1. samirDZ

    samirDZ عضو نجم المنتدى

    Country:
    Algeria
    إنضم إلينا في:
    ‏27 فبراير 2015
    المشاركات:
    131
    الإعجابات المتلقاة:
    115
    نقاط الجائزة:
    43

    Print

    جامعة ورقلة
    كلية الحقوق
    قسم العلوم السياسية

    __الملتقى العلمي الوطني حول__



    مستقبل الدولة الوطنية في ظل العولمة ومجتمع المعلومات - حالة الجزائر-
    حمدوش رياض
    الوظيفة : أستاذ جامعي
    الرتبة : أستاذ مساعد مكلف بالدروس
    جامعة قسنطينة
    عنوان المداخلة :


    تحديات الدولة الوطنية في ظل ثورة المعلومات
    ـ تكيّف أم انكشاف ـ


    مـــــــــاي 2009

    مقدمة
    اتسم العالم مند أواخر القرن العشرين بظهور تطورات عديدة في مختلف المجالات، كانت السبب في دخوله إلى عصر جديد ،يحمل في طياته تطور التكنولوجيا والمعلومات،ممّا يجعل العصر عصر الثورات في أساليب التغيير والتطوير الإداري ، حيث ظهرت فيه حكومات من جميع الأنواع تفلت السيطرة من أيديها أثناء القرن الحادي والعشرين، نتيجة انتشار تكنولوجيا المعلومات تدريجيا إلى الغالبية الكبرى التي لا تملك هاتف أو كمبيوتر في هذا العالم .
    إن المحلل والمتأمل في الجوانب المختلفة للعولمة يدرك أن الدولة الوطنية في ظل كل هذه المتغيرات تواجه مجموعة من التحديات لفرض كيانها والحفاظ على سيادتها، إذ أنّ مبدأ سيادة الدولة الوطنية أصبح في ظل العولمة من الأمور القابلة للجدل ، نتيجة تقلص دورها وبالتالي فاعليتها حتى بالنسبة للقوى الكبرى.
    ومنه يمكن طرح التساؤل التالي: مامدى استجابة الدولة الوطنية إلى تأثيرات البيئة الخارجية والمتمثلة في ظاهرة العولمة؟ وماهي أساليب التكيف المتاحة لها خاصة بالنسبة للدول النامية ؟
    1- مفهوم الدولة الوطنية
    إن البحث في مفهوم الدولة، يستدعي أولا طرح فكرة الحكم القوي، الأمن، النظام لأن الدولة تشكل التنظيم الاجتماعي الذي يقي من المخاطر الخارجية و الداخلية. فحسب فيليب أردان philipe ardan:" فإن الدولة هي فكرة وواقع تجريد تنظيم إنها ليست حقيقية ثابتة لكن حضورها جد حساس في حياتنا اليومية".1 "
    كما تعد الدولة من الموضوعات التي أثارت جدلا كبيرا بين فقهاء القانون وعلماء والسياسة
    وعرّفهادوجي duguit:"أنه توجد دولة في جميع الأحوال التي يثبت فيها تفاوت سياسي ( بين حاكمين و محكومين) في جماعة معينة سواء كان هذا التفاوت في مرحلة فطرية أم في مرحلة معقدة و متطورة.˝
    أما بوردو burdeauيرى أن الدولة هي شكل من أشكال السلطة السياسية˝.
    أما كتعريف إجرائي: " فإن الدولة هي مجموعة دائمة و مستمرة من الأفراد يملكون إقليما معينا و تضم سلطة منظمة بهدف تمكين الجماعات و الأفراد من التمتع بحقوقهم و حرياتهم". 2
    يعتبر وجود الدولة الوطنية منبع لحكم القانون،حيث يكوّن شرطا جوهريا مسبقا للضبط من خلال القانون الدولي ، كما أنها بوصفها سلطة عمومية نافدة فهي ضرورية لبقاء المجتمعات القومية التعددية ،كما أن وجودها اليوم لم يأتي دفعة واحدة، بل جاء عبر صيرورة تاريخية عرفت قدرا كبيرا من المد والجزر، حيث اعتبرت بأنها دولة حارسة واقتصر دورها على ضمان الأمن الداخلي والخارجيبما يسمى بوظائف السيادة كالدفاع الوطني، الأمن، العدالة .. دون تدخل النشاط الاقتصادي أو التجاري.
