1. Nour

    Nour نور الهدى قراش إداري نجم المنتدى

    Country:
    Algeria
    إنضم إلينا في:
    ‏5 مارس 2015
    المشاركات:
    374
    الإعجابات المتلقاة:
    381
    نقاط الجائزة:
    63
    الجنس:
    أنثى
    الوظيفة:
    موظفة
    الإقامة:
    سطيف

    Print

    [​IMG]
    د. سمير أمين

    23/09/2014

    سمات الرأسمالية في روسيا بعد السوفيتية

    توقف تطور النظام السوفيتي بعد انتصار ثورة 1917 عند مرحلته الأولى، مرحلة "اشتراكية الدولة" التي أسس قواعدها لينين ثم ستالين. ثم تحجر النظام عند هذه النقطة حتى أخذ يميل إلى أن يتحول إلى رأسمالية الدولة في عصر بريجينيف.

    ألجأ هنا إلى مفهومين تناولت توضيح مضمونهما في مقالي المعنون "الوحدة والتعددية في الحركة نحو الاشتراكية" وأطلقت اسم الـ "رأسمالية دون رأسماليين" على هذا النظام في وصفي لتحجره قبل السقوط.

    روى بريجينيف صعود طموحات الطبقة القائدة المستفيدة من النظام ("النومنكلاتورا") (مصطلح روسي يعنى به فئة الموظفين الإداريين المتنفذين في كافة الأنشطة: الحكومية، والزراعية، والصناعية، والتعليمية ... إلخ والذين حصلوا على وظائفهم بترشيح من الحزب الشيوعي، حينما كانت الأحزاب الشيوعية في سدة الحكم في روسيا وبلدان أوروبا الشرقية- المحرر) إلى أن تحول أعضاءها إلى رأسماليين أصحاب ملكية على نمط بورجوازية الغرب، ثم اعتمد يلتسين وجورباتشوف على هذه الطبقة من أجل إنجاز "الإصلاحات" المزعومة تحت عنوان جذاب: "إعادة هيكلة النظام وإضفاء الشفافية".

    أثبتت التطورات التالية فراغ الشعار الذي اختفي وراءه مشروع إسقاط النظام بكامله، لتحل محله رأسمالية منفلتة لصالح بورجوازية خرجت من صفوف النومنكلاتورا.

    هل ارتكب يلتسين وجورباتشوف جريمة "الخيانة"؟

    ليست إجابتي بالنفي، إذ إن سقوط الاشتراكية المزعومة (في واقع الأمر سقوط رأسمالية الدولة) صاحبته بالضرورة ردة فاحشة في مجال الحفاظ على ما يمكن تسميته "المصالح الوطنية" لشعوب الاتحاد السوفيتي. فانفجر الاتحاد وأصبحت الجمهوريات المكونة له دولاً تابعة تكاد تكون نيوكولونيالية بالنسبة إلى بعضها مثل دول البلطيق. ودخلت روسيا نفسها في نفق لم يظهر بعد ضوء المخرج منه.

    اعتمدت خطة الإمبريالية-باشتراك يلتسين وجورباتشوف في تنفيذها– على تبنى وصفة "العلاج بالصدمة"، التي صممتها رأسمالية الاحتكارات الغربية من أجل تدمير فورى وشامل لمؤسسات الدولة بحيث يصبح المجتمع عاجزاً في مواجهة الهجوم المنهجي المخطط.

    وقد ساهمت قطاعات واسعة من البورجوازية الروسية، ومثيلاتها في الجمهوريات المستقلة الجديدة، في تنفيذ البرنامج، بل قبلت أن تتحول إلى بورجوازيات كومبرادورية (بورجوازية الوكلاء التجاريون للشركات الرأسمالية الكبرى، وبالتالي ترتبط مصالحهم وتوجهاتهم بالدول الرأسمالية المتقدمة أكثر من ارتباطها بمقتضيات التنمية الوطنية لبلدانهم-المحرر) لمعرفتها أن هذا هو ثمن إثرائها السريع. وترتب على تضافر هذه العوامل إقامة نظام رأسمالي هش الهيكل، يتسم بالسمات التي سنتناول وصفها فيما يلي.

