1. samirDZ

    samirDZ عضو نجم المنتدى

    Country:
    Algeria
    إنضم إلينا في:
    ‏27 فبراير 2015
    المشاركات:
    131
    الإعجابات المتلقاة:
    115
    [​IMG]

    بقلم: د. سعيد الحاج


    حظيت الثورة السورية منذ بدايتها عام 2011 باهتمام تركي خاص فاق سابقتها من ثورات العالم العربي، لما لها من أثر وانعكاسات مهمة على تركيا نفسها خصوصا, وعلى المنطقة عموماً، فكانت اتصالات رئيس الوزراء التركي حينها اردوغان على الرئيس السوري الأسد وزيارات وزير الخارجية التركي آنذاك أحمد داودأوغلو المتكررة لدمشق تعبيراً عن هذا الاهتمام في محاولة لإقناع الأسد بضرورة التجاوب مع مطالب الحركة الاحتجاجية الشعبية واحتواء النتائج الكارثية المترتبة على السيناريوهات البديلة.

    بيد أن انتهاج النظام الحل الأمني وإغلاقه الباب من الناحية العملية على الحلول السياسية، ثم تحول الثورة السورية من حالة الاحتجاج الشعبي في الميادين إلى العسكرة، كانت تطورات حملت معها متغيراً موازياً على مستوى الموقف التركي.

    ولئن تعارضَ الموقف التركي وتناقضَ مع مواقف دول مثل روسيا وإيران والعراق (والمجموعات الدائرة في فلكهم)، فإنه لم يتطابق مع مواقف حلفائه المفترضين من “أصدقاء الشعب السوري” وخاصة الدول الغربية وفي مقدمتها الولايات المتحدة. فقد ركزت الرؤية الغربية على تنظيم الدولة ومفهوم “مكافحة الإرهاب”، بينما رأت أنقرة أن التنظيم أحد إفرازات السياسات القمعية للأسد والسياسات المذهبية لرئيس الوزراء العراقي آنذاك نوري المالكي، وأن الأولوية يجب أن تكون لاستئصال السبب لا التعامل مع النتائج.

    واليوم، في الانعطافة التاريخية التي تمر بها الأزمة السورية، تتجه الأنظار نحو التحالف التركي – السعودي المفترض لإنقاذ المعارضة السورية التي تقاتل في ريفها على جبهات ثلاث، ضد النظام المدعوم روسياً وقوات حماية الشعب الكردية وتنظيم الدولة.

    وعليه، فربما لا نبالغ إن قلنا إن العلاقة بين مستقبل سوريا وبين الموقف التركي علاقة عضوية مباشرة، وبذلك تزداد أهمية سبر أغوار هذا الموقف والتعمق في فهم السياقات التي تصوغه وتشكل تفاصيله.

    سوريا وتركيا من منظور الجيوبوليتيك

    يقول المؤرخ الفرنسي فرنان بروديل إن “الخرائط هي التي تروي القصة الحقيقية”(1). وقد تختصر هذه الجملة المكثفة الفلسفة الرئيسة لعلم الجيوبوليتيك، بمعنى تأثير الجغرافيا على السياسة، سيما السياسة الخارجية.

    ويبدو هذا التأثير العابر للحدود في منحى متزايد في ظل العولمة وثورة الاتصالات وانتشار المنظمات الدولية والشركات العابرة للقارات، والتي أدت – إضافة لعوامل أخرى عديدة – إلى الانتقاص من السيادة الوطنية للدول وزيادة جدلية التأثر – التأثير الثنائية والجماعية بين الدول، خاصة الدول المتجاورة.

    من هذه الزاوية، ثمة أهمية خاصة لسوريا بالنسبة لتركيا من منظور الجيوبوليتيك، إضافة إلى التاريخ وعلم الاجتماع السياسي، تتبدى في عدد من العوامل والسياقات،أهمها:

    1- تعتبر الحدود التركية – السورية الحدود البرية الأطول لتركيا، بواقع حوالي 900 كلم (2)، بكل ما يعنيه ذلك من مصالح ومهددات مشتركة ومتبادلة، سياسية واقتصادية واجتماعية وأمنية.

    2- تعتبر سوريا بوابة العالم العربي بالنسبة لتركيا، سيما فيما يتعلق بالتجارة البرية، وهذا ما يفسر التوجه التركي الحثيث لتصويب العلاقة مع دمشق بخطوات متسارعة في عهد حزب العدالة والتنمية قبل الثورة السورية.