    لقد كان هذا الفكر يصب في الفكر الليبرالي، المرتكز على حرية المبادرة، واعتبرت كذلك بأنها المنقذ للأفراد والمجتمع كما جاء في الفكر الاشتراكي ، حيث أدت الأزمة الاقتصادية العالمية لسنة 1929إلى ضرورة النظر في مهام الدولة .
    أما في الفكر الليبرالي الجديد، والذي تميز بالسعي لإيجاد حلول لأزمات النظام الرأسمالي الجديدة،والتي تمثلت في البطالة والتضخم وارتفاع عجز ميزانيات الدول وتصاعد العنف، فجاءت هذه المرحلة لتحد من تدخل الدولة من خلال تبني سياسة أكثر إنفتاحا وبعدا عن الدولة والحد من قيامها بالخدمات الاجتماعية.3
    2- العولمة والسيادة مفهومان متضادان
    إن الحديث عن الدولة الوطنية يجرنا للإشارة إلى تحديد مفهوم السيادة،لأن هذا العنصر يعتبر الأكثر حضورا وتأثيرا على باقي مكونات الدولة، وبالتالي هناك حتمية ظهور قيادة على رأس كل مجتمع تتولى أمر تدبير الشأن العام وتفرض النظام القانوني الذي ينبغي أن يتقيد به الأفراد عن طريق هيئة تتمتع بالسيادة .
    لقد عرفت السيادة بتعاريف عديدة خلال فترات متباينة، فقد عرّفها جان بودان بقوله:˝ أن السيادة تعني السلطة العليا للدولة على المواطنين والرعايا غير مقيدة بالقانون˝.
    وعرفها المشرع البريطاني بلاكستون (القرن18)˝ بأنها تعني السلطة المطلقة العليا وغير المراقبة التي لا تقوم بنشر الأمن والمحافظة على النظام " . كما عرفها الفقيه الألماني جللنيك (القرن19) بأنها :˝تعني ميزة الدولة التي بفضلها لا ترتبط قانونيا إلا بإرادتها والتي تحد من طرف أية قوة سوى قوتها" .
    أما التعريف الإجرائي:" فإن السيادة تعني قدرة الدولة على الممارسة لسلطاتها الداخلية والخارجية بشكل مستقل ˝4.
    يلاحظ على هذه التعاريف، أن مفهوم السيادة قد تغير في معناه وفي مداه فهو لم يبقي ذلك المفهوم المطلق، كما أنه لا يتمتع بالحدود التي كان عليها بل أصبح يشتغل في إطار مجموعة من القيود،والسيادة في تعريفها الحديث لا تزال تمتاز بمجموعة من الخصائص منها :
    - الدوام أي بقاء السيادة ببقاء الدولة وانتهائها بانتهاء الدولة.
    - الخصوصية أي وجود شمولية السيادة لكل الإقليم بما عليه من أشخاص وثروات.
    - عدم القابلية للتقادم أي أن السيادة لا تسقط حتى لو نوقف العمل بها لمدة معينة.
    - عدم التجزئة أي لا وجود لأكثر من سيادة واحدة.
    إن مجموع هذه الخصائص هي التي تشكل لنا في نهاية الأمر السيادة بمظهريها الداخلي والخارجي، المعبر عنهما بتمتع الدولة بالسلطان على الأشخاص والإقليم والسيادة الإقليمية والسيادة الشخصية ، وكذلك القدرة على الدخول في علاقات مع الدول والأشخاص الأخرين للقانون الدولي كالمنظمات الدولية .
    وعليه فإن الدولة الوطنية المتمتعة بالسيادة المطلقة على شعبها وأراضيها تتمتع بالقدرة على تحديد نمط معين من التطور وفي مختلف المجالات (الثقافية والأمنية والإقتصادية والإجتماعية....)،لكن أضحى هذا العامل صعب التحقيق نتيجة انتشار المعلومات وتقلص إمكانية الدولة على الحد منها ،وبالتالي صعوبة التحدث عن سيادة حقيقية .
