1. politics-dz

    politics-dz مدير الموقع إداري politico نجم المنتدى

    Country:
    Algeria
    إنضم إلينا في:
    ‏22 فبراير 2015
    المشاركات:
    3,906
    الإعجابات المتلقاة:
    3,820
    نقاط الجائزة:
    113
    الجنس:
    ذكر
    الإقامة:
    الجزائر
    الصفحة الرئيسية:

    Print

    [​IMG]

    مقدمة


    يوضح الدارسون للعلاقات الدولية أن تغيرات هيكلية قد طرأت على السياسات الدولية، فالتحولات العميقة في العقود الأخيرة تختلف بشكل جذري من حيث خصائصها العامة عن تلك المراحل التي تبلور فيها النظام الدولي طوال مرحلة الحرب الباردة. وترتب عن هذا عجز التنظير الدولي عن تقديم أنساق نظرية قادرة على استيعاب مختلف التفاعلات الدولية. وهذا ما يفرض إعادة نظر جذرية في ثوابت شبكاتنا التحليلية باعتبارها لم تعد تنسجم مع طبيعة وأبعاد المتغيرات الجذرية التي تعيشها الإنسانية. ولهذا أصبح من الضروري البحث عن منظورات وتصورات جديدة لتدريس مادة العلاقات الدولية بشكل يتجاوز تلك التقسيمات التقليدية والتعاريف الجامدة التي دأبنا عليها طوال مرحلة الحرب الباردة، مما سيفتح آفاقا جديدة للباحثين في العلاقات الدولية.


    في هذه الأثناء ظهرت نظرية "اهتزاز النظريات" لإزالة اللبس عن الطرق التي يسير عليها النظام الدولي ومحاولة فهمه أكثر.


    وبين تغير الفواعل والمتغيرات الدولية, من جهة وظهور قصور واضح في العديد من الاتجاهات النظرية الكبرى في العلاقات الدولية, ترى ما الذي أضافته نظرية "اهتزاز النظريات" لمختلف الاتجاهات النظرية الكبرى عامة وحقل العلاقات الدولية خاصة؟


    الفهرس:


    خطة البحث:


    مقدمة.


    الفصل الأول: الإطار المفاهيمي لنظرية اهتزاز النظريات.


    المبحث الأول: تعريف نظرية اهتزاز النظريات ونشأتها.

    المبحث الثاني: مبادئ نظرية اهتزاز النظريات ومنطلقاتها.


    الفصل الثاني: اهتزاز النظريات بين الفكر والتطبيق.

    المبحث الأول: آراء وأفكار النظرية.

    المبحث الثاني: اهتزاز النظريات والواقع الدولي.

    الخاتمة.


    المراجع.


    الفصل الأول:


    المبحث الأول: تعريف نظرية اهتزاز النظريات ونشأتها:


    رغم قلة حديث مفكري علم السياسة عن هذه النظرية, وندرة المصادر التي تتناولها, لكن يمكن لنا وباختصار التعرف عليها وعلى مضامينها وآرائها في العديد من المواضيع المتعلقة بالنظام الدولي ومجرياته ومخلفاته ومختلف القضايا المهمة فيه.


    المطلب الأول: التعريف بنظرية اهتزاز النظريات وروادها:


    1- التعريف بنظرية اهتزاز النظريات:


    أولا, وقبل الخوض في الحديث عن تعريفها, يجدر بنا التنبيه إلى أنها ليست نظرية بل اقتراب أو مدخل أو إطارا تحليليا أو نقدا وتقييما للنظريات السابقة للنظام الدولي, كما سماها رائدها الأستاذ "برتراند بادي" في قوله: "وهذا العمل, الذي يعد ثمرة لخبرة التدريس بمعهد الدراسات السياسية, يخاطب الدارسين المتقدمين, والغاية منه, باعتباره مدخلا, أكثر من اعتباره عملا تنظيريا, هو أن يقدم لهؤلاء الدارسين موصلا جيدا عبر خضم الحقائق والنهج المتضاربة التي تشكل مجال دراستهم, وإطارا تحليليا يتيح لهم تنظيم الكم الزاخر من المعلومات التي تلاحقهم يوميا, وعناصر للتفكير في المسائل التي تهم الممارسين والملاحظين في الوقت الحالي"(1), وبالتالي فهي اقتراب أو إطار تحليلي أو مدخل لفهم النظريات السابقة عنها ومحاولة التعرض لمنافذ القصور فيها وتجاوزها لما يمكنها من فهم أحسن لطريقة سير النظام الدولي ومحاولة تصحيح مسارات الدول ومواكبتها وعلاج بعض القضايا الدولية كالإرهاب الدولي مثلا.


    هذا وقد تم إطلاق العديد من التسميات عليه من أهمها: "فوضى النظريات", "زعزعة النظريات" و"اهتزاز الثوابت".


    2- أهم رواد نظرية اهتزاز النظريات(2):


    في واقع الأمر وأثناء البحث عن نظرية اهتزاز النظريات لم نحظ سوى بالتعرف على رائدها ومؤسسها الأستاذ "برتران بادي" "Bertrand Badie", وهوعالم فرنسي, من مواليد 14 مايو 1950 في باريس ، دارس للسياسية ومتخصص في العلاقات الدولية. وهو أستاذ جامعي في معهد الدراسات السياسية بباريس ومدرس باحث في مركز للدراسات والبحوث (CERI). درجات جامعة.


    * محطات مهمة في حياته:


    1971 : دبلوم (الفائز) من معهد الدراسات السياسية بباريس
    1972 : شهادة في القانون ، جامعة باريس الأولى -- بانتيون السوربون. 1973 : دبلوم الدراسات العليا (ستراتا) في العلوم السياسية ، وبرنامج التعليم الفردي باريس
    1975 : دكتوراه في العلوم السياسية ، وبرنامج التعليم الفردي باريس
    1975 : تخرج من المعهد الوطني للغات والحضارات الشرقية (Inalco)
    1977 : دبلوم الدراسات العليا (الوكالة) في تاريخ القرن العشرين ، برنامج التعليم الفردي باريس
    1982 : تجميع للعلوم السياسية:
    * شهادات: وهو مساعد1974 حتى1977، ثم حتى عام1982 وهو محاضر في جامعة باريس الأولى, بانتيون السوربون، و1982 حتى 1990 أستاذ في جامعة أوفيرني, كليرمون

    (1): برتران بادي وآخرون, ت: سوزان خليل, انقلاب العالم, سيسيولوجيا المسرح الدولي, ص 6-7.


