1. Nour

    Nour نور الهدى قراش إداري نجم المنتدى

    Country:
    Algeria
    إنضم إلينا في:
    ‏5 مارس 2015
    المشاركات:
    374
    الإعجابات المتلقاة:
    381
    نقاط الجائزة:
    63
    الجنس:
    أنثى
    الوظيفة:
    موظفة
    الإقامة:
    سطيف

    Print

    دور المجتمع المدني في ترقية الحكم الراشد: مقاربة في الحسبة الديمقراطية
    [​IMG]
    د/محند برقوق (*): أستاذ محاضر في العلوم السياسية (جامعة الجزائر) و المعهد الديبلوماسي و العلاقات الدولية (وزارة الخارجية) مدير مركز الدراسات الاستراتيجية والأمنية -الجزائر-
    يشكل المجتمع المدني احد المفاهيم الأساسية في علم الانتقال الديمقراطي Transitologie و في المقاربات الكوسموبوليتانية الجديدة Neo-Cosmopolitanisme خاصة ما تعلق بدورها في تكريس التصورات الغربية حول المبادئ و القواعد و الحركيات السياسية الليبرالية الروح و التوجه .

    كما يشكل مفهوم المجتمع المدني بناءا متضاربا على المستوى الإبستيمولوجي. فعلى الرغم من خلفياته العميقة في تاريخ الفكر السياسي إلا انه اختلفت المدارس كثيرا حول ماهيته. كما أن هنالك نقاش واسع حول مستوى محوريته في ترقية الحكم الراشد الذي يقتضي الشفافية بالمشاركة. و يقتضي أيضا الحسبة الديمقراطية بالمراقبة و المتابعة و المسؤولية .

    و من ثم، تهدف هذه الورقة للإجابة على الإشكالية التالية: ما هو دور المجتمع المدني في ترقية الحكم الراشد بما يتوافق و منطق مواطني و مسؤول؟

    *المجتمع المدني: مقاربة اتيمو-معرفية :

    يعد المجتمع المدني احد المفاهيم التي كثر استعمالها بعد الانتفاضة العمالية لنقابة تضامن في بولندا سنة 1980 بمعية الحركة الكنسية (1)
    و التي أحدثت تدريجيا حراكا اجتماعيا افرز موجات من التغيرات السياسية التي أنهت التوافق الايديولوجي الاشتراكي للكتلة الشرقية (2). و هذا جعل العديد من دارسي الظواهر السياسية يهتمون أكثر بظاهرة قديمة (المجتمع المدني ) تتميز بالتنوع الظاهرتيdiversité phenomenologique ، بالميوعة الاصطلاحية cacophonie étymologique والطبيعة التاريخية historicité بعمق استخدامها فكريا منذ عصر النهضة الاروبية و إلى يومنا هذا، ولكن بمحتويات معرفية متباينة إن لم نقل متضاربة خاصة إذا ما استخدمنا منطقا تحليليا مسحيا من جهة و مقارنا من جهة أخرى .

    فأدم فرجيسن Adam Ferguson مثلا عرف المجتمع المدني بأنه "جملة مؤسسات الدولة state instutions بالإضافة للقانون المدني و الاقتصاد التجاري commercial economy " (3) أي أنها تشمل كل التفاعلات السياسية و الاقتصادية و التجارية التي تمس بناءا اجتماعيا محددا بدولة قائمة و سيدة . و هذا ما اختلف كثيرا عن ما سبقه من أفكار جون بودان Jean Bodin الذي اعتبر " الجمهورية Res Publica المجتمع المدني الذي لا يمكنه أن يوجد دون تفاعل و شراكات مع كيانات أخرى .... و لكنه لا يمكن أن يقوم بذلك دون العائلة " الحاكمة " (4)، أي أن المجتمع المدني يقصد به أساسا الطبقات الفعالة اجتماعيا و اقتصاديا و لكنها التابعة سياسيا للملكية.

    أما هوبز Hobbes فاعتبر من جهته المجتمع المدني (أو المتمدن) society civilized انه النظام (و ليس النسق ) السياسي political order و المؤسسات التي تؤسسها الدولة السيدة لمنع انتشار العنف و اللااستقرار. فالمجتمع المدني civitas هو المحرك الأساسي للتوافق الأكبر The Great Leviathan (5). أما جون لوك J. Locke فاعتبر المجتمع المدني بأنه " هيكلة موحدة و قائمة على قانون مشترك و قضاء للتقاضي قادر على اصدر الإحكام الضرورية لفض النزاعات و معاقبة المجرمين .... هذا تفاعل في إطار مجتمع مدني ... فمن لم يكن في مثل هذا الإطار فهو مازال يعيش في حالة الطبيعة" (6) .