    أولاً: تحول روسيا إلى وضعية تخومية في النظام الرأسمالي العالمي المعاصر:

    تميل المنظومة الإنتاجية الروسية إلى أن تنحصر في قطاعات إنتاج المواد الخام للتصدير-ومنها النفط والغاز بصفة رئيسية-فلم تقم الحكومة بإصلاح القطاعات الصناعية والزراعية وهي قطاعات لا يهتم بها رأس المال الدولي ولا البورجوازية الكومبرادورية الجديدة المحتكرة للسلطة العليا.

    وتعاني هذه القطاعات من شح الاستثمار المخصص لها. بالإضافة إلى إن الحكومة سمحت بتدمير التعليم والقدرات الإبداعية التي كان النظام السوفيتي يحافظ عليها حفاظ العين. كان نمط التعليم السوفيتي-لا سيما التعليم العلمي-يُعتبر من أرقى ما أُنجز عالمياً. وقد تم تدمير هذا الإنجاز بأسلوب منهجي صممه "خبراء" أمريكان.

    من المسئول عن الكارثة؟ الطبقة الحاكمة التي فُتحت لها أبواب الإثراء الفوري من خلال نهب الملكية العامة. ولا سيما القسم من هذه الطبقة الذي استولى على الكومبينات (المجمعات أو المركبات-المحرر) السوفيتية العظمى في استخراج النفط والغاز. فشكل هذا القسم نواة الأوليجاركية (حكم القلة-المحرر) الجديدة، على نمط بلاد الجنوب المنتجة لمثل هذه الثروات من أجل التصدير. فأصبحت الدولة الروسية بمثابة دولة ريعية تعتمد ميزانيتها على الريع ولا غير. وخضع الإصلاح الضريبي "لنصائح" البنك الدولي فتم تخفيض نسبة الضرائب المحصلة على أرباح الشركات إلى 17% فقط، في مقابل ما يتراوح بين 30 و40% في الدولة الغربية! وكذلك أُلغيت أو تكاد الضرائب على الأرباح الموزعة ونسبتها في روسيا هي أيضاً 17%، في مقابل ما يتراوح بين 40 و70% في الدول الغربية!

    ثم تم تفكيك الصناعات التحويلية وبيع أقسام منها بأثمان رمزية لا صلة لها بالقيمة الحقيقية للأصول العينية (نموذج بيع القطاع العام في مصر مبارك ومرسى!) وذلك لإقامة "منشآت" تعمل من الباطن لصالح الاحتكارات الأجنبية التي تمتص الفائض المنتج في نشاطها. أي بعبارة أخرى تبنت روسيا أسوأ نمط من أنماط التبعية الجديدة.

    والوضع أسوأ في الجمهوريات الأخرى للاتحاد السوفيتي السابق، فأصبح رأس المال المالي يحكم أوكرانيا كما يحكم مستعمراته الأخرى في أوروبا الشرقية (بولندا، دول البلطيق، المجر الخ). وتقوم "منظمات غير حكومية" تمولها بسخاء أجهزه الإمبريالية بتنظيم "مظاهرات" تدعو أوروبا لتولى أمور إدارة الدولة.

    ويعتمد نظام السلطة على طبقة "وسطى" جديدة نشأت مع التحول الكومبرادورى. تتشكل هذه الطبقة من موظفين يقبضون مرتبات مرتفعة وظيفتهم خدمة الكومبرادور في إدارة أعمالهم.

    تختلف أوضاع روسيا الموصوفة هنا عن الصين التي رفضت "العلاج بالصدمة" وحافظت على استقلال رأسمالية دولتها ولم تسمح بتحويل صناعاتها إلى منشآت تعمل من الباطن لصالح رأسمال الاحتكارات الإمبريالية (يستطيع القارئ أن يرجع هنا إلى ما كتبته في الدراسة المعنونة "الصعود الناجح: الصين"، المنشورة في كتابي "ثورة مصر بعد 30 يونيو").

    يبدو أن بوتين قد بدأ يدرك مدى التدمير الذي أصاب اقتصاد روسيا ويبدو أنه ينوى اتخاذ مبادرات من أجل إصلاح الأوضاع. سوف نتناول نقاشها فيما بعد.