    أولا في أكتوبر 1990 أصبح أستاذ جامعي في معهد الدراسات السياسية في باريس ، في


    أكتوبر 1999 ومدير بارز في العلاقات الدولية في برنامج التعليم الفردي من باريس ، تحولت في سبتمبر 2004 بأنها "العلاقات الدولية للبحوث الماجستير . وكان مدير 1994 حتى2003 جرائد العلوم السياسية وهو أيضا مدير منظمة الروتاري منذ فبراير 2002 مركز الدراسات الدولية في سلام وتسوية النزاعات ، ومنذ عام 2003 عضو في الجمعية
    الفرنسية للعلوم السياسية واللجنة التنفيذية للرابطة الدولية للعلوم السياسية.


    *أهم مؤلفاته:



    - "عجز القوّة"، دراسة حول اهتزاز الثوابت.



    - "عالم دون سيادة"، الدول بين المراوغة والسيادة.



    - "نهاية الحدود"، دراسة حول الفوضى الدولية.


    - "الفائدة الاجتماعية لمفهوم الاحترام", المساهمون الآخرون في هذا الكتاب وعددهم سبعة يعملون أيضا في حقول التدريس الجامعي والبحث الإستراتيجي.



    المطلب الثاني: نشأة نظرية اهتزاز النظريات(1):



    من خلال عملية بحثنا عن هذه النظرية "اهتزاز النظريات" اتضح لنا أنها نظرية قديمة-حديثة وهذا رجع إلى كونها ظهرت في سبعينات القرن الماضي مواكبة لتجدد العديد من الاتجاهات النظرية الكبرى, لكنها لم تعرف ولم تصل لمستوى الشهرة والتفوق كالذي حظيت به النظريات الأخرى وعلى رأسها –طبعا- الاتجاه الواقعي الذي نال استحسانا وقبولا لدى العديد من المفكرين وعلماء السياسة لقربه من المنط ومن التحليل الواقعي.



    وبعد مرور العديد من السنوات وبالضبط القرن الحالي, عرفت نظرية "اهتزاز النظريات" مكانة مرموقة وعلا شأنها بين جمهور المفكرين والمحللين الذي بدئوا ينتبهون لكل ما كان الأستاذ "بادي" يورده في مؤلفاته حول مسيرة النظام الدولي, اضطراب الفواعل في العلاقات الجديدة, انقلاب الموازين بين اللاعبين الدوليين وكذا آراؤه في العديد من النظريات كالاتجاه التكاملي والوظيفية بشقيها التقليدي والجديد وغيرهما من نظريات ساهم الأستاذ "بادي" في إظهار نقطا ضعفها وقصورها, ولم يتوانى في إعطاء الحلول المنهجية والبدائل المتاحة لأجل الوصول لفهم أفضل للواقع الدولي.



    وبالتالي, أصبحت الآن "اهتزاز النظريات" من أهم منابع التحليل السياسي للعلاقات الدولية ومرجعا مهما لكبار المفكرين والمحللين لتوسيع مجال فهمهم للمتغيرات والفواعل الدولية.



    (1):وسام الأحمر,عفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا



    المبحث الثاني: مبادئ نظرية اهتزاز النظريات ومنطلقاتها(1):



    ككل نظرية تعتمد نظرية اهتزاز النظريات على عدة مبادئ وأسس تدعمها وعلى منطلقات فكرية تمثل خلفية تستند عليها في نشر وتقديم نفسها.



    المطلب الأول: مبادئ نظرية اهتزاز النظريات:



    قام الأستاذ "بادي" ببناء نظريته استنادا على مجموعة من المبادئ والدعائم التي رأى فيها أسسا مهمة لفهم وضبط مجريات العلاقات الدولية باختلاف فواعلها ومتغيراته, ويمكن تلخيص هذه المبادئ فيما يلي:



    * الثقافة: حيث يرى الأستاذ "بادي" أن العالم هو مجموعة متباينة في الأعراق والثقافات لدرجة لا يمكن معها غض الطرف, لكونها بإمكانها –في ظل ما يسمى اليوم بعولمة النظام الدولي وجمع النظام الدولي في نظام كوني واحد- أن تصبح مشكلة عويصة وتشكل خطرا على العديد من الدول خاصة التي تحوي قوميات كبيرة ومتنوعة على غرار نيجيريا, جنوب إفريقيا, روسيا..



    * التاريخ: حيث لا يمكن إهمال التاريخ باعتباره جزءا مهما في حياة أية أمة من الأمم, لكونه يعد مصدرا لإحياء التراث والعودة للهوية الأصلية ومرجع للانطلاق قدما نحو المستقبل, كما يثمَن الأستاذ "بادي" من جهة أخرى إيجابياً ولادة علم الاجتماع التاريخي، الذي لا يتجاهل الخصوصيات الثقافية ـ التاريخية للجماعات، فيعتبر اكتشاف التعددية الثقافية كسباً ثميناً من مكاسب التقدم السوسيولوجي الحديث. إلا أنه يحذر من الثقافة المطلقة، التي يمكن أن تؤدي إلى التضارب.



    * سياسة الفصل: إذ يرى بضرورة استقلال السياسة عن الدين، وبإعطاء الأولوية لسيادة التضامنات الاجتماعية الأفقية (= الطبقية) على حساب الأواصر العمودية (= الطائفية)، وبروز الفردية مع تشكل الطبقات، وظهور فكرة السيادة، والتمثيلية، باعتبارها، عنده، علامات عمومية مستقاة من التجربة الغربية.



    * تعدد الفواعل في النظام الدولي: حيث يرى الأستاذ "بادي" أن الدولة وحدها لا تكفي لتكون فاعلا وحيدا في العلاقات الدولية بل تحتاج لفواعل أخرى كالشركات الاحتكارية, المهاجرين, الشخصيات الرمزية...



    * الحرب في العلاقات الدولية: إذ يعتبرها أساسا هاما في بعض الحالات لإعادة التوازن للنظام الدولي كإقامة حرب لردع دولة عن قرار تتخذه قد يؤثر على مسار الدول الأخرى.



    المطلب الثاني: منطلقات نظرية اهتزاز النظريات:



    انطلق الأستاذ "بادي" من عدة ركائز في تحليل الواقع الدولي, وهي:



    * اعتبار النظام الدولي من أكثر النظم السياسية افتقارا للاستقرار وهذا راجع لكونه يتألف من عدد لانهائي من الوحدات المتحركة جميعها وباستمرار, ناهيك عن تبدله بدون الوصول لتقنينه وتتبع مصيره جيدا فأصبح فوضويا, وكذا لأن النظريات كلها باختلاف مناهجها ومضامينها, لم تتفق بعد على تصور النظام الدولي بمساراته الفعلية, ومساحات لعبه الحقيقية وعدم تحديد الاتجاهات الرئيسية المتحكمة فيه.