    أما عن مفهوم العولمة فقد اختلف العديد من الكتاب والباحثين حول تعريف العولمة ومدلولاتها وأثارها، بل وحتى أسبابها والأسس التي تقوم عليها ، مما يجعلنا نواجه العديد من المناهج المتشابهة أحيانا والمختلفة أحيانا أخرى، وبالتالي هل يمكن اعتبار العولمة ظاهرة أو تصور للواقع الدولي الجديد ،أي واقع ما بعد الحرب الباردة؟ أم أن العولمة ما هي إلا مجرد مصطلح لا يتجاوز كونه مرادف للنيو ليبرالية أو الأمركة أو مظهر من مظاهر تطور الرأسمالية ؟ من هنا يتبين أن للمصطلح مدلولات عديدة منها الأمركة والكوكبة والكونية والعالمية.
    لقد طغى مصطلح العولمة على بقية المصطلحات لسهولته ونعومته كما طغى تعبير العلاقات الدولية على تعابير الشؤون الدولية مثلا والسياسة العالمية والشؤون العالمية.....الخ،وبغض النظرعن تبني أي مصطلح أو تعبير فإن عملية تحديد المفهوم تبقى صعبة ويشوبها الكثير من الغموض .
    إن التعاريف التي استعملتها في تحديد المصطلح قد أخدتها بصفة عشوائية و منها ما يلي: "تعني التعبير عن انسحاق الإنسان أمام سطو الآلة والتقدم العلمي وتمركز رأس المال، وانعدام القيم الإنسانية والأخلاقية وسيادة منطق الربح والازدهار الفردي والبقاء للأقوى من خلال تجارة السوق والمعلوماتية .... "5
    أما الدكتور صبري عبد الله فيعرفها بأنها:" ظاهرة تتداخل فيها أمور الاقتصاد والثقافة والاجتماع والسلوك ويكون الانتماء فيه للعالم كله عبر الحدود السياسية للدول "6.
    كما عرّفها محمد عابد الجابري " بأنها الهيمنة وفرض نمط واحد للاستهلاك والسلوك " ،حتى يصل الجابري إلى نتيجة مفادها التمييز بين العولمة والعالمية حيث يرى أن العولمة هي مرادف للهيمنة وما تحمله من دلالات وترتبه من نتائج أما العالمية تعني الانفتاح على الآخر وعلى الثقافات الأخرى في ظل الاحترام المتبادل وتعدد الرؤى،والجابري هنا يذكرنا بالمناقشات التي كانت قائمة إبان السبعينات و الثمانينيات من القرن العشرين بين مصطلح الحذاثة والغربنة وأيهما أفضل للمجتمعات.
    لقد تبلور مصطلح العولمة في العلاقات الدولية بشكل واضح بعد سقوط الاتحاد السوفيتي، وأخذ هذا المصطلح يتطور ويبرز في مختلف العلاقات الاقتصادية وحقوق الإنسان و البيئة وسيادة الدولة ... الخ،
    إن تجسيد العولمة وبروزها كظاهرة تتطلب مجموعة من الوسائل لتحقيق أتباعها والمتحمسين لها الأهداف المسطرة من ورائها وهي كالآتي :
    1- تكوين منظمات مدنية و حكومية سواء إقليمية كانت أم دولية، ومحاولة التنسيق فيما بينها لمواجهة الخطر الذي يهدد البشرية جمعاء كالتلوث البيئي الهائل بسبب التطور الصناعي الكبير الذي صارت تعيشه الدول.
    2- اعتمادها على مصطلح جديد تحاول نشره في كافة دول العالم ألا و هو التنمية البشرية المستدامة"، هدفها الإنسان وتطوره قبل كل شيء وخلق نوع من التساوي بين كل البشر في التنمية،أو بصورة حقيقية خلق الإنسان العالمي والفكر الواحد، الذي قد يؤدي إلى عصيان أوامر الدولة الوطنية وخلق ولاء خارجي للفرد لهيآت أخرى غير دولته الوطنية، وبالتالي فقدان هذه الأخيرة سلطتها على الأفراد داخلها.