    ثانياً سلطة أوتوقراطية غير مسئولة

    يحول نمط الرأسمالية الروسية دون تقدم ديموقراطي، وليس استمرار الممارسة الأوتوقراطية تعبيراً عن "بواقي الماضي"، بل تعبيراً عما تفتضيه ممارسة سلطة الأوليجاركية الكومبرادورية الجديدة. وفي هذا الإطار أقام دستور 1993 نظاماً رئاسياً يخفض سلطات الدوما (البرلمان المنتخب) إلى ما يقرب الصفر.

    تتجاهل وسائل الإعلام الغربية– عمداً-هذه الحقيقة. فلا تدين النظم التي تتبنى الوصفة الليبرالية بنقص الديموقراطية، وتدينها فقط إذا سارت في سبيل آخر.

    يحل الفرق بين أساليب الأوتوقراطية الجديدة وسابقتها السوفيتية في مجال آخر. فتخدم الأوتوقراطية الجديدة مصالح الأوليجاركية الكومبرادورية الجديدة. وانعكست النزاعات بين أطراف هذه الأوليجاركية داخل نظام الحكم. فأصبح كبار موظفي الدولة أطرافاً في هذه النزاعات من أجل استخلاص فوائد مالية في مقابل تحيزهم لطرف أو آخر. ويعتبر هذا الوضع أهم مصدر "للفساد". وقد رأينا في بعض الأحوال عناصر من الأوليجاركية يدعون "الغرب" لإنقاذهم باسم الديموقراطية طبعاً!

    اندرجت سياسة بوتين في مرحلتها الأولى في هذا الإطار. فاستخدم الرئيس تلك الوسائل ذاتها من أجل وضع أصدقائه من حلقات سان بطرسبرج (وهي قاعدته الأصلية في انطلاقه) في وظائف قائدة. وسوف نرى فيما بعد إذا كان هناك احتمال أن يعيد بوتين النظر في هذا المجال، بعد استقراره في السلطة.

    يشارك "الشعب الروسي" في مسئولية الانهيار. علماً بأنه وجد نفسه في اضطراب بعد انهيار المؤسسات السوفيتية التي كان قد تعود على التعامل معها. ولكن النظام الجديد هو الذي يحمل المسئولية الكبرى في نهاية المطاف. فلجأ هذا النظام إلى استخدام العنف لتدمير ما تبقى من مؤسسات العصر السوفيتي حتى ضرب بالمدافع أول برلمان منتخب!
    ولم يكن "اليمين" الجديد قادراً على تخطى حدود تكوين جماعات صغيرة ترعد بالضوضاء (وعلقت وسائل الإعلام الغربية على هذه الضوضاء أهمية لا تستحقها!).

    ولا يزال هذا اليمين-إلى الآن-عاجزاً عن خلق حزب سياسي بالمعنى الصحيح. كما أنه لم يصبح قادراً على بلورة مشروع بديل للسوفيتية يكون متماسكًا ومقنعًا، يصاحبه خطاب أيديولوجي جاذب.

    فظل هذا اليمين أسيراً لبيروقراطية السلطة، ومضطراً إلى الاعتماد على مساندتها لتحقيق أهدافه من نمط شبه رأسمالي في روسيا، مثل ما أسميته في ظروف مصر: النمط المنحط لرأسمالية المحاسيب.

    ظل الحزب الشيوعي يتمتع بدرجة من الشعبية، الأمر الذي انعكس في قدرته على جمع نصيب محترم من الأصوات في الانتخابات الأولى. إلا أنه ظل متجمداً، دون تجاوز حدود الشعارات الدجمائية، الموروثة، وبالتالي ظل عاجزاً عن مواجهة التحدي الجديد. وشجع هذا العجز خشيته وخجله حتى أنه قبل تنازلات-مثل مساندته لدستور 1993-لم تكن الموافقة عليها في مصلحته.

    ثم ظهر على يسار هذا الحزب مجموعات "ماركسية" مجددة ولكن هذه المجموعات هي الأخرى لم تخرج– إلى الآن-من عزلتها في حلقات "نقاش" دون كسب جماهيرية.