    على خلاف لوك اعتبر ادم سميث Adam Smith المجتمع المدني على انه اقتصاد تجاري و تقاسم للعمل مع الإقرار بالحاجة للتعاون و المساعدة المتبادلة (7) ... انه منطق قائم على المبادرة و الحاجة المشتركة للإنسان و المجتمع .

    هيجل Hegel من جهته عرف المجتمع المدني على انه مصدر لعدد من حالات الشدة التي شهدها السوق و المصالح الخاصة private interests مما عرقل أية تنمية أخلاقية moral development أي ان المجتمع المدني هو مخالف لأفكار التمدن (عند لوك و بودان ) و موافق لمبدأ الحرية التي يجب أن تلتزم بقواعد اجتماعية ذات طبيعة أخلاقية لامتصاص أسباب اللااستقرار المجتمعي و السياسي (8) .

    بناءا على هذا التصور الهيجلي بني كارل ماركس Karl Marx تصوره للمجتمع المدني على مفاهيم وسائل الإنتاج و خطورة الرأسمالية و صراع الطبقات .... فالمجتمع المدني بحسبه تعبير فعلى عن حراك طبقي برجوازي لا يخدم مصالح البروليتاريا ... و الحل عنده (ماركس) هو تطوير مجتمع سياسي في إطار سياسي موحد ( ديكتاتورية البروليتاريا ) (9) .

    فالبنظر لهذه المسح الفكري intellectual mapping لمفهوم المجتمع المدني يظهر مدى التباين الايتمولوجي حول تحديد محتوى الظاهرة و حركياتها و تداعياتها و هذا بقي سريا إلى حد الأن، بالنظر لاختلاف المراحل التاريخية، الأدوات المنهجية، الخلفيات الإيديولوجية و الأهداف العملية. فمن خلال ذلك، يمكننا طرح بعض التصورات المعرفية للمجتمع المدني في الفكر السياسي المعاصر باستخدام آليات التحليل الكلي/ الجزئي.

    (1) –المقاربة الكلية لارنست جلنر Ernest Gellner الذي يقدم طرحا كليا للمجتمع المدني باعتباره تعبيرا فعليا "عن المجتمع الذي تكون فيه الدولة و الاقتصاد منفصلين و أين تلعب الدولة دورها في تنظيم الحياة العامة و أين " الدولة ذاتها مراقبة من طرف بعض المؤسسات ذات الوظيفة الاقتصادية و مع تطور الإدراك السياسي ( الواقعي ) مما يلغي إمكانية بروز أي حركية للهيمنة الاديولوجية ".
    (2) – المقاربة الجزئية التي طورها Charles Taylor أين قدم ثلاث تصورات حول المجتمع المدني:

    أ‌- بالمعنى الجزئي، فالمجتمع المدني يقصد به مجموعة الجمعيات المستقلة مثل العائلة او الكنيسة و جماعات المصالح و التي لا تقع تحت وصاية الدولة.
    ب‌- بالمعنى الوظيفي، المجتمع المدني يوجد عندما يكون المجتمع ككل قادرا على بناء و تنسيق نشاطاته حول الجمعيات المستقلة و المبادرة في مجالات اختصاصات و وظيفية محددة بعينها ( البيئة، المرأة، الثقافة ..... الدين ) .
    ت‌- بالمعنى الشامل، يقصد بها مجمل الجمعيات (بما في ذلك جماعات الضغط/ المصالح ) التي بإمكانها التوجيه الفعلي لسياسات الدولة (11) .
    ث‌- و بالنظر لهذه التعاريف غير التوافقية تماما حول المجتمع المدني استوجب تقديم تعريف إجرائي حول هذه الظاهرة المجتمعية السياسية التي أصبحت تعرف كقيمة و رأسمال اجتماعيين ضروريين لترشيد المجتمع و الدولة معا.... فالمجتمع المدني هو مجمل الجمعيات الوظيفية و غير السياسية النشطة و المبادرة و المستقلة و الهادفة لتحقيق الصالح العام في مجتمع أو مجموعة من المجتمعات .


    • دور المجتمع المدني في ترقية الحكم الراشد :

    يشكل الحكم الراشد احد المفاهيم و القيم التي أنتجها البنك العالمي ابتداء من سنة 1989 من اجل منع تحويل القروض العمومية من مساراتها التنموية إلى مجالات أخرى مثل التسليح أو الفساد المالي... فالحكم الراشد من هذا المنظور اعتبر منطقا إصلاحيا ووظيفيا يمنع تبديد الأموال العمومية و التحكم في ربط النفقات العمومية مع واجب تمكين المواطنين من حقوقهم الأساسية (12) ، أي أن البنك العالمي ركز على الإدارة التنموية الجيدة sound development management .

    و ما جعل هذا التصور يعمم و يعمق هو نهاية الحرب الباردة و تبني المجتمع الدولي بشكل ترابطي بين عالمية حقوق الإنسان و تكاملها مع الديمقراطية المشاركتية كنظام حكم و اقتصاد السوق كتصور اقتصادي قائم على حرية المبادرة الفردية حيث قام البنك ابتداء من سنة 1994 بتوسيع تصوره حول مفهوم الحكم الراشد بجعله فلسفة تسيير بأمانه و شفافية و ذلك بجعلها مترابطة أيضا بمنطق الجودة السياسية القائمة على : دولة الحق و القانون و الحسبة الديمقراطية الهادفة لضبط منطق الجودة بالفعالية (تحقيق اكبر قدر من الحاجات و المطالب المجتمعية ) و العقلانية (فعالية بأقل تكلفة و اقصر مدة ) .

    فلذلك يقوم الحكم الراشد على مجموعة من المقتضيات التأسيسية و هي :

    1- محاسبة الحاكم حسب قواعد إجرائية و قانونية فعالة وناجعة
    2- ضبط حركية المشروعية السياسية عن طريق انتخابات منتظمة حرة و نزيهة و تعددية.
    3- جعل امن الأفراد و الممتلكات و الحريات من أولويات الدولة.
    4- تفعيل منطق دولة القانون .
    5- أولوية منطق حاجات الإنسان في فلسفة الخدمة العامة .
    6- لضبط عملية الشفافية يجب ضمان حق المواطن في الإعلام و المعلومات(13) .

    ومن اجل تحقيق هذا المنطق البنائي اقترح البنك العالمي ضرورة فتح مجال الحريات السياسية بما ينتج أحزاب سياسية تعددية ومجتمع مدني مستقل و مبادر وفعال و ذلك ما من شانه أن يخلق عدد من الحركيات الاجتماعية و السياسية المؤسسة لديمقراطية مشاركاتية قوامها الإنسان المواطن و منطقها سلامة الدولة /استقرار النظام السياسي / و تمكين المواطنين من حقوقهم المتكاملة و المضمونة بهيكلة دستورية و قانونية و المحمية بقضاء فعال و مستقل و المفعلة بمؤسسات سياسية و إدارية كفأة و مسؤولة وناجعة و المحققة في نظام اقتصادي حر ليبرالي يحرر الطاقات الإنتاجية الخاصة و يمكن المبادرات الفردية من الإبداع و الاختراع ... و البحث و التطوير بشكل يخلق قطاعا خاصا فعالا و مساهما في التنمية الوطنية بمساهماتهم الجبائية و التوظيف و التكوين ... و لكن أيضا في فتح نقاشات حول الخيارات السياسية و الاقتصادية و المالية و النقدية بشكل يضمن تنافس ايجابي و عادل مع القطاع العمومي و الاستثمارات المباشرة الأجنبية .

    فهذه الحركيات التأسيسية الديمقراطية و الليبرالية تنتج فواعل أساسية في بناء منطق الحكم الراشد و الذي تقوم فلسفته على ضرورة إشراك المجتمع المدني و القطاع الخاص في ترشيد الحكم ببناء نظام شفاف و مسؤول بالضغط و الاقتراح ... و التقاضي و المساهمة الفعلية في التقييم والتقويم بما يرفع من الكفاءة التسيرية للمنظومة السياسية و القرارية ككل .