    * تطبيق علم الاجتماع لثوابت أولية متعلقة بالعلوم جامدة ما يصعب الوصول لفهم تام للمجتمعات الدولية, فاعتبر المجتمع الدولي, مجتمع الدولة.


    (1): شمس الدين الكيلاني, الدولة والحداثة في الغرب والبلاد الإسلامية, مناقشة آراء برتراند بادي.


    * لم يتسنى للعالم حفظ التوازنات الرئيسية إلا عن طريق تدخل بعض الدول, وهذا راجع إلى صعوبة تحديد اللاعب الأولى وانعدام السيطرة على اللاعبين لتعقيد لعبهم, ولأن العلاقات الدولية أصبحت من صنع المشاريع المتعددة الجنسيات والكنائس وجماعات الضغط وتوابع الاتصالات أكثر مم هي نتاج تركيبة الأفراد والمهاجرين سرا والطلبة القاريين, إضافة إلى مواجهة اللاعبين المهيمنين على النظام الدولي لتحديات لصالح لاعبين جدد يجمعون موارد متزايدة الخطورة.



    * صعوبة تقل قواعد النظام الدولي من طرف كل لاعب, ما يجعل بعض اللاعبين لا يتوانون عن فكرة الخروج عنه وممارسة القواعد التي تروق له.



    * اصطدام عولمة نموذج الديانات بالاختلافات الثقافية, فتقيم مفهوما آخر للنظم الدولي ما خلق مشكلة له, هي حيرة العديد من الدول في إتباع اختيار من الإثنين: إعطاء الأولوية للثقافات الداخلية أو تبني الممارسات السياسية الغربية, وفي كلتا الحالتين الدولة قد تخسر الكثير لأنها لو اتبعت نهج تبني الممارسات السياسية الغربية فستجد رفضا وعصيانا من طرف شعوبها, وإذا اختارت إعطاء الأولوية لثقافاتها المحلية فستجد تعارضا مع القواعد الدولية, فأيسر الأمرين صعب بالنسبة لها خاصة إذا كانت دولة ضعيفة نوعا ما مقارنة بالدول المهيمنة على النظام العالمي وصناع القرار فيه أو أمام الشركات الاحتكارية الكبرى في العالم, فتتعرض لنشأة كيانات فرعية مستقلة تتجه بلعبها للمسرح الدولي.



    * تدفق الأفكار والإيديولوجيات المعيارية للنظام الدولي وانتشار اللاعبين عبر القوميين المفلتين لسيادة الدولة يزيد من احتمالية انهيار الدولة وظهور اللاعب-الفرد بدل اللاعب-الدولة, خاصة مع تناقص سيادة الدول نتيجة خضوعها للنظام الدولي أو التحالفات الإقليمية والعالمية ففقدت هيمنتها وهيبتها على شعوبها ومواطنيها, ففسح المجال للشخصيات الكبير بداخلها أن تأخذ مكانها وتلعب دورها على أكمل وجه, ومع التعددية الطائفية ازدادت متاعب الدولة أكثر وأصبحت على وشك الانهيار الفعلي.



    * الدبلوماسية تعتبر دالة تنظيمية مميزة للعلاقات الدولية, لأنها تستطيع التحكم في العديد من القضايا وتغيير منحاها وتسوية الأمور العالقة.



    * الأخذ بطريقة المقارنات المتتالية، كمحاولة القبض على إشكاليات الحداثة في بلاد الإسلام، والغرب، عن طريق المقارنات المتتالية لظروف نشأة الدولة ـ السياسة، قديماً وحديثاً.



    الفصل الثاني:



    المبحث الأول: آراء وأفكار النظرية:



    من خلال الاطلاع على أهم ما جاء في مبادئ ومنطلقات اقتراب اهتزاز النظريات نستنتج مجموعة الأفكار التي تبلورت في أعمال الأستاذ "بادي" وتطبيقها على الواقع الدولي, لكن قبل هذا رأينا أنه من الأحسن استعراض المصطلحات والمفاهيم التي يراها الأستاذ "برتراند بادي" جديدة في حقل النظام الدولي.



    المطلب الأول: المفاهيم الجديدة في النظام الدولي(1):



    1- انهيارالسيادة:



    نجم عن تعدد الفاعلين في محيط قابل للتشكل من جديد، انالدولة لم تعد تحتكر الحرب، فهي حسب -برتراند بادي- قد فقدته لصالح أصحابالمشروعات المتعددين من دينيين، قبليين، عرقيين، عشائريين، بل وأيضا اقتصاديينومافيا الذين لا حاجة لهم بالسيادة.



    وكان لفشلنموذج الدولة/الأمة في أنحاء عديدة من دول الجنوب، ان برزت لسد الفراغ تشكيلات ماقبل دولتية مثل العشائر والطوائف، ويمكن تمييز مفاهيم جديدة طفت علىالسطح، أصبحت لازمة لفهم الحراك والهياج على المسرح الدولي، ومن هذه المفاهيم : الدولة الفاشلة : يعرِّف مركز أبحاث الأزمات في كلية لندن للدراسات الاقتصاديةالدولة الفاشلة بأنها: "حالة انهيار الدولة، أو الدولة العاجزة عن أداء وظائفالتنمية الأساسية وحماية أمنها وفرض سيطرتها على أراضيها وحدودها" كما تعد مجلةالسياسة الخارجية الأميركية مؤشراً سنوياً، باسم دليل الدول الفاشلة على أساس 12عاملاً، ومن هذه العوامل وجود دولة داخل دولة، وبروز نخب تسمح بتدخل دول أخرىبالتأثير المباشر على سياسات هذه الدولة وقراراتها.. وقد احتلت دولةساحل العاج المركز الأول في الدليل، إذ قسمتها الحرب الأهلية إلى نصفين وهى الأقربإلى التفكك، وستكون في انهيار تام إذا انسحبت قوات حفظ السلام الدولي. ويتبعها دولالكونغو والسودان والصومال وسيراليون وتشاد واليمن وليبريا وهايتي.



    2- شبه الدولة :



    هو ما يعني تعدد مستويات الدولة وتباين درجاتها، فدول العالم، وإن كانت متساوية فينظر القوانين والأعراف الدولية، إلا أنها متباينة على مستوى الواقع العملي، أي أنهناك تدرجا ومستويات للدول. فكثير من الدول في عالم الجنوب لا تمتلك مقومات الدولةالتي تتمثل بقدرتها على بسط الأمن وترسيخ سلطة الدولة على كامل التراب الوطني علىالرغم من اعتراف بقية الدول بها. أي أنها (بمعنى آخر) تمتلك سيادة قانونية بوصفهاعضوة في الأمم المتحدة إلا أنها لا تمتلك سيادة فعلية على مساحتها الجغرافيةولا تمتلك مؤسسات فاعلة قادرة على القيام بواجباتها، ما يدفع المواطنين إلى التشكيكبشرعيتها وفقدان الثقة بها. دولة الأمر الواقع: وهو مصطلح يشير إلى المناطق التيتسيطر عليها حركات متمردة أو قوى سياسية انفصالية، وأقامت عليها إدارات أضحت بمثابةدولة بحكم الأمر الواقع، لكنها تفتقر إلى الاعتراف الدولي، فجمهورية ارض الصومال، وقبرص وتركيا أمثلة على دولة الأمر الواقع.(1): سعدسلوم, هل ثمة فائدة من استعادةالسيادة في زمن أفولها؟



    معطيات عالمجديد/ سيادات جديدة:ترافق ذلك مع بروز بعض المعطيات الجديدة في عالم يتشكلبتسارع هائل سنشير الى ثلاثة منها:


    1-الفرد/ سيادة الدول:بروز مركز الفردفي القانون الدولي وتحول انتهاكات حقوق الإنسان إلى حيز الاهتمام العالمي وتدخلالجماعة الدولية لحماية هذه الحقوق في حال انتهاكها من قبل الدول تجاه مواطنيها،على نحو يحدد سيادة الدول لصالح هذه القواعد العالمية مثال على ذلك القرار رقم 688/1991 والذي عد قمع الدولة للمدنيين تهديدا للأمن والسلم الدوليين، وفرضت بعدهمناطق للحظر الجوي في سبيل حماية المدنيين من بطش الدولة آنذاك، والمثال الآخريتمثل بإنشاء العديد من المحاكم الدولية في حال حصول جرائم تنتهك حقوق الإنسانوالقانون الدولي الإنساني كجرائم التصفية العرقية والجرائم المرتكبة ضد الإنسانيةوجرائم الحرب، مثل المحكمة الجنائية الخاصة بيوغسلافيا السابقة وراوندا والمحكمةالخاصة بسيراليون ووحدة الجرائم الخاصة بتيمور الشرقية وأخيرا وليس آخرا المحكمةالعراقية الخاصة. وبهذا الصدد يذهب برتراند بادي للقول بـ"إن تحبيذ حقوق الإنسان فيكل مكان في العالم هو التزام أخلاقي وفي الوقت نفسه اعتقاد متبصر بأن انتهاك هذهالحقوق في أحد الأماكن من العالم يؤثر على مكان آخر متجاوز لحدود السيادة".

    2- قوى العولمة/أفول السيادة:


    الانسياق مع قوى العولمة منقبل الأطر المؤسسية للجماعة الدولية مثل الأمم المتحدة التي اتجهت نحو الشراكة معالمنظمات الدولية كالبنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية في بعض المشاريع المشتركةوليس من اعتراف أوضح من ذلك بفاعلية الأخيرة كشخص من أشخاص القانون الدولي بعد أنكانت الدول لوحدها هي الشخص الرئيس للقانون الدولي.فضلا عن أن التطور التقنيوالإعلامي وثورة المعلومات، قلص من حجم العالم إزاء الوعي به من جهة، ووسع الإدراكبهذا العالم من جهة أخرى، وجعل من سيطرة الدولة على الحدود محض سراب، ما جعلالسيادة تدخل في مرحلة الأفول، فالحدود أصبحت مسامية تنفذ منها المعلومات والأسلحة،والحواجز تذوب أمام التقنيات المتطورة، وغرف الفنادق تفتح أبوابها المغلقة بعد أناخترقت الأصوات الجدران. ولأول مرة تصبح التقنية العامل الحاسم في تطور التاريخ،وربما ستصبح العامل الحاسم في دماره، انه عصر"أفول السيادة" كما جاء في كتاب يحملالعنوان نفسه لـ"ولتر ب. ”وستون “.



    يقدم النص الآتي كدليل على انتفاء سيادة الدول في عصر الهيمنةالأميركية، وهذا النص لوزير مالية الولايات المتحدة الأميركية "روبرت أوين" فيأيلول العام 1997 يحمل عنوان "أعذرني يا محمد: "على أي كوكب أنت تعيش. أنتتتكلم عن المشاركة في العولمة كأن ذلك يتضمن خيارا متاحا لك. فالعولمة ليست خيارا،وإنما حقيقة واقعة.... إن أهم حقيقة حول العولمة هي أن لا أحد يسيطر أيهاالأبله. أسواق العولمة تشبه الانترنت.....لا يوجد احد في مركز السيطرة، لا أميركاولا القوى الكبرى ولا أنا".3-الإرهاب العابر للحدود/انكماشالسيادة:بروز الحركات الأصولية وتهديدها سيادة الدول من الداخل، في ظاهرة قد يصحأن نسميها الانكماش الداخلي للسيادة، فمواطنون تابعون لدول صغيرة يستطيعون الآنتهديد امن اكبر الدول، عصبة من الأفراد هددوا امن اكبر الدول قاطبة في 11 أيلول،وهم نفر مسلحون بأكثر التقنيات تطورا، ملتفون تقنيا على الرقابة التي تفرضها الدول،كما في استخدامهم الناجح للانترنت، وهم بذلك وعلى حد وصف جيل كيبيل قد (خلقوا فضاءكونيا جديدا، "أمة رقمية" تمتد من ليدز إلى بيشاور، من شرم الشيخ إلى مدريد ومنالرياض إلى أمستردام. وليس لأمة الجهاديين هذه سوى مكة افتراضية، لم يعد لها مركزمعين، بل إنها بالأحرى متعددة المراكز، تنتمي إلى مجرة مواقع الـ"ويب"، منابرتعتليها لتبشر بخلاص البشرية عبر القضاء على الكفار.المطلب الثاني: أفكار اقتراب اهتزاز النظريات(1):



    تجمعت أفكار الأستاذ "برتراند بادي" تحت ما أسماه "اقتراب اهتزاز النظريات", وفيه يعالج العديد من الأمور التي تخص النظام الدولي, وأهمها:



    1- حالة النظام الدولي ووحداته:



    حيث يرى أن النظام الدولي أصبح يعيش حالة من الفوضى والاضطراب نتيجة ظهور العديد من الدول والأفراد كلاعبين جدد على المسرح الدولي, وأصبحت حركتهم ملحوظة, تمنح لهم موارد كبيرة لجعلهم لاعبين حقيقيين بالمعنى الحقيقي في مقابل فقدان الدولة لهويتها.



    كذلك فإن تمتع وحدات النظام الدولي بالحركة المستمرة والتغير المتتالي ما يجعل من تتبعها والتحكم فيها أمرا صعب بين الدول وبالأخص المهيمنة منها, وهي بهذا تسبه الفراشة في شكل جناحيها, فهي تملك ألوان عديدة تنطوي تحت جناح يضمها لكنها لا تختلط أبدا, وهي حالة المجتمع الدولي فكل الدول تنطوي تحت اسم الإنسانية لكنها متفرعة لأعرق ومذاهب وإثنيات كثيرة يصعب جمعها في ثقافة واحدة.