    ثالثاً: تفكك نظام "الطائفية"

    كان من المحتمل أن تقوم النقابات– في غياب الحزب الشيوعي-بدور فعال، على الأقل من أجل حماية الإنجازات الاجتماعية المحققة في ظل نظام الطائفية السوفيتية السابق. وفعلاً استمرت الجماهير تثق في نقاباتها، على الأقل خلال العقد الأول للنظام الجديد، أي التسعينيات.

    ثم ارتكبت النقابات ما يبدو لي خطأ جسيماً. فتصورت إمكانية استمرار نظام الطائفية القديم الذي كانت طرفاً فيه. وقد شجع موقف العديد من كوادر إدارة الاقتصاد السوفيتي السابق دوام هذا التخيل. فوقف هؤلاء الكوادر مع عمال المنشآت المعنية في مواجهة نهب القطاع العام.

    وذهب البعض منهم-مع كوادر نقابات-إلى تصور حل على نمط الاشتراكية الديموقراطية الغربية، أي إقامة مؤسسات ثلاثية الأطراف (أصحاب رأس المال، الدولة، النقابات) تقوم بمفاوضات بينية حتى تصل إلى قرارات جماعية في مختلف القضايا التي تمس إدارة المنشآت والشئون الاجتماعية (شروط التوظيف والعمل، الأجور، المعاشات الخ). ولعل هؤلاء تجاهلوا إن أيام الأسلوب الاشتراكي الديموقراطي المذكور قد فاتت في الغرب نفسه.

    لم تمنع خشية النقابات وخجلها صعود النضال الطبقي الذي تجلى في إضرابات متكررة قوية. على أن هذه المبادرات ظلت "تلقائية" في معظم الأحوال – ونتاج لقرارات صادرة من القاعدة دون موافقة قيادات النقابات-وعاجزة عن دفع النقابات لإصلاح نفسها أو– في غياب حدوث ذلك-عن إنشاء نقابات بديلة.

    أدى تضافر هذه العوامل السلبية إلى ردات متواصلة لوجود النقابات في الساحة، كما حدث في الغرب أيضاً، ولنفس الأسباب.

    رابعاً: صعود طموحات إقليمية منفلتة

    أنتج سقوط النظام السوفيتي ظروفاً ملائمة لانفجار طموحات إقليمية منفلتة. ولئن كانت هذه الطموحات موجودة في ظل النظام السوفيتي، إلا أن السلطات بذلت المجهود المطلوب بروح من المسئولية، كي لا تنفلت الأمور باللجوء إلى التفاوض (لعله "المساومة") مع القوى المعنية، والعنف إن لزم الأمر.

    تبخرت روح المسئولية. وصارت كل فئة تدفع مصالحها الخاصة دون اعتبار للمصالح الأعلى. بل أخذت تكتلات الأوليجاركية تستغل الطموحات الإقليمية عندما وجدتها تفيد مصلحتها.

    ليست الحركات الإقليمية في روسيا "قومية" (أو "دينية") الطابع بالضرورة. فهناك على سبيل المثال طموحات إقليمية في أماكن نائية في سيبريا بالرغم من كون سكانها من الروس. ولكن هناك أيضاً حركات إقليمية ازدهرت على أرضية مطالب قومية، لاسيما في المناطق الإسلامية (مثل إقليم الشيشان). واستغل العدو الإمبريالي (الولايات المتحدة) المناسبة للتدخل السافر في شئون روسيا الداخلية. ثم لجأت السلطة المركزية الروسية إلى استخدام العنف في مواجهة هذه الحركات واستغلت عمليات الإرهاب التي باشرتها بالفعل بعض هذه الحركات لتبرير رد الفعل العسكري.
    هناك إشارات توحى أن بوتين بدأ يدرك خطورة الموقف. ولاسيما أن العديد من محافظي الأقاليم المنتخبين طبقاً للدستور قد أصبحوا أطرافاً في الحركات الإقليمية. فأصدرت الرئاسة قانوناً يتيح لها حق تعين موظفين (أسمتهم "مديري الأقاليم") لهم حق الفيتو ضد قرارات المحافظين. مرة أخرى لا يتجاوز هذا الحل حدود ممارسة الأوتوقراطية تفاديا البحث عن حلول صحيحة من خلال التفاوض.

