتمنع اليمن من التفتت والحرب الأهلية، وتعالج مشكلة الإقصاء الاقتصادي والاجتماعي؛ التي تدفع عددًا من اليمنيين إلى الالتحاق بالقاعدة في شبه الجزيرة العربية لتغيير الوضع بالقوة.

    تمثل استقالة الرئيس عبد ربه منصور هادي فشلاً لهذه القوى، نتيجة ميل ميزان القوى لصالح قوى الحوثيين وصالح؛ التي تعتقد أن موازين القوى التي أفرزت المبادرة الخليجية واضطرتهم إلى القبول بها تغيرت لصالحهم، وأنهم يستطيعون حاليًّا أن يحققوا أهدافًا حرمتهم منها المبادرة الخليجية؛ لكن قوى المبادرة الخليجية خسرت معركة ولم تخسر الحرب؛ لأنها ما زالت تملك أوراقًا مؤثرة تمكِّنها من شن هجوم مضاد؛ مثل ورقة التوافق الواسع داخل اليمن وخارجه على المبادرة الخليجية، والشرعية الانتخابية والتوافقية للرئيس عبد ربه منصور، ودعم مجلس الأمن ودول الخليج، وقوى سياسية يمنية مهمَّة؛ مثل أحزاب اللقاء المشترك. لذلك سيكون من مصلحة هذه القوى أن تبذل جهودًا لثني الرئيس هادي عن الاستقالة، ولا يُستبعد أن تمارس ضغوطًا خارجية على القوى الرئيسة في البرلمان لرفض قبول الاستقالة بواسطة العصى الغليظة للجنة العقوبات الدولية. وقد يساعد في إقناع الرئيس (هادي) على التراجع، أنه في حال إصراره على الاستقالة وقرر الانتقال إلى عدن سيكون أمام قرارات صعبة عليه اتخاذها لا تخلو من المخاطرة، حيث إنه في ظل الأوضاع المتفجرة في الجنوب والمطالب الواسعة للاستقلال، قد يجد نفسه مضطرا -سواء كان راغبًا أو غير راغب- إلى تكرار سيناريو نائب الرئيس اليمني السابق السيد علي سالم البيض في عام 1994، وإعلان انفصال الجنوب من جانب واحد.

    لكن من جانب آخر، تراجُع الرئيس عن الاستقالة لا يحل جوهر الإشكالية التي نشأت بموجبها الأزمة؛ وتتمثل في الخطوات العسكرية التصعيدية الأخيرة التي قامت بها الحركة الحوثية، ومن دون التوصل إلى اتفاق مع الحركة الحوثية لتوقف ضغوطها على الرئيس هادي لنزع صلاحياته، فإن المأزق سيظل قائمًا.

    والتوصل إلى اتفاق مع الحركة الحوثية قابلٍ للتنفيذ، أمرٌ محتمل؛ لكنه لن يكون سهلاً؛ فالحركة الحوثية تعتبر هادي عائقا أمام توسيع نفوذها في أجهزة الدولة لكنها تحتاجه لإضفاء مشروعية على مكاسبها؛ وسيجعلها إقصاؤه بالكامل تتعرض لمخاطر كبيرة؛ فخيار انتخابات رئاسية وبرلمانية مبكرة يقضي على المكاسب التي حققتها بقوة السلاح؛ لأن شعبيتها على المستوى اليمني محدودة، والانتخابات تنزع الشرعية عن مكاسبها الحالية وامتلاكها السلاح.

    أما مواصلة فرض سيطرتها باليمن بقوة السلاح فيعرِّضها -أيضًا- لمخاطر كبيرة؛ مثل تصنيفها في الأمم المتحدة كمنظمة إرهابية، أو دفع القبائل اليمنية للتعاون مع القاعدة في شبه الجزيرة العرب لقتالها، أو اتفاق الجنوبيين على تشكيل قوة مسلحة تواجه الحوثيين، وهي مخاطر قد تستنزف الحوثيين في حروب طويلة ومكلفة تزيد الوضع اليمني اضطرابًا، وتقضي على ما تبقى من مؤسسات الدولة، وتمزق الجيش إلى فصائل على أسس مناطقية ومذهبية وقبائلية.

    قوى الخيار المسلح

    قوى الخيار المسلح تضم الحوثيين والرئيس السابق علي عبد الله صالح والقاعدة في شبه الجزيرة العربية؛ لكن دور القاعدة يندرج ضمن سياق آخر لا يتعلق بالعملية السياسية الجارية بعد المبادرة الخليجية؛ أما الحوثيون وصالح فإنهما يعتقدان أنهما حصلا من المبادرة الخليجية على بعض المكاسب، وقبلا بتقديم تنازلات نتيجة ميزان القوى آنذاك؛ لكنهما يستطيعان حاليًّا أن يحققا بقية أهدافهما بالقوة المسلحة؛ لأن كفة موازين القوة رجحت لصالحهما؛ فالحوثيون أرادوا أمرين؛ التخلص من حزب الإصلاح الذي يعتقدون أنه المستفيد الأكبر من المبادرة الخليجية، والذي يعترض -حسب تقديراتهم- طريقهم للسيطرة على الدولة، والتخلص -أيضًا- من نظام الأقاليم الستة؛ الذي نتج من جلسات الحوار، وتقرر وضعه في الدستور وعرضه للموافقة الشعبية. أما صالح فيريد الحفاظ على سيطرته على المؤسسات الأمنية، والدفع بجماعته إلى سدة الحكم.

    يعتقد الطرفان أن الرئيس (هادي) يقف أمام طموحيهما؛ لأنه أخرج أقرباء صالح من قيادة المؤسسات الأمنية والعسكرية، وتحالف -حسب الحوثيين- مع الإصلاح؛ الذي وقف في طريقهم نحو السلطة، ومرَّر الدستور الذي قسَّم اليمن إلى ست مقاطعات، وحرص على تقديمه للاستفتاء الشعبي؛ علاوة على أن الطرفين يعتقدان أن الرئيس (هادي) مسؤول عن جعل مجلس الأمن يفرض عقوبات على صالح وقياديين حوثيين، وتوافق الطرفان على ضرورة إجبار هادي على تغيير سياسته مع الإبقاء عليه أو إبعاده إذا رفض شروطهم.

    لكن إخراج هادي من السلطة يعرِّض الطرفين لمخاطر كبيرة، ويجعل خياراتهما الأخرى تفتقد مقومات النجاح.

    إذن السؤال هو: هل هما متفقان على مرحلة ما بعد هادي؟ وهل يمتلكان خيارات تحقق أهدافيهما؟

    يختلف الحوثيون والرئيس السابق صالح على مرحلة ما بعد هادي؛ فصالح أعلن من خلال حزبه أنه يريد انتخابات مبكرة؛ لكن الحوثيين يرفضونها؛ لأنهم يفتقدون الشعبية التي تمكنهم من تكريس المكاسب التي حصلوا عليها بالقوة، وتفقدهم ميزة امتلاك السلاح.

    تعاني بدائلهم في إيجاد صيغة سياسية بديلة عن الرئيس هادي من إفتقاد التوافق بين مختلف المكونات السياسية، وتعطي مبررًا لانفصال الجنوبيين؛ بل قد تدفع البلاد إلى عمليات تهجير بالقوة على أسس مناطقية ومذهبية تدفع باليمن إلى حرب أهلية تجعله دولة فاشلة تجذب الجماعات الجهادية.

    أما خيارات الطرفين فتفتقد مقومات النجاح، فقد لا يفوت الرئيس السابق صالح -المستفيد الأول من خروج الرئيس هادي من المشهد- فرصة استقالة (هادي) لنقل الكرة من ملعب الرئيس إلى البرلمان، والإيعاز لأغلبية حزبه في البرلمان التصويت لصالح قبول الاستقالة، وليتولى الرئاسة مؤقتًا رئيس البرلمان المحسوب عليه؛ لكن المضي في هذا المسار يحتاج بالضرورة إلى قبول ودعم الأطراف الإقليمية والدولية الراعية للعملية الانتقالية، وهو ما يفتقده صالح بعد العقوبات التي فرضها عليه مجلس الأمن، وسخط السعودية عليه نتيجة تحالفه مع الحوثيين.

    وفي كل الأحوال على الأرجح سيكون الرئيس الجديد منتقَص الشرعية، أو غير مقبول من بعض الأطراف المحلية التي تعتبر البرلمان غير شرعي، أو تلك المعارضة لعودة صالح. والحركة الحوثية قادرة على إجهاض هذا السيناريو والحيلولة دون مضي الرئيس الجديد في ممارسة صلاحياته كونها القوة المسيطرة على الأرض، وكانت قامت باقتحام مقر البرلمان عسكريًّا، وبيدها منع انعقاد جلسات لا ترضى عنها، ما لم يكن بينها وبين الرئيس السابق صالح صفقة سابقة.

    لا تساعد الأوضاع الراهنة على إجراء انتخابات رئاسية مبكرة خلال ستين يومًا، وهناك عوائق عديدة أمام المضي في هذا المسار؛ مثل أنه لا يوجد سجل انتخابي حديث، وسيكون من الصعب المضي في عملية القيد والتسجيل للناخبين، أو حتى إجراء انتخابات في المحافظات الجنوبية، ما لم يكن المرشح الأوفر حظًّا للرئاسة يحظى بدعم وقبول الشارع الجنوبي؛ بل إن المضي في انتخابات رئاسية وبرلمانية دون موافقة الجنوبيين يعد تكريسًا للانقسام وانفصال الجنوب.

    أما بديل مجلس عسكري أو رئاسي الذي أشارت إليه قيادات حوثية، ويتكون من الحركة وقيادات في الجيش وأحزاب أخرى؛ يحوِّل الحركة الحوثية إلى شريك رئيس في السلطة وإدارة الأوضاع، تتمكن بموجبه من مزيد من التغلغل في هياكل الدولة وما تبقى من مؤسساتها، دون أن تتحمل منفردة مسؤولية إدارة الأوضاع؛ لذلك على الأرجح سيكون عماد هذا المجلس مكونًا من الحركة الحوثية والنظام السابق وشركاء جنوبيين. والعائق الرئيس أمام هذا المجلس هو أنه بحاجة -كي ينجح ويستمر- إلى دعم الرعاة الإقليميين والدوليين للعملية الانتقالية؛ وذلك أمر مشكوك فيه؛ خصوصًا بالنسبة إلى الأطراف الإقليمية والدولية التي لا تريد السماح للحركة بمزيد من السيطرة وتمكين النفوذ الإيراني في البلد، كما أنه من الواضح أن أغلب الأطراف الجنوبية لديها مشروع لدولة مستقلة في الجنوب، ولن تشارك في هذا المجلس دون ضغط خارجي مشكوك في حدوثه.

    والمخاوف ماثلة في أن يؤدي خيار المجلس العسكري أو الرئاسي إلى الدفع في اتجاه تشكيل مجالس عسكرية لإدارة الأوضاع في الجنوب وفي الأقاليم الأخرى، وستكون السلطة الجديدة في العاصمة مجبرة على فرض سلطتها على الأقاليم الأخرى بالقوة العسكرية للحفاظ على تماسك الدولة.

    في المقابل هناك مقترح بتشكيل مجلس انتقالي لإدارة الأوضاع في البلاد خلال المرحلة القادمة؛ يتكون بالمناصفة بين الشمال والجنوب، برئاسة شخصية جنوبية متوافق عليها، وعلى أساس الإقليمين، لكن يواجه هذا الخيار مشكلة التوافق في الجهة التي تمثل الشماليين والجهة التي تمثل الجنوبيين؛ خاصة أن الصراع الجاري في أساسه صراع بين الشماليين على السلطة، وسيكون من الصعب إقناعهم بالتوافق على ممثلين لهم في هذا المجلس الانتقالي.

    قوى الانفصال

    تسعى قوى جنوبية منذ فترة بخطوات حثيثة للانفصال عن الشمال؛ لكن هذا الخيار يعرض الجنوبيين لمخاطر كبيرة، ويفتقد مقومات النجاح؛ فالجنوب يعاني من تشظي القوة، وتفككها بين أكثر من طرف كما الوضع في الشمال، وحسم الصراع على السلطة سيكوم المهمة الأصعب، وقد يلجأ المتنافسون إلى القوة المسلحة لفرض سيطرتهم، وقد يؤدي الانفصال إلى عمليات تهجير قسري على أساس مناطقي تؤدي إلى صراعات تنتقل من الصراع السياسي إلى الصراع الاجتماعي.

    وعلى الأرجح ستواجه الدولة الجديدة -أيضًا- مهمة الحصول على الشرعية، والاعتراف بها من المجتمع الدولي والإقليمي؛ فالرئيس هادي قدم استقالته بصورة طوعية، وإذا تم التعامل في إطار الدستوري أي عبر البرلمان، فإن الجنوب لا يزال قانونًا، وبنظر المجتمع الدولي، جزءًا من دولة الموحدة، حتى إن قاطعت الكتلة الجنوبية حضور جلسات البرلمان، وخيار الانفصال في الجنوب عبر القوة العسكرية سيكون أمرًا لا يخلو من المجازفة؛ ما لم تجد الدولة الجنوبية دعمًا ومساندة قوية من أطراف إقليمية ودولية مؤثرة تقدم لها الدعم والمساندة اللازمة؛ خصوصًا أن الانفصال عن الشمال بقرار فوري سيخلق أوضاعًا صعبة ومعقدة في الشطرين؛ بسبب أن واحدًا وعشرين عامًا من عمر الوحدة خلقت العديد من المصالح الاقتصادية والاجتماعية والأمنية من الصعب فصلُها بجرِّة قلم، ودون تهيئة متدرجة وتفاهمات مشتركة حول العديد من القضايا التي ستكون مثار صراعات مستقبلية بين الشطرين فيما بعد الانفصال. وتدخل عسكري شمالي للحفاظ على الوحدة أمر وارد، ما لم تقف في مواجهته الحركة الحوثية، أو يدخل الشمال في صراع داخلي كبير وممتد يشغله عما يجري في الجنوب.

    توازن حرج

    يبدو من مختلف التقديرات أن القوى المتصارعة لا يستطيع أي منها أن يفرض خياراته بالقوة، وأنها تحتاج بشكل أو بآخر إلى التعاون مع بعضها، والحصول على اعتراف إقليمي ودولي؛ لذلك ستحاول أن تعدِّل موقفها حسب هذه الاعتبارات؛ فالحوثيون بحاجة للرئيس هادي ليعطي شرعية لنفوذهم، وصالح يحتاج -أيضًا- لتعاون القوى الإقليمية والدولية؛ التي تشترط بقاء هادي في السلطة، والقوى الجنوبية لا تزال تصر على شرعية الرئيس (هادي)؛ لأنها تعتبره فرصة لتعزيز مواقعها في الدولة اليمنية دون مخاطر مرتفعة أو كُلفة غير محتملة يفرضها خيار الانفصال. فيبدو من كل ذلك أن (هادي) هو صمام الأمان من مختلف المخاطر التي تهدد القوى السياسية اليمنية المختلفة، ونقطة التوازن بين مصالح مختلف القوى المنخرطة في الصراع باليمن، وستجعلها حساباتها ترجِّح عودته واستئناف مسار التحول التوافقي، ما لم يحدث تطور مفاجئ يهدم التوازنات القائمة كلية، ويطلق دينامية جديدة لا يستطيع أحد السيطرة عليها.
     
  6. politics-dz

    politics-dz مدير الموقع إداري politico نجم المنتدى

    Country:
    Algeria
    إنضم إلينا في:
    ‏22 فبراير 2015
    المشاركات:
    3,914
    الإعجابات المتلقاة:
    3,836
    نقاط الجائزة:
    113
    الجنس:
    ذكر
    الإقامة:
    الجزائر
    الصفحة الرئيسية:

    Print

    الحوثيون: لجم العمليات العسكرية بالمشاركة السياسية
    مقدمة

    يراهن الحوثيون في تحركاتهم على الساحة اليمنية على مشاركتهم في الحوار الوطني لتحصيل بعض المكاسب السياسية، لكنهم يلجأون في نفس الوقت إلى استخدام القوة العسكرية والحشود الشعبية لفرض خيارات أخرى لم تمكّنهم المشاركة السياسية من تحقيقها. بيد أن الجمع بين الاستراتيجيتين ليس مضمون النتائج؛ فقد تترتب على المواجهات العسكرية نتائج عكسية، مثل اندلاع حرب أهلية ذات طابع طائفي، تقضي على مكاسب المشاركة السياسية. علاوة على أن القوة العسكرية للحوثيين والمتمثلة في جيش منظم قوامه أكثر من عشرة آلاف مقاتل يمتلك عشرات الدبابات وأسلحة ثقيلة ونوعية متطورة ومضادات طائرات قد يبدو أنه قوة تهدد استقرار اليمن ودول الجوار، ونواة لدولة مستقلة تقوم على أساس مذهبي تعطي في المقابل الشرعية لتشكّل كيانات سنية جهادية.

    مشكلة الحوثي

    خلّصت الثورة اليمنية الحوثيين من جزء من خصومهم السياسيين وحققت جزءًا من مطالبهم؛ فقد رحل الرئيس اليمني علي عبد الله صالح الذي شنّ عليهم ست حروب منذ سنة 2004، وحصلوا على شرعية داخلية وخارجية من خلال مشاركتهم بالحوار الوطني، مكّنتهم من المشاركة في السلطة المركزية، والحصول على إقليم من ستة أقاليم تقرّر تشكيلها في جلسات الحوار ضمن النظام الفيدرالي، لكن هذه المكاسب لم تحقق كل مطالب الحوثيين ولم تهدئ كامل مخاوفهم، فحزب الإصلاح الذي يعتبرونه شريك صالح في عدواتهم صار أكثر نفوذا في السلطة اليمنية بعد الثورة، وباتوا يخشون من أن تغلغه في إدارات الدولة ونفوذه في الجيش، كما اتضح في تحالفه مع القائد السابق للمنطقة العسكرية الشمالية الغربية والفرقة الأولى مدرع علي محسن الأحمر، الذي حارب الحوثيين ووقف في وجه صالح وساند الثورة وحزب الإصلاح، قد يؤدي إلى سيطرته على أجهزة صنع القرار بصنعاء، فحشدوا أنصارهم لتغيير موازين القوى بالمركز قبل أن تتكرس في الانتخابات القادمة.

    واجهت الحوثيين أيضًا مشكلة الإقليم الذي يقعون ضمنه بعد تقسيم اليمن إلى ستة أقاليم؛ فهو من جهة يضم المناطق التي تعد تقليديًا زيدية لكنه لا يمتلك مقومات القوة التي تجعله مستقلاً عن المركز، حيث تنقصه الموارد والمنافذ؛ فتحرك الحوثيون عسكريًا لضم منطقة الجوف إليه لأنها تضم -حسب عدد من التقديرات- مخزونًا معتبرًا من الطاقة، وتحركوا نحو حجة للحصول على منفذ بحري في ميناء ميدي.

    تتضح المشكلة التي تواجه الحوثيين في أنهم -من جهة- بحاجة إلى إعلان القبول بمخرجات الحوار الوطني ليحصلوا على شرعية سياسية لمكاسبهم، لكن -من جهة أخرى- فإن تحركهم العسكري يهدد العملية السياسية برمتها، ويدفع خصومهم الداخليين والخارجيين للاتحاد في مواجهتهم.

    السيناريوهات المحتملة

    يقف اليمن في ظل الأزمة الراهنة على مفترق طرق؛ فإما الانزلاق نحو حرب أهلية شاملة، قد تقضي على وحدته وما تبقى من دولته، أو يتوصل الفرقاء السياسيون إلى تسوية تحافظ على العملية الانتقالية.

    السيناريو الأول
    إذا وسَّع الحوثيون خيار القوة إلى المواجهات الجارية حاليًا بالعاصمة صنعاء لفرض شروطهم على الحكومة بعد سيطرتهم بالقوة على عمران مؤخرًا؛ فقد يؤدي ذلك إلى اتحاد حزب الإصلاح والقبائل المتحالفة معه والإدارة الحكومية، لمنع الحوثيين من السيطرة على السلطة المركزية بصنعاء. وقد تؤدي المواجهات إلى اندلاع حرب شوارع لا يبدو أن الحوثيين يمتلكون فيها الأفضلية لأنها خارج مناطقهم، وفي مواجهة قوى متعددة وحّدها الخوف منهم. ولربما تنضم القاعدة في شبه الجزيرة العربية إلى مساندة القوى التي تقاتل الحوثي لأنها ستشعر أنه يهدد مذهبها السني، خاصة بعد حملات المقاتلين الحوثيين على السلفيين في دماج، فتمتد مواجهتها له من الجوف إلى صنعاء، وقد تنهار سلطة الرئيس الحالي عبد ربه منصور هادي نتيجة انهيار التوافق الذي أوصله للسلطة.

    وإن حدث ذلك فستتحرك القوى الدولية والإقليمية، التي رعت الحوار الوطني، في مواجهة الحوثي لأنه يهدد استمرار العملية السياسية الجارية، وسيبحثون عن دولة بالمنطقة قادرة على ردعه، وقد تتقدم السعودية لهذا الدور لأن من مصلحتها ألا يسقط اليمن في يد الحوثيين الذين صنّفتهم في مارس/آذار 2014 ضمن المنظمات الإرهابية، فتمنع تمدد النفوذ الإيراني إلى جوارها المباشر، حتى لا تقع في كماشة بين قوة شيعية تحكم العراق من جهتها الشرقية، وقوة شيعية أخرى تحكم اليمن بجنوب المملكة؛ وقد يكون ردُّها باستعمال الضربات الجوية للحد من تمدد الحوثيين باليمن، فتعيد التوازن بين القوى المتصارعة.

    قد يحقق الحوثيون في هذا السيناريو مكاسب عسكرية مؤقتة لكنهم سيواجهون حرب عصابات طويلة تستنزفهم، ويوسّعون جبهة الرافضين لهم، ويجعلون مجلس الأمن يعتبرهم تهديدًا للأمن الدولي لأنهم يدفعون اليمن إلى التفكك فيزداد نفوذ القاعدة في شبه الجزيرة العربية، بالقرب من باب المندب، وقد ترتبط بحركة الشباب بالصومال، فتتهدد ملاحة القوى الغربية والدولية بالبحر الأحمر، وقد تُنسق معها الدولة الإسلامية في العراق لمنع السعودية من المشاركة في الائتلاف الدولي الذي تشكَّل لقتالها.

    ليس من المرجح أن يختار الحوثيون هذا السيناريو، لأنه قد يقضي على مكاسبهم التي حصلوا عليها من العملية السياسية، ويرفع كلفة مواجهاتهم العسكرية، ويوسّع جبهة المناهضين لهم داخليًا وخارجيًا، ويجر أطرافًا إقليمية إلى مواجهتهم عسكريًا، فتتوزع قواتهم على جبهات عديدة لا يمتلكون القدرة على هزيمتها جميعًا، فيكونون في موقف أضعف من موقفهم الحالي حين يضطرون إلى العودة لاحقًا إلى طاولة المفاوضات بحثًا عن تسوية.

    السيناريو الثاني
    أن يتفادى الحوثيون الانزلاق إلى مواجهات مفتوحة مع خصومهم والقوات اليمنية في صنعاء، لكنهم يواصلون ضغطهم الشعبي، ولعل استراتيجية التنظيم في صنعاء حاليا تؤكد ذلك، فلقد امتنع عن الرد المسلح رغم أن قوات الأمن قتلت عددًا من أنصاره حين حاولوا السيطرة على مؤسسات رسمية، ويبدو أنه سيتمسك بهذا الخيار، فينتهز الرئيس هادي احتشاد الحوثيين للضغط على حزب الإصلاح حتى يقبل بالتنازل عن مواقع مهمة في السلطة، فيعزز دوره كحكم في النزاع بين أكبر قوتين سياستين يمنيتين، لكنه في المقابل سيضغط من أجل تأخير الحديث عن توسيع الحوثيين للإقليم الذي يسيطرون عليه بالقوة حتى لا تهتز مصداقية الحوار الوطني.

    ما يعزز فرص هذا السيناريو، أن القوى الدولية، ممثلة بمجلس الأمن، تريد بقاء اليمن موحدًا في دولة متماسكة، حتى لا يتفكك ويصير ميدانًا للقوى الجهادية، أو تنشأ فيه حالة شبيهة بالدولة الإسلامية التي نشأت بالعراق. وربما تتحرك السعودية في نفس الاتجاه، كما اتضح من بيان سفراء الدول العشر الراعية للمبادرة الخليجية الذي حمَّل الحوثيين مسؤولية ما يقع في صنعاء، فليس في صالح السعودية قيام دولة فاشلة في جنوبها، لكنها في نفس الوقت لا تريد أن تسيطر قوة واحدة على مصير اليمن، فهي تعتبر الإصلاح اليمني فرعا من جماعة الإخوان المسلمين التي اعتبرتها تنظيمًا إرهابيًا، وتعتبر الحوثيين يحملون مشروعًا سياسيًا تعده خطرًا على أمنها فاعتبرتهم تنظيمًا إرهابيًا، ومن مصلحتها موازنة قوة حزب الإصلاح بقوة الحوثيين، حتى يمنعا بعضهما من توسيع قوتهما، فلا تحتاج إلى التدخل لتحقيق ذلك.

    هذه التسوية المتوقعة ستكون هشة لأنها تتعلق فقط بالمشاركة بالحكومة والإدارة بينما تبقى قضايا أخرى حساسة، مثل: مساحة الإقليم الذي يريد الحوثيون السيطرة عليه، والنتائج المترتبة على ذلك، وما هو شكل السيطرة؛ هل هي شبيهة بسيطرة الأكراد على إقليم كردستان، أي: نواة دولة مستقلة؟ ثم ما هو مستقبل سلاح الحوثيين؛ هل سيسلمونه مقابل ضم عدد من مقاتليهم إلى الجيش؟ أم أنهم سيطلبون من الدولة اليمينة الاعتراف بقواتهم ضمن القوات الشرعية لكنها تعمل فقط في إقليمهم مثل ما فعل البشمركة بإقليم كردستان؟ علاوة على الخلافات التي ستتعلق بتقسيم الثروة. في ظل هذا السيناريو سيبقى الوضع في اليمن متأرجحًا، لمدة طويلة، بين المواجهات التي تتوقف عند خط الانزلاق نحو حرب أهلية والتسويات الهشة والمؤقتة.

    ترويض السلاح

    ربما يسعى الحوثيون من خلال تمسكهم بالمشاركة السياسية والضغوط الشعبية والتوسع في العمليات العسكرية إلى زيادة نفوذهم في السلطة المركزية في اليمن وزيادة رقعة الإقليم الذي يسيطرون عليه، لكنهم سيضطرون إلى ضبط تحركاتهم العسكرية إذا أحسن الرئيس هادي ومناصروه داخليًا وخارجيًا استراتيجية مزدوجة: سياسية وعسكرية، تقنع الحوثيين بأن انهيار العملية السياسية سيجعلهم يخسرون مواقعهم في الدولة اليمنية القائمة، ويحرمهم من إقامة دولة مستقلة.
     
    أعجب بهذه المشاركة احمديوسف فنك البلول
  7. politics-dz

    politics-dz مدير الموقع إداري politico نجم المنتدى

    Country:
    Algeria
    إنضم إلينا في:
    ‏22 فبراير 2015
    المشاركات:
    3,914
    الإعجابات المتلقاة:
    3,836
    نقاط الجائزة:
    113
    الجنس:
    ذكر
    الإقامة:
    الجزائر
    الصفحة الرئيسية:

    Print

    فخ التوسع: جماعة الحوثي بين السلاح والدولة المدنية
    مقدمة

    تُظهر التطورات الأخيرة في اليمن اتجاه القضية الحوثية نحو أبعاد جديدة؛ حيث بات نموها كظاهرة مسلحة يثير قلق العديد من الأطراف، لأنها انتقلت في استخدام قوتها العسكرية من وسيلة للدفاع إلى أداة للتوسع والانتشار، مستفيدة من انشغال الدولة بوضعها الانتقالي، والتحديات السياسية والاقتصادية العميقة التي تواجهها، فاستطاعت الحركة خلال وقت قصير تحقيق تمدد واسع، خارج معاقلها الرئيسية في محافظة صعده، وصل إلى الحزام الاستراتيجي المحيط بالعاصمة صنعاء، فبات الوجود الحوثي بنسب متفاوتة في كل مناطق اليمن.

    موازاة مع ذلك، تقدم الحركة الحوثية خطابًا مزدوجًا؛ فهي من ناحية تتبنى خطابًا سياسيًا يعبّر عن رغبة الاندماج في دولة مدنية يحكمها الدستور والقانون وفق مخرجات الحوار الوطني. ومن ناحية أخرى، تتبنى خطابًا دينيًا مذهبيًا كحركة إحيائية جهادية تتبنى قضايا كبرى، مستندة إلى آلة عسكرية نامية تسعى للتوسع كلما وجدت الفرصة متاحة، في مسار يتعارض مع خطابها السياسي ومقتضيات الدولة المدنية.

    تبرز نتيجة ذلك عدة علامات استفهام حول دوافع الحركة وراء التوسع العسكري، وحقيقة مشروعها وأهدافه، وإلى أين يمكن أن يصل وسط التأرجح بين المسار العسكري والاندماج المدني، في ظل معطيات البيئة المحيطة، ومواقف بقية الأطراف المحلية والإقليمية والدولية؟

    مرامي التوسع العسكري

    استطاعت الحركة الحوثية، بشكل لافت للنظر، خلال السنوات الثلاث الأخيرة منذ انطلاق الثورة الشبابية في 2011، تحقيق توسع وانتشار عسكري، خارج معاقلها الأصلية في محافظة صعده، وصل إلى خمس محافظات شمال اليمن، وأظهرت قدرة عسكرية صلبة بقدرتها على خوض القتال في أكثر من جبهة في وقت واحد.

    وخلال الشهرين الماضيين فقط، حققت الحركة سلسلة من الانتصارات العسكرية على مناوئيها؛ في كتاف ودماج على السلفيين والقوى القبلية والجهادية المتحالفة معها، أفضت إلى إخراج سلفيي دماج من صعده بموجب اتفاق صلح رعته الدولة. وفي جبهة حاشد، حققت الحركة انتصارات ملموسة على مشايخ آل الأحمر؛ فاستطاعت الوصول إلى مسقط رأسهم في حوث والخمري، وتدمير منزل الشيخ فيها. وبالتوازي، خاضت الحركة حربًا في منطقة أرحب القريبة من العاصمة مع قبائل موالية لحزب الإصلاح الإسلامي، وكذلك في محافظة الجوف القريبة من الحدود السعودية، انتهت بتوقيع اتفاق صلح توسطت فيه الدولة. وفي الأيام الماضية، دخلت الحركة في حرب جديدة في منطقة همدان شمال شرق العاصمة (تبعد عن العاصمة حوالي 12 كيلو مترًا) سيطرت فيها على عدد من القرى، ودمرت عددًا من المنازل ومراكز تحفيظ القرآن الكريم المحسوبة على حزب الإصلاح، وتوقفت بوساطة الدولة. وتجري المناوشات العسكرية الحوثية حاليًا حول مدينة عمران (تبعد عن العاصمة 50 كم تقريبًا)، يحول دون سقوطها مرابطة اللواء (310) فيها، وتجنب الحوثيين الدخول في مواجهة مباشرة مع الجيش.

    استفادت الحركة الحوثية في تحقيق انتصاراتها العسكرية الأخيرة، من حالة الضعف التي تمر بها الدولة، وانشغال النظام السياسي بقضايا الوضع الانتقالي، وعملية التغيير السياسي الجارية في البلد، حيث نجحت الحركة خلال الفترة السابقة في تكوين قوة عسكرية احترافية عالية التدريب مزودة بأسلحة ثقيلة، لا تستطيع الأطراف الاجتماعية والسياسية الأخرى مجاراتها فيها؛ فباتت الأقوى في ميزان القوى الداخلي، في حال التزمت الدولة الحياد. بالإضافة إلى تقاطع المصالح بين الرئيس السابق صالح والحركة الحوثية في مواجهة العملية الانتقالية الحالية؛ حيث استفادت الحركة من نفوذ الرئيس صالح السياسي والاجتماعي للنيل من "عدو مشترك". تجلّى ذلك بوضوح في الدور الذي لعبه صالح في تفكيك قبائل حاشد وإلحاق هزيمة بآل الأحمر مشايخ القبيلة، انتقامًا من دورهم المباشر والقوي في إسقاط نظامه، علاوة على التغير الحاصل في السياسة السعودية تجاه الحركة الحوثية في مرحلة ما بعد ثورات الربيع العربي؛ حيث تراجع موقعها في قائمة التهديدات السعودية ليحل محلها (في الأولوية) تهديد الإخوان المسلمين كتهديد مباشر له علاقة بالثورات والدمقرطة في المنطقة العربية. ويمكن القول: إن الحوثيين انتهزوا هذه الفرص لتحقيق انتصاراتهم الأخيرة ولإضعاف الإصلاح وحلفائه، القوة اليمنية التي يمكن أن تتصدى لهم.

    تحديد الأهداف الحوثية الخاصة من تحركاتها العسكرية الأخيرة محل جدل بين المراقبين؛ فمن جانب يُنظر إلى تقاسم الحركة مع الرئيس السابق هدف إفشال العملية الانتقالية، من خلال تأجيج الفوضى وإرباك المشهد الداخلي عبر إشعال فتيل الحروب في أكثر من منطقة، كمصلحة مشتركة تؤدي إلى إرباك نظام الرئيس هادي منصور الهش، وتفكيك تحالفاته الداخلية لإنهاكه وإسقاطه سياسيًا. كما تتيح الفوضى وإرباك النظام فرصة أكبر للحركة الحوثية لتحقيق مزيد من التوسع والانتشار العسكري. وفي نفس الوقت استخدام الحركة لتوسعها العسكري كورقة ضغط على الرئيس عبد ربه منصور هادي، لانتزاع مكاسب معينة تتعلق بتوسيع حصة الحركة في الحكومة وإعادة النظر في تقسيم الإقليم؛ وتحسين وضعهم التفاوضي، على المدى البعيد، في حال بدأت خطوات جدية لتسوية القضية الحوثية.

    ومن منظور استراتيجي أيضًا، من الواضح أن الحركة الحوثية تستهدف أطرافًا داخلية محددة هي في حالة عداء معها، وتعتبرها عوائق أمام توسعها المذهبي والسياسي. وكان قيام الحركة الحوثية في حروبها الأخيرة بتدمير مراكز التحفيظ والمدارس الدينية والمساجد المحسوبة على الإصلاح والسلفيين، دلالة واضحة على ذلك. ويكاد يكون أحد البنود الثابتة في اتفاقيات الصلح التي يعقدها الحوثيون مع القبائل، التأكيد على ضمان حرية انتشار توجهاتهم الفكرية والمذهبية دون عوائق.

    ومن وجهة نظر البعض، فإن سعي الحركة الحوثية لبناء قوتها العسكرية، وتحقيق مزيد من التوسع والانتشار العسكري على الأرض، يأتي في الواقع كجزء من استراتيجية متكاملة تسير عليها الحركة بصورة متدرجة هدفها النهائي السيطرة على الأوضاع عسكريًا والتمكين لمشروعها المذهبي والسلالي الخاص غير القابل للاندماج في دولة مدنية.

    التأرجح بين الاندماج المدني والسيطرة العسكرية

    يكاد يكون تحديد حقيقة المشروع الحوثي، ومراميه النهائية مسألة صعبة، لأن الحركة تطلق إشارات متضاربة، فمن جانب تقدم نفسها في خطابها السياسي على أنها حركة اجتماعية سياسية، مسالمة تعرضت للظلم والإقصاء والتهميش، فلجأت إلى السلاح للدفاع عن نفسها في بيئة معادية، ولديها مشروع مدني اندماجي يقر التعددية ضمن النظام السياسي الجمهوري القائم لكن من جانب آخر تستخدم قوتها العسكرية في التوسع وليس للدفاع وتردد خطابا إحيائيا يستعيد أمجاد فترة الحكم الإمامي. وبالفعل نجحت الحركة خلال الثورة الشبابية 2011، في كسر طوق العزلة السياسية المفروض عليها، وتقديم نفسها كلاعب وشريك سياسي، قادر على المناورة السياسية وعقد التحالفات مع القوى الأخرى في الساحة، فشاركت بفاعلية في مؤتمر الحوار الوطني (بـ37 مقعدًا)، وقدمت خطابًا مدنيًا نافست به الأحزاب الليبرالية في المطالبة بالدولة المدنية وسيادة القانون والتداول السلمي للسلطة. وأبدت رغبة الاندماج في دولة مدنية تستوعب الجميع، واستعدادها التخلي عن مشروعها العسكري في إطار تسوية شاملة للقضية، وفق مخرجات الحوار.

    ولكن بالتزامن مع خطابها السياسي المدني، كانت الحركة ماضية بخطى ثابتة في تطوير قدراتها العسكرية الذاتية، والحصول على مزيد من الأسلحة المتطورة من الخارج، وتطوير قدراتها على التصنيع الحربي لبعض أنواع الأسلحة في الداخل، واستخدامها لتحقيق مزيد من التوسع العسكري، في وقت تراجعت فيه بصورة ملموسة حدة التهديدات المحيطة بالحركة؛ فالنظام السياسي القائم -على عكس سابقه- متمسك بتسوية القضية وفق مخرجات الحوار، والقوى الداخلية المناوئة للحركة في حالة تراجع وضعف لأسباب إقليمية، مثل تراجع التهديد الحوثي في مدركات المملكة السعودية الأمنية.

    تصبح قوة الحركة العسكرية ونزوعها للتوسع مثار قلق أكبر حينما يتم ربطه بخطابها الديني، كحركة إحيائية جهادية تحمل مشروعًا توسعيا -لها أجندة سياسية وطائفية خاصة- يربط الحركة بقضايا كبرى تتجاوز الإطار المحلي، تستهدف إصلاح الأمة وتحريرها من قوى الاستكبار العالمي، عبر تعبئة أعضائها دينيًا وتجنيدهم كمقاتلين في سبيل هذا المشروع، وتأسيس ذلك على مشروعية مرتبطة بالتراث الشيعي كخروج اليماني والمهدي والملاحم الشيعية الكبرى. ومن هذا المشروع تستقي الحركة المشروعية الدينية والأخلاقية للتمدد والانتشار، وحتى ممارسة القتل ضد الآخر المختلف -المصنَّف حسب خطاب الحركة الديني- ضمن الموالين لأعداء الأمة.

    ومن جانب آخر تستند الحركة وفق خطابها الديني، على إحياء مظلومية آل البيت وحقهم في الولاية الدينية والسياسية، وأنهم الأجدر بقيادة الأمة وإنهاضها من كبوتها، وتستند بشريًا (في تركيبتها الهيكلية والتنظيمية) على شريحة الهاشميين والمنتمين تقليديًا للزيدية، كدعامة رئيسية للحركة، وهي طبقة اجتماعية (سلالية ومذهبية) كانت حتى وقت قريب هي الحاكم الفعلي لشمال اليمن لما يقارب الألف عام. ويعتبر الحوثيون أن سعيهم لإعادة التمكين لآل البيت جهاد ديني في سبيل الله يؤجرون عليه. والمخاوف ملموسة في الداخل اليمني من أن يؤدي تمكن الحركة الحوثية من السيطرة على الأوضاع إلى إسقاط النظام الجمهوري القائم، وإقامة نسخة محسنة ومطورة من النظام الإمامي (الملكي) السابق.

    اتجاهات المستقبل: الحوثيون بين السيطرة والاندماج

    قد يكون من الصعب الجزم بالمرامي النهائية للمشروع الحوثي وأهدافه الاستراتيجية، وفي أي المسارات سيمضي؛ فيبدو أنه يراوح بين ثلاثة مسارات محتملة: مسار السيطرة العسكرية، ومسار الاندماج المدني، ومسار ثالث يجمع بينهما. تحدد ذلك التجاذبات داخل الحركة ومدى تأثير اللاعبين اليمنيين والإقليميين على توجهاتها.

    السيناريو الأول: السيطرة العسكرية على الأوضاع
    يفترض هذا السيناريو أن الحركة ماضية نحو السيطرة العسكرية على الأوضاع، وتغليب مشروعها الخاص، وهو مشروع لا تشترك فيه مع القوى الأخرى، ولا يمكن تحويله إلى واقع سوى بالقوة العسكرية، بسبب طبيعته الفئوية وغير القابل (بنيويًا) للاندماج في دولة تشاركية مدنية، لأنه يقوم على مقولات دينية طائفية وسلالية، غير قابلة للمشاركة في الإطار العام مع القوى الأخرى؛ فالمشروعية السياسية تنحصر في سلالة بعينها، وهو ما يتعارض مع النظام الجمهوري، ومقتضيات الديمقراطية القائمة على المساواة المطلقة بين المواطنين في الحقوق والواجبات.

    وطبيعة المشروع الديني للحركة، كمشروع إحيائي جهادي يعبئ أتباعه دينيًا وطائفيًا كمقاتلين من أجل قضايا كبرى تتجاوز الإطار المحلي، تجعل من الصعب احتواءه بالتحول فقط إلى قوة سياسية أو اجتماعية منزوعة السلاح، تنافس بالوسائل السلمية من أجل الحصول على عدد من المقاعد في البرلمان أو الحكومة.

    وبسبب الأبعاد الطائفية والسلالية للحركة الحوثية، وإدراك قادتها صعوبة تقديم تنازلات في هذه الجوانب، والتخلي عن المشروع الخاص من أجل مشروع مدني عام يستوعب الجميع على اختلاف مذاهبهم وانتماءاتهم المناطقية (وهو شروط ضروري للتحول إلى حزب سياسي مدني)؛ فهي في هذا السيناريو غير قادرة على التخلي عن مشروعها العسكري، الأداة الرئيسية التي يمكن أن تضمن لها القوة وتحول مشاريعها الى واقع؛ لذلك ستمضي في بناء قوتها العسكرية، والتوسع والانتشار عسكريًا كلما سنحت لها الفرص. ويصنف، في هذا السياق، خطابها المعلن عن الدولة المدنية وإقامة تحالفات سياسية مع بعض القوى، كخطوات تكتيكية لذر الرماد في العيون.

    وتتطلع الحركة وفق هذا السيناريو إلى أنّ تنامي قوتها العسكرية، وسيطرتها على مساحة أوسع من الأرض، سيؤدي بها في النهائية الى السيطرة على السلطة السياسية في اليمن، وفرض رؤيتها الدينية والسياسية على باقي القوى. ويمكن أن يحدث ذلك على المدى القصير -من وجهة نظر البعض- من خلال التحالف التكتيكي مع شبكة صالح للدخول في مغامرة إسقاط العاصمة عسكريًا وقلب نظام الرئيس هادي في ثورة مضادة شبيهة بما حدث في مصر، قد تدعمها أطراف إقليمية، مستغلة الأوضاع الهشة للدولة، والطبيعة الانتقالية والمفككة للنظام السياسي، لتحقيق سيطرة سريعة على الأوضاع. وكون الحركة الطرف الأكثر قوة ستستطيع لاحقًا التخلص من شريكها المليء بالعيوب والثغرات، وفرض رؤيتها الخاصة للسيطرة الكاملة على السلطة والدولة، أو على المدى المتوسط من خلال تحقيق توسع عسكري تدريجي للسيطرة على الهضبة القبلية الشمالية التي تعد المجال الاستراتيجي للمذهب الزيدي، في تكرار للنموذج التقليدي لسيطرة الأنظمة الإمامية الهاشمية على اليمن خلال السنين السابقة؛ حيث تبدأ شرارة الدعوة من صعدة معقل الزيدية، ثم تتوسع لتسيطر على قبائل الهضبة الشمالية -كمخزون للقوة البشرية- تستخدمه لاحقًا للزحف والسيطرة على مركز الحكم والسلطة في العاصمة وعلى باقي أجزاء الدولة.

    وفي الواقع، إن هذا السيناريو على المدى القصير والمتوسط صعب التحقق؛ فقيام أي من الأطراف المتصارعة بمغامرة إسقاط النظام القائم عسكريًا، لن يؤدي إلى سيطرته على الأوضاع، وإنما جرّ البلاد إلى الفوضى والحرب الأهلية، بسبب توازن القوى القائم. وبالتأكيد لن يكون هذا خيارًا مرحبًا به من القوى الدولية والإقليمية الرئيسية الراعية للعملية الانتقالية. ولا يمكن تكرار الثورة المضادة المصرية في اليمن بسبب الطبيعة المختلفة للمجتمع اليمني وتوازن القوى الداخلي.

    كما أن افتراض استمرار التوسع العسكري سيضع الحركة الحوثية في مواجهة مباشرة مع الدولة، لأنه يأتي أيضًا على حساب قدرتها على بسط نفوذها ويقضم تدريجيًا من سلطتها؛ فالدولة لا تزال قادرة على إيقاف التوسع الحوثي عسكريًا -في حال أرادت ذلك- وإلحاق هزائم بالحركة خارج تحصيناتهم في جبال صعده الوعرة. وفي حال تقاعست الدولة، لسبب أو لآخر، عن صد التوسع العسكري الحوثي، فمن المتوقع أن يدفع ذلك القوى المجتمعية التي ترى في توسع الحركة عسكريًا خطرًا يهدد بقاءها، إلى عسكرة نفسها وبناء ميليشياتها الخاصة للدفاع عن نفسها ومساحة نفوذها، وسيجرّ ذلك البلاد نحو الفوضى والحرب الأهلية (في تكرار محتمل للنموذج السوري على المدى الطويل)، وهو خيار ليس في مصلحة أحد بما فيهم الحركة الحوثية نفسها.

    وحتى لو افترضنا جدلاً أن الحركة الحوثية استطاعت التوسع في الهضبة الشمالية (وهو افتراض محل شك حتى الآن)؛ فإنها غير قادرة على إحكام قبضتها عسكريًا على المناطق الوسطى (الشافعية)، خصوصًا مع تمسك الحركة بمقولات مذهبية مثيرة لعداء أتباع المذاهب السنية؛ فأحد الأسباب الرئيسية التي مكّنت دولة الأئمة الزيدية من حكم اليمن بمكوناته السنية والشيعية لأكثر من ألف عام، وسطية المذهب الزيدي واعتداله تجاه السنة.

    وفي كل الأحوال يبدو أن إعادة نسخة جديدة من النظام الإمامي يقوم على اعتبار النسب الهاشمي مصدرًا للشرعية السياسية، غير قابل للتحقق في المدى المنظور بسبب متغيرات البيئة المحلية، وحالة الوعي السائدة. ولا تزال الذاكرة اليمنية حديثة عهد بالخبرات المؤلمة لنظام الحكم الإمامي، والتضحيات الكبيرة لإقامة النظام الجمهوري.

    عامل آخر لا يقل أهمية، وهو أن قوى إقليمية ودولية رئيسة، تبدو غير متسامحة حتى الآن مع فكرة السيطرة الحوثية على الأوضاع في اليمن؛ مما يوسع النفوذ الإيراني في منطقة حساسة لمصالحها الاستراتيجية. والإدراك السائد لدى المراقبين، أن الانتصارات الحوثية الأخيرة جاءت نتيجة سماح أطراف محلية وإقليمية ودولية، وسكوت بعضها عن التمدد العسكري الحوثي، بهدف تقليم أظافر حزب الإصلاح الذي تعتقد أنه خرج بعد الثورة الشبابية، أكثر قوة وتماسكًا، مع تراجع وانحلال المؤتمر الشعبي العام (الحزب الحاكم السابق)، وضعف القوى المحلية الأخرى. وترغب في الحد من قوته، والدفع بإيجاد توازن قوى داخلي، لا يسمح لطرف واحد بالسيطرة على القرار السياسي. ومن المتوقع أن تتغير مواقف هذه الأطراف الداعمة أو الصامتة في حال أرادت الحركة الحوثية تجاوز الحدود المسموح بها، لتحقيق التوازن المرغوب.

    السيناريو الثاني: الاندماج في دولة مدنية
    يفترض هذا السيناريو أن الحركة الحوثية ستتجه لتغليب مشروع الاندماج السياسي المدني، والتخلي عن مشروعها العسكري المثير للجدل، متى توافرت البيئة المحلية الضامنة لها لتتحول إلى قوة سياسية مدنية، تنافس من أجل التوسع والوصول إلى السلطة بالوسائل السلمية.

    يدعم هذا السيناريو أن هدف الاندماج في دولة مدنية يتوافق مع المطالب السياسية المعلنة للحركة الحوثية، وأثبت سلوكها السياسي الفعلي في المرحلة الماضية قدرتها على الاندماج وإقامة تحالفات سياسية متجاوزة التخندقات الأيديولوجية المذهبية وخطابها الديني الجهادي. ومن المتوقع أن قطاعًا عريضًا داخل الحركة مع خيار الدولة المدنية في حال تلاشت وتراجعت التهديدات المحيطة بالحركة، وهي بالفعل كذلك. وستستطيع الحركة في ظل دولة مدنية ضامنة لحرية التعدد أن توفر بيئة مواتية كي تنشر أفكارها، دون حاجتها إلى القوة العسكرية. ويقدر البعض أن السلمية ستفرض على الحركة تشذيب خطابها المذهبي العدائي والمثير للصراع تجاه السنة، لتحقيق الانتشار المحلي، والتقارب مع أطراف إقليمية ذات تأثير في الشأن اليمني، يقلقها التماهي بين توجهات الحركة الفكرية والمذهبية والنفوذ الإيراني.

    وقد أوجدت مخرجات الحوار الوطني الشامل أرضية مناسبة لتسوية القضية الحوثية أو ما اصطُلح على تسميته: قضية صعده، سواء بخصوص بناء دولة مدنية ضامنة للتعدد وحرية الفكر والاعتقاد، وحيادية الدولة ومؤسساتها عن الصراعات السياسية والمذهبية، أو بخصوص وضع الخطوات العامة لتسوية القضية، كالسير في نزع الأسلحة المتوسطة والثقيلة من جميع الأطراف، بما فيها الحركة الحوثية، وفق آلية محددة وفي وقت متزامن، لتكون الدولة وحدها المحتكر لأدوات القوة، والسيد على كامل أراضيها. ويمكن الاعتماد على مخرجات الحوار للدخول في حوار أضيق مع الحركة الحوثية، يفضي إلى وضع خارطة طريق، مؤطّرة زمنيًا تقوم على التراتبية في الخطوات، تبدأ بالجوانب الأكثر أهمية مع مراعاة القدرات والإمكانيات المتاحة. وقد أبدت الحركة الحوثية استعدادها لتسوية القضية والتخلي عن مشروعها العسكري وفق معالجة شاملة.

    ويمثل خيار الاندماج المدني، والتسوية السلمية للمسألة الحوثية مصلحة مشتركة لجميع الأطراف الداخلية والخارجية، لأن البديل عنها هو الفوضى والعنف وتنامي بذور الصراعات الطائفية المسلحة. ويستطيع نظام الرئيس عبد ربه منصور هادي، بدعم الدول العشر الراعية للمبادرة الخليجية، فرض هذا الخيار، وإرغام الأطراف الممانعة على الانصياع، بعد أن أصبحت بيده أداة قوية يستطيع استخدامها للضغط على الحوثيين وبقية القوى للسير في طريق التسوية وبناء الدولة المدنية المنشودة، أو التعرض للعقوبات الدولية بوصفها قوى معوقة للعملية الانتقالية تضعها تحت الفصل السابع حسب قرار مجلس الأمن 2140.

    وقد عبّرت الدول العشر في بيان مشترك عن قلقها بشأن التوسع العسكري الحوثي نحو العاصمة، وتنامي لجوء الأطراف المتصارعة (التي وصفها البيان بغير القانونية) إلى القوة كوسيلة لحل النزاعات بدلاً عن الحوار عفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا. ومن الواضح أن الأطراف الإقليمية والدولية الرئيسية تدعم خيار نزع الأسلحة من الأطراف المحلية، وتحول الحركة الحوثية إلى قوة مدنية تنافس بالوسائل السلمية، ولا تفضّل -كما يبدو حتى الآن- أن يتحول توازن القوى بين الأطراف المحلية خصوصًا بين تياري الإسلام السياسي: السني والشيعي، إلى توازن عسكري، يؤدي الى خلق بؤر صراعية متفجرة على طول نقاط التماس بين التيارين في طول اليمن وعرضها، فيتقوض السلم والاستقرار الاجتماعي، وقدرة الدولة على بسط سلطتها على أراضيها، فتنشأ بيئة داخلية رخوة لانتشار الأسلحة ونمو الجماعات المتشددة.

    السيناريو الثالث: نموذج حزب الله في لبنان
    يفترض هذا السيناريو أن الحركة الحوثية تسعى لتحقيق الاندماج السياسي مع الاحتفاظ بمشروعها العسكري في تكرار لنموذج حزب الله في لبنان؛ وهو ما يظهره جزء من سلوكها الحالي، ومحاولتها استخدام قدرتها العسكرية على التوسع كأداة ضغط لتحقيق اختراق للنظام السياسي، وتوسيع حصتها في السلطة؛ فتربط الحركة التخلي عن مشروعها العسكري ببناء هياكل دولة مدنية وسلطة سياسية جديدة، تكون هي جزءًا منها قبل تقديم أية تنازلات فيما يتعلق بنزع سلاحها. ولا توجد ضمانات أنها ستفعل ذلك. ومن وجهة نظر البعض فإن نزع سلاحها بعد أن تصبح جزءًا من السلطة السياسية ومتواجدة في مؤسسات الدولة سيكون أكثر صعوبة، لأنه يمكّن الحركة من فرض نفسها كقوة عسكرية سياسية في نفس الوقت، تقوم بحصد النفوذ السياسي من الثقل العسكري، في تكرار لنموذج حزب الله في الاندماج بالدولة اللبنانية والمشاركة في النظام السياسي مع الاحتفاظ بمشروعه العسكري الخاص، فأمكنه الجمع بين القوة السياسية والعسكرية من فرض نفسه كأمر واقع على الدولة والقوى الأخرى.

    هذا السيناريو مرجح في المدى المتوسط لأن الحركة ترغب في الاحتفاظ بسلاحها (لعدم قدرتها على تقديم تنازلات للأسباب البنيوية المذكورة في السيناريو الأول)، ولأن الدولة اليمنية هشة وتواجه صراعات في جبهات عديدة، أو لتأثير قوى إقليمية داخل الحركة، بهدف استعمال الحركة كورقة ضغط على المملكة ومواجهة النفوذ الأميركي.

    قد تنجح الحركة الحوثية في تحقيق الاندماج مع الاحتفاظ بمشروعها العسكري الخاص، وتكرار نموذج حزب الله لبعض الوقت، إلا أنه لن يكون قابلاً للاستدامة في البيئة اليمنية، المختلفة في طبيعة التهديدات الخارجية، ومعطيات البيئة المحلية الاجتماعية والسياسية، وموقعها الجغرافي وأهمية الاستقرار فيها للمصالح الإقليمية والدولية. ومضي الحركة الحوثية في الجمع بين القوة السياسية والعسكرية، سيدفع على الأرجح، في حال تحييد الدولة وتعطيل قدرتها على التدخل لضبط الصراع الداخلي، باتجاه عسكرة المجتمع، وسعي أطراف أخرى إلى محاكاة الحركة في الجمع بين السياسي والعسكري، وهو مسار سيفاقم حدة العنف والصراعات الطائفية في المجتمع، وقد ينقل الصراع الطائفي والسياسي إلى داخل الدولة ومؤسساتها، في محاولة كل طرف السيطرة عليها والاستقواء بها ضد الآخر.

    وهذا السيناريو بطبيعته انتقالي ومن المتوقع أن يتطور على المدى الطويل إلى أحد السيناريوهين: إما العودة إلى خيار الدولة المدنية، وتخلي جميع الأطراف عن أسلحتها، والسعي لتحقيق اندماج مدني حقيقي، باعتباره الخيار الأمثل لجميع الأطراف، في ظل التوازن المذهبي والاجتماعي القائم، وصعوبة أن يقوم أحد الأطراف بفرض سيطرته الأحادية على البقية. أو السيناريو الآخر: الدفع باتجاه انهيار الدولة بصورة متدرجة، والانزلاق نحو حرب أهلية على أساس طائفي كامتداد لحالة الصراع الطائفي المتنامية في المنطقة والمنتشر من سوريا إلى العراق ولبنان وغيرها، تغذيه أطراف خارجية لها مصلحة في إذكاء صراع إقليمي طائفي ساخن في المنطقة. وقد يفضي في النهاية إلى تقسيم اليمن طائفيًا وجهويًا، والسير في نفس الاتجاه الذي تسير نحوه سوريا اليوم.

     
  8. politics-dz

    politics-dz مدير الموقع إداري politico نجم المنتدى

    Country:
    Algeria
    إنضم إلينا في:
    ‏22 فبراير 2015
    المشاركات:
    3,914
    الإعجابات المتلقاة:
    3,836
    نقاط الجائزة:
    113
    الجنس:
    ذكر
    الإقامة:
    الجزائر
    الصفحة الرئيسية:

    Print

    لخارطة العسكرية والقراءة الاستراتيجية لعاصفة الحزم
    [​IMG]

    مقدمة

    بعد عصر يوم الأربعاء 25 من مارس/آذار 2015 تم إبلاغ طياري مجموعة القتال الجوي الخليجي من السعودية والكويت والإمارات وقطر والبحرين بتحديد ساعة الصفر، وقبيل منتصف الليل تم إعطاء الأوامر لفنيي الأسلحة لتذخير الطائرات، وفي الوقت نفسه دخلنا قاعة الإيجاز لتلقِّي تفاصيل المهام العملياتية، وتحديد الأهداف المراد قصفها في عملية "عاصفة الحزم"؛ ويكمل أحد طياري الجو الخليجيين حديثه قائلاً: كانت مسألة التفوق الجوي (Air Superiority) محسومة لصالحنا حتى قبل أن نقلع، فقد ضم كل تشكيل أقلع في ذلك الفجر الربيعي أفضل طائرات السيادة الجوية (Air Supremacy) من طائرات الجيل الرابع في العالم؛ كالنسر F-15 سترايك إيجل ويوروفايتر تايفون والترنيدو والصقر F-16 والدبور الكويتي FA-18. فيما كانت طائرات الخصم كما جاء في التقرير الاستخباري ميغ MiG-23، وميغ MiG-29، وسوخوي SU-22، وسوخوي 22UM3، أما سواها فخارج نطاق الخدمة.