    3- تطويرها سياسيا وقانونيا لمفهوم حقوق الإنسان واعتماده كمدخل جيد لانتشارها، رغم أن المفهوم التقليدي للسيادة الوطنية وخصوصية كل حضارة يحدان من عالمية حقوق الإنسان، لأنها أصبحت ذريعة للتدخل في الشؤون الداخلية للدول.
    4- تعتمد العولمة لاتساعها على تطوير ها لمفهوم الأمن البشري، الذي ينطوي تحته ممارسة الناس لخياراتهم بحرية وأمان وفي كل المجالات، سواء السياسية الاقتصادية ،الاجتماعية والثقافية، فأصبح اليوم يعتقد أن الأمن الدولي لا يتحقق من خلال أمن الدول فقط وإنما يتحقق أيضا من خلال الأمن البشري.
    5- وجود مجال آخر اسمه "العولمة الاقتصادية" ،جاء هذا بعد الدور الكبير الذي صارت تلعبه الشركات المتعددة الجنسيات و تأسيس أيضا المنظمة العالمية للتجارة والعولمة الاقتصادية هي أهم وسائل ودعائم العولمة رغم ما تفرضه من خلل على مستوى التنمية الاقتصادية العالمية كخلق جنوب فقير متخلف وشمال غني متطور.
    6- من أهم الوسائل وكنتيجة للتطور الصناعي و العلمي الكم الهائل من المعلومات عن طريق تطور وسائل الاتصال أو ما يعرف بمجتمع المعلومات، حيث نجد أنه مع هذا التقدم لم تعد الدول قادرة على إخفاء أسرارها كما السابق خاصة في الميدان الأمني وتراجع دورها التقليدي السيادي مع الأقمار الصناعية وشبكة المعلومات و الاتصالات القادرة على اختراق الحدود والجماعات والمجتمعات.
    أما عن العولمة السياسية التي تعتبر من أهم أثارها والمتزامنة مع تراجع دور الدولة من الناحية السيادية، فهي تخلق نوع من التبعية استنادا إلى عامل القوة دون أن ننسى بروز الأشخاص الطبيعيين وتزايد دورهم السياسي في صنع السياسة الخارجية وحتى الداخلية للدول، سواء كانت متقدمة أو تابعة، أى صنعهم للقرار الدولي، ولقد أثبتت أحداث 11 سبتمبر 2001 ،أنه هناك أشخاص مستفيدين من ثورة المعلومات و الاتصالات لأغراض إرهابية لذلك طرحت فكرة أمريكية حول عولمة مكافحة الإرهاب أو بما يعرف بعولمة الأمن الدولي.8
    إن هذا المتغير الأخير أي متغيرالتطور التكنولوجي في مجال تطور الاتصالاتوتدفقالمعلومات أدى إلى تطور وظهور مصطلح جديد ألا وهو مجتمع المعلومات ،حيث ظهر بعد مراحل متعددة مرّ بها التاريخ الإنساني، وتميزت كل مرحلة بخصائص ومميزات، حيث شهدت الإنسانية من قبل، تكنولوجيا الصيد ثم تكنولوجيا الزراعة، وبعدها تكنولوجيا المعلومات أو الموجة الثالثة على حد تعبيرألفين توفلر، التي رسمت الملامح الأولى لمجتمع المعلومات.
    إن هذا الأخير تميز بالتركيز على العمليات التي تعالج فيها المعلومات كما أن المعلومة هي المادة الخام وأساس هذا المجتمع، التي يتم استثمارها بحيث تولد المعرفة وبالخصوص المعرفة الجديدة. وهذا عكس المواد الأساسية في المجتمعات الأخرى، حيث تنضب بسبب الاستهلاك، أما في مجتمع المعلومات فالمعلومات تولد معلومات، ممّا يجعل مصادر المجتمع المعلوماتي متجددة ولا تنضب،الأمر الذي يفسّر أهمية المعلومات، ومكانتها كأهم مادة أولية على الإطلاق.