    خامساً: غياب روسيا (مؤقتاً؟) في الساحة الدولية

    دعت القوى الإمبريالية العظمى الممثلة في "مجموعة السبع" روسيا للاشتراك في مجالسها (فأصبحت المجموعة مكونة من ثماني أعضاء) وذلك بعد سقوط النظام السوفيتي بقليل.

    ولا تزال هذه المشاركة رمزية، دون أن يكون لها أي تأثير في مواقف الدول السبعة. فبينما تم حل اتفاقية وارسو العسكرية لا يزال الناتو قائماً، بل صارت ممارساته أكثر استفزازاً وعجرفة. وكذلك قُبِل انضمام روسيا لمجموعة السبع على أساس تبنيها مبادئ الليبرالية الاقتصادية دون تحفظ.

    إلا أن تطور الأمور جعل قيادات روسيا تدرك خطورة الحال. إذ إن حضور روسيا في مجموعة الثماني (والمفروض أن روسيا أصبحت "صديقاً") لم يمنع الولايات المتحدة وأوروبا خلفها من التدخل السافر في شئون روسيا الداخلية، والقيام بمؤامرات عدوانية لاسيما في جورجيا ودول وسط آسيا وأوكرانيا.

    يبدو أن بوتين قد أدرك أن الغرب لا يزال عدواً لروسيا الأمر الذي يفسر مواقفه الجريئة التي اتخذها في مواجهة الأزمات الدولية الأخيرة (سوريا، إيران، أوكرانيا). ولذلك أعتقد أن زمن غياب روسيا عن الساحة الدولية قد انتهي.
    أتذكر حوارًا جرى بيني وبين بعض المسئولين الروس (اليمينيين) في أعقاب سقوط النظام السوفيتي. فقال هؤلاء لي (يكاد يكون بالحرف): "خسرنا الحرب، ولكن سوف نكسب السلم، كما أن ألمانيا التي خسرت الحرب لم يمنع هذا صعودها الاقتصادي، فسوف نستفيد نحن أيضاً من تبنى مبادئ الليبرالية الرأسمالية بعد أن تخلصنا من الأوهام الاشتراكية الخيالية".

    وكانت إجابتي كالآتي: "أنتم لا تدركون اختلاف الظروف. لقد ساعدت الولايات المتحدة ألمانيا على نهضتها بعد الهزيمة، لأن واشنطن كانت بحاجة لأن تكون ألمانيا قوية في مواجهة العدو الحقيقي القائم-الاتحاد السوفيتي. ويختلف الأمر اليوم فليس هناك وجود لأي عدو يذكر أمام الولايات المتحدة، وبالتالي لا تريد واشنطن مساندة صعود روسيا حتى لا تصبح مرة ثانية قوة عظمى، فالأفضل بالنسبة لها هو مواصلة تدمير بلادكم".

    سادساً: التدهور الأيديولوجي

    قامت الأيديولوجيا السوفيتية الرسمية على تكرار بلا ملل لخطاب "الاشتراكية" إذ كان المصدر الوحيد لشرعية النظام قائماً على ذكر ثورة 1917.

    طبعاً كانت الفجوة بين الكلام (حول الاشتراكية) والواقع عميقة. ولكن ليس هذا الوضع شاذا يخص الاتحاد السوفيتي فقط.

    فلا تقل عمقاً الفجوة التي تفصل الخطاب الأيديولوجي السائد في الغرب (ومفاده أن الليبرالية الاقتصادية مرادفة لتقدم الديموقراطية واستتباب السلم عالمياً) عن الواقع. فوظيفة الخطاب الأيديولوجي المبتذل هي بالتحديد إخفاء الحقيقة.
    لجأ الخطاب السوفيتي أيضاً إلى تعبئة الشعور "بالوطنية"-ليس بمعنى الشوفينية بالضرورة. فدعا إلى تكريس وحدة الشعب "وراء زعمائه" في مواجهة العدو الإمبريالي الرأسمالي. ووجد هذا الخطاب صدا ملحوظاً لأنه قