1. politics-dz

    politics-dz مدير الموقع إداري politico نجم المنتدى

    Country:
    Algeria
    إنضم إلينا في:
    ‏22 فبراير 2015
    المشاركات:
    3,918
    الإعجابات المتلقاة:
    3,844
    «بركان» الفساد يهدد البرازيل
    [​IMG]

    د. صدفة محمد محمود

    عندما برزت فضيحة «مينسالاو» أي الأقساط الشهرية الكبيرة إلى الواجهة في 2005، اعتقد البرازيليون أنها ستكون أضخم فضيحة فساد سياسي في تاريخ البرازيل الحديث، ولم يدر بخلدهم أن الأيام ستكشف عن فضيحة فساد أضخم بكثير، وهي فضيحة «بتروبراس».

    وفضيحة «مينسالاو» عبارة عن رشاوى شهرية كان يدفعها حزب العمال الحاكم لبعض أعضاء الكونجرس البرازيلي لضمان دعمهم السياسي، وتمت إدانة 25 شخصاً من كبار رجال الصناعة، وعدد من كبار المسؤولين السياسيين من 38 متهماً بتهم من بينها الفساد وغسل الأموال وسوء استخدام الأموال العامة. ورغم نجاح الرئيس السابق لولا دا سيلفا في الإفلات من الفضيحة، إلّا أنه خلال الشهر الماضي تم الإعلان عن التحقيق معه بشأن استغلال نفوذه لصالح إحدى شركات البناء الكبرى.

    برزت فضيحة الفساد في شركة «بتروبراس» النفطية في مارس/آذار 2014، حيث تم الكشف عن نظام معمم من الرشاوى التي دُفعت منذ ما يقارب العشرة أعوام من قبل شركات كبرى في قطاع البناء في البرازيل لمسؤولين في «بتروبراس» مقابل عقود مربحة، كما كشفت التحقيقات عن اختلاس أربعة مليارات دولار في غضون عشرة أعوام، لحساب نواب وبرلمانيين في الائتلاف الحاكم.

    وما بين فضيحتي «مينسالاو» و«بتروبراس» تم الكشف عن فضيحة الإنفاق على برامج لا أهمية لها، لشراء الأصوات الانتخابية، وهو البرنامج الذي طبقه الرئيس البرازيلي الأسبق «هنريك كاردوسو»، من أجل إعادة انتخابه، إلى جانب ظهور تقارير عديدة تتعلق بسوء استخدام المخصصات الممنوحة لسياسيين برازيليين ليكشف بوضوح خطورة مشكلة الفساد السياسي أو الفساد الكبير في البرازيل، ناهيك عن فساد الشرطة وتعاون بعض رجالها مع عصابات المخدرات.

    ويمثل الفساد تحدياً رئيسياً للتجربة الديمقراطية، وتهديداً قوياً للاستقرار السياسي والاقتصادي في البرازيل، ناهيك عن تكلفته الاقتصادية، فمتوسط التكلفة السنوية للفساد في البرازيل تُراوح ما بين 1 .2 و3.2 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. ويعكس انتشار الفساد وجهاً آخر للتناقض في التجربة التنموية البرازيلية؛ فالبرازيل التي تحتل المرتبة السادسة على مستوى العالم في النمو الاقتصادي، تحتل المرتبة 69 في مؤشرات الفساد لمنظمة الشفافية الدولية من إجمالي 175 دولة شملها مؤشر الفساد عام 2014، وكشف استطلاع رأي أجرته مؤسسة الشفافية الدولية عام 2013 عن أن أكثر المؤسسات فسادًا في البرازيل، هي: الأحزاب السياسية (81 بالمائة)، البرلمان والشرطة (72 و70 بالمائة على التوالي)، وأقلها فساداً المؤسستان العسكرية والدينية (30 و31 بالمائة على التوالي)، ورأى 54 بالمائة أن جهود الحكومة لمكافحة الفساد غير فعالة، وأكد 64 بالمائة أن مستوى الفساد زاد مقارنة بالفترة ما بين 2007 و2010. ومثلما كان الفساد الذي يشبه البركان السبب الرئيسي للمظاهرات العارمة التي أدت إلى إقالة أول رئيس برازيلي منتخب «فيرناندو كوللر دي ميللو» عام 1992، فقد مثّل المحرك الأساسي للمظاهرات ضد الرئيسة ديلما روسيف في الأعوام 2013 و2014 و2015؛ حيث كادت فضيحة بتروبراس أن تطيح بآمال روسيف في الفوز بفترة رئاسية ثانية في الانتخابات التي جرت في أكتوبر/تشرين الثاني الماضي، وربما قد تضعف من قدرتها على إكمال فترتها الرئاسية الثانية التي تنتهي عام 2018، في ظل حملة الانتقادات والاحتجاجات التي تتعرض لها، تحت مزاعم بأن معظم الرشى ببتروبراس وقعت عندما كانت تشغل روسيف منصب رئيسة مجلس إدارة الشركة خلال عامي 2003 و2010، ووزيرة الطاقة في حكومة لولا دا سيلفا خلال عامي 2003 و2005.