    بالإضافة إلى هذا المورد،هناك موارد أخرى كشبكات الاتصال والحواسيب، كما يتميز كذلك هذا المجتمع بوجود سلع وخدمات معلوماتية لم تكن موجودة من قبل، إلى جانب اعتماده بصفة أساسية على التكنولوجيا " الفكرية" أي تعظيم شأن الفكر والعقل الإنساني بالحواسيب، والاتصال والذكاء الاصطناعي ونظم الخبرة.
    إن مجتمع المعلومات لم يشمل كافة دول العالم ومناطقه المختلفة فهناك دول لا تزال في العصر الزراعي أو العصر الصناعي، وهذا ما خلق هوّة بين الدول القوية والضعيفة وأصبح هذا المجتمع المعلوماتي أداة ضغط وقوة في يد الدول المتقدمة، حيث أصبح العالم مكشوف بتفاصيله وأخباره ونظم علاقاته.
    لقد بدأ مجموعة من الباحثين يقر بتراجع دور الدولة أمام هذه الثورة المعلوماتية الجديدة، سواء في السلطة القانونية أو الهوية أو ممارسة الحكم، كما أن المفهوم التقليدي للدولة القومية تراجع فعليا مع تدخل الثورة المعلوماتية المعاصرة في عناصر الدولة الأرض الشعب السلطة المجسدة للسيادة، لأن الاتصالات داخل الدولة صارت تتم دون الاستئذان منها ودون حساب للاعتبارات الجغرافية،لأن عامل المكان والزمان أصبح ملغى تماما، كما سجّل تراجعا للدولة الوطنية مقابل تقدم وبروز لمفهوم العالمية ، دون إهمال الدور الأساسي والقناة الجيدة التي تساعد على تدفق المعلومات وهي الإعلام، هذا الأخير الذي بات يفرض على الدول إتباع سياسات معينة والكشف عن أخرى كانت في القديم حكرا على الدولة
    لقد انهارت سيادة الدولة في مجال الإعلام، ولم يعد ممكن إخفاء الخبر المحلي عن الرأي العام الشعبي أو حتى عن الرأي العام الدولي، لقد تفاعل مجتمع المعلومات والاتصالات مع العولمة من استخدام الثانية للأولى لترويج سياسة أو ثقافة أو فكرة معينة وأصبحت قاعدة التأثير والتأثر بارزة في مضمار التفاعل الحضاري بين كل العالم.
    3- التحديات التي تواجه الدولة الوطنية
    إن الدولة الوطنية التي حاربت من أجلها حركات التحرر الوطني وجبهات التحرير وانتزاعها من أيدي الاستعمار وقوى الهيمنة، أضحت عبئا على الداخل والخارج حيث تعددت المحاولات للقضاء على هذا الكيان إما بالعدوان الخارجي أو بفعل القصور الداخلي.
    إن الآونة الأخيرة تعبر عن مرحلة اللاّثبات وإعادة النظر في كل شيء حتى في معتقداتنا ومسلماتنا، مما أدى إلى تصدع في الكثير من الثوابث بما فيها الدولة الوطنية ، الأمر الذي جعلها تجابه مجموعة من التحديات والرهانات قد تهدد هذا الكيان الشامخ في التاريخ البشري، وبالتالي أصبحت محاصرة من كل الجهات وفي جميع المستويات.10
    1- على المستوى الاقتصادي: إن العولمة الاقتصادية هي من أخطر التحديات وأولهم ،حيث تقلص الحديث عنها مقابل الاهتمام بالسوق وقوانينه والعالم الواحد مما دفع بالدول إلى التخلي عن إرادتها الوطنية، وفتح حدودها وأسواقها وترك المجال أمام فواعل آخرين مثل الشركات المتعددة الجنسيات التي تنشر وتفرض إلى جانب نمطها الاقتصادي كذلك لها نمطا ثقافيا و حضاريا، دون أن ننسى مجموعة الدول الأكثر تصنيعا في العالم.