    لم تحدث مواجهة جوية بين الطرفين، وكان الخطر الأكبر من المضادات الأرضية التي يملكها الحوثي والمليشيات المؤيدة للرئيس السابق علي عبدالله صالح؛ التي حالت بين قوات التحالف وبين قائمة الأهداف التي تضمنت تدمير الصواريخ البالستية، وإخماد وسائل الدفاعات الجوية، وتدمير مخازن الذخيرة؛ ثم تطور بنك الأهداف (Bank Of Targets) في الأيام التالية ليشمل قطع حركة الإمداد والتموين، واستهداف تجمعات الميليشيات الحوثية وأنصارها، وقد تمَّ بالفعل قصف تجمُّعات عربات الميليشيات ومقرات القيادة والمعسكرات التابعة للميليشيات الحوثية القريبة من الحدود السعودية. وإذا كانت ثورة الشؤون العسكرية التي بشَّر بها أنتوني كوردسمانعفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا مقدرًا لها أن تبدأ في طرف جزيرة العرب الشمالي الشرقي إبان حرب تحرير الكويت عام 1991، وكان أبرز مظاهرها تقنيات الحملة الجوية الساحقة التي استخدمت طائرات الشبح والصواريخ الجوالة؛ فإنه يمكننا القول: إن ثورةً في آلية اتخاذ القرار الخليجي قد تشكلت في جنوب غرب جزيرة العرب كالتالي:

    • ولَّت الصورة النمطية؛ حيث تربض الأرستقراطية الخليجية متربعة في مظهر غير المبالي لعجز عملياتي أو اتكالية استراتيجية؛ فالقرار الخليجي بتنفيذ عملية "عاصفة الحزم" جاء مخالفًا للسلوك الخليجي الهادئ والرتيب.
    • تم تطبيق مبادئ الحرب (Principles of War) بمهنية عالية، كالمبادأة في سرعة اتخاذ القرار والمفاجأة؛ فالهجوم جاء مباغتًا، والحشد الخليجي الصلب ووحدة القيادة السياسية والعسكرية التي انعكست في صلابة المواقف في قمة شرم الشيخ المصرية.
      بدا أن هناك ضرورة لخلق موقف ميداني جديد، فعملية "عاصفة الحزم" لم تكن خيارًا بين خيارات أو موقفًا عملياتيًّا مرحليًّا؛ بل ضرورة استراتيجية للأسباب التالية:
    • كانت الميليشيات الحوثية تقوم بمناوراتها على الحدود السعودية متزامنة مع مناورات إيرانية قرب مضيق هرمز؛ وهو ما يعني تحرُّك فكي الكماشة الإيرانية-الحوثية من كلتا الجهتين: باب المندب ومضيق هرمز.
    • لتفادي الوقوع في شرك فرضية أن سيطرة الحوثي على كافة مناطق اليمن بعد احتلال عدن تعني أنه الطرف الأقوى، ما سيقود بدوره إلى تعامل الخارج مع الطرف الأقوى.
    • المسيرة المتعثرة للمبادرة الخليجية، وعليه لم يكن لدول الخليج أن تقف مكتوفة الأيدي؛ بل أن تسعى لإعادة الفرقاء إلى طاولة الحوار ولو بقوة السلاح بعد استنفاذ كافة الوسائل الدبلوماسية.
    لم تستند الرياض -والتحالف الذي شكَّلته- إلى شرعية الدعوة التي تلقَّتها من الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي لإنقاذ اليمن فحسب؛ بل اعتمدت أيضًا على المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة التي تعطي الحقَّ الطبيعي للدول في الدفاع عن أنفسها إذا اعتدت قوة مسلحة على أحد أعضاء الأمم المتحدة؛ وذلك إلى أن يتخذ مجلس الأمن التدابير اللازمة لحفظ السلم والأمن الدوليينعفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا.

    بل إن مبدأ مسؤولية المجتمع الدولي لحماية المدنيين "Responsibility to Protect (R2P)" الذي طُبِّق في ليبيا وفي دول إفريقية يعطيها الحق بالتدخلعفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا، كما أنها اعتمدت على ما تملك من قدرات عسكرية عملياتية ولوجستية؛ مما يمكنها من دعم عملية عسكرية متوسطة إلى طويلة الأمد، على الرغم من أن الخصمَ مقاتلُ عصابات ماهر، وقد استولى على مخازن أسلحة الجيش والحرس الجمهوري في اليمن، كما لم يتوقَّف الدعم الإيراني لجماعة الحوثي في الفترة التي سبقت إعلان بدء "عاصفة الحزم" من خلال تزويدها بما تحتاج إليه من الأسلحة والمعدات عن طريق البحر والجوعفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا.

    وحتى نتمكَّن من استشراف مراحل الصراع المتوقعة لابُدَّ من قراءة نظام المعركة "ORBAT" في هيكل القيادة والوحدات والانتشار والقوة والعتاد لدى الطرفين، وهما قوات التحالف -من جهة- التي لبَّت نداء المملكة العربية السعودية بالتدخل العسكري لمساندة شرعية الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي والحيلولة دون انهيار الدولة اليمنية، وهي أربع دول خليجية: الكويت وقطر والإمارات والبحرين، وخمس دول عربية وإسلامية أعلن عن مشاركتها أو مساندتها لقوات التحالف؛ وهي: الأردن والمغرب ومصر والسودان وباكستان، كما لابُدَّ من قراءة نظام معركة الطرف الآخر، ونقصد بالطرف الآخر جماعة الحوثي والميليشيات الموالية للرئيس المخلوع علي عبد الله صالح المتحالف مع الحوثي.

    نظام معركة قوات التحالف

    • المملكة العربية السعودية: هي دولة مواجهة في الأزمة؛ وضعت ما يزيد على 100 طائرة مقاتلة في مقدمتها طائرات F15، والتورنادو، واليوروفايتر تايفون، ولدعم الحملة الجوية وفَّرت الرياض طائرات إنذار مبكر –أواكس- وطائرات للتزويد بالوقود في الجو، وطائرات للنقل الجوى، وعددًا من طائرات الهليوكوبتر. ومن أسلحتها صواريخ جو/جو (سايد ويندر)، و(سبارو)، وصواريخ جو/سطح (مافريك). كما وضعت القوات الجوية الملكية السعودية -التي تعتبر من أكبر القوات الجوية في آسيا والعالم- 150 ألف مقاتل من الجيش البري في حالة استعداد، وهو الجيش الأقوى في منطقة الخليج العربي، والثالث من حيث القوة عربيًّا، ويملك 1210 دبابات، و5472 عربة مدرعة مقاتلة، و524 مدفعًا ذاتي الحركة، و432 مدفعًا مجرورًا، و322 راجمة صواريخ متعددة القذائف. أما القوات البحرية الملكية السعودية فتمتلك 55 قطعة بحرية من بينها 7 فرقاطاتعفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا.
    • دولة الإمارات العربية المتحدة، خصصت 30 طائرة مقاتلة من نوع F-16 للمهمة.
    • دولة الكويت: تشارك بـ15 طائرة من نوع F-18.
    • دولة البحرين: تشارك بـ15 طائرة من نوع F-16.
    • دولة قطر: تشارك بعدد 10 طائرات من نوع F-16.
    • الأردن: أعلن عن مشاركته بـ 6 طائرات أردنية مقاتلة من نوع F-16.
    • المغرب: قرر تقديم جميع أشكال الدعم والمساندة إلى التحالف من أجل دعم الشرعية في اليمن سياسيًّا ومعلوماتيًّا ولوجيستيًّا وعسكريًّاعفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا، وشارك بعدد 6 طائرات من نوع F-16 .
    • جمهورية السودان مشاركة بـ 3 طائرات سودانية، ووعدت بالمشاركة بقوات برية سودانية مكونة من 6 آلاف جنديعفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا.
    • مصر: أعلنت عن مشاركتها بـ 4 سفن حربية و16 طائرة مقاتلة وفرقاطة بحرية، وقد قصفت السفن الحربية المصرية طابورًا من المقاتلين الحوثيين والقوات الموالية للرئيس السابق صالح، أثناء محاولتهم التقدم نحو مدينة عدنعفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا.
    • باكستان: أبدت استعدادها للمشاركة البرية، وشاركت قواتها النخبوية في 29 مارس/ آذار 2015 بالتمرين المشترك "الصمصام 5"؛ الذي تم تنظيمه بين القوات البرية الملكية السعودية ووحدات من القوات الخاصة بالجيش الباكستاني؛ وذلك في مركز الملك سلمان للحرب الجبلية، بميدان شمرخ في منطقة الباحة جنوب المملكة؛ علمًا أن هناك ما يتراوح بين 750 و800 جندي باكستاني فعليًّا في السعوديةعفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا.
    • الولايات المتحدة الأميركية: أعلن البيت الأبيض أن الولايات المتحدة تُنَسِّق بشكل وثيق مع قوات التحالف، وتشارك واشنطن في الجانب الاستخباري والتكنولوجي للعملية بالأواكس وبطائرات دون طيار.
    • تحالف مأرب القبلي: من محافظة مأرب الغنية بالنفط والغاز داخل اليمن؛ حيث شكَّلت قبائل مأرب حزامًا أمنيًّا منذ حوالي 6 أشهر، لحمايتها من الحوثيين، وقد أعلنت تأييدها لعملية عاصفة الحزم ضد ميليشيات الحوثي المتحالفة مع الرئيس المخلوع علي عبد الله صالح، كما خرجت مظاهرات حاشدة تأييدًا للعملية العسكرية، وقد توكل مهمة الحرب البرية للتحالف القبلي؛ بينما يمكن لقوات التحالف القيام بتوفير الغطاء الجوي لها.
      كما أبدى اللواء علي محسن الأحمر تعهُّده بقيادة المعركة القادمة والانتصار للوطن وإخماد الفتنة الحوثية وتصفية أوكارها من صنعاء حتى صعداعفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا. ويُرَجِّح الباحث أن يكون لقوات الأحمر الموجود الآن في مأرب دور كبيرعفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا.
    • قوات درع الجزيرة المشتركة: وهي ذات إمكانيات وقدرات عسكرية عالية، حيث تجاوز عدد منتسبيها 30 ألف عسكري من دول منظومة مجلس التعاون الخليجي، ويمكن وصفها بأنها أكبر قوة مسلحة خارج حلف شمال الأطلسيعفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا. فالقدرة القتالية لقوات درع الجزيرة تؤهلها لخوض حرب دفاعية، كما أنها تشكِّل قيمة استراتيجية للتصدِّي لأي عدوان.
      يُضاف إلى ذلك وجود القوة المشتركة للتدخل السريع، وقد تقرر إنشاؤها في القمة الـ 30 للمجلس في ديسمبر/كانون الأول 2009، وهي قوات عالية التدريب، أُنشئت للتعامل مع الأزمات الطارئة التي يصعب التفاعل معها وفق الظروف والأوقات الاعتيادية التي يستغرقها تحريك الجيوش من ثكناتها باتجاه مسرح العمليات.
    • القوة العربية المشتركة: التي أقرَّت تشكيلها في القمة العربية الـ26 المنعقدة بمدينة شرم الشيخ 25 مارس/آذار 2015؛ حيث إن العملية العسكرية في اليمن تُعتبر تجربة للقوة العربية المشتركةعفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا.
    نظام معركة الحوثيين وقوات صالح والقبائل الموالية لهما

    بصمودهم أمام الهجمات الجوية لقوات التحالف يخطط الحوثيون بالتعاون مع قوات الرئيس اليمني السابق علي عبد الله صالح والقبائل الموالية لهما، لخلق ظروف مواتية لحرب استنزاف برية طويلة بلا حسم، ولعلَّ أقوى مؤشِّر على ذلك هو استمرار الهجمات على عدن رغم القصف الجوي، ولا يتطلب أمر التحقق من مدى صحة مسعى الحوثيين وفريقهم في جرِّ التحالف إلى حرب استنزاف برية إلَّا إلى سبر أغوار الخريطة الجينية لمكونات آلتهم العسكرية ونظام معركتهم.

    نظام المعركة (ORBAT)

    الحوثيون: هم في الأساس ميليشيات مسلحة غير منظَّمة، وأعدادها غير معروفة بدقة؛ نظرًا إلى انضمام العديد من أبناء القبائل اليمنية لتلك الميليشيات على أسس أيديولوجية أو مصلحية بوتيرة متقلبة بناء على انتصاراتهم واندحارهم، وقوة وضعف نفوذهم الأيديولوجي، والمصالح المتبادلة مع شيوخ وأبناء القبائل اليمنية، وتذكر بعض التقارير أن جماعة الحوثي المسلحة يتجاوز عددها العشرين ألف مقاتل.

    كما تقوم اللجنة الثورية التابعة لجماعة الحوثي المسلحة بإعلان حالة التعبئة العامة بين فينة وأخرى، كما فعلت في 30 مارس/آذار 2015عفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا، وفي مجال أساليب القتال والفكر العسكري غيَّر الحوثيون أساليب قتالهم بعد دروس الماضي مع الجيش اليمني؛ فتحوَّلوا من وضع الدفاع والمناوشات البسيطة إلى وضع الهجوم مباشرة؛ مستفيدين من خضوع بعض وحدات الجيش لهم.

    واستراتيجية قتال الحوثيين تتمحور حول قوات ذات تركيبة "قيادة وسيطرة غير مركزية"، تستخدم تكتيكات عسكرية مبتكرة هي هجين بين حرب العصابات بالكرِّ والفرِّ والحصار ثم الانقضاض، وبين التكتيكات والحرب النظامية أيضًا؛ وقد نجح الحوثيون في عملياتهم العسكرية لإتقانهم الحروب الجبلية وحرب المدن، وقابلية الحركة العالية بسيارات الدفع الرباعي.

    أضف إلى ذلك أن دروس الماضي والخبرات الإيرانية أدَّت إلى تطوُّر الفكر العسكري الحوثي الذي قاده لانتهاج تكتيك قتالي لأهداف سياسية أكثر منها عسكرية؛ وذلك من أجل تسليط الأضواء على ما يجري؛ كإجرائهم مناورات عسكرية بالقرب من الحدود الجنوبية للمملكة العربية السعودية في فبراير/شباط 2015، عدا خبرتهم الاستخبارية التي تعتمد على معرفة جيدة بطبوغرافية الأرض اليمنية، وتركيزهم على تقوية الحس الأمني على نهج "حزب الله اللبناني"، ويشهد على كفاءة جهاز استخباراتهم وصولهم إلى وزارة الدفاع اليمنية وقيادة القوة الجوية وتجنيدهم لجواسيس من داخل المؤسسة العسكرية اليمنية.

    لقد توالت نجاحات الحوثيين قبل الإعلان عن بدء عملية "عاصفة الحزم"؛ ليس لقدرتهم القتالية وارتباك خصمهم فحسب؛ ولكن لامتلاكهم مخزونًا كبيرًا من المعدات والأسلحة الخفيفة والثقيلة؛ التي حصلوا عليها من داعمهم الإقليمي "إيران"، ومن نهبهم لمخازن أسلحة الجيش اليمني، وشملت الصواريخ والطائرات والمدرعات وراجمات الصواريخ ومدافع الميدان بعيدة المدى؛ التي تعرَّضت للقصف من قِبَل قوات التحالف مؤخَّرًا.

    ينبغي العلم بأن الحوثيين لن يستسلموا بسهولة؛ فالضربات قد نجحت في تدمير بعض الطائرات ومنصات الصواريخ؛ لكن الحوثيين لا يعتمدون في حروبهم على هذه الأسلحةعفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا، لقد أدى تراخي الرئيس هادي وعدم إعلانه التعبئة العامة بين أفراد الشعب بعد استيلاء الحوثيين على صنعاء إلى إعطائهم فرصة لاستثمار النصر والتوسع في بقية أنحاء اليمن، وعلى الرغم من ذلك لن يستطيع الحوثي الصمود مدة طويلة، لاسيما بعد أن وقعوا بإيعاز من الرئيس المخلوع علي عبدالله صالح في فخ التمدد في مناطق شاسعة غير تلك الجبلية التي يجيدون استراتيجيات البقاء فيها.

    الحرس الجمهوري اليمني: على الرغم من اضطرار الرئيس السابق علي عبد الله صالح إلى التنحي عن السلطة في عام 2012؛ وعلى الرغم من إلغائه في 19 ديسمبر/كانون الأول 2012 ودمج وحداته في القوات البرية، فقد بقي الحرس الجمهوري باليمن مواليًا لصالح الحليف الرئيس للحوثيين؛ وكمعظم الدول العربية كانت قوات الحرس الجمهوري باليمن العمود الفقري لرأس النظام، وهذا ما يُفسِّر ولاءها لصالح؛ وكانت الأفضل في التسلح والتدريب من بين كافة وحدات القوات المسلحة الأخرى.

    تتكون قوات الحرس الجمهوري في اليمن من 17 لواء، وكل لواء يضم 1500 مجندعفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا، ويملك صواريخ ودبابات (T72) و(T80) الروسية المتفوقة، وحاملات الجنود (BMB-3). وتتوزع ألوية الحرس الجمهوري في المنطقة الوسطى؛ ذمار وصنعاء، وتمتد لتصل إلى الجوف وحرف سفيان، وتساندها القوات الخاصة في المهمات الصعبة، وقد استهدفت طائرات التحالف مؤخَّرًا معسكراته في محافظة الضالع وفى محافظة إب المجاورةعفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا.

    القوات المسلحة اليمنية: يمكن تقدير ولاءات أفراد الجيش اليمني لجماعة الحوثي وللرئيس المخلوع علي عبد الله صالح بأكثر من النصف، علمًا بأنه ليس من الدقة القول: إن كافة التشكيلات الموالية للغير داعمة للحوثيين؛ ولكنها تعاني من سرعة تغيير الولاءات حسب تغير الظروف، خصوصًا عناصر القوات البرية وقوات حرس الحدود وقوات الاحتياط الاستراتيجي التي تضم العمليات الخاصة والحماية الرئاسية وألوية الصواريخ.

    لقد ورد ترتيب الجيش اليمني في المرتبة 43 عالميًّا في قائمة أقوى جيوش العالم لعام 2013عفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا، وفي المرتبة الخامسة عربيًّا بعد مصر والسعودية والجزائر وسوريا، وتمتلك القوات اليمنية مجتمعة 66,700 جندي، كما تمتلك 1250 دبابة قتال، و168 طائرة مقاتلة قديمة تعاني إشكالات فنية بسبب تدني مستوى الصيانةعفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا. وعلى الرغم من أن الجيش يتكون من 12 لواءً مدرعًا، و12 لواء مشاة آليًّا، و18 لواء مشاة، وثلاثة ألوية مشاة جبلية، ولوائي مدفعية، وسبعة ألوية دفاع جوي، ولواء صواريخ بالستية، فإنه غير قادر على تقديم الإسناد المتبادل في الوقت المطلوب لضعف شبكة المواصلات المتوفرة. كما أن معظم أسلحة الجيش اليمني هي صناعة أوربية-شرقية متواضعة الإمكانات الفنية والتقنية، كما يعاني الجيش اليمني -أيضًا- من ضعف التدريب وغياب مفهوم الاحترافية، وترسُّخ الولاءات الشخصية والفساد.

