1. Nour

    Nour نور الهدى قراش إداري نجم المنتدى

    Country:
    Algeria
    إنضم إلينا في:
    ‏5 مارس 2015
    المشاركات:
    374
    الإعجابات المتلقاة:
    381
    نقاط الجائزة:
    63
    الجنس:
    أنثى
    الوظيفة:
    موظفة
    الإقامة:
    سطيف

    Print

    عفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لديناعفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا
    عفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا
    [​IMG]لا شك في أن الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي يمرّان حالياً بحال تذكّر بأيام الحرب الباردة التي انتهت عملياً أواخر عام 1989 بتحطيم جدار برلين، ذلك أن الحدث الأوكراني أعاد إلى الأذهان حقيقة أن ترسيم الحدود بين "شرق" و"غرب" (بمفهوميهما القديمين) لم ينجز بعد، بل إن الانقسام والصراع بين شرق أوكرانيا وغربها زادا أخيراً التوتر في الوضع الدولي.

    لم تتقبّل روسيا منذ انهيار الاتحاد السوفيتي أوائل تسعينيات القرن الماضي انفصالاً أوكرانياً كاملاً عن نفوذها، وكان على حكام كييف أن يجتهدوا للإبقاء على علاقة جيدة مع موسكو فيما هم يجرون انفتاحاً بطيئاً ومحسوباً عل الغرب، أسوة بالدول السوفيتية السابقة. ولم تتقبّل روسيا - فلاديمير بوتين عام 2005 أن تفرض "الثورة البرتقالية" السلمية أمراً واقعاً أوكرانياً، برغم أن تلك الثورة ارتكزت على قوة الديمقراطية الشعبية. وفي مختلف المناسبات التي أتيحت له عرض بوتين على الزعماء الغربيين استياءه من محاولة حلف شمال الأطلسي عزل بلاده وتطويقها. وفي صيف 2008 انتهز انشداد العالم إلى افتتاح الدورة الأولمبية في بكين فاستولى على جمهوريتين صغيرتين متاخمتين لجورجيا، ومنذ ذلك الوقت أصبح معروفاً أن موسكو تتطلع إلى اعتراف غربي بنفوذها على بلدان القوقاز كافة. ولم يكن الرد الغربي (خصوصاً الأمريكي) آنذاك رادعاً لكنه لم يكن مطمئناً. وبرغم أن جورجيا تلقّت كل أنواع التطمينات فإنها تعيش قلقاً يومياً من احتمالات الغزو الروسي، خصوصاً أن الدول الغربية لم تحسم أمرها بشأن ضمها إلى الاتحاد الأوروبي أو بتوفير مظلة أطلسية تضمن أمنها واستقلالها.

    كانت الأزمة الأوكرانية المتجددة في نوفمبر 2013 دقت جرس الإنذار في موسكو، إلا أن الألعاب الأولمبية الشتوية في سوتشي كانت استحقاقاً مهماً بالنسبة إلى القيادة الروسية ثم إنها كانت مرتاحة إلى وجود رجلها فيكتور يانوكوفيتش رئيساً منتخباً لأوكرانيا. وربح بوتين رهان إنجاح تلك الألعاب إلا أنه عشية اختتامها تلقى هزيمة شنيعة في كييف، حيث اضطر يانوكوفيتش تحت وقع انهيار سيطرته على مناطق الغرب كافة وضغوط الوفد الأوروبي لتوقيع اتفاق مع المعارضة يلبي كل مطالبها، وبالأخص إجراء انتخابات رئاسية مبكرة خلال هذه السنة، ما يعني موافقته المبدئية على التنحي. غير أن الوضع على الأرض والغضب الشعبي على سقوط نحو 100 قتيل في "ميدان الاستقلال" وعدم موافقة موسكو على الاتفاق أجبرته على الهروب من العاصمة، فكان ذلك إيذاناً بسقوطه الفعلي.

    معروف أن الخلاف انفجر بين المعارضة ويانوكوفيتش بسبب رفضه المضي في المصادقة على اتفاق شراكة مع الاتحاد الأوروبي، وكان واضحاً أن روسيا هي التي منعته لكنها لم تطرح في الوقت نفسه بديلاً يعوّض أوكرانيا عما يمكن أن تكسبه من ذلك الاتفاق. والواقع أن الاقتصاد الهش كان سلاحاً في أيدي الروس والأوروبيين لابتزاز كييف طوال العقدين الماضيين، إذ تتحكم روسيا بتزويد أوكرانيا بالغاز والنفط فيما تعرض أوروبا مساعدتها في مديونيتها وتعزيز صادراتها التجارية. لكن في الوقت نفسه كان الانقسام الشعبي واضحاً دائماً في الميل غرباً أو شرقاً. وهذا ما بادرت روسيا إلى استغلاله للرد على محاولة إنهاء نفوذها في أوكرانيا، بدءاً من "استرداد" شبه جزيرة القرم الواقعة في الجنوب الشرقي وفيها قاعدة بحرية روسية كبيرة في سيباستوبول، كما يشكل الروس 60% من سكانها.

    كانت طبيعة الحدث هذه المرّة حاسمة: فأكثر من نصف أوكرانيا اختار عملياً الالتحاق بالغرب، وشعر نصفها الشرقي بأنه سيصبح تحت حكم نصفها الغربي الذي أسقط الرئيس الآتي من الشرق. وهكذا ارتسمت خريطة تشي بأن النزاع الروسي - الغربي (الأمريكي) على استقطاب أوكرانيا قد ينتهي إلى تقسيمها، الأمر الذي لم تبدِ موسكو أي حرص على نفيه واستبعاده، بدليل أنها شجعت أنصارها في القرم فاستولوا فعلياً على الجمهورية الصغيرة (ذات حكم ذاتي ضمن أوكرانيا)، ثم إن معظم مدن الشرق بدأت تشهد توترات ومواجهات شعبية مواكبة، وباتت "حكومة كييف" الجديدة تجد صعوبة في توطيد الأمن وإحكام السيطرة فيها. وبرغم أن الجيش الأوكراني نأى بنفسه عن أجواء الأزمة، فإنه يواجه حالياً واقعاً انقسامياً بسبب رغبة ضباط وجنود "شرقيين" في الاستقالة.

    فوجئ الغرب إلى حدٍّ ما برد الفعل الروسي، لكن موسكو تذكّرت أنها تخلّت عن القرم لأوكرانيا عام 1954 بحكم أن الدولتين تشكلان معاً عماد الاتحاد السوفيتي، وفي المقابل احتفظت بقاعدتها البحرية التي أقامتها في شبه الجزيرة قبل نحو 250عاماً. أرادت موسكو - بوتين أن تقول إنها تريد بما يشبه الغزو استرجاع أرض تخلّت عنها طوعاً وبموجب قانون. لكن هذه مجرد ذريعة تعرب بها موسكو عن رفض تام لمدّ النفوذ الغربي إلى أوكرانيا. والواقع أن رد بوتين جاء منسجماً مع كل السياسات التي تبنّاها طوال العقد الماضي، بهدف إعادة روسيا إلى وضعية الدولة العظمى، وإذا كان يخوض سياسة بالغة السلبية في استغلال الأزمة السورية ببُعديها المحلي والإيراني فليس من المتوقع أن يتهاون إزاء خسارة حديقته الخلفية في أوكرانيا.

    تجنبت واشنطن الإشارة إلى أن هذه الأزمة في قلب أوروبا تنذر بتجدد الحرب الباردة، لكن جون كيري لفت إلى أن نهج بوتين ينتمي إلى القرن التاسع عشر، ثم إن هيلاري كلينتون شبّهت ما يحصل بإقدام هتلر على قضم نصف بولندا في بداية الحرب العالمية الثانية عام 1939 قبل أن يقضم ستالين نصفها الآخر فتختفي كدولة طيلة تلك الحرب، في حين أقام العديد من المحللين مقارنة مع التدخل السوفيتي في تشيكوسلوفاكيا عام 1968. الملاحظ أن مختلف الآراء الغربية تستبعد أن تتطوّر الأزمة إلى حرب، وحتى في موسكو نفسها ثمة أصوات مماثلة برغم أن بوتين حرّك جنوداً نحو الغرب ولا يزال دبلوماسيوه يجادلون بأنهم في القرم يدافعون عن حقهم ولم يستولوا على أرض لدولة أخرى. غير أن واشنطن أبدت منذ الآن تأييدها لكييف في عدم الاعتراف بنتيجة أي استفتاء يُنظّم ضد إرادة الحكومة المركزية ومن دون أي تشاور مسبق ولا إشراف دولي.

    كلما جرى اتصال هاتفي بين بوتين وأوباما، أو لقاء بين جون كيري وسيرغي لافروف يقال أن الرئيسين كما الوزيرين متفقان على أن الحل في أوكرانيا يجب أن يكون سياسياً. لكن الفارق أن الجانب الروسي يزيد تدخله العسكري يومياً ويضع شروطاً غير واقعية منها مثلاً العودة إلى تنفيذ اتفاق 21 فبراير بين يانوكوفيتش والمعارضة، أو شروطاً إجرائية مثل رفض الاعتراف بالحكومة الحالية في كييف أو التواصل معها. وإذ لا ترفض هذه الحكومة من جهتها الاجتماع مع المسؤولين الروس فإنها تعلن مسبقاً أن مطلبها الأول سيكون انسحاب روسيا من القرم والمناطق الحدودية التي انتهكتها. ومن الواضح أن أي حل سياسي لن يتبلور قبل مضي بعض الوقت، علماً بأن كل يوم يشهد تغييراً على الأرض وكذلك في النفوس. لكن في الانتظار وجد الأمريكيون والأوروبيون ضرورة للبدء بفرض عقوبات على روسيا، لإشعارها بأن نهجها غير مقبول. وكانت المؤشرات الهابطة في بورصة موسكو واستطلاعات الرأي الرافضة للتصعيد واحتمالات المواجهة العسكرية أرسلت إشارتين سلبيتين إلى بوتين، برغم أن الإعلام أشاع أجواء تضامنية معه، لكن الحسابات على المدى البعيد تختلف.

    صحيح أن دول الغرب لا تبدي حالياً أي رغبة في تدخلات عسكرية إلا أن موقفها من أوكرانيا لن يشبه موقفها من سوريا. صحيح أيضاً أن أوباما أكد مراراً عدم ميله إلى مغامرات عسكرية إلا أن التردد في هذه الأزمة قد يكلفه وحزبه الكثير، فهو تحمّل الانتقادات ليثبت أن تفوق أمريكا يجب أن يكون بالاقتصاد لا بالتهديد العسكري. صحيح كذلك أن بوتين يأخذ في اعتباره أن دول أوروبا تعتمد بنسبة 70% على روسيا كمصدر للطاقة إلا أن العقوبات المتبادلة قد تكون موجعة أكثر لبلاده، فما يبدو له عناصر قوة قد تتحوّل عناصر ضعف في حال طالت الأزمة. والأكيد أن بوتين مدرك أنه خسر أوكرانيا وقد بادر إلى التصعيد بغية تقليص الخسارة أولاُ والاستعداد لمساومة أكبر في إطار أي حل سياسي. والمهم عنده أن يتمكّن من برهنة جدوى سياسته التي بناها على منع الغرب من توجيه السياسة الدولية.
     
جاري تحميل الصفحة...