    إن التكتلات الكبرى تفرض على الدول الوطنية الدخول في المنافسة، فإن كانت قادرة على المواجهة في البورصات العالمية والتعامل الندي مع البنوك ومنظمة التجارة العالميين، انضمت إلى مصاف الكبار وإن عجزت وهذا ما يحصل في الغالب مع معظم الدول النامية، حيث تصبح مجرد واجهة لاستقبال النظام الجديد وما يأتيها من وراء البحار ممّا يفرض وجود علاقات استغلالية اقتصادية داخلها ينعكس على سياستها الاقتصادية الخارجية .
    2- على المستوى الثقافي: لم يعد بالإمكان لأي دولة أن تشكل لنفسها جزيرة معزولة بعيدا عن المد العالمي الجارف وتأثيراته الفعالة في بنى وثوابت ومستقبل الشعوب والبلدان، فالمد الثقافي سائر وربما يعتبر أكثر المجالات سرعة للانتشار والتقبل من الطرف الآخر،11وبالتالي لم تعد الدولة الوطنية هي الوحيدة التي تفرض نمطا معينا من التطور في المجتمع ،بل هناك منافسين أقوياء من خارج حدودها بإمكانهم المساهمة في تكوين الأفراد داخلها بنفس التأثير.
    3- على المستوى الأمني : إن تكنولوجيا المعلومات قد أنتجت ثورة في الشؤون العسكرية ،إذ أن الأقمار الصناعية المستقرة في الفضاء من أجل الغرض الأمني والإذاعة المباشرة وأجهزة الكومبيوتر ذات السرعة العالية والبرمجيات المعقدة تقدم القدرة على جمع المعلومات وتصنيفها ونقلها ونشرها عن أحداث معقدة تقع على رقعة جغرافية واسعة ،وبلتالي حدث انكشاف أمني للكثير من الدول ومن بين دول كبرى.12
    إن تعدد الحاجات الاقتصادية والاجتماعية وتعدد المشاكل السياسية والثقافية مع تطور الجماعات الإنسانية، وبلوغها لتقدم باهر خاصة العلمي وفي مجال الاتصالات، أصبح من الصعب إيجاد تنظيم يدين له جميع الأشخاص بالولاء كما كانت الدولة في السابق، ويتمتع بقدر كبير من القوة والإمكانيات التي تمكنه من سد الحاجات المتعددة وإشباع الرغبات المتنوعة وتوفير الكثير من المتطلبات الضرورية لمواجهة المشاكل الداخلية والخارجية، وبما أن الدولة وحدها قادرة على التحكم في ولاءات الأفراد وبالتالي توجيه إرادتهم وقدراتهم بما يحقق أهدافهم وتطلعاتهم، لكنها أصبحت عاجزة في هذا العصر رغم رفضها التنازل عن سيادتها أو تفويض سلطتها لأي تنظيم عالمي آخر. 13
    4- أساليب تكيف الدولة الوطنية في العالم الثالث مقارنة بالدول المصنعة :
    هناك مجموعة من الأساليب المتاحة للدولة الوطنية في العالم النامي من بينها ما يلي :
    1- لابد من خلق تنظيمات سياسية قائمة على مؤسسات ديمقراطية حقيقية وتنظيمات اقتصادية قائمة على علاقات خالية من الاستغلال، وبعيدة عن الطبقية وتحافظ على بقاء التنظيمات الاجتماعية الطبيعية، وتحقيق نظاما نموذجيا لجميع الأمم البشرية يضمن لها أكبر قدر من المساواة في الحقوق وحرية التعبير عن
    هويتها الوطنية.
    2-تخلص الدولة الوطنية من جميع صور الأنظمة الديمقراطية الزائفة، التي تعد معقلا حصينا لأعلى الدكتاتوريات و الأنظمة الفاشية التي تتحكم في إدارة الأمم