    وخلال السنوات الأخيرة، شهدت البرازيل اتخاذ العديد من التدابير الخاصة بمكافحة الفساد، وأصدرت العديد من التشريعات المعززة للشفافية والمحاسبة، مثل: قانون المسؤولية المالية (2000) وتعديلاته (عام 2009) الذي يفرض ضوابط على مستويات الإنفاق والدين العام، ويعزز الشفافية في الحسابات العامة، وفي 2010 تم تمرير قانون السجلات النظيفة ليمنع الأشخاص من الترشح لمنصب سياسي لمدة ثماني سنوات متتالية على أي مستوى، إذا كانت هناك اتهامات جنائية معلقة ضدهم، أو إذا تمت إدانتهم بارتكاب جريمة خطيرة.وهناك قانون المعلومات (2011)، الذي يسمح للمواطنين والصحفيين بتتبع النفقات العامة، ويلزم بنشر البيانات المالية على الإنترنت، وينظم حقوق المواطنين في طلب المعلومات والوثائق من جميع مستويات السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية. وبمقتضاه أصبحت مرتبات جميع العاملين في الحكومة البرازيلية بدءاً من رئيسة الجمهورية حتى أصغر موظف في الجهاز الإداري متاحة لجميع المواطنين على موقع بوابة الشفافية على الإنترنت. وفي يوليو/تموز 2012، تم تعديل التشريعات الخاصة بمكافحة غسل الأموال، وصدر قانون الشركات النظيفة عام 2013 الذي يتم بموجبه معاقبة الشركات المسؤولة عن انتهاكات القانون، أو المتورطة في قضايا فساد بغرامات تصل إلى 20 بالمائة من إجمالي الإيرادات في السنة التي تسبق بداية التحقيقات.

    وتلعب وسائل الإعلام دوراً مهماً في محاربة الفساد؛ حيث كشفت عن عدد كبير من قضايا الفساد، وقد أبدت رئيسة البرازيل دفاعاً قوياً عن حرية التعبير والإعلام، وقالت: إنها تفضل «ضجيج الصحافة على صوت صمت قبور الديكتاتورية». كما أن للمجتمع المدني دوراً مهماً في محاربة الفساد على جميع المستويات في البلاد. ولا تُظهر الرئيسة روسيف منذ توليها السلطة تساهلاً حيال الوزراء الذين يشتبه بتورطهم في قضايا فساد حتى أنها أقالت سبعة منهم خلال عامها الأول في الرئاسة بسبب اتهامات بالفساد، وعملت جاهدة لترسيخ مبدأ الحكومة النظيفة، كما أعلنت دعمها إجراء تحقيق شامل وشفاف وصارم حول فضيحة «بتروبراس».

    وبعدما كان الإفلات من العقاب هو الأساس في البرازيل، تم اعتقال العديد من رجال الأعمال والسياسيين، بما في ذلك أمين الصندوق السابق لحزب العمال الحاكم، ورئيس مكتب الرئيس في عهد لولا دا سيلفا (2003- 2005)، وهو أحد مؤسسي حزب العمال، وأرفع مسؤول ينتمي للحزب يتم اعتقاله ضمن التحقيقات الجارية، ما مثّل ضربة جديدة لحزب العمال الذي تتراجع شعبيته إلى درجة كبيرة، كما طالت الاتهامات العديد من رموز المعارضة في القضية نفسها. وقد ألقي القبض في وقت سابق من هذا الشهر، على خامس مسؤول تنفيذي بالشركة، في فضيحة الفساد الآخذة في الاتساع، والتي طالت رئيسي أكبر شركتي تشييد في البرازيل، وكذلك الرئيس السابق لهيئة الطاقة النووية الحكومية. وبالفعل تمت إدانة ثلاثة من خمسة مديرين تنفيذيين سابقين في «بتروبراس»، ليكون أول حكم على مسؤولين تنفيذيين بتهم غسل الأموال والتلاعب في عملية المنافسة على العقود في الشركة. وتشكل هذه الإجراءات خطوة صغيرة إلى الأمام في الاتجاه الصحيح، من أجل إيجاد حل لمعضلة الفساد السياسي في البرازيل، خاصة مع وجود العديد من العقبات التي تحول دون تفعيل آليات محاربة الفساد، ومنها: ضعف إنفاذ القانون، وفقدان المؤسسة القضائية إلى الفعالية؛ حيث قد تستغرق القضايا سنوات طويلة، وأحياناً عقوداً بأكملها قبل أن يتم البت فيها. ويعطي نظام المحاكم فرصاً عديدة للاستئناف قد يطول أمدها لفترات طويلة، كما يسمح القانون للشخص بالبقاء حراً خلال مدة عمليات الاستئناف، ويرتبط ذلك بما يمكن تسميته ب «ثقافة الحصانة البرازيلية»، حيث غالباً ما يتمتع كبار السياسيين بالحصانة ضد المحاكمات القضائية، في ظل تراخي وضعف نظام العقوبات، ما يرسخ لظاهرة الإفلات من العقاب. هذا، إضافة إلى عدم وجود رقابة كافية على تمويل الشركات للحملات الانتخابية، ناهيك عن تجذر ثقافة الفساد باعتبارها جزءاً من الحياة اليومية في البرازيل. وختاماً يمكن القول إن فضيحة «بتروبراس» كشفت عن تعاظم اهتمام الرأي العام البرازيلي بمشكلة الفساد، بحيث أصبح من الصعب على السياسيين تجاهل ذلك، وأدت إلى تطبيق قوي وفعال لحزمة من آليات مكافحة الفساد، كما أن سير التحقيقات في القضية، جنباً إلى جنب مع إدانة المحكمة العليا بعض السياسيين في فضيحة «مينسالاو»، وإرسالهم إلى السجن، إنما يبعث رسالة قوية، مضمونها أن القضاء يمكن أن يعمل بشكل مستقل لمحاربة الفساد، ما يكشف عن محاولات حقيقية لتجديد الدماء في التجربة الديمقراطية البرازيلية.
    تاريخ النشر: 20/08/2015
    *باحثة متخصصة في شؤون البرازيل وأمريكا اللاتينية
     
جاري تحميل الصفحة...