    كما أن وجود هذه الهيكلة الجمعوية المستقلة و المبادرة بإمكانها أن تكون مشاركة محليا في المبادرات القرارية التداولية démocratie deliberative كما انه بإمكانها أن تكون قناة اتصالية للاقتراح أو التغذية الاسترجاعية بشكل يرفع من الأداء الوظيفي لمكونات النظام السياسي (الحكومة ) ،الوزارات، الإدارة المحلية أو الجهوية (البيروقراطية ) .... فالمجتمع المدني هو الضمير الحي و الرأسمال الاجتماعي حسب Gramsci(14) كما انه المحرك الأساسي للحسبة الديمقراطية (شفافية +تقييم للقرارات و السياسات +كشف التجاوزات و التعسف و الفساد الإداري و السياسي ) كما يقولBeetham (15) و الذي يساعد على تحقيق جودة سياسية مستدامة sustainable political sophistication لمشروعية قوامها تداول انتخابي ديمقراطي و فعالية سياسية ممكنة للمواطنين من حقوق بشكل يوفر التساوي في الفرص و العدالة التوزيعية بالمعنى الذي قدمه John Rawls في كتابه "نظرية العدالة " (16) .



    خاتمة:

    يشكل المجتمع المدني أحد العناصر الأساسية في بناء نظام الجودة السياسية بتعبيره عن مدى توفر مجال للحريات المنتجة لفعالية سياسية ترفع من الانتفاع الحدي للإنسان من حقوقه و بشكل يضمن وجود ترابط عضوي بين الفعل السياسي المواطني و الفعل السياسي المؤسساتي (انتخابات ديمقراطية /فعالية سياسية ) قائم على منطق الذات الإنسانية المكملة و غير الموازية لمنطق الدولة ..... انه الحاجة للرفاه و الكرامة و الحياة من جهة ... و الحاجة للاستقرار والمشروعية من جهة أخرى.... فالحكم الراشد هو احد الآليات التسيرية المساعدة على تحقيق توازن بين العقلانية المالية (توازن في الميزانية العامة ) و العقلانية السياسية
    ( ترشيد المصاريف العامة مع تحقيق اكبر قدرا من الحاجات و المطالب المجتمعية ).

    فالحكم الراشد كما يظهر في مبادرة النيبادNEPAD مثلا قد أصبح احد المداخل المستخدمة أيضا في حركيات التحول الديمقراطي و محاربة الرشوة والفساد ... و لكن نجاحها قائم على شرط السماح ببروز جمعيات غير سياسية وظيفية مستقلة و مبادرة و محاسبة (المجتمع المدني ) .







    الهوامش:


    1-ANDREW ARATO: « Civil society against the state; Poland 1980-1981 », Toles, 47, 1981-1982/ pp 23-47.

    2- Andrew Arato: « Empire …civil society, Poland 1981-1982 » Telos, 50, 1981-2. pp 19-48.

    3-Adam Ferguson: « An essay on the history of civil society“Edinburgh: Edinburgh University. Press, 1966 (first publisheds 1767).

    4- Cited in N.Babbis: "Democracy and dictatorship: The nature and limits of state power“, Minneapolis: University of Minnesota Press, 1989, p.35.

    5-Thomas Hobbes: « Leviathan » London. Penguin, 1968 (1651), p.227.

    6-P.Laslett: « Locke: Two treatise of government » Cambridge: Cambridge University Press, 1960, (1690).

    7-Adam Smith: « An introduction into the nature and causes of the wealth of nations", Oxford: Clarendon Press, 1976, Vol.1, p.26.

    8- Z.A. Pelczynski. « The state and civil society: Studies in Hegel’s political philosophy », Cambridge: Cambridge University Press, 1984.

    9- A.B.Selingman : « The idea of civil society », New York, The Free Press, 199. Pp.51-58.

    10- Ernest Gellner: « Conditions for liberty: Civil society and its rivals » London: Penguin, 1994, p.251.

    11- Charles Taylor: « Model of civil society », Public Culture, 3(1), 1990, pp.95-118.

    12- Susan George: « The world bank and its concert of good governance » in Jochen Hipples(ed) »: The democratisation of disempowerment », London: Pluto Press, 1995. Pp.205-206.

    13-ibid, p.207

    14- Norberto Babbio: « Gramsci and the concept of civil society », in John. Keane(ed) « Civil society and the state », New York: Verso, 1988, pp.88-90.

    15- David Brekham: »Democracy and human rights », &London: Polity press, 2003. pp.151-169.

    16- Jhon Rawls: « A theory of Justice » Cambridge (Massachussetts): Harvard University Press, 1999. Pp.52-57.
     
جاري تحميل الصفحة...