    وتوجهها وفق أهوائها ومزجها الفردي لتحقيق أغراض شخصية أو المصالح النخبوية الحزبية ...الخ، واستبدالها بأنظمة سياسية جديدة أكثر ديمقراطية ،أنظمة تقوم على مشاركة جميع أفراد الشعب في التشريع والإدارة والقضاء، أنظمة تتيح المجال للتنافس الحقيقي للكل دون الحاجة لوساطة نيابية أو تفويض أو تمثيل أنظمة تعبر بصدق عن الإدارة العامة لجميع أبناء الأمة وتجسيد تطلعاتها وطموحاتها لأنظمة ذات مؤسسات وعلاقات اقتصادية تحقق المساواة والعدالة الاجتماعية، وتقضي بذلك عن الاستغلال وسيطرة القلة مما يجعل الدولة الوطنية نموذج راق للتنظيم والاجتماعي والسياسي والاقتصادي .13
    3- تحرير أفرادها من العلاقات ما قبل الوطنية(العرقية، الشعائرية، الدينية المذهبية) واندماجهم في الفضاء الوطني الديمقراطي المؤسس على دعائم ومقومات الدولة الحديثة بما تعنيه من سيادة القانون المعبر عنه نظريا بالعقد الاجتماعي وواقعيا بالسلطة التشريعية المنتخبة انتخابا حرا ونزيها، وبذلك يترسخ في الأدهان أن الدولة للجميع والسيادة هي للشعب وليست للزعيم أي أن تصبح سلطة مستمدة من سلطة الشعب بالانتخاب الحر ممّا يخلق التداول السلمي على السلطة .
    إن الدولة الوطنية قد وصلت إلى نهايتها التاريخية فلم يعد الحيز الجغرافي التقليدي والحدود تكفي للحد من التداخل الذي حدث بين الشعوب والأمم والأفكار والتصورات، فالعلم لم يعد قرية واحدة كما في زمن التلفزيون والإذاعة الوطنيتين بل تحول إلى غرفة واحدة في زمن التكنولوجيا والإنترنيت والفضائيات وبالتالي لم يعد لحديث عن امتلاك أرض أو حيز جغرافي حتى نتحدث عن مفهوم السيادة.
    إن الموقع الأرضي في المقاييس العالمية الجديدة لم يعد شيئا أمام الصواريخ العابرة للقارات والجيوش المتنقلة وشبكات الأنترنيت والأقمار الصناعية والهواتف النقالة فالسيادة بمفهومها التقليدي أي الهيمنة على الحيز الجغرافي قد انتهت إلى غير رجعة ، ونحن اليوم مطالبون بتجاوز المأزق التاريخي للدولة الوطنية والخروج من مرحلة التأسيس إلى مرحلة الإقلاع الحضاري، والابتعاد عن كل أشكال هدر الطاقات والإمكانات المتاحة فليس من المعقول البقاء في حالة سكون أحال المجتمع والدولة إلى حالة الجمود التام .
    خاتمة
    إن الوضع يتطلب إصلاح جذري لاستمرار الدولة الوطنية، كي تستطيع مقاومة طوفان العولمة رغم الصعوبة التي تواجه أي محاولة إصلاح ، فالمقاومة تكون بالتحضير الجيد والتكيف مع مسار التاريخ العالمي، بالرغم من أن الدول النامية الآن لم تعد تقف موقف تبعية مثلما كان عليه الحال في نظام ثنائي القطبية بقدر ما أصبحت في موقف المتفرج .
    وعليه نخلص أن العولمة تحمل بين طياتها مشروعا متكامل الأطراف يصب في اتجاه واحد، ألا وهو انمحاء الدولة الوطنية التي لم تستطع التكيف مع التطورات الحاصلة ،الأمر الذي قد يؤدي إلى تحول في المعطيات الإقليمية والدولية .
    ومنه يرى بريجنسكي أنه مهما تعرضت الدول الوطنية للآثار التي تفرضها التطورات التكنولوجية، إلا أن ذلك لم يضعفها أو يقلل من فعاليتها، والدليل على ذلك أن الدولة القومية لم تكن في أي يوم أقوى مما هي عليه الآن، فما زالت هي التي تقرر الحرب أو السلم، كما لا يزال الإنسان يعرف نفسه بقوميته التي يرى فيها البيئة التي يلجأ إليها لإبراز خصوصيته وهويته، فكلما ازداد تطور التعاون بين الأمم واتسع، كلما لجأت الأمم إلى الخصوصية .