    مقارنة بين ما تملكه المملكة العربية السعودية واليمن من القوة العسكريةعفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا

    [​IMG]

    الخلاصة

    من المرجح أن تقوض عملية "عاصفة الحزم" تحولات وتداعيات استراتيجية عدة، وقد تُغَيِّر وجه المنطقة إن تحولت إلى حرب إقليمية طويلة الأمد؛ جراء التسليم الخليجي أن مسألة توسيع المدى الاستراتيجي للخليج يأتي بتأمين موقعه الجغرافي وخاصرته الضعيفة في اليمن؛ ومن تلك التحولات والتداعيات:

    • موقف إيران المرتبك، الذي سينعكس على موقفها في سوريا والعراق وأصابعها في الخليج العربي؛ فعسكرة الملف اليمني بالتوسع العسكري الحوثي كان هروبًا إيرانيًّا من عدم تحقيق النصر في سوريا؛ وهو ما أدى إلى ارتباكها وإجبارها على ترك الميليشيات الحوثية تواجه مصيرها وحدها.
      فقد دفع التسارع في الأحداث طهران إلى وضع لا تحسد عليه، فهي بين فكي كماشة التهمة النووية وانتكاسة الحوثيين؛ مما يفتح قابلية قيام إيران بحماقة تحرِّك بها الساحات الموالية لها؛ فهي لن تنسى أن دول التحالف هم أعداؤها بأثر رجعي، ولعل أبلغ مؤشر على ذلك هو العودة لحالة القطيعة وإلغاء رئيس مجمع تشخيص مصلحة النظام هاشمي رفسنجاني زيارة مرتقبة له إلى السعودية؛ حيث أدان طلعات التحالف العربي على اليمنعفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا.
    • إعادة الاصطفاف الإقليمي كتشكل المحور العربي-التركي، وإعادة العلاقات بين أطراف كانت متباعدة كالسودان والخليج؛ حيث صححت الخرطوم موقفها السياسي، وأوضحت أن علاقتها الاستراتيجية يجب أن تكون مع الدول العربية والخليج، وليس مع إيران، كما تعقَّد الموقف بزيادة المشاركين والمؤيدين، فتأييد معظم دول العالم لقوات التحالف التي دفعت الدول المكونة له لنقل التعاون العسكري من الهامش إلى المركز من أجل قمع مقوِّضي الاستقرار بالقوة عبر تأسيس تحالف عسكري ما هو إلا مؤشرًا على ذلك.
    • لم تكن المبادرة الخليجية تحتضر، ولم تكن دول الخليج في وارد التحرك بعد وقوع كارثة سقوط صنعاء بسياسة رد الفعل؛ حيث توقفت الدبلوماسية ولم تمت، وكان تقدير الرياض أقرب للمقولة الاستراتيجية الأشهر للجنرال والمفكر العسكري الروسي "كلاوسفتز": "الحرب هي امتداد للدبلوماسية بطريقة أخرى". وهو توصيف مهذب بأن بديل الدبلوماسية هو دخان البنادق وارتفاع أصوات قرقعة السيوف، والمبادرة الخليجية التي اتخذت مسارًا مختلفًا منذ 26 من مارس/آذار 2015 هدفها إجبار الفرقاء على تنفيذ بنودها التي وافقوا عليهاعفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا.
    • لفتت دول الخليج بعملية "عاصفة الحزم" النظر إلى أن التجاهل الأميركي والأوروبي لتدهور الأوضاع في المنطقة لم يعد مقبولاً، وأن خيار المبادرة واتخاذ قرار المواجهة ضد أي جهة تسعى لزعزعة الأمن والاستقرار في المنطقة، وإنجاز متطلبات الأمن الجماعي بشكل عام من قبل الخليجيين أنفسهم سيكون الرؤية الاستراتيجية الحاكمة لسياستهم مستقبلاً.
    ________________________________________
    د. ظافر محمد العجمي: المدير التنفيذي لمجموعة مراقبة الخليج

    الهوامش والمصادر
    (1) عفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا
    (3)عفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا
    (4)عفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا
    (5)عفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا.
    (6) بعفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا
    (7) عفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا
    (8)عفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا
    (9) عفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا
    (10)عفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا
    (11عفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا
    (12)عفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا
    (13)عفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا
    (14عفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا
    (15)عفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا
    (16)عفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا
    (17)عفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا-
    (18)عفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا.
    (19)عفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا
    (20)عفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا
    (21) عفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا
    (22عفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا
     
  9. dr nabeel alobaidi

    dr nabeel alobaidi عضو نجم المنتدى

    Country:
    Iraq
    إنضم إلينا في:
    ‏11 ديسمبر 2015
    المشاركات:
    43
    الإعجابات المتلقاة:
    16
    نقاط الجائزة:
    8
    الجنس:
    ذكر

    Print

  10. politics-dz

    politics-dz مدير الموقع إداري politico نجم المنتدى

    Country:
    Algeria
    إنضم إلينا في:
    ‏22 فبراير 2015
    المشاركات:
    3,914
    الإعجابات المتلقاة:
    3,836
    نقاط الجائزة:
    113
    الجنس:
    ذكر
    الإقامة:
    الجزائر
    الصفحة الرئيسية:

    Print

    مقدمة


    يحظى كلٌّ من تركيا وإيران بمكانتين إقليميتين كبيرتين، وتمتد انعكاسات العلاقة بينهما إلى معظم دول المنطقة، وبالنظر إلى التطورات التي حدثت في المنطقة خلال السنوات الأخيرة فإن حدود التنافس الذي يحكم العلاقة بين البلدين كان متركزًا في ما يجري في سوريا والعراق بشكل خاصٍّ، وإن كانت هناك أدوار متفاوتة لكل منهما في بلدان مثل: اليمن، ولبنان، والبحرين، ومصر، ودول شرق إفريقيا.


    ومع الخطوات التي قامت بها جماعة الحوثي في اليمن؛ التي تربطها علاقات قوية مع إيران، اتجهت الأنظار إلى مواقف الدولتين؛ خاصة مع تقارب تركيا والسعودية خلال الأشهر الثلاثة الماضية.


    سياق الموقف التركي


    بعد ساعات قليلة من الإعلان عن انطلاق عملية "عاصفة الحزم"؛ التي شنَّتها عشر دول بقيادة المملكة العربية السعودية منتصف ليلة 26 من مارس/آذار 2015 على مواقع ونقاط استراتيجية يمنية تقع تحت سيطرة الحوثيين وحلفائهم من القوات الموالية للرئيس اليمني المخلوع علي عبد الله صالح؛ حتى أعلنت تركيا دعمها للعملية العسكرية التي جاءت بطلب من الرئيس هادي.


    وقد بررت تركيا موقفها بأن الحوثيين رفضوا جميع الاتفاقيات التي جرى التوصل إليها في اليمن؛ بما فيها قرارات مجلس الأمن، وقاموا بتحركات عسكرية للسيطرة على مدينة عدن مؤخَّرًا، وأن هذه التطورات أضرَّت بعملية الانتقال السياسي في اليمن، وشكَّلت تهديدًا خطيرًا ليس على اليمن فحسب؛ بل على الأمن والاستقرار والسلم الدولي أيضًا(1).


    ويأتي الموقف التركي الحالي منسجمًا مع التطورات الإيجابية في العلاقة مع السعودية بعد مشاركة أردوغان في جنازة الملك الراحل، ولقائه مع الملك الحالي سلمان بن عبد العزيز في مطلع مارس/آذار 2015، ثم الحديث عن احتمالات تطور العلاقات في القضايا ذات التوجه المشترك أو التهديد المشترك بعبارة أخرى؛ التي يبدو أن أولها يأتي في مواجهة النفوذ الإيراني؛ الذي توسَّع مؤخَّرًا عبر وكلائه في كلٍّ من العراق وسوريا واليمن(2).


    ومما يدل على أن العلاقات بين الرياض وأنقرة قد تحسَّنت نسبيًّا إبلاغ السعودية لتركيا بالعملية سابقًا قبل التنفيذ، ومناقشة الملك للتطورات مع أردوغان هاتفيًّا، فضلاً عن إفصاح وزير الخارجية التركي عن وجود تنسيق مع مسؤولين سعوديين بشأن المستجدات في الساحة اليمنية، ويبدو أن التنسيق سيقود إلى مزيد من التفاهم بين البلدين.


    ويُعتقد أن هناك دوافع أساسية لهذا الموقف التركي؛ منها ما يلي:


    الاستياء الكبير من الدور الإيراني المتزايد في المنطقة العربية بشكل عامٍّ.

    الرغبة في تطوير العلاقات مع المملكة العربية السعودية؛ التي أثبتت قدرتها على التأثير في مجريات الأحداث في المنطقة في الفترة السابقة.

    الرغبة في تأدية دور دولي أكثر في ظلِّ تراجع الدور الأميركي في المنطقة، والتأثير في التوازنات الإقليمية، ووجود تخوُّف من مرحلة ما بعد حصول اتفاق حول المشروع النووي الإيراني.

    الرغبة في تحريك الأمور بعد حدوث انسداد في بعض القضايا التي دعمتها تركيا في كلٍّ من مصر وليبيا وسوريا.

    الرغبة في الحدِّ من نفوذ الفاعلين الدوليين من غير الدول (non-state actors)، ومواجهة دعوات الانفصال والتجزئة التي تعصف بالمنطقة، ولتركيا في هذا تجربة مريرة مع حزب العمال الكردستاني.

    عاصفة الحزم والعلاقات التركية-الإيرانية


    لم تكتفِ تركيا بدعم السعودية قائدًا لعملية عاصفة الحزم؛ التي يعتقد أنها مواجهة مع إيران قبل أن تكون مواجهة مع ميليشيات الحوثيين(3)؛ وإنما وجَّهت أنقرة سهام الانتقاد إلى القيادة الإيرانية؛ وَدَعَتْها إلى الكفِّ عن محاولات بسط النفوذ عبر الوكلاء؛ حيث عبَّر عن هذا الرئيس التركي بالقول: "إن على إيران تغيير وجهة نظرها، وعليها أن تسحب كل قواتها ومالها من اليمن وسوريا والعراق، وعليها أن تحترم سيادة تلك الأراضي ووحدتها"(4). كما انتقد أردوغان التغذية المذهبية للخلافات، ووجود الحرس الثوري في كلٍّ من سوريا والعراق.


    وعلى الرغم من أن تركيا لم تُخْفِ انتقاداتها في الآونة الأخيرة حتى تجاه الولايات المتحدة؛ فإن هناك تغيُّرًا ملحوظًا في نبرة الخطاب التركي تجاه السياسة الإيرانية؛ حيث حافظت تركيا وإيران في السابق ما عدا بعض الاستثناءات على محددات خطاب دبلوماسي خاص.


    ولم تمر الانتقادات التركية لإيران مرور الكرام على الأوساط الإيرانية؛ حيث قوبلت بعدَّة ردود، كان منها تصريح وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف؛ الذي رفض اتهامات أردوغان لبلاده بمحاولة الهيمنة على الشرق الأوسط قائلاً: إنه يغذِّي الصراعات في المنطقة.


    فيما عرَّض ظريف بتراجع سياسة تصفير المشكلات التي انتهجتها تركيا منذ عام 2002 قائلاً: "من الأفضل لو يتبنى أولئك الذين تسببوا بأضرار غير قابلة للإصلاح بأخطائهم الاستراتيجية وسياستهم المتغطرسة سياسات رشيدة"(5).


    وفي سعيه لتوجيه تصريحات ظريف مباشرة إلى تركيا قال نائب وزير الخارجية الإيراني حسن قشقاوي: إن "ظريف" ردَّ بشكل مناسب على تصريحات أردوغان. وأضاف قائلاً: "ينبغي على دول المنطقة وضع حلولٍ مشتركة للمشاكل التي يواجهونها، بدلًا من إلقاء اللوم على الآخرين، وعليهم عدم الإدلاء بتصريحات تتجاهل الظروف الراهنة الموجودة فيها"(6).


    وبدت الأمور متجهة إلى التصعيد عندما جاءت ردود من برلمانيين إيرانيين؛ منهم رئيس لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني علاء الدين بروجردي؛ الذي قال بوضوح أكثر: إن تصريحات أردوغان غير مقبولة. وأن سياسة تركيا على مدى الأعوام الماضية سلبية وغير جادة، كما طالب بعضهم أردوغان بألا يأتي إلى إيران(7).


    واستمرَّت دائرة الردود؛ ولكن هذه المرة قلَّل أردوغان من مستوى المتحدثين قائلاً: إن المتحدثين ليسوا نظراءه. ولم يُشر إلى أي تغيير في موعد زيارته المرتقبة في السابع من إبريل/نيسان 2015(8).


    وفي هذا السياق فإنه يُتَوَقَّع أن لا تتجه الأمور إلى ما هو أكبر من التراشق الإعلامي؛ الذي ستتغير نبرته تبعًا لسخونة الأحداث في اليمن أو امتدادها إلى ساحات أخرى؛ مما سيستدعي ردود فعل من الطرفين.


    وسيعمل كل من أنقرة وطهران على الحفاظ على العلاقة الثنائية في إطارها التاريخي المتوارث من الدولتين العثمانية والصفوية؛ وهو ما يعني استمرار التنافس بين البلدين ضمن حدود لا تصل إلى اشتعال الحرب بينهما، كما أنها لا تصل إلى حالة الوفاق والانسجام حتى في أفضل الظروف؛ وذلك لاعتبارات سياسية ودينية واقتصادية وثقافية(9).


    ويدلِّل على ما سبق ما قاله إبراهيم كالن مستشار الرئيس التركي: "إن إيران صديق وجار مهم بالنسبة لتركيا، فضلاً عن كونها شريكًا تجاريًّا قويًّا. لافتًا أنهم تناولوا كافة قضايا المنطقة مع المسؤولين الإيرانيين، خلال اللقاءات المشتركة التي جرت سابقًا، وعلى رأسها المسألتين السورية والعراقية، وأنهم طلبوا من إيران تحمل مسؤولياتها، والسعي إلى خفض التوترات إلى أقل ما يمكن"(10).


    وفي هذا السياق سيكون إتمام زيارة أردوغان إلى طهران في السابع من إبريل/نيسان اختبارًا أو مقياسًا تقريبيًا بسيطًا لدرجة التوتر في هذه المرحلة بين البلدين؛ ولا شك أن الخلاف بين البلدين لا يزال قائمًا منذ سنوات في العراق وسوريا؛ لكن العامل الجديد هو بوادر التوافق التركي السعودي، وهو ما تخشى إيران أن يتطور وتنعكس آثاره على بقية مناطق التوتر.


    ولكن ما يهدِّئ الأمور بين إيران وتركيا أن الأخيرة لم تُشارك عسكريًّا في العملية؛ بل شدَّدت على عدم إمكانية المشاركة العسكرية؛ إلا أنها أعلنت استعدادها لتقديم الدعم اللوجستي والسياسي؛ وذلك لعدة أسباب:


    الميل التركي للحلول السياسية المبنية على الحوار والتفاهم.

    الشروط الحاكمة للعلاقات بين تركيا والدول المعارضة للعملية وتحديدًا إيران وروسيا.

    وجود انتخابات برلمانية بعد 70 يومًا تقريبًا من بدء العملية(11).

    وجود قناعة برفض الرأي العام التركي للمشاركة في العمليات العسكرية.

    ويمكننا في هذا السياق ذكر بعض من الشروط الحاكمة للعلاقات التركية-الإيرانية:


    اعتماد تركيا على كلٍّ من روسيا وإيران فيما يتعلق بمصادر الطاقة؛ حيث تُعَدُّ إيران ثاني أكبر مورد للغاز الطبيعي إلى تركيا (بعد روسيا)؛ حيث تحتاج تركيا سنويًّا 47 مليار متر مكعب من الغاز، وتقوم بتغطية 20% منه عبر إيران، وقد وقّعت معاهدة في هذا الإطار في عام 1996 تمتد إلى 30 عامًا(12).

    وجود طموح لدى تركيا أن تكون ناقلاً أساسيًّا للغاز من آسيا إلى أوروبا.

    وجود تبادل تجاري بين إيران وتركيا بحجم 18 مليار دولار تقريبًا؛ يُتوقع أن يتضاعف في حال تمَّ التوصُّل إلى اتفاق بين إيران والغرب في المفاوضات بشأن المشروع النووي؛ حيث أدَّت تركيا دورًا فعَالاً في رفع العقوبات عن إيران، وتنتظر ثمار هذا الدور بعد التوصُّل إلى لاتفاق.

    وجود اتفاقيات أمنية خاصة في مواجهة حزب العمال الكردستاني والتهديدات المشتركة.

    وجود قناعة لدى الدولتين بضرورة تجنُّب المواجهة المباشرة؛ حتى لا يؤدي ذلك إلى تضرر مصالحهما؛ خاصة أن تركيا ما زالت دولة مرشحة للانضمام للاتحاد الأوروبي.

    أن 10% من سكان تركيا هم من العلويين؛ لكن تجدر الإشارة هنا إلى أن القسم الأكبر من العلويين لا يرون أنفسهم امتدادًا لشيعة إيران؛ بل يرون أنفسهم شيئًا مختلفًا تمامًا حتى عن العلويين في سوريا(13) (العلويين الأتراك لا يرون أنفسهم سُنَّة أو شيعة).

    وجود توافق نسبي تجاه بعض القضايا؛ مثل دعم القضية الفلسطينية.

    لقد أدارت تركيا وإيران العلاقة فيما بينهما على الرغم من الأزمات التي مرَّت في تاريخ الدولتين، وذلك على الأقل في عهد العدالة والتنمية منذ عام 2002، وإذا كانت العلاقة لم تنقطع على الرغم من كل ما جرى في سوريا؛ فإنه من الطبيعي أنَّ ما يجري في اليمن سيكون أقل تأثيرًا؛ إلا في حالة استشعار أحد البلدين ربما لتهديد وجودي من الطرف الآخر، وفي هذا السياق لم تكن اليمن ساحة خلاف بين إيران وتركيا من قبل؛ وذلك قياسًا مع الخلافات في سوريا والعراق، وعلى الرغم من هذا فقد تمَّ عقد اجتماعات لمجلس التعاون الاستراتيجي بين البلدين، وشهد عام 2014 قرابة 8 زيارات رفيعة المستوى بين مسؤولين من البلدين(14).


    وتحاول تركيا دائمًا أن تؤكِّد أنها لا تمارس سياستها الخارجية من منطلقات مذهبية؛ بل على أساس احترام الديمقراطية وحقوق وإرادة الشعوب، ولا تخش من إعلان موقفها وانتقادها للسلوك الإيراني؛ الذي تجاوز استخدام الدين كأداة لتحقيق أهداف سياسته الخارجية إلى استخدام وتحريك الجماعات العسكرية الموالية له في عدد من البلدان(15). ومع هذه الرسائل فإنها تصر على الحفاظ على عدم انقطاع العلاقات.


    انعكاسات عاصفة الحزم على علاقات تركيا الإقليمية


    إن تأييد تركيا للسعودية وتنسيق الأخيرة مع أنقرة لهو بمثابة قبول من البلدين بالمكانة الإقليمية للآخر، وتأجيل الصراع على زعامة العالم السني، أو العمل حاليًّا على استبدال التعاون بها؛ وذلك بدلاً من تبديد الجهود في المناكفات الإقليمية؛ خاصة في ظل وجود تهديد مشترك يتمثل في تنامي النفوذ الإيراني في المنطقة.


    ويُعْتَقد أن عملية عاصفة الحزم التي لم تَنْتَهِ فصولها حتى الآن سيكون لها انعكاسات على السياسة الخارجية التركية، وأن بعض هذه الانعكاسات تتقاطع مع مخاوف إيرانية:


    مزيد من التسليح للمعارضة السورية بالتعاون مع الدول الخليجية.

    مزيد من التدخل التركي السياسي في العراق وبقية قضايا المنطقة.

    ارتفاع سقف الأتراك في مباحثاتهم مع الإدارة الأميركية فيما يتعلق بالأوضاع في سوريا والعراق، وتحديدًا في موضوع المنطقة الآمنة ومنطقة حظر الطيران على الحدود مع سوريا، بعدما قامت السعودية بتطبيقه مؤخَّرًا في أجواء اليمن.

    إن ارتفاع مستوى التنسيق مع السعودية، وحدوث تغييرات ملموسة في الساحة المصرية قد يؤدي إلى فتح قنوات مباشرة بين تركيا ومصر في المدى القريب، وربما يكون لهذا تأثير على انفراج الأوضاع في قطاع غزة.

    خلاصة


    يُعتقد أن كلًّا من إيران وتركيا والسعودية قد أدَّت أدوارًا لتحقيق مصالحها القومية، وتفاوتت الأدوار في تقاربها وتباعدها من بعضها البعض في المنطقة؛ ولكن ما آلت إليه الأمور مؤخَّرًا يُشير بوضوح إلى تقارب تركي-سعودي نتيجة للتوصل لقناعة أن إيران هي مَنْ يكسب النقاط على حساب التنافر تجاه بعض قضايا الربيع العربي، وأن إيران تحاول استغلال الفوضى القائمة من وجود داعش وغيرها لتسجيل نقاط أكبر والوصول إلى حالة فرض أمر واقع قبل أن تحدث إفاقة من دول المنطقة.


    وقد جاءت عملية عاصفة الحزم في اليمن نقطةَ تحوُّلٍ مهمة من أجل تغيير مسار الأحداث، ويُتَوَقَّع أنها ستؤثر فيه، وعلى الرغم من عدم رغبة إيران في حصول تطور في هذا التقارب خشية من انعكاسه على بقية قضايا المنطقة؛ فإن تركيا وإيران سيعملان على ألا تتدهور العلاقة بينهما لتصل إلى حالة العداء المباشر؛ ناهيك عن وجود موانع تاريخية واقتصادية وثقافية للوصول إلى هذه الحالة(16).


    سيناريوهات مستقبلية


    تضع الورقة ثلاثة مسارات للدور التركي فيما يتعلق بالأوضاع بعد عملية عاصفة الحزم:


    1- أن تقوم تركيا بتأدية دور رمانة الميزان للحفاظ على التوازنات الإقليمية


    وفي ظلِّ الواقع الحالي فإن تركيا تُعَدُّ أقرب إلى السعودية نسبيًّا، ومع هذا السيناريو فإنه من المرجح استمرار حالة التجاذب والتراشق بالتصريحات الانتقادية بين طهران وأنقرة طوال فترة دوام عملية عاصفة الحزم؛ لكن دون تدهور كبير في العلاقات بين البلدين؛ حيث لا يُتوقع أن تصل الأمور وفق الظروف الحالية إلى ما وصلت إليه العلاقات بين تركيا وبين إسرائيل.


    ويندرج بالطبع تحت هذا السيناريو تكثيف الدعم الإقليمي العسكري للمعارضة السورية عبر تركيا، وهذا ما تنتظره قوى المعارضة السورية بفارغ الصبر، كما يتكثف تنسيقها مع السعودية لدعم العشائر العراقية؛ فيما ستحاول تأدية دور سياسي أكبر مع الحكومة العراقية لمتابعة تحقيق مشاركة للقوى السنية.


    ويُعتقد أن هذا السيناريو هو الأنسب لتركيا في الوقت الحالي؛ إلا أنه ليس من المستحيل تطوره إلى سيناريو آخر في حال حدثت مفاجآت؛ خاصة من قِبَل إيران؛ التي يبدو أنها تفاجأت بعملية عاصفة الحسم؛ التي تزامنت مع قرب الإعلان عن نتائج الصفقة التاريخية بين إيران وبين المعسكر الغربي.


    كما يُرَجَّح أن يكون الدور التركي في هذا السياق أكثر زخمًا بعد الفوز المحتمل لحزب العدالة والتنمية في الانتخابات البرلمانية القادمة في يونيو/حزيران القادم.


    2- أن تقوم تركيا بتأدية دور الوساطة بين إيران ودول الخليج والبقاء خارج المحاور


    وهذا السيناريو ممكن؛ إلا أن إعلان تركيا تأييدها للعملية واستعدادها لتطوير التنسيق يجعلها طرفًا غير محايد من وجهة نظر الأطراف المعنيين؛ لكنها من الممكن أن تُسهم إسهامًا إيجابيًّا في العمل على إنجاح حلول سياسية.


    3- انجرار تركيا إلى مستنقع المواجهة مع إيران من خلال الانضمام إلى محور سني


    ولا يبدو أن هذا السيناريو يأخذ حظوظًا كبيرة؛ حيث إن تركيا لا تريد المواجهة المباشرة مع إيران، ولو أرادت ذلك لوجدنا تدخلاً عسكريًّا في مواجهة الأسد في سوريا، ولكن التدخل الوحيد الذي نفَّذته تركيا كان في عملية نقل ضريح سليمان شاه خوفًا من اعتداء داعش عليه، وحرصًا على سلامة الجنود الذين يحرسونه، ولرأينا إسهامًا لها في عاصفة الحزم أكبر من مجرَّد الاستعداد للتعاون اللوجستي. وتتعزز فرص هذا السيناريو في حال شهدنا عاصفة حزم جديدة في سوريا بقيادة تركية مباشرة في ظل المطالبات المتكررة لتركيا بالاستفادة من التجربة السعودية مع الفارق بين الحالتين اليمنية والسورية، وهنا ينبغي أن تُؤَمِّن تركيا بدائل مناسبة لكل ما تعتمد عليه في علاقاتها مع طهران.


    كما يؤكد صعوبة تحقق ما سبق في المدى القريب أو المتوسط أن العلاقات التركية-السعودية تلتقي حاليًّا على مصالح مشتركة، وإن كان ما يجمع البلدين أكثر مما يفرقهما؛ فإن هناك مؤشرات على أن وصول العلاقة بين البلدين إلى تحالف استراتيجي ما زالت بعيدة، إضافة إلى أن تركيا تحرص على عدم الدخول للسجال الحالي من البوابة الطائفية.

    _______________________________

    محمود سمير الرنتيسي: باحث في العلاقات الدولية


    الهوامش والمصادر

    (1) موقع وزارة الخارجية التركية، بيان رقم 94 بشأن التطورات في اليمن، 26 مارس/آذار 2015. تاريخ الدخول (30 مارس/آذار 2015).

    عفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا

    (2) Kral Selman, Erdo?an'? Resmi Törenle Kar??lad?, haberler, 2 Mart 2015. عفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا

    (3) مقابلة للباحث مع الكاتب السعودي جمال خاشقجي، أنقرة، 26 من مارس/آذار 2015.

    (4) أردوغان: على إيران سحب قواتها من اليمن وسوريا والعراق وتغيير مواقفها، وكالة الأناضول، تاريخ الدخول (29 من مارس/آذار 2015)

    عفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا

    (5) ظريف يتهم أردوغان بتغذية الصراعات في الشرق الأوسط، رويترز، 27 من مارس/آذار 2015، تاريخ الدخول (28 من مارس/آذار 2015): عفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا

    (6) غيلان، أدهم، أردوغان لا تغيير في برنامج زيارتي لإيران، وكالة الأناضول، 30 من مارس/آذار 2015، تاريخ الدخول (30 من مارس/آذار 2015)، عفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا

    (7) KELK?TO?LU, Murat, ?ran ziyareti için karar? biz veririz, Ak?am, 31 Mart 2015. Grime tarihi ( 1 Nisan 2015): عفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا

    (8) المرجع السابق.

    (9) كانت آخر حرب وقعت بين الدولة العثمانية وبين الدولة الصفوية في عام 1514م.

    (10) الرئاسة التركية: لم نتخذ موقفًا مذهبيًّا بشأن دول المنطقة الإسلامية بتاتًا، وكالة الأناضول، 26 من مارس/آذار 2015 تاريخ الدخول (28 من مارس/آذار 2015): عفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا.

    (11) من المقرر أن تُعقد الانتخابات البرلمانية التركية في السابع من يونيو/حزيران 2015.

    (12) M??, Nebi ve ba?kalar?, 2014’te Türkiye, 2014’te D?? politika Türkiye Iran ili?kileri (SETA, ?stanbul, 2014) S. 205.

    (13) عقيدة العلويين الأتراك هي تفسير فضفاض نسبيًّا للإسلام؛ فهي مفتوحة لكلا الجنسين، وحتى لغير المسلمين عبر التاريخ، وتعتبر العلوية التركية طائفة فريدة ضمن الطوائف الإسلامية؛ حيث إنها لا تفصل بين الرجال والنساء حتى في الصلوات، كما أن عقيدة العلويين الأتراك هي عقيدة توفيقية في طبيعتها؛ حيث تجمع بين الإسلام والصوفية، ولا يرون أنفسهم شيعة أو سُنَّة.

    (14) ?bid, S.206.

    (15) Y?lmaz, Türel ve ?ahin, Mehmet, Ortado?u Siyasetinde Iran, (Bar?? Kitap, Ankara, 2009) s. 174.

    (16) مقدم، أرشين، "العلاقات التركية-الإيرانية: أخوة إسلامية أم تنافس إقليمي؟"، مركز الجزيرة للدراسات، 9 من مايو/أيار 2013، تاريخ الدخول (30 من مارس/آذار 2015):

    عفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا
     
  11. politics-dz

    politics-dz مدير الموقع إداري politico نجم المنتدى

    Country:
    Algeria
    إنضم إلينا في:
    ‏22 فبراير 2015
    المشاركات:
    3,914
    الإعجابات المتلقاة:
    3,836
    نقاط الجائزة:
    113
    الجنس:
    ذكر
    الإقامة:
    الجزائر
    الصفحة الرئيسية:

    Print


    تفكك مستمر: مستقبل الجيش والأجهزة الأمنية في اليمن

    مقدمة


    سلَّط سقوط صنعاء في يد قوات الحوثيين المسلحة الضوء مجددا على الاختلالات التي يعاني منها الجيش والقوات اليمنية، وهي اختلالات ليست وليدة اللحظة ولكنها نتيجة تراكمات سابقة وتحولات راهنة.


    لم يكن تأسيس جيش وطني قضية سهلة في التاريخ السياسي لليمن الحديث، وقد دار الجدل في منتصف الستينات بين جناحي "اليسار الجمهوري" و"اليمين الجمهوري" حول جدوى إنشاء جيش نظامي أو الاكتفاء فقط بالمقاتلين من أبناء القبائل بصفتهم مقاتلين جاهزين للتجنيد عند الضرورة.


    وزادت حقيقة استمرار "اقتصاد الحرب القبلي" من الوضع الهش والقلق لتكوين الجيش؛ فاقتصاد الحرب يشكِّل مصدرًا إضافيًّا لدخل النخب القبلية وأبناء القبائل؛ حيث يشكِّل بعض شيوخ القبائل ميليشيات قبلية لدعم الأطراف المتحاربة في النزاعات المسلحة الداخلية، وقد كانت الميليشيات القبلية طرفًا أساسيًّا في كل حروب السلطة ابتداء من حرب 1994 وحتى حروب صعدة الست والحرب الأخيرة ضد القاعدة (1).


    وقد أسهم انتشار الولاء السياسي داخل الجيش في تعثر بناء جيش وطني قوي؛ إذ مارس الرؤساء اليمنيون جميعًا ابتداء من الرئيس الحمدي في منتصف السبعينات وحتى الرئيسين علي عبد الله صالح عبدر ربه منصور هادي سياسة وضع الأقارب والقيادات الموالية على رأس المؤسسة العسكرية (2).


    بسبب كل هذه العوامل لم يتم بناء الجيش اليمني بطريقة احترافية؛ إذ ظل محكومًا بأربع محددات رئيسية، هي:


    تحكم قوى النفوذ السياسي وسيطرة عقيدة الولاء لرأس النظام السياسي.

    تداخل الجيش والقبيلة والميليشيا.

    سيطرة اللاشفافية على صفقات الجيش وميزانيته.

    كما أن الانقسام ظل السمة الأبرز للجيش اليمني سواء الانقسام بين جيش الشمال وجيش الجنوب 1990-1994، أو بين جيش اللواء الركن علي محسن الأحمر وجيش الرئيس السابق علي عبد الله صالح 2001-2011.

    ما الذي تغير في الجيش والأجهزة الأمنية منذ الإطاحة بصالح عام 2011 وحتى الآن؟ هل استطاعت الهيكلة التغلب على المحددات الأربع السابقة التي حكمت نشوء وتطور الجيش اليمني؟


    إعادة الهيكلة واستمرار الانقسام (2011-2014)


    حددت المبادرة الخليجية مهمتين رئيسيتين لإعادة الهيكلة، هما: إنهاء الانقسام، وإعادة بناء الجيش على أساس وطني احترافي. في إبريل/نيسان 2013 أصدر الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي قرارات جريئة بإعادة هيكلة الجيش. ركزت القرارات على تغيير القيادات العليا في الجيش خاصة من أقارب الرئيس السابق صالح وبعض الموالين لعلي محسن الأحمر، كما أعادت تقسيم المناطق العسكرية إلى 7 مناطق بدلاً من خمس، وقسَّمت الجيش إلى خمسة فروع: القوات البرية والقوات الجوية والدفاع الساحلي وقوات الاحتياط وحرس الحدود. أطاحت القرارات بالقيادات الموالية للرئيس السابق تقريبًا بينما أضعفت نفوذ علي محسن في الجيش وإن ظل شخصية مؤثرة حتى في منصبه الجديد كمستشار الرئيس للشؤون العسكرية (3). إضافة إلى الأجهزة العسكرية، صدرت قرارات بتغيير قيادات الأجهزة الأمنية كالأمن المركزي والأمن القومي وإصدار هيكلية جديدة لوزارة الداخلية.


    كانت قرارات هادي منصبَّة على إنهاء الانقسام في الجيش أكثر من انشغالها بإعادة الهيكلة، لكن لم تنجح هذه القرارات لا في إنهاء الانقسام ولا في تأسيس بِنية جيش وطني مستقل عن الولاءات السياسية. ورغم الاستبشار الجماهيري الكبير بالقرارات إلا أن البعض رأى أن ما يحدث هو "تدوير مناصب" أكثر مما هو "إعادة هيكلة"(4).


    لقد بُنيت الأجهزة العسكرية والأمنية والاستخباراتية على قاعدة حماية النظام ومواجهة الانقلابات العسكرية والولاء السياسي للأشخاص على قمة هرم السلطة؛ لذا كانت ضعيفة جدًّا في مواجهة التهديدات الداخلية والخارجية. على سبيل المثال استمرت ظاهرة اختطاف الأجانب، وتفجير آبار البترول وتفجير أبراج الكهرباء لسنوات طويلة دون أن تتدخل الأجهزة الأمنية والعسكرية بشكل حاسم في ردعها. بالعكس من ذلك، كانت المشاكل تُحل بالوساطات القبلية أو بتوظيف أبناء القبائل الذين يقومون بالتفجير أو الاختطاف أو بالدفع المباشر من أجهزة الدولة كظاهرة فريدة لإتاوات تدفعها الدولة للخارجين على القانون.


    تجاهلت قرارات الهيكلة تعزيز احترافية القطاع العسكري الأمني، وإعادة توحيد مؤسسة الجيش والأمن وتأطيرهما تحت القيادة المباشرة لوزارتي الدفاع والداخلية، كما تجاهلت أهمية صياغة قوانين غير متحيزة للتجنيد والتوظيف والتقاعد وتنقلات الموظفين. لم تستوعب قرارات الهيكلة ضرورة إعادة بناء الأجهزة العسكرية والسياسية تنظيميًّا وقانونيًّا وماليًّا على أسس ومعايير وطنية ومهنية واحترافية، أو إعادة صياغة وتوجيه عقيدتها العسكرية، ومعالجة مشكلة وإدماج رجال القبائل في قوات الأمن؛ ولم تضع أي إجراءات للرقابة المدنية على صفقات وميزانية الجيش (5).


    الهيكلة باستثمار الأزمات


    كان هادي رئيسًا للجنة إعادة الهيكلة، وقد أثبتت الأحداث أن ذلك لم يكن قرارًا مجديًا إذ تم وضع اللجنة كاملة تحت وصاية هادي الذي تجاوزها في حالات كثيرة. كان من المفترض أن تتم إعادة الهيكلة بعيدًا عن أي انحيازات سياسية لأن مشكلة الجيش اليمني كان ارتهانه للولاء السياسي لكن هادي سعى من خلال الهيكلة إلى صناعة نسخته الخاصة من الجيش، كما أدت قرارات الهيكلة إلى تعزيز معسكر علي محسن بقصد أو دون قصد بسبب التركيز على إقصاء معسكر صالح (6) نتيجة للصراع الذي بدأ بين هادي وصالح على زعامة حزب المؤتمر الشعبي العام.


    استغل هادي عددًا من الأزمات والأحداث الأمنية لإصدار القرارات المتلاحقة حول الهيكلة، من ضمنها حادئة تفجير أودت بحياة أكثر من 100 جندي أثناء الاستعدات للاحتفال بعيد الوحدة، ومحاولة اغتيال وزير الدفاع واقتحام "القاعدة" لمقر وزارة الدفاع في صنعاء. استغل هادي هذه الأحداث لينفرد بقرارات تغيير القيادات العسكرية العليا دون التشاور مع اللجنة.


    أثارت هذه الطريقة في الهيكلة ليس فقط غضب صالح ومحسن ومِن ورائهما المؤتمر والإصلاح وإنما أيضًا غضب الضباط والجنود الذين رأى بعضهم أن القرارات تمسهم أو تؤدي إلى تدهور الظروف الجيدة (خاصة الحرس الجمهوري). وكانت الخطوة الأكثر إثارة للجدل هي قيام هادي بتشكيل ألوية الحماية الرئاسية من عدد من أقوى الألوية وأفضلها تسليحًا وتدريبًا وهو ما فسره البعض بأنه محاولة لإقامة "حرس جمهوري" جديد تحت سلطة هادي، خاصة أن قيادة هذه الألوية أُوكلت بشكل غير رسمي إلى نجل هادي الأكبر (ناصر) وهي خطوة كانت غير متوقعة أبدًا بعد ثورة قامت ضد توريث الجيش وتعيين الرئيس السابق لابنه قائدًا للحرس الجمهوري.


    كان موضع الخلل في قرارات الهيكلة الناقصة أنها اهتمت بتغيير الأشخاص ولم تتطرق قطّ إلى الجوانب الأخرى التي لا تقل أهمية، مثل فرض الشفافية والمحاسبة المدنية على مصاريف الجيش التي تستهلك حوالي نصف الميزانية. وفي هذه النقطة بالذات عاد اليمن خطوات إلى الخلف؛ فبينما كانت وزارة المالية في الحكومات السابقة تنشر في موقعها الإلكتروني موازنة وزارة الدفاع وجهاز الأمن السياسي كأرقام موزعة على الأبواب المالية فحسب، أُلغي هذا الإجراء وأصبحت الميزانية سرية ابتداء من عام 2011 (7).


    كما استمر ضياع الخط الفاصل بين الجيش والميليشيا القبلية؛ وقد تجلى ذلك في اعتماد الدولة على تجنيد "لجان شعبية" لمواجهة القاعدة في أبين وشبوه واعتماد ميزانية ضخمة لهذه اللجان صُرفت بشكل غير شفاف. هذه العملية كشفت استمرار سياسة الخلط بين الجيش والميليشيا القبلية التي استخدمها النظام السابق في أغلب حروبه بالإضافة إلى ظهور حالات فساد مالي واضحة لم تنجح قرارات الهيكلة في التقليل منها (8). لقد تغلبت اعتبارات السلطة السياسية على الاعتبارات المهنية مما أدى إلى زرع بذور صراع جديد وصل ذروته بسقوط عمران وصنعاء وتدمير الألوية الموالية لعلي محسن الأحمر.


    أجهزة رسمية منقسمة ومخترقة


    الأجهزة الأمنية بدورها كانت تعاني نفس ظاهرة الانقسام بين الرجلين القويين (صالح ومحسن) خاصة فيما يتعلق بجهازي الأمن السياسي والأمن القومي. شكَّل جهاز الأمن السياسي الجهاز الاستخباراتي لليمن حتى عام 2001، وكان مسؤولاً عن التعامل مع المعارضين السياسيين والحركات المعارضة للنظام وقضايا التجسس والتخابر. في إطار الصراع بين صالح ومحسن، كان جهاز الأمن السياسي قد أصبح مليئًا بالضباط المنتمين أو المتعاطفين مع التجمع الوطني للإصلاح (9).


    في الحقيقة شكَّل أعضاء التجمع اليمني للإصلاح العنصر القيادي الأهم في الجهاز منذ عقود، ويُعد اثنان من كبار قيادات التجمع اليمني للإصلاح (محمد اليدومي، ومحمد قحطان) ضباطًا قدامى في جهاز الأمن السياسي. ومع بداية الدعم الأميركي للأجهزة اليمنية بعد حادثة المدمرة الأميركية يو إس إس كول تم إنشاء جهاز مواز هو الأمن القومي. الخطة كانت تقضي بتطوير جهاز الأمن القومي وإلغاء جهاز الأمن السياسي تدريجيًّا، لكن بسبب نفوذ محسن القوي لم يتم إلغاء الجهاز ليشهد اليمن ازدواجية خطيرة في الجهاز الاستخباراتي، كانت نتيجتها الهروب المتكرر لسجناء القاعدة واختراق القاعدة نفسها لضباط الجهاز.


    لم تقترب قرارات الهيكلة من الجهاز الأمني بشكل فعال؛ ففي حين تم نقل ولاء جهاز الأمن القومي من الرئيس السابق صالح إلى الرئيس هادي بعد عزل الرجل القوي علي الأنسي وتنصيب الموالي لهادي علي محسن الأحمدي رئيسًا للجهاز، تم تعيين جلال الرويشان رئيسًا لجهاز الأمن السياسي، وكلا الرجلين ليس لهما خلفية أمنية قوية كما أن اختصاصات ومهام الجهازين ما زالت متداخلة وغير واضحة، وهذا يعكس أيضًا أن الهيكلة اقتصرت على تغيير القيادات ونقل الولاءات بدلاً من إعادة البناء.


    الحرب الشاملة ضد الجيش والأمن


    في إبريل/نيسان 2011 تم إسقاط "معسكر العر" بمحافظة يافع وهو أحد المعسكرات التابعة للحرس الجمهوري. تم تصوير إسقاط المعسكر في الوسائل الإعلامية "المؤيدة للثورة" على أنه صراع بين المعسكر وقبائل يافع المؤيدة للثورة. وفي أكتوبر/تشرين الأول من نفس العام تم إسقاط معسكر آخر للحرس (اللواء 63) في أرحب، ومرة أخرى صورت وسائل الإعلام "المؤيدة للثورة" عملية إسقاط المعسكر على أنه مواجهة بين قبائل أرحب المؤيدة للثورة وبين المعسكر الذي حاول دخول صنعاء لقمع المتظاهرين السلميين. كانت هذه نماذج لسلسلة من عمليات إسقاط المعسكرات تحت لافتة "الثورة" كلها تم تقريبًا بنفس الطريقة: ميليشيات قبلية مسلحة تابعة لعلي محسن وحلفائه في الإصلاح تحاصر معسكرًا حتى تتمكن من إسقاطه.


    انقلب السيناريو رأسًا على عقب في 2014؛ إذ تعرضت المعسكرات التابعة لعلي محسن للإسقاط بنفس الطريقة على أيدي ميليشيات الحوثيين التي حاصرت المعسكرات تحت شعار الثورة لتصل إلى السقوط الدراماتيكي للواء 311 مدرع في عمران ثم سقوط معسكر الفرقة واللواء 4 حماية رئاسية داخل صنعاء نفسها.


    من ناحيتها استمرت القاعدة في حربها ضد الأجهزة العسكرية والأمنية بأكثر من استراتيجية، منها: مهاجمة المعسكرات كما حدث للمنطقة العسكرية الأولى في فبراير/شباط 2012 التي قُتل فيها حوالي 185 جنديًا وأُسر 70 وتم الاستيلاء على معدات وأسلحة متوسطة وثقيلة، وتفجير الجنود عند نقاط التفتيش واغتيال القيادات الأمنية في الأمن القومي والبحث الجنائي. كما تعرض جنود الجيش والأجهزة الأمنية والاستخباراتية إلى عمليات اغتيال متواصلة على أيدي خلايا القاعدة.


    كان واضحًا أن الجيش خصوصًا والأجهزة الأمنية بشكل عام تتعرض لحرب تدمير متعددة الأطراف وتحت مبررات مختلفة. الجيش نفسه أصبح مؤسسة مهددة من قبل القوى السياسية التي تمتلك ميليشيات مسلحة.


    بين 2011-2014 تعرض الجيش لعمليات تدمير واقتحام تحت مبررات متعددة من أربعة مراكز قوى سياسية وعسكرية هي: علي محسن متحالفًا مع الإصلاح، والحراك الجنوبي، والقاعدة، والحوثيون. فالاصلاح متحالفًا مع علي محسن استمر في هجماته على معسكر الحرس الجمهوري تحت ذريعة مواجهة "جيش العائلة"، فيما قام الحراك الجنوبي المسلح بعمليات اغتيال وتفجير لنقاط عسكرية وأمنية تحت ذريعة محاربة "جيش الاحتلال الشمالي"، واستمرت القاعدة في حرب التفجيرات والاغتيالات ضد الأمن والجيش تحت ذريعة أن الجيش أصبح عميلاً لأميركا، واكتملت الدائرة بهجمات الحوثيين على المعسكرات في الجوف وعمران وصنعاء تحت حجة أن تلك المعسكرات أصبحت وكرًا للتكفيريين والدواعش. أما الرئيس السابق فشجَّع بدوره على إثارة عمليات الفوضى والتمرد على القيادات الجديدة داخل المعسكرات؛ مما أسهم في إضعاف التماسك الداخلي للجيش.


    ويمكننا تلخيص أبرز التحولات التي حدثت للجيش منذ سقوط صالح حتى سقوط صنعاء في النقاط التالية:


    سطحية قرارات الهيكلة التي اكتفت بتدوير القيادات السابقة ضمن نفس النظام.

    إضعاف قبضة صالح على الجيش في مقابل تعزيز سلطة هادي (وإلى حدٍّ ما محسن).

    استمرار تداخل الجيش والميليشيا القبلية (القبيلة كانت حاضرة ربما أكثر من الجيش في الحرب ضد القاعدة في أبين والحرب ضد الحوثيين في عمران).

    استمرار الفساد المالي والإداري داخل الجيش خاصة مع إخفاء ميزانية الجيش عن الرأي العام منذ 2011.

    استمرار انقسام الأجهزة الاستخباراتية (الأمن القومي والأمن السياسي) رغم إضعاف نفوذ محسن وصالح وتقوية نفوذ هادي عليها.

    تأثر الأجهزة الأمنية الأخرى بسياسة المحاصصة، مع عجز وزارة الداخلية عن مواجهة الانفلات الأمني في كل المحافظات اليمنية واستمرار غموض وظائف وأدوار الوزارة.

    غموض في الهيكلية والقيادة لبعض ألوية الجيش وخاصة ألوية الحماية الرئاسية والألوية التي تم تفكيكها من معسكري الفرقة والحرس الجمهوري.

    ما بعد سقوط صنعاء


    كان سقوط صنعاء بيد الحوثيين مفاجأة للجميع. وقد عبَّر المبعوث الأممي عن حالة الدهشة التي أصابت الجميع قائلاً: "كان هناك انهيار واضح للجيش اليمني؛ كيف تم هذا؟ بمساعدة من؟ كيف تم التخطيط له؟ أترك هذا للمحللين السياسيين والعسكريين وللمؤرخين، ولكن ما حصل خارق للعادة، ومعظم الأطراف لم يتوقع ما حصل وبهذه الطريقة بالضبط" (10).


    إلى جانب انهيار الجيش كان هناك اختفاء واضح للأجهزة الأمنية يوم دخول الحوثيين صنعاء لدرجة أن وزير الداخلية اللواء عبده حسين الترب أصدر بيانًا يدعو فيه منتسبي الوزارة للتعاون مع قوات الحوثي بصفتهم "اصدقاء الشرطة". وقد سيطر الحوثيون على نقاط التفتيش في العاصمة وبدأوا بتنظيم حركة المرور واستمروا في اقتحام المنازل والبيوت والمؤسسات دون أي تدخل من الأجهزة الأمنية.


    وقد اتضح منذ البداية أن للحوثيين مطالب معينة بخصوص الأجهزة الاستخباراتية "الأمن القومي"؛ فقد حاصرت قوات الحوثي مقر الأمن القومي لعدة أيام انتهت بإفراج الأمن القومي عن البحارة الإيرانيين المتهمين بتهريب الأسلحة عبر سفينتي جيهان1 وجيهان2، ورفعت بعض قيادات الجماعة مطالب بإعادة إصلاح جهاز الأمن القومي بما يتناسب والمرحلة الجديدة.


    ورغم استيلاء الحوثيين على خمسة معسكرات في صنعاء ونهب أسلحتها إلا أن عددًا كبيرًا من الألوية لا يزال متواجدًا بكامل عتاده وجنوده من ضمنها ألوية قوية تسليحًا وتدريبًا، مثل ألوية الحماية الرئاسية وألوية الصواريخ والقوات الخاصة وألوية الاحتياط والدفاع الجوي. رغم ذلك فإن هذه المعسكرات أصبحت معنوياتها متدنية بعد سقوط المعسكرات داخل العاصمة دون مقاومة وغياب قيادة عسكرية قوية في ظل تخلي الرئيس هادي ووزير الدفاع عن حماية العاصمة.


    ويمكن القول: إن أبرز التحولات في الأجهزة الأمنية والعسكرية بعد سيطرة الحوثيين على صنعاء، هي:


    نهاية نفوذ علي محسن داخل الجيش بالسقوط النهائي لآخر معسكرات الفرقة في صنعاء وخروج علي محسن من اليمن.

    استمرار سيطرة هادي على ألوية الحرس القوية وبعض المناطق العسكرية التي عيَّن فيها قيادات موالية.

    استعادة الرئيس السابق لبعض نفوذه داخل الجيش.

    الصراع بين الحوثيين وهادي على الأجهزة الاستخباراتية خاصة الأمن القومي، ومطالبات الحوثيين بإصلاح الأجهزة الاستخباراتية.

    ازدواجية الأجهزة الأمنية داخل المحافظات التي سيطر عليها الحوثيون (قوات الأمن الرسمية في مقابل اللجان الشعبية) خاصة بعد قيام الحوثيين، تحت اسم اللجان الشعبية، بمهام حفظ الأمن وتنظيم المرور والتفتيش.

    ماذا عن المستقبل؟


    من الصعب الحديث عن مستقبل الجيش والأجهزة الأمنية بعد سقوط صنعاء خاصة في ظل الغموض الكبير الذي يكتنف الوضع السياسي والأمني في صنعاء، لكن بالقراءة الأولية "لاتفاق السلم والشراكة" الذي يُعتبر الوثيقة السياسية الرئيسية لفترة ما بعد سقوط صنعاء بالإضافة الى الممارسات التي قام بها الحوثيون منذ استيلائهم على صنعاء في 21 سبتمبر/أيلول، يمكننا توقع التحولات التالية:


    المرحلة بشكل عام لن تكون في مصلحة وحدة الجيش وتقويته حيث إنه يعاني من غياب قيادة عسكرية كفؤة، وانهيار للمعنويات القتالية، كما أن بعض المعسكرات ما زالت محاصرة بمعسكرات اعتصام الحوثيين.

    استمرار نفوذ هادي على بعض ألوية الجيش والأجهزة عبر أقاربه والقادة الموالين له.

    قد تشهد المرحلة القادمة انقسامًا جديدًا للجيش بين هادي والحوثيين في حالة مطالبتهم بنفوذ داخل الجيش والأمن. ومن المتوقع أن تصب مطالب الحوثي في اتجاهين، الاتجاه الأول: الضغط من أجل تعيين قيادات عسكرية موالية للحوثيين خاصة في المحافظات التي يسيطرون عليها، والاتجاه الثاني بتجنيد آلاف المقاتلين الحوثيين واستيعابهم في الجيش والأجهزة الأمنية.

    تفاقم ظاهرة ازدواجية أجهزة الأمن والجيش في ظل وجود الفصائل الحوثية المسلحة التي أصبحت تمتلك الأسلحة الثقيلة والصواريخ وفي ظل تشكيل الحوثيين لجهاز أمني مواز تحت اسم اللجان الشعبية.

    نموذج إسقاط صنعاء قد يغري بعض فصائل الحراك الجنوبي بتوجيه ضربات جديدة للجيش في محاولة للسيطرة على المحافظات الجنوبية.

    رغم أن القاعدة قد أعلنت في الأسابيع الأخيرة عن نيتها استهداف الحوثيين كعدو رئيسي في المرحلة القادمة، وهذا قد يخفف من ضغط ضربات القاعدة على الجيش، إلا أن القاعدة ستستمر في توجيه ضربات جديدة للجيش والأجهزة الأمنية عن طريق الاغتيالات الفردية أو الهجمات الانتحارية.

    ليس من الواضح كيف يكون رد فعل القوى الإقليمية والدولية على سيطرة الحوثيين على صنعاء، لكن أحد السيناريوهات المطروحة يتمثل في دعم مشائخ مناهضين للحوثيين من قبيلتي حاشد وبكيل من أجل تشكيل قوات قبلية لمواجهة الحوثيين. وإذا تحقق هذا السيناريو سيكون هذا عاملاً إضافيًّا لإضعاف الجيش وتقوية دور الميليشيات القبلية في المشهد السياسي.

    السيناريو الأسوأ قد يتحقق في حال استمرار الخلاف بين الحوثيين والرئاسة حول تطبيق اتفاق السلم والشراكة. وقد يؤدي هذا إلى دفع الحوثيين للضغط الميداني عبر مواجهات عسكرية جديدة وربما إسقاط المزيد من المعسكرات. هذا السيناريو قد يؤدي إلى انهيار واسع للجيش شبيه بانهيار الجيش الجنوبي وتفكيكه بعد حرب عام 1994.

    _____________________________

    حسين الوادعي - باحث في الشؤون السياسية اليمنية


    هوامش

    1-http://mohamedalabsi.blogspot.com/2014/01/2014_2298.html

     
  12. politics-dz

    politics-dz مدير الموقع إداري politico نجم المنتدى

    Country:
    Algeria
    إنضم إلينا في:
    ‏22 فبراير 2015
    المشاركات:
    3,914
    الإعجابات المتلقاة:
    3,836
    نقاط الجائزة:
    113
    الجنس:
    ذكر
    الإقامة:
    الجزائر
    الصفحة الرئيسية:

    Print

    موقف دول الخليج من التطورات الراهنة في اليمن
    [​IMG]

    نجح الحوثي بعد استقاوئه بإيران في حصار العاصمة صنعاء، وتأزَّمت الأوضاع بعد سيطرته على الوزارات وفرض الإقامة الجبرية على الرئيس الشرعي للبلاد ورئيس حكومته، ثم صدور الإعلان الدستوري، ليعقبها انتقال الرئيس اليمني إلى عدن، حيث تبعه وزراء آخرون؛ منهم وزير الدفاع اللواء محمود أحمد سالم الصبيحي، لتهب من بعدها ردة فعل محلية وخليجية وعربية ودولية غاضبة.

    الأزمة اليمنية.. أسبابها وأطرافها

    بجانب سيارة ذات دفع رباعي، نُصب على ظهرها رشاش عيار 60 ملم، يقف في وسط العاصمة اليمنية صنعاء رجلٌ أشعث في وسطه خنجر، ويتدلى من على كتفه رشاش كلاشنكوف، وبجانبه لوحة كتب عليها شعار الحوثيين: "الله أكبر، الموت لأميركا، الموت لإسرائيل، اللعنة على اليهود، النصر للإسلام". فهل وجود هذا الرجل أمامنا في هذا المكان بهذا الشعار هو سبب الأزمة اليمنية التي أحدثت انقلابًا حادًّا في المشهد الاستراتيجي في جنوب شبه جزيرة العرب؟ لقد توالت فصول الأزمة اليمنية بمتغيرات سريعة تقطع الأنفاس، حتى تكاد أسباب الأزمة الراهنة أن تفلت من يد المراقب الذي يستطيع أن يعدد منها:

    حاضنة البؤس البشري الآخذ في التشكُّل حاليًّا على هيئة أزمة في اليمن، هي نتاج تراكم سنين طويلة من الفقر والفوضى واختلال الموازين الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية، وعِلَل اليمن القديمة كوفرة السلاح وعلو مفهوم المذهب والقبيلة(1)، يضاف إليها اتِّساع رقعة الفساد، وتردِّي الخدمات الأساسية وتدهور الأمن، واستمرار السلطة الجديدة في ممارسة الصور القديمة نفسها، فمجمل الحلول لا يخرج عن شراء الذمم وتوزيع الرتب والمناصب بالترغيب والترهيب.
    تُعتبر الانتفاضة اليمنية وما رافقها من أحداث واحدةً من انتفاضات الربيع العربي الطويلة، فالأزمة الراهنة ما هي إلا امتداد لأحداث الانتفاضة التي بدأت بثورة الشباب اليمنية في 11 فبراير/شباط 2011 كسلسلة من الاحتجاجات الشعبية، منادية بإسقاط منظومة حكم الرئيس المخلوع علي عبد الله صالح؛ الذي اضطر إلى توقيع المبادرة الخليجية في 23 من نوفمبر/تشرين الثاني 2011؛ ومن ثمَّ التنحي عن الحكم.
    تميزت الانتفاضة اليمنية بنجاحها في عقد صفقة جيدة بالنسبة إلى اليمن(2)؛ تمثَّلت في رحيل الرئيس صالح عن سدة الحكم مُحَصَّنًا من العقاب نظير حقن الدماء؛ لكن بقاء رجاله بقوتهم في المشهد اليمني أفسد جزءًا من تلك الصفقة، وهذا من أقوى أسباب الأزمة الحالية؛ حيث مهَّد ذلك إلى عودة صالح إلى المشهد من خلال تحالفه مع جماعة الحوثي.
    من أسباب الأزمة الحالية أيضًا، الأزماتُ المعيشية التي استغلَّها الحوثيون في تظاهراتهم واعتصاماتهم في العاصمة صنعاء بعد رفع الدعم عن المشتقات النفطية، ومطالبتهم بإلغاء قرارها، بالإضافة إلى إسقاط حكومة الوفاق الوطني، وتنفيذ مخرجات مؤتمر الحوار الوطني الشامل؛ حيث وجد الحوثي تأييدًا من قطاعات كبيرة في المجتمع اليمني جراء ارتفاع نسبة الفقر إلى 54.5% وزيادة البطالة إلى 60% بين شريحة الشباب(3).
    كثرة الأطراف الداخلية التي تُحَرِّك الأزمة اليمنية من غير جماعة الحوثي، فقبل دخول الحوثي صنعاء تقاسم حقائب حكومة الوفاق الوطني تكتُّلا اللقاء المشترك وحزب المؤتمر الشعبي العام، وقد تصاعد الجدل بينهما حول مَنْ يتحمَّل مسؤولية الأزمة الاقتصادية؛ التي أفضت إلى استيلاء جماعة الحوثي على مفاصل الدولة. وعند تفكيك الساحة السياسية الداخلية في اليمن نجد أن الدولة العميقة يمثلها كلٌّ من حزب المؤتمر الشعبي العام "النظام السابق"، والحراك الجنوبي وقوى ثورية مختلفة (إسلامية وليبرالية). إن معظم تلك الأطراف تدعمها قوى إقليمية مختلفة لديها استراتيجيتها وأهدافها التي تسعى لتقريبها أو إبعادها عن الأطراف الخارجية؛ سواء تلك التي تتعاطف مع الإخوان المسلمين (تجمُّع الإصلاح)، أو التي تدعم جماعة الحوثي (إيران)، أو التي تتقرَّب من الرئيس المعزول علي عبد الله صالح أو من الحراك الجنوبي(4).
    على الرغم من أن اليمن بلد يغص بالأزمات السياسية والاقتصادية، فإن حصار الحوثيين ثم دخولهم صنعاء قد أدّى إلى بوادر سقوط الدولة اليمنية مع ما له من تبعات؛ كان أولها استقالة رئيس الجمهورية عبد ربه منصور هادي ورئيس وزرائه خالد بحاح؛ حيث شكَّل ذلك ضربة قاصمة لشهية الحوثيين المنفتحة بقوة، ليختم مشهد مآسيهم تمكُّن الرئيس عبد ربه منصور هادي من الخلاص من قبضتهم ووصوله إلى عدن، وإعلانه الاستمرار بقيام حكومته بمهامها من مدينة عدن، وهو ما أوقف استكمال مخططات الحوثيين، ووضعهم في مواجهة مباشرة مع الشعب من جهة والمجتمع الدولي من جهة أخرى(5)، ما أدّى إلى إعلانهم في 16 من مارس/آذار 2015 إطلاق سراح رئيس الوزراء اليمني السابق خالد بحاح وعدد من وزراء حكومته؛ وذلك بعد وضعهم رهن الإقامة الجبرية لمدة شهرين(6).

    الكانتونات القبلية

    كاد اليمن على وشك أن يدخل في حرب أهلية حين حاصر جماعة الحوثي العاصمة صنعاء؛ حيث زاد دخول تلك الجماعة من تعقيدات الموقف؛ وهناك مؤشرات تدلُّ على تشكُّل كانتونات قبلية أو فئوية؛ من أهمها:

    أظهرت الشبكات القبلية والطائفية تفاعلاً خطيرًا مع الأزمة، عبر الاستيلاء على الأسلحة وتكديسها؛ ردًّا على قيام الحوثي بنقل عدد من الطائرات العسكرية من ميناء محافظة الحديدة إلى محافظة صعدة(7)، كما قام مسلحو بعض القبائل بالسيطرة على الكتائب والألوية العسكرية القريبة منهم؛ وذلك في سباق مع جماعة الحوثي على جمع غنائم الجيش اليمني المفكك؛ بل إن بعض الوحدات العسكرية سلَّمت أسلحتها ومعداتها دون مقاومة كما حدث لكتيبتين عسكريتين تابعتين للواء الـ19 في منطقة عسيلان بمحافظة شبوة(8).
    رافق الاستيلاء على الأسلحة في مناطق متفرقة من اليمن حركة تشكيل حاميات شعبية لتأمين حدود مناطق معينة؛ ومن ذلك إعلان قبائل حضرموت وشبوة أنها لن تسمح بتحوُّل المحافظتين إلى ساحة للصراع على خلفية ما يحدث في صنعاء، وقرَّرت تلك القبائل تشكيل لجان أمنية لمنع الانفلات الأمني بالمحافظتين(9).
    وبالإضافة إلى الاستيلاء على السلاح وتحديد مناطق النفوذ القبلية، هاجم مسلحون قبليون مواقعَ عدةٍ لمسلحي جماعة الحوثي؛ بل إن عددًا من القبائل قامت بمهاجمة مواقع عسكرية موالية للرئيس المخلوع علي عبد الله صالح، وهو ما يقود إلى الاعتقاد بتكرار السيناريو الليبي، وتقسيم اليمن إلى «كانتونات» بينها إمارة إسلامية يحكمها تنظيم القاعدة، وجمهورية إسلامية، وأخرى إسلامية حوثية.

    إن التردُّد الإقليمي والدولي سيُعَمِّق جراح اليمن بدرجة تستعصي معه الحلول المعروفة في مثل هذه الصراعات؛ كتسليم الميلشيات القبلية لسلاحها، أو محاولة ربط القوات المسلحة القبلية بما فيها جماعة الحوثي بمؤسسات الدولة العسكرية من دون حلِّها؛ وذلك من خلال تشكيل ألوية وكتائب جديدة تعمل مع الجيش؛ كالحلِّ المزمع تنفيذه في العراق من خلال دمج أفراد عدد من القبائل العراقية ضمن وحدات للحرس الوطني.

    لقد ضمَّ جنوب اليمن في السابق أكثر من 12 كيانًا بين مشيخة وسلطنة إلى أن تشكَّلت جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية في وحدة قسرية؛ استعانت خلالها بالاتحاد السوفيتي السابق لتكون دولة اشتراكية ذات حزب واحد؛ لكن نزعة التشظي ستكون في الشمال أكثر منها في الجنوب خلال هذه الأزمة، فوصول الرئيس هادي إلى عدن وتدثُّرها بزي العاصمة وَحَّد أطرافها إلى حدٍّ ما، مقارنة بشمال فوضويٍّ وممزَّقٍ وموزَّعِ الولاءاتِ ويستشري فيه الفساد؛ حيث تحدَّثت بعض المصادر اليمنية عن توسُّع الحوثيين في ضخِّ الأموال لشراء ذمم بعض رجال القبائل(10).

    موقف دول الخليج من الأزمة اليمينة

    لا يبدو متأخِّرًا كبح النزعة الفوضوية التي طبعت الأحداث في تعامل دول الخليج العربي مع الأزمة اليمنية. لقد وقعت صنعاء في بحثها عن الاستقرار بين مطرقة محدودية قدرات المبعوث الأممي، وبين سندان إطلاق العنان لمبادرات خليجية غير محسوبة العواقب، وكأنها تعويض نقص للخليجيين؛ بعد أن كانت العواصم الغربية هي صاحبة المبادرات ودول الخليج هي صاحبة ردود الفعل. فمن النقاط المرجعية لمحدودية قدرات كلِّ مبعوث أممي عربي تكرار السيد محمد البرادعي جملة: "لم نجد شيئًا حتى الآن"، "نحتاج إلى مزيد من الوقت"، وذلك بعد كل جولة تفتيش في العراق حتى دخل المارينز ساحة الفردوس؛ ثم حين كُلِّف البرادعي بقضية النووي الإيراني لقي الفشل نفسه بين عبارات: "وثائق ناقصة"، و"أسئلة معلقة". التي طرز بها تقاريره.

    أما الأخضر الإبراهيمي مبعوث الأمم المتحدة والجامعة العربية إلى سوريا؛ فقد تبنَّى الخيارات السطحية في معالجة القضايا البنيوية؛ حيث ركز على الانتخابات الرئاسية فيما الأسد يلقي البراميل المتفجرة على شعبه الأعزل. وعليه لم يختلف المبعوث الأممي لليمن جمال بن عمر عن سابقيه؛ فقد أعلن أن اليمن قد أصبح "في مهب الريح"، معبرًا عن يأسه قبل تصويت مجلس الأمن على القرار الخليجي في 15 من فبراير/شباط 2015، ودون أن يلاحظ قبل إعلان يأسه مؤامرات الرئيس المخلوع علي عبد الله صالح، أو أن يسمع طلقات جماعة الحوثي وهم في طريقهم إلى العاصمة صنعاء.

    إن انتقال المفاوضات التي سيشرف عليها المبعوث الأممي إلى الرياض بالإضافة إلى حوار آخر يجري بالتوازي في صنعاء، لا يُعتبر مشجِّعًا؛ وإن تجاوزنا معضلة حوارين في عاصمتين مختلفتين؛ فإنه لا يمكن تجاوز أن مَنْ يُشرف على كلا الحوارين قد فشل في التوصُّل إلى مخرجات حوارٍ واحدٍ، كما أن تبلور الدعوة الخليجية في الاجتماع الوزاري الذي عُقد في 14 من فبراير/شباط 2015 في المطالبة بقرار أممي يضع اليمن تحت الفصل السابع مجال استفسار أيضًا؛ فهل كانت المطالبة باستخدام الأعمال العسكرية هي نتيجة موقف تفاوضي اقترحه الخليجيون حتى تتراجع جماعة الحوثي عن إعلانها الدستوري وعودة الحكومة الشرعية ؟ أم هي دعوة أصيلة يُراد منها فرض حصار اقتصادي وعزلة دبلوماسية وتدخُّل عسكري دولي لإرجاع الغاصبين إلى صعدة؟

    إن لكلا الأمرين آثارًا سلبية؛ فالتدخل العسكري الدولي في جزيرة العرب خطيئة استراتيجية تتحملها دول الخليج حين تنفتح الأبواب أمام الجماعات الجهادية المتشدِّدة بذريعة فريضة الجهاد، وهو ما قد يؤدي إلى تحوُّل اليمن إلى أفغانستان الجزيرة العربية؛ كما أن بيئة العلاقات الدولية غير مهيأة لمثل هذا القرار؛ فموسكو تواجه في أوكرانيا حالة مماثلة؛ حيث يُشبه فِعْل أنصارها ما يقوم به الحوثيون في اليمن، ومن المرجح أن تستخدم حقها في النقض "الفيتو" على مثل هكذا قرار. أما بكين فستراعي طهران، كما ستراعي موقفها المنسجم مع توجهها الرافض للهيمنة الغربية على القرارات الأممية تحت البند السابع؛ وعليه لابدَّ من التساؤل: هل ما زال اليمن بحاجة إلى مفاوض عاجز؟ كما أنه لابدَّ من معرفة أنه لن تنجح في اليمن مبادرة لا تخدم مصالح أعضاء مجلس الأمن ودول الجوار الإقليمي؛ فلن يردع الحوثي إلا مبادرة يمنية شاملة تلقى دعمًا خليجيًّا أمميًّا(11).

    دول الخليج في الأزمة اليمنية: تأدية دور أم تنفيذ لواجب؟

    بحثت دول الخليج عن مصالحها في اليمن من خلال خلق أدوار اقتصادية وسياسية لها في فترات متباعدة؛ لكن الأزمة الحالية الخانقة وفقدان الثقة بين أطياف العمل السياسي اليمني، كل ذلك أدى إلى احتدام الصراع في البلاد، كما أنَّ دخول طهران في اليمن عبر بوابة الحوثيين، وظهور مستجدات إقليمية حادَّة تحتم على الخليجيين أن يتحولوا من "تأدية الدور" إلى إلزام أنفسهم بواجب الوقوف مع اليمن لإخراجه من أزمته، ليس بالمساعدة المادية فحسب، بل السياسية أيضًا؛ وذلك من خلال التالي:

    • مبادرة براغماتية
    لقد تمَّ الاتفاف على المبادرة الخليجية الأولى التي أدَّت إلى التوصل إلى اتفاق يتنحى بموجبه الرئيس المخلوع علي عبد الله صالح عن كرسي الرئاسة، وتم تسييس مخرجاتها(12)؛ حيث اعتبرها اليمنيون بعد خيبة أملهم مبادرة غير محسوبة. كما أن حوار الرياض المزمع عقده تحت مظلة المبادرة الخليجية هو فرصة لمبادرة جدية، ذات محاور جريئة خارج الخطوط المتعارف عليها بالعداء للحوثي؛ فالمطلوب إذًا مبادرة براغماتية(13) تتعامل مع الواقع كما هو، ومع كافَّة أطراف المشهد السياسي في اليمن؛ مبادرة ليست في قطيعة مع الحوثيين أو غيرهم لتشكيل حكومة إنقاذ وطني تمسك بزمام الأمور، وتقود حوارًا سياسيًّا يستهدف تفكيك الأزمة والحيلولة دون الانهيارات.

    • الحفاظ على الرئة الجنوبية
    في الحالة اليمنية الراهنة نجد أنفسنا أمام حالة سرطانية تتوسَّع لتُفَتِّت نسيج الدولة على كافة الأصعدة؛ وقد يكون من الحصافة أن يسعى الخليجيون إلى المحافظة على الرئة الجنوبية لليمن؛ وذلك من خلال الاعتراف بحق عدن في السيادة؛ فالاعتراف بعدن عاصمة لكل اليمن لن يتعدى شكل تايوان حين فرَّ إليها أعداء الشيوعية من البر الصيني.

    سيناريوهات الأزمة اليمنية

    يرى الباحث أن الأزمة في اليمن يمكن أن تؤول إلى أحد المسارات التالية:

    الحرب الأهلية بين جماعة الحوثي من جهة وبين الفصائل الإسلامية السنية من جهة أخرى؛ حيث سيلقى كل طرف دعمًا خارجيًّا، وتكمن خطورة الأمر في ارتفاع قابلية حدوث الحرب الأهلية؛ ثم تحوُّل اليمن إلى دولة فاشلة يديرها زعماء ميلشيات على غرار ما حدث في الصومال؛ فمؤشر التنمية البشرية في اليمن منخفض جدًّا، وتحتل الجمهورية اليمنية المرتبة 164 من 182 دولة في تراتبية الدول الفاشلة(14)، ويدعم فرضية الحرب الأهلية انتقال السلطة الشرعية إلى عدن، وانتقال غرماء جماعة الحوثي إليها، وهو ما يعطي الحوثي مبررًا لتوصيفها بحرب يمنية بين الشمال والجنوب.
    امتداد الأزمة ومحاولة جماعة الحوثي -بدعمٍ من طهران- التحول إلى حزب سياسي مسلح على نسق حزب الله اللبناني، الذي يملك الثلث المعطِّل في مجلس النواب، مع استمرار اللاعبين السياسيين الآخرين في الساحة؛ ولو كانوا بحالة ضعف مهينة؛ حيث من الممكن أن تتجلَّى في اليمن الانتهازية السياسية كطبيعة بشرية؛ لكنها لن تكون انتهازية يمنية صرفة؛ حيث سيمدُّ كل طرف في المشهد اليمني يده طالبًا المساعدة من طرف خارجي، وسيتصاعد الجدل بين تلك الأطراف حول من يتحمل مسؤولية الأزمات الاقتصادية والسياسية، وهو ما سيقود إلى استمرار اليمن كمستودع للبؤس البشري مع ارتفاع معدلات الفقر فيه.
    انهيار الحوثيين إذا قاتلهم الشعب من خلال قيام ثورة يمنية حقيقية وَقُودُها غضب الشباب اليمني المنشغل بمستقبل بلاده، لتعود الأمور إلى نصابها؛ حيث لم يَخْلُ التاريخ اليمني من تظاهرات وانقلابات وثورات، قد يكون سيناريو قيام ثورة حقيقية في اليمن نتاجًا لتشرُّب المشهد السياسي بحالة فشل المؤتمرات والحوارات والاتفاقيات بين السلطة والأطراف المعارضة، ولغياب الشباب المستقلين والوطنيين الحقيقيين، ولغموض كثير من بنود الاتفاقيات التي تُبرم لتغليب مصلحة المتصارعين على حساب مصلحة الشعب اليمني نفسه(15).
    التدخل الخليجي المباشر؛ فقد أكَّد وزراء خارجية دول مجلس التعاون الخليجي في البيان الذي صدر عن اجتماعهم مؤخرًا، رفضهم الإعلان الدستوري للميلشيات الحوثية، ودعوا لاستصدار قرارٍ يضع اليمن تحت الفصل السابع(16). تبع ذلك مباركتهم لقيام حكومة يمنية شرعية في عدن، اعترفوا بها ونقلوا سفراءهم إلى حيث تعمل (عدن)؛ وعلى الرغم من اختلاف الحالة؛ فإن التدخل الخليجي المباشر في البحرين من قِبَل قوات درع الجزيرة قد يُشَجِّع على تكراره في اليمن، بالرغم من أن اليمن ليست عضوًا في منظومة مجلس التعاون الخليجي.
    إن عدم تبني مجلس الأمن لقرار يضع اليمن تحت البند السابع لا يعني نهاية الحل العسكري؛ فقد تحوَّل حلف شمال الأطلسي بأسلحته ورجاله إلى "قناة غربية" مسلحة لتجاوز العراقيل التي تضعها روسيا والصين أمام "البند السابع". كما أن محاولة استصدار قرار أممي للتدخل العسكري قد تتكرر بناء على مبدأ مسؤولية الحماية (R2P - R to P)، حيث تفقد الدولة سيادتها حين تفشل في حماية مواطنيها(17). كما أن هناك مدخلَ حمايةِ المصالح في حال السيطرة كلِّيًّا من قِبَل جماعة الحوثي على مضيق باب المندب؛ حيث إنه من مهام قوة التدخل السريع الخليجية المشتركة التي تشكَّلت بقرار مجلس التعاون الخليجي في عام 2009 بدعم مصري وأردني أن تقوم بحماية مصالح كلا الطرفين الحيوية لتأمين الممرات المؤدية إلى قناة السويس وخليج العقبة، وهي خطوة من المُتوَقَّع أن تدعمها كل من الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي في حال تبنِّيَها.

    كما قد يكون للتدخل الخليجي المباشر وجه آخر يتمثَّل في حرب اقتصادية على جماعة الحوثي؛ التي باتت تسيطر على العاصمة صنعاء؛ وذلك عبر وقفٍ تامٍّ للمساعدات والمنح التنموية التي تمثل 70% من إجمالي الموارد المالية اليمينة، وسحب الودائع وتجميد الاستثمارات، ثم فرض قيود على تحويلات المغتربين اليمنيين بالخليج.

    الخاتمة

    لابُدَّ لدول الخليج أن تتحمل مسؤولياتها تجاه ما يجري في اليمن، وبحكم المنطق الداخلي للأحداث في صنعاء فإنه لا يمكن الركون لما هو قائم حتى الآن من جهود المبعوث الأممي، أو إلى مبادرات خليجية غير محسوبة العواقب، كما أن أي نوع من التعاون مع العالم الخارجي لحل قضية اليمن يستلزم إطارًا واضح المعالم حتى لا تتحول جبال اليمن إلى مغارات تورابورا جديدة يُصَفِّي فيها الغرب حساباته مع الإرهاب دون التفات إلى مصلحة اليمن أولًا ودول الخليج ثانيًا.

    بناءً على ما تقدَّم، فإن التزام دول الخليج بطرح مبادرة براغماتية هو بمثابة الواجب، كما أنَّ الحفاظ على الرئة الجنوبية بدل خسارة اليمن برمته أمرٌ ينبغي أخذه على محمل الجدِّ. إن تدخلًا خليجيًّا مباشرًا في اليمن أمر فيه الكثير من المخاطر؛ لكن مناورة الحوثيين في 12 من مارس/آذار 2015 على الحدود السعودية بدعم إيراني ما هي إلاَّ مدخل لتطبيق "استراتيجية المناورات" التي تنتهجها طهران، وما جرى كان مناورة عسكرية استفزازية لدول الجوار فيها ما يكفي لحمل الرسائل السياسية والعسكرية لدول الخليج العربي(18).
    ___________________________________________
    د. ظافر محمد العجمي: المدير التنفيذي لمجموعة مراقبة الخليج.

    الهوامش
    (1) مروان عبدالمولى، "السلاح والفساد والجهل.. أسباب رئيسية في أزمات اليمن"، أخبار اليوم 18 من يناير/كانون الثاني 2015.
    (2) "الآفاق المستقبلية لانتقال سلمي للسلطة في اليمن"، حلقة نقاش لمركز بروكنغز الدوحة في 22 من ديسمبر/كانون الأول 2011م.
    (3) جريدة الحياة اللندنية 24 من أغسطس/آب 2014م.
    (4) توفيق السيف، "جيراننا الدواعش"، جريدة الشرق الأوسط 4 فبراير/شباط 2015م.
    (5) عبد الحكيم هلال، "الأزمة اليمنية بين المتغيرات السعودية والوسيط العماني" الجزيرة نت، 2 من فبراير/شباط 2015م.
    (6) عفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا
    (7) "طائرات سوخوي في قبضة الحويين"، جريدة الشرق الأوسط اللندنية، 18 من فبراير/شباط 2015م.
    (8) "مقتل عشرات الحوثيين بمعارك مع قبائل البيضاء"، الجزيرة نت، 14 من فبراير/شباط 2015م:
    عفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا
    (9) "حضرموت وشبوة تقرر تشكيل لجان أمنية لمواجهة الحوثي"، اليمن برس. 18 من فبراير/شباط 2015م.
    (10) عفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا
    (11) د. ظافر العجمي، "اليمن بين قصور المبعوث والمبادرة"، العرب القطرية، 18 من فبراير/شباط 2015م:
    عفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا
    (12) "صالح" يطالب دول الخليج بمساعدة اليمن للخروج من الأزمة الحالية، 28 من نوفمبر/تشرين الثاني 2014م:
    عفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا
    (13) توفيق السيف، "جيراننا الدواعش"، جريدة الشرق الأوسط، 3 من فبراير/شباط 2015م:
    عفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا
    (14) تقرير الشفافية الدولية المعني بالفساد لعام 2011م:
    Transparency International's 2011 corruption index
    (15) عبد العزيز العقاب، "أسباب فشل الاتفاقيات والحوارات اليمنية، صحافة يمن، 20 من يناير/كانون الثاني 2015م.
    (16) العربية نت، 14 فبراير/شباط 2015م:
    عفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا
    (17) The Responsibility to Protect (R2P or RtoP) is a proposed norm that sovereignty is not an absolute right, and that states forfeit aspects of their sovereignty when.
    (18) الخليج بانتظار مناورات إيرانية حوثية مشتركة:
    عفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا

     
  13. دلال

    دلال عضو نجم المنتدى

    Country:
    Algeria
    إنضم إلينا في:
    ‏6 فبراير 2016
    المشاركات:
    89
    الإعجابات المتلقاة:
    28
    نقاط الجائزة:
    18
    الجنس:
    أنثى

    Print

     
  14. بلال44

    بلال44 عضو نجم المنتدى

    Country:
    Algeria
    إنضم إلينا في:
    ‏26 أكتوبر 2015
    المشاركات:
    11
    الإعجابات المتلقاة:
    2
    نقاط الجائزة:
    3
    الجنس:
    ذكر

    Print

    عاصفة الحزم جاءت متأخرة نسبيا و أكثر من ضرورية بالنسبة للمملكة العربية السعودية ، متأخرة لأنه كان من المفروض ان تتدخل السعودية قبل سقوط صنعاء في يد الحوثيين، و ضرورية لأن اليمن يمثل مجال حيوي بامتياز للسعودية.
     
جاري تحميل الصفحة...