    3- تقع تركيا في قلب “المناطق البرية القريبة”، أي البلقان والقوقاز والشرق الأوسط، التي اعتبرها أحمد داودأوغلو في كتابه الأشهر “العمق الاستراتيجي” أهم المناطق التي يجب على تركيا التواصل والتقارب معها لإفادة مكانتها في الإقليم والعالم. (3)

    4- ثمة تقارب ملحوظ في التنوع العرقي والإثني والمذهبي على طرفي الحدود.

    5- هناك علاقات نسب ومصاهرة وقرابة دم بين البلدات الواقعة على طرفي الحدود بين البلدين.

    6- تعتبر تركيا الراعية التاريخية والسياسية والثقافية لتركمان سوريا، المتمركزين في الشمال السوري قرب حدودها.

    7- كان لحلب أهمية استثنائية في تاريخ الدولة العثمانية، وخسرتها تركيا في معاهدة لوزان بعد الحرب العالمية الأولى، وتعتبرها تركيا اليوم – إلى جانب الموصل في العراق – خط الدفاع الأول عن حدودها.

    8- كان لواء الاسكندرون وما زال عامل توتر بين البلدين، حيث ضمته تركيا لأراضيها عام 1939 (4)

    9- تتشارك الدولتان في تعقيدات الملف الكردي في المنطقة، إضافة لكل من العراق وإيران، وإن من زوايا مختلفة تتلاقى أحياناً وتتعارض في أحيان كثيرة.

    10- تميزت العلاقات بين البلدين تاريخياً بالتوتر الدائم خاصة في فترة الحرب الباردة التي انضمت تركيا خلالها لحلف شمال الأطلسي (الناتو) بينما كانت سوريا في معظم الوقت حليفة للاتحاد السوفياتي السابق ثم روسيا عام 1958 وفي عهد رئيس الوزراء عدنان مندريس حشدت تركيا جيشها على حدود “الجمهورية العربية المتحدة” للضغط على عبدالناصر (5)، بينما كانت حالة التصعيد عام 1998 أشهر تلك التوترات والتي وصل البلدان فيها إلى حافة الحرب المباشرة، ثم انتهت بتوقيع اتفاق أضنة الأمني (6), ولاحقاً بطرد زعيم حزب العمال الكردستاني عبدالله أوجلان من سوريا بعد ضغوطات تركية، ليتم اعتقاله و/أو تسليمه لتركيا عام 1999

    السياسة الخارجية لحزب العدالة والتنمية

    منذ تأسيسها على يد مصطفى كمال عام 1924 ، انتهجت تركيا سياسة خارجية اعتمدت على التغريب تحت اسم التحديث، فتوجهت تماماً نحو الغرب وأدارت ظهرها للشرق وخاصة العالم العربي. وعلى مدى عشرات السنوات، بقيت العلاقة مع الولايات المتحدة محور مصالحها السياسية، وعضوية الناتو محور مصالحها العسكرية والاستراتيجية، وملف انضمامها للاتحاد الأوروبي محور مصالحها الاقتصادية (7).

    في فترة الحرب الباردة، حين اشتبكت تركيا مع قضايا المنطقة كان ذلك في غير صالح الدول العربية، فكانت أولى دول العالم الإسلامي اعترافاً بدولة الاحتلال، التي أبرمت لاحقاً معها ومع إثيوبيا اتفاقية حزام المحيط عام 1958 (8) وتعاونت معها استخباراتياً وعسكرياً على مدى سنوات طويلة، فضلًا عن دورها في حربي الخليج الأولى والثانية بشكل عام.

    ومع حزب العدالة والتنمية، أعادت تركيا اكتشاف وتفسير وصياغة مجمل سياساتها الخارجية، عبر إعادة تعريفها لمكانها ومكانتها وممكناتها، وأعادت الاعتبار لأهمية منطقة الشرق الأوسط بالنسبة لها.

    في كتابه “العمق الاستراتيجي، موقع تركيا ودورها في الساحة الدولية” وضع أحمد داود أوغلو الأسس النظرية التي يجب أن تسير عليها السياسة الخارجية التركية ما بعد انتهاء الحرب الباردة، والتي سارت عليها تركيا في عهد العدالة والتنمية فيما بعد،وأهمها:

    1- العمق الاستراتيجي:اعتبر داود أوغلو أن مكانة تركيا دولياً مرتبطة بشكل مباشر بمكانتها في محيطها وأدوارها الإقليمية التي تلعبها، خاصة في ثلاث مناطق جغرافية اعتبرها عمق تركيا الاستراتيجي، أي الشرق الأوسط والبلقان والقوقاز التي أسماها مجتمعة “المناطق القارية القريبة”, وقد رأى في الكتاب أنه كلما لعبت بلاده أدواراً أكثر فاعلية في الشرق كلما ارتفعت مكانتها في الساحة الغربية – الدولية، وهو ما أسماه نظرية “القوس والسهم” (9)

    2- صفر مشاكل:إذ لا يمكن لأي دولة غارقة في خصومات وعداوات مع دول جوارها أن تبلور سياسة خارجية إيجابية وفاعلة، وبالتالي تحتاج إلى تصفير – أو تقليل – المشاكل مع جوارها لتستفيد كل الأطراف على قاعدة الربح للجميع (10)

    3- القوة الناعمة:وحتى تكون تركيا “دولة مركز” في محيطها، رأى داودأوغلو أن التبادل التجاري والاقتصادي والتواصل الفكري – الثقافي أعمق أثراً وأكثر فائدة من القوة الخشنة. وقد استفادت تركيا حتى بداية ثورات العالم العربي عام 2011 من هذه القوة الناعمة، ورُحب بها بشكل لافت في المنطقة (11)

    وبناء على هذه النظريات الرئيسة الثلاث، سارت السياسة الخارجية التركية بشكل عام وفي المنطقة ودول الجوار – وفي مقدمتها سوريا – بشكل خاص ضمن عدة محددات،أهمها:

    أ- أولوية الحفاظ على الأمن القومي التركي ومصالح تركيا في الداخل والخارج.

    ب- محاولة الجمع بين تحقيق المصالح والإيفاء بالمبادئ والشعارات التي ترفعها أنقرة قدر الإمكان، وقد استطاعت ذلك فترة طويلة جداً وخاصة مع المرحلة الأولى من ثورات العالم العربي.

    ج- عدم مصادمة الرأي العام التركي، المتجه مؤخراً نحو الشعوب العربية والمتعاطف مع قضاياها.

    د- الالتزام بسقف المنظومة الدولية والمرتكزات الثلاثة للسياسة الخارجية التركية، الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي.

    هـ- تنويع العلاقات ومد جسور التواصل مع مختلف الأطراف، حتى المتناقضة، الأمر الذي يقلل الضغوط على أنقرة ويمنحها هامشاً مقبولًا من الاستقلالية الجزئية في سياستها الخارجية.

    و- استشعار مسؤولية أخلاقية وسياسية فيما يتعلق بقضايا المنطقة، وفي مقدمتها القضيتان الفلسطينية والسورية، باعتبار أن تركيا وريثة الدولة العثمانية التي كانت المظلة السياسية لكامل جغرافيا المنطقة.

    ز- البعد عن الصراعات، وتفضيل نموذج التواصل والتكامل، باعتبار أن تجربة تركيا في عهد العدالة والتنمية قائمة على التنمية الاقتصادية المعتمدة بشكل رئيس على الاستقرار السياسي.

    ح- رفض النزاعات القائمة على أسس إثنية ومذهبية تحديداً، استشعاراً لخطورتها على المستويين النظري البحت بشكل عام والعملي الخاص بتركيا وتركيبتها العرقية والمذهبية بشكل خاص، بل واعتبار هذا النوع من الصراعات “توريطاً” لتركيا والمنطقة, تسعى إليه بعض القوى الخارجية للقضاء على مستقبل المنطقة (12)

    ط- إخضاع السياسة للاقتصاد – تعزيز الارتباط بينهما – في حالات التواصل والعلاقات الجيدة، عبر إدامة وتطوير العلاقات الاقتصادية رغم التوترات السياسية – أي فك الارتباط بينهما – في حالات التوتر والقطيعة (13)

    ي- محاولة لعب دور الوسيط في النزاعات والصراعات في المنطقة، وهو دور لعبته تركيا دائماً، لكن هذه المرة في صورة تركيا المقبولة من شعوب ونظم المنطقة والحريصة على مصالحهم، كما حصل في المفاوضات غير المباشرة بين سوريا ودولة الاحتلال الإسرائيلي عام 142008 ، وفي الاتفاق الثلاثي بين إيران والبرازيل وتركيا حول الملف النووي عام 2010 وغيرها (15)

    ك- التورع عن الدخول في أي نزاع بشكل منفرد أو دون غطاء دولي أو إقليمي أو منظمة دولية (16)

    ل- يعرف صانع القرار التركي أنه ورث دولة منكفئة على نفسها وبعيدة عن الانخراط في قضايا المنطقة/ العالم العربي المعقدة، وافتقاده بالتالي لعناصر التأثير الخارجية والتي تحتاج لعشرات السنين من العمل وفق رؤية واضحة وخطوات مدروسة. وقد حاولت الحكومات التركية ردم هذه الفجوة عبر القوة الناعمة والتواصل الاقتصادي والثقافي، الذي كان يمكن له أن يفيد في حالة الهدوء، بينما أصبح عائقاً كبيراً في ظل الاستقطاب وتأجج الصراعات، خصوصاً في وجود دول إقليمية تنتهج القوة الخشنة والتكئات العسكرية.

    م- حاجة تركية للشراكات الإقليمية وعدم قدرتها على حل الأزمات بمفردها. ويتبدى ذلك على المستوى النظري في تنظير أحمد داود أوغلو في كتابه “العمق الاستراتيجي” لأهمية “مثلث المنطقة” المكون من تركيا وإيران ومصر (17) ، ويتجلى عملياً في اتجاهاتها الأخيرة لرفع وتيرة التعاون مع كل من قطر والسعودية تحديداً.

    …………

    1-Fernand Braudel, A History of Civilizations, New York: Penguen 1993, p. 55.

    2- يتراوح طول الحدود التركية – السورية في عدد من المصادر التركية بين 877 كلم و 911 كلم.

    3- أحمد داود أوغلو، العمق الاستراتيجي: موقع تركيا ودورها في الساحة الدولية، ترجمة محمد جابر ثلجي وطارق عبدالجليل،ص 145- 169 – طبعة 10 ، (مركز الجزيرة للدراسات، الدوحة، 2010 ).

    4- ستيفن لونغريج، سوريا ولبنان تحت الانتداب الفرنسي، ترجمة بيار عقل، دار الحقيقة، ص. 298



    5- أديب صالح عبد اللهيبي، العلاقات السورية السوفييتية 1946- 1967 ؛ دراسة تاريخية، (دار غيداء للنشر والتوزيع، 2011) ص 121

    6- عقيل سعيد محفوظ، سوريا وتركيا: الواقع الراهن واحتمالات المستقبل، (المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،

    عفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا يناير 2012

    7- سعيد الحاج، تقدير استراتيجي ( 84 ): تركيا والقضية الفلسطينية بعد الانتخابات البرلمانية، مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات، نوفمبر 2015

    8 – ريان ذنون العباسي، إسرائيل ومشروع جنوب شرقي الأناضول في تركيا، دنيا الوطن، 2009

    9 – أحمد داود أوغلو، العمق الاستراتيجي: موقع تركيا ودورها في الساحة الدولية، ترجمة محمد جابر ثلجي وطارق عبدالجليل، طبعة 10 ، (مركز الجزيرة للدراسات، الدوحة، 2010 )، ص 145

    10 – أحمد داود أوغلو، مصدر سابق، ص 170

    11 – أحمد داود أوغلو، مصدر سابق، ص 612

    12- رغم الهجوم الأخير.. تركيا لا ترغب في التورط بالحرب الدائرة بسوريا، الوسط، 5 أكتوبر 2012

    13- عقيل محفوظ، السياسة الخارجية التركية, الاستمرارية والتغيير، (المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدوحة،

    2012 )، ص 103

    14 – مفاوضات سلام غير مباشرة بين سوريا وإسرائيل برعاية تركية، الدستور الأردنية، 22 مايو 2008

    51 – اتفاق إيران النووي مع البرازيل وتركيا، الجزيرة نت، 1 مارس 2015

    16-وزير الخارجية التركي: التحالف الدولي لم يتخذ قراراً بعد للتدخل العسكري في سوريا، ترك برس، 13 فبراير 2016

    17 – أحمد داود أوغلو، مصدر سابق، ص 389
     
جاري تحميل الصفحة...