    الهوامش

    V. P. Ardant- Institutions politiques et droit constitutionnel-12edition-1
    L.G.D.J- paris2000-p18.

    2- محمد نصر مهنا، علم السياسة، القاهرة: دار غريب للطباعة و النشر و التوزيع، ص 271.
    3-V G.Burdeau,Droit Constitutionnel Et Institutions Politiques-18édi-L.G-D-J-Paris1977-p132.
    4-غضبان مبروك،المجتمع الدولي، بن عكنون:الجزائر ديوان المطبوعات الجامعية ،القسم الثاني 1994، ص399-403.
    5- أبو راشد عبد الله،العولمة إشكالية المصطلح ودلالاته في الأدبيات المعاصرة معلومات دولية،س6ع58 (خريف 1998).ص 22.
    6- موسى الضرير،العولمة ،_مفهومها_بعض الملامح،"مجلة المعلومات الدولية"،سوريا :السنة السادسة، عدد58 (خريف1998ا)ص.7
    7-عدنان السيد حسين،نظرية العلاقات الدولية، لبنان :أمواج للنشر والتوزيع، ط،1 2003 ص 187.
    8- نفس المرجع ص189.
    عفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا-9
    مجتمع المعلومات، "القمة العالمية لمجتمع المعلومات"، جنيف 2003 ، تونس 2005 .
    عفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا
    فخر الدين فياض،الدولة الوطنية و العولمة،التجديد العربي،10-15-2008.
    عفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا -11
    كرم حلو،مقدمات في قراءة المستقبل الدولة الوطنية العربي، مركز دمشق للدراسات النظرية والحقوق المدنية 15 -11-2008.
    12- جوزيف س.ناي، مفارقة القوة الأمريكية ، تعريب .محمد توفيق البجيرمي ، الرياض :مكتبة العبيكان 2003 ، ص 133.
    13- نفس المرجع ص290.
    14- سليمان صالح الغويل ،الدولة القومية(دراسة تحليلية مقارنة)، بنغازي :منشورات جامعة قار يونس، الطبعة الأولى 1989 ص 299 .
     
  2. محمد الحسين

    محمد الحسين عضو نجم المنتدى

    Country:
    Egypt
    إنضم إلينا في:
    ‏16 سبتمبر 2016
    المشاركات:
    5
    الإعجابات المتلقاة:
    0
    نقاط الجائزة:
    1
    الجنس:
    ذكر

    Print

جاري تحميل الصفحة...