    كما أن العالم حسب الأستاذ "بادي" عاد إلى النمط الإقطاعي وارتبط بالفوضوية ويسير إلى الانفجار أكثر منه إلى المثالية والتحضر.



    كما نفى أن تكون الدولة اللاعب الوحيد عالميا لكونها نتيجة من نتائج التاريخ, حيث استمرت عن طريق الحيل وحصر المسرح الدولي في حيز أوربا وأمريكا الشمالية التي جعلت إحدى المعطيات العالمية, ناهيك عن أن النظام الدولي تعلق بفكرة اللاعب-الفرد أكثر من فكرة اللاعب-الدولة.



    2- الأمن:


    يعتبر الأستاذ "بادي" أن مسألة الأمن حولت الدولة إلى "دولة مبتزة" موافقا بذلك "شارل شيللي", وأن أمر السيادة أصبح مزدوجا بين الدولة والنظام الدولي, فوجد التفاعل بين الدولة والحرب, وأن هذه الأخيرة لم تعد صالحة فيما سبق لاهتزاز مكانتها وتفضيل معظم اللاعبين عدم الدخول (1): سعدسلوم, هل ثمة فائدة من استعادةالسيادة في زمن أفولها؟


    في تيارها, لكن في الوقت الحالي ومع ما يشهده النظام الدولي من تسارع في الأحداث وتغيير دائم لنمط سير الفاعلين الدوليين وتضارب المصالح فإن احتمال عودة الحرب للنظام الدولي أمر لا مفر منه لكونها تعبير فريد عن الصراع ونتيجة مباشرة لسياسات كل لاعب دولي.



    3- النظام الكوني:



    حيث يرى أن تعميم النظام الإقليمي المتجانس أدى للتعميم الكوني للنموذج القومي, وهو ما سبب انفلاتا حادا وانزلاقا خطيرا في العلاقات الدولية, لأن الدول انشطرت لعدة أجزاء, منها ما انجر خلف هذا التعميم فتعرض لأزمات ثقافية داخلية خطيرة أهمها وجود كيانات صغير راغبة في التخلي عن الدولة الأم, ومنها من رفض التوغل في هذا التعميم خشية مواجهة أزمات لا تغني عن أمنها واستقرارها فواجهت خطر غضب الدول الكبرى والمهيمنة على النظام الدولي, فأصبح النظام الكوني مملوء بالتوتر والانفلات.



    4- الاتجاهات النظرية الكبرى في العلاقات الدولية:



    هنا يقوم الأستاذ "برتراند بادي" بمحاولة التقي عن كل النظريات والمدارس المساهمة في تحليل الواقع الدولي, وإظهار نقاط الضعف والقصور فيها بغرض إيجاد وسيلة لفهم أدق وشامل للنظام الدولي, وهو ما يعرف ب"أزمة التنظير في العلاقات الدولية".



    ويبدأ الأستاذ "بادي" تحليله لتلك النظريات باعتبارها, لم تتوصل لوضع تصور دقيق لمجريات الواقع الدولي, وأنها لم تحدد جيدا الفواعل والمغيرات الدولية حيث يقول: "وقع خلط كبير في المحاولات المختلفة التي استهدفت إدماج مفهوم النظام في نظرية العلاقات الدولية, كما أن المؤلفات التي كتبت لإيضاح هذا المفهوم على يد الكتاب: آرون, كابلن, هاس, والتز, هوفمان, مارل... جاءت متباينة وتفتقر إلى الشمولية.."



    وبهذا فهو يرى بأن جميع النظريات على اختلافها لم تصل للمستوى المطلوب لتحليل الواقع الدولي على وجه صحيح رغم أنه يوافق الواقعية والسيكولوجية كثيرا في عدة أوجه كضرورة الحرب لإعادة التوازن الدولي, العلاقات تبنى على المصالح, الدولة تعتبر ركيزة مهمة في العلاقات الدولية لكنها ليست الوحيدة بخلاف ما ذهبت إليه المدرستان السابقتان.



    كما أنه يوافق نظرية الفوضى التي تقول بأن النظام العالمي يعيش حالة فوضى واللااستقرار نتيجة تغير موازين القوى واعتلاء دول جديدة ركح المسرح الدولي, وهو ما ينذر باحتمال قيام حروب عالمية أو ثنائية جديدة ولعل الأزمات الحالية التي يعيشها النظام العربي دليل على حالة الفوضى الخانقة التي وصل إليها العالم.



    ومن جهة أخرى فقد لقيت نظرية الحداثة حصة الأسد من تحليل الأستاذ "بادي" الذي تحدث عنها مطولا وعن أفكارها حيثينطلق من الاعتراف بالأزمة، التي تعانيها فرضية الحداثة الشاملة التي هيمنت على التفكير السوسيولوجي، وحاولت تعميم تجربة النمو الغربية على العالم،وانطلاقاً من ذلك يقول: "إن مسيرة الحداثة لا تمنع من مواجهة تمددها خارج العالم



    الغربي"(1).على الرغم من اعتراف المؤلف بالأشكال المختلفة، التي يمكن أن تتخذها الحداثة، إلا أنه يلحظ وجود معايير مشتركة لهذه الحداثة، وأنه لا وجود لجماعة ثقافية منغلقة كلياً عن الآخرين. فالتفاعلات مستمرة، والعلاقات الدولية القائمة على التبعية والترابط، تُسهم منذ القرن الماضي، على الأقل، في فرض رهانات مشتركة بين الدول.



    المبحث الثاني: تحليلات للواقع الدولي(2):



    لقد قدم الأستاذ "برتراند بادي" عدة تحليلات للكثير من القضايا الدولية نعرض بعض منها فيما يلي:



    1- الشرق الأوسط: عفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا يرى برتراند بادي أن وضع منطقة الشرق الأوسط سيكون أفضل إذا تولى أبناؤها مصيرهم بيدهم, واعتبر أن مشروع الشرق الأوسط الكبير الذي اقترحه المحافظون الجدد الأميركيون فشل «فشلاً ذريعاًً»، وأن منطق القوة فشل، وأخفقت واشنطن برسم صورة المنطقة كما تريد، بفضل صمود قوى المقاومة، ودبلوماسية سورية وبروز لاعبين مثل تركيا. ورأى بادي وهو رئيس المجلس العلمي لـ«المعهد الفرنسي لدراسات الشرق الأوسط» ومقره دمشق أن «دبلوماسية سورية الحازمة» حققت ما لم تحققه «دبلوماسية مصر المرنة»، وأوضح أن تمسك سورية بخياراتها الدبلوماسية خلال مرحلة العزلة أقنع القوى الغربية بضرورة التحدث معها وإدخالها في اللعبة الإقليمية. ووصف بادي سورية بـ«النقطة الثابتة» في الشرق الأوسط التي لا يمكن استبعادها عن حل أي مسألة إقليمية. وأبدى أستاذ العلاقات الدولية المعروف بمناسبة صدور كتابه «نهاية العالم الأحادي» تشاؤما حيال المفاوضات المباشرة الفلسطينية- الإسرائيلية، معتبراً أن أي حل يتطلب إطاراً متعدد الأطراف تشارك فيه دول المنطقة والمجتمعات المحلية. ورأى أن تركيا هي الدولة الوحيدة القادرة على التحدث مع الجميع ولعب دور في عملية السلام حالياً، موضحاً أن فرنسا أو أي دولة أوروبية تجد صعوبة بالحصول على مصداقية في نظر جميع الدول في الوقت نفسه. أشرفتم مؤخراً على كتاب حمل عنوان «نهاية العالم الأحادي»، فهل بدأت ترتسم معالم مرحلة ما بعد العالم الأحادي القطب؟ اعتقدنا بعد انهيار جدار برلين أن معسكراً انتصر على آخر، وهذا لم يكن خطأ مئة بالمائة لأن الاتحاد السوفييتي انهار وبدا المعسكر الغربي الليبرالي كمنتصر، إلى درجة تحدثنا عن أحادية قطبية، وقدمنا الولايات المتحدة كقوة وحيدة تسيطر على العالم وتسيطر أولا على المعسكر الغربي الذي تعزز وضعه بضعف المعسكر السوفييتي. إلا أن الحقيقة بدت مختلفة تماما فأحادية القطب لم تترسخ، والقيادة الأميركية تجد صعوبة أكثر فأكثر بفرض إرادتها، لاحظنا ذلك في أفغانستان والعراق على وجه الخصوص. وبجانب هذا لاحظنا بروز قوى جديدة. القوى الناشئة هزت عرش الهيمنة الأميركية ونافستها على دورها. ورأينا أخيراً أن النظام الليبرالي المنتصر عام 1990 والمسيطر خلال عقد التسعينيات دخل هو الآخر في أزمة اقتصادية. أزمة بدأت في آسيا نهاية التسعينيات وتوالت في قلب العالم الغربي عام 2008. ويعاني العالم الغربي أيضاً أزمة هوية، وهكذا نجد أنه في حين يفقد الغرب هيمنته تعيد قوى أخرى التوازن إلى هذا



    (1): برتران بادي وآخرون, مرجع سبق ذكره, ص 351.



    (2):برتران بادي وآخرون, من يخاف من القرن الحادي والعشرين؟



    النظام. الواجهة الغربية لا تتمكن من فرض هيمنتها على العالم، ولهذا تحدثت عن نهاية العالم



    الأحادي وكان بإمكاننا القول نهاية سراب العالم الأحادي الذي اعتقد البعض بوجوده واليوم لا يؤمن أحد به حتى في الولايات المتحدة.


    في ضوء هذه التغيرات كيف تقرأ تطور العلاقات المتعددة الأطراف في الشرق الأوسط، وخاصة مسار التقارب بين تركيا وسورية وبقية دول المنطقة، ومشروع ربط البحار الأربعة؟ لعله من المفيد التذكير بالتاريخ. فخلال حكم المحافظين الجدد ساد اعتقاد في الولايات المتحدة بأنها قادرة على رسم الشرق الأوسط على صورتها عبر مشروع «الشرق الأوسط الكبير». وقد فشل هذا المشروع فشلاً ذريعاً. ولم تتغير الأنظمة كما كانت تطمح واشنطن. وفشل المشروع لأن القوة العظمى تجد صعوبات على الصعيد السياسي وأيضاً العسكري. وأخفق المشروع الأميركي أيضاً لأن أصواتاً أخرى ترتبط بدول مثل إيران بدأت تعلو، وبرزت قوى أخرى مثل تركيا. وفي النتيجة نلاحظ أنه بدلا من شرق أوسط على صورة القيم الغربية والأميركية، نرى شرقاً أوسط صاغته قوى جديدة وتيارات جديدة بعملها المتواصل.

    من جهة ثانية بقي الشرق الأوسط وقتا طويلاً خاضعا لميزان القوى، واعتقدت إسرائيل أن قوتها العسكرية تجنبها تقديم أي تنازل وتسمح لها بالحفاظ على الوضع الراهن لمصلحتها. وبالفعل استمر هذا الرهان ونجحت إسرائيل بالهروب من المفاوضات الدولية وعدم تقديم أي تنازل ولكن في الوقت نفسه لا تستطيع إسرائيل إنهاء كل حركات المقاومة التي تنمو في المنطقة ولا تستطيع فرض أمر واقع لمصلحتها وهذا دليل مهم على أن القوة العسكرية لا تكفي في عالمنا. المقاومة الفلسطينية لم تنته ومازالت قائمة عبر غزة بشكل خاص، وأيضاً حزب اللـه حافظ على قوته القادرة على إحباط مبادرات إسرائيل. ويجب التنويه أيضاً بأن بعض الدبلوماسيات وخاصة السورية قاومت الرؤية الإسرائيلية وتناضل من أجل رؤية أخرى للسلام في الشرق الأوسط.

    2- سورية جسر وحيد بين الغرب وإيران وحماس:

    حاولت قوى غربية ومنها فرنسا تغيير المنطقة بعد عام 2005، واغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري، وقادت سياستها بناء على اتهام سورية بالاغتيال واليوم تراجع رئيس الوزراء الحالي، الحريري الابن، عن اتهام سورية فهل هذا يستوجب برأيك موقفاً جديداً من فرنسا؟

    الموقف الفرنسي تطور كثيراً لجهة تعزيز العلاقات مع سورية، ولدينا انطباع أن الدبلوماسية الأوروبية معطلة حاليا، والمؤكد أنه في هذه المنطقة لا يمكن معالجة المسائل الوطنية بشكل منفصل، فالروابط الوثيقة بين لبنان وسورية تمنع حل أي شيء في إطار الدولة فقط بل يجب إشراك كل الدول. وبالنسبة لسورية أعتقد أن الدول الأوروبية والولايات المتحدة عرفت أنه لا يمكن إبعاد سورية عن اللعبة السياسية الإقليمية، وسورية عززت وضعها بسياستها الحازمة أكثر مما تعززت مصر مثلاً بسياستها المرنة، ونرى اليوم أن دبلوماسية حسني مبارك متعثرة أكثر مما هي دبلوماسية بشار الأسد. وسورية تمثل نقطة ثابتة لا يمكن تجاوزها في أي عملية تفاوض إقليمية. وانطلاقا من هذا عادت فرنسا إلى سورية التي عادت بدورها نحو فرنسا وبهذا المعنى ورغم الصعوبات (في التقارب بين واشنطن ودمشق) نجد لدى الرئيس الأميركي باراك أوباما رغبة بالالتفات نحو سورية، والسبب في ذلك هو أن سورية لم تتنازل عن أي من خياراتها الدبلوماسية خلال مرحلة العزلة، ما شكل وعياً بأن سورية لا تغير خياراتها ومن الأفضل أن تكون داخل اللعبة بدلا من أن تكون خارجها وثانياً أعتقد أن سورية تمثل حالياً في الشرق الأوسط معبراً مهماً للوصول إلى الأنظمة البعيدة عن الغرب، مثل إيران وحماس. وسورية ظهرت كجسر وحيد، وربما مع تركيا، بين العالم الغربي وإيران وحماس وحزب اللـه وعندما يقرر الغرب التفاوض مع حماس أو إيران تبرز القناة السورية ضرورية.

    لا حل سلمياً دون إشراك دول المنطقة.


    * تدهشني سرعة تطور المجتمع السوري:


    زرت سورية مرات عدة، ما الذي يلفت نظرك فيها؟ لست مختصا بسورية ونظامها السياسي، بل بالقضايا الدولية لكن ما يثير دهشتي هي سرعة تحول المجتمع السوري. عندما تصل كمراقب أجنبي إلى مطار دمشق تلاحظ مجتمعاً منفتحاً على العالم، ومجتمعاً يظهر قدرة اقتصادية واجتماعية تثير غيرة دول في المنطقة. هل صورة سورية اليوم على أرض الواقع هي الصورة الرائجة نفسها في الإعلام الغربي؟ سورية عانت من صورة ليست لمصلحتها وأحياناً مجحفة، وعلينا القول أيضاً إن سورية لا تظهر بشكل كاف مؤشرات الانفتاح، فهناك أحكام مسبقة يجب محاربتها.


    3- تركيا اللاعب الأفضل:


    فرنسا عينت السفير جان كلود كوسران لمحاولة التحرك على المسار السوري، فهل يمكن أن تنجح حيث أخفق آخرون؟

    حاليا الرياح لا تهب في هذا الاتجاه، وما يلفت نظري في المفاوضات المباشرة الفلسطينية- الإسرائيلية بإشراف الولايات المتحدة أنها استبعدت أوروبا وروسيا ولدي انطباع الآن بأن هناك عودة نحو سيناريو أميركي أكثر منه سيناريو متعدد الأطراف، ولست متفائلا إزاء مستقبل المفاوضات وفي حال فشلت لابد من بديل لكن ما البديل، هل فرنسا أم الأمم المتحدة، أم تركيا؟ لا أحد يعرف. أعتقد أن الحكمة تقول إن هناك حاجة لإطار الأمم المتحدة المتعدد الأطراف لإدخال أكبر عدد من اللاعبين في عملية سلام معقدة ولإعطاء ضمانات متعددة الأطراف واللاعب الأفضل اليوم هي تركيا لأنها البلد الوحيد في العالم حالياً الذي يقيم علاقات جيدة مع جميع الدول في المنطقة.

    4- إسرائيل؟

    نستثني إسرائيل إذا نظرنا إلى علاقات تركيا بإسرائيل سابقاً ولكن اليوم هناك علاقات دبلوماسية وحتى عسكرية لم تنقطع. وبكل الأحوال أعتقد أن المنطقة ستكون بوضع أفضل عندما تتولى مصيرها بيدها بدلا من فرضه من الخارج، وأعتقد أن أوروبا وفرنسا يمكنهما التحرك من أجل السلام لكن في إطار متعدد الأطراف ويجب الاعتماد على لاعبين محليين وتركيا تتمتع بميزات كبيرة على هذا الصعيد. وبكل الأحوال من الصعب لدولة غربية أن تتمتع بمصداقية في عيون الجميع في الشرق الأوسط في الوقت نفسه. فرنسا اقتربت كثيراً من إسرائيل وأظهرت تواطؤاً خلال الحرب على غزة وربما ذهبت بعيداً في هذا التواطؤ الذي قربها من تل أبيب وأبعدها قليلا عن الدول العربية. ومن هنا أقول إنه يجب التفكير على مستوى المنطقة بلاعبين محليين وضمانات دولية.

    سورية تحاول الاستفادة من موقعها الجغرافي كمفترق من خلال مشاريع للاندماج الإقليمي الاقتصادي على الأقل، فهل لهذا حظ بالنجاح؟ هناك حظ معقول لأن سورية بلد مفترق ولديها الكثير من الميزات. وبكل الأحوال المنطقة تسير بشكل أفضل عندما تتحسن العلاقات بين الدول العربية ويزول التوتر الذي ميز العلاقات بين الدول العربية، لنتذكر سورية والأردن في السبعينيات أو سورية والعراق عندما كان حزبا البعث في السلطة، أعتقد أنه يجب العودة إلى نهاية الأربعينيات عندما كان حلم الأمة العربية قائماً، صحيح أنه من الصعب التفكير اليوم بتوحيد الأمة العربية لكن التقارب والاندماج يصب في مصلحة الجميع وحتى إسرائيل في نهاية المطاف.


    5- العراق: السيادةالقانونية/ السيادة الفعلية:كان العراق قد أصبح دولة مستقلة منذ العام 1922بموجب معاهدة عقدت مع بريطانيا، لكنه حصل على صك السيادة بانضمامه إلى عصبة الأممالعام 1932، إذ حصل بموجب ذلك على الاعتراف الدولي الذي لا تحيا السيادة إلابه.لكن النفوذ البريطاني في العراق لا يزال قويا، وطوال مدة الحكم الملكي كانالإحساس حاضرا بكون البلاد لا تزال ناقصة السيادة، حتى زمن الإطاحة بالحكم الملكي 1958. لكن من المبالغة أن نعلن انطلاقة النظام الجمهوري بوصفها علامة فارقة فيمسيرة السيادة، إذ لم تزل رياح الصراع الإيديولوجي تعصف بالمنطقة أو على حد ما لاحظوليام بولك (كانت الاستخبارات الأميركية والبريطانية تؤثر ببراعة في القوى الداخليةوبحكومات الدول المجاورة لغرض التأثير على الحكومات العراقية المتعاقبة والهيمنةعليها. وكان احتمال "تغيير النظام" عن طريق الاغتيال أو الانقلاب أو الغزو هوالورقة الرابحة بيد الأجنبي على الدوام) (وليام بولك، الخروج من العراق) وفي زمنالبعث الحاكم 1968-2003 بدأت السيادة تفقد مغزاها منذ ان تحولت إلى محض سيادةالحاكم على شعبه، وسيادة الأيديولوجيا على السكان الذين قسروا عبر هندسة ثقافيةفوقية إلى الذوبان في تطلعات الحزب الحاكم وأهدافه.وجاءت الحروب المتتالية 1980-1988، 1991، 2003، لتعمل تدريجيا على تقويض السيادة وتنتهي أخيرا بتقويضالدولة وانهيارها 2003. بعد غزو الكويت بدأ العد التنازلي الذي دشن خروج العراق منالمجتمع الدولي، فرض القرار 661 نظاما للعقوبات يصفه البعض بانه "اشد نظام عقوباتقسوة يفرض على دولة منهزمة منذ أن هزمت روما قرطاجنة". لقد انضوت الجماعة الدولية (لأول مرة) بقيادة الولايات المتحدة ، لتقرراستعادة سيادة الكويت بالقوة (القرار رقم 678)، لكنها من جانب آخر، أخرجت العراق منحضيرة الجماعة الدولية، إذ لم ترده إلى مكانه بوصفه معتديا، بل تجاوزت ذلك إلىتحطيمه وتحويله إلى دولة منقوصة السيادة، لاسيما منذ أن قضى القرار 687 باستمرارنظام المقاطعة الاقتصادية وإقرار نظام المراجعة الدورية، مما يعنى أن الكل وهوالجماعة الدولية لم تعد تعنيها سيادة بلد خرج عن قواعد القانون الدولي، فاستحق منذذلك الحين أن يبقى منقوص السيادة.أو على حد تعبير دبلوماسي غربي فأن سياسةالغرب كانت تقضي بأن يبقي العراق في قفصه. وقد انتهى الأمر بمناطق حظر الطيرانوالغارات المتقطعة وعمل لجان التفتيش أن أتاحت التفكير مليا في السيادة بوصفها منآثار عهد يصعـب استعادته من دون الخلاص من نظام صدام الدكتاتوري.



    المطلب الثالث: تقييم "اهتزاز النظريات"(1):
    رغم أن المصادر التي تحصلنا عليها كانت قليلة لكننا توصلنا إلى أن اقتراب اهتزاز النظريات



    (1): برتران بادي, ت: غطاس أبو عيطة, الدولة المستوردة.



    ساعد النظام الدولي في كثير من الأمور وهي:



    * إظهار أوجه القصور في العلاقات الدولية والاتجاهات النظرية الكبرى فيها.



    * السعي الحثيث لإيجاد حل لنقاط الضعف التي تعاني منها نظريات ومدارس العلاقات الدولية.



    * الاعتراف بضرورة توحيد جميع النظريات في قالب نظري واحد يجمع كل أوجه الاختلاف والتشابه لأجل الوصول لفهم دقيق لمجريات النظام الدولي.



    * لفت الانتباه للعديد من القضايا التي لم تعرها النظريات السابقة اهتماما كبيرا على غرار إهمال دور السيادة الفعلية للدولة عند الوظيفيين, إهمال الجانب التاريخي-الثقافي من طرف نظرية الحداثة, وإهمال الجانب المادي من طرف السيكولوجيين..



    * منح إضافات جديرة بالاهتمام للساحة الدولية على غرار المفاهيم الجديدة المستنبطة من الواقع الدولي الراهن.



    لكن تبقى "اهتزاز النظريات" تعاني هي الأخرى ضعفا للأسباب التالي:



    * عدم وجود تطبيق فعلي لمضامينها وبالأخص من جانب توحيد سائر النظريات السابقة وجمعها في نظرية واحد, أمام رفض هذه النظريات لهذه الفكرة.



    * الاهتمام بالجانب التاريخي وإقصاء الجوانب الأخرى في عملية فهم مسار النظام الدولي.



    * عدم التطرق لكل الأسباب الدافعة لظهور الفاعلين الجدد في العلاقات الدولية.



    * ربط تصدع الدول بالأزمات الطائفية وإهمال الأسباب الأخرى كالأزمات الاقتصادية...



    * عدم إظهار قوة بعض النظريات التي يمكن القول بأنها الوحيدة التي ساهمت في حمل كل أعباء التحاليل للنظام الدولي كالمدرسة الواقعي التي كانت الأقرب من جميع النظريات الأخرى في تحليلها لمجريات النظام لعالمي.



    الخاتمة



    إن "اهتزاز النظريات" أقل ما يقال عنها أنها أعادت العالم بكل اختلافاته وتنوعاته وتغيراته والنظريات باختلافها واتساعها وعمقها إلى الصفر قصد إيجاد مسار أكثر وضوحا واستقرارا للنظام الدولي الراهن لبناء مستقبل أكثر انفتاحا وتحضرا وإنسانية بعيدا عن كل ما يهدد البشرية من حروب وعنف وقهر واستبداد واضطراب دائم واللاأمن واللااستقرار.



    ورغم عدم تطبيق العديد من مضامينها على أرض الوقع لكنها على الأقل ساهمت في وضع الحلول المناسبة لتفادي انزلاقات أكبر في العلاقات الدولية, لإشارتها بضرورة تجميع كل قوى النظريات السابقة في نظرية واحدة كافية لفهم النظام العالمي ومحاولة الخروج من أزمة التنظير للعلاقات الدولي.



    المراجع:



    أ/ فئة الكتب (من الإنترنت):



    * برتران بادي وآخرون, ت: سوزان خليل, انقلاب العالم, سيسيولوجيا المسرح الدولي, مصر, دار العالم الثالث.



    ب/ فئة المقالات (من الإنترنت):



    * شمس الدين الكيلاني, الدولة والحداثة في الغرب والبلاد الإسلامية, مناقشة آراء برتراند بادي.



    * وسام الأحمر,عفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا أصداء الوطن - الوطن السورية,



    2010-09-30.



    * سعدسلوم, هل ثمة فائدة من استعادةالسيادة في زمن أفولها؟



    *برتران بادي وآخرون, من يخاف من القرن الحادي والعشرين, مقالات مأخوذة من كتابه,البيان الإماراتية.



    * برتران بادي, ت: غطاس أبو عيطة, الدولة المستوردة, تاريخ النشر : 2008-11-06.
     
    خالد السحاتي و Faz معجبون بهذا.
  2. احمد السياسي

    احمد السياسي عضو نجم المنتدى

    Country:
    Algeria
    إنضم إلينا في:
    ‏3 أكتوبر 2016
    المشاركات:
    98
    الإعجابات المتلقاة:
    9
    نقاط الجائزة:
    8
    الجنس:
    ذكر

    Print

    مشكور اخى على المجهود
     
جاري تحميل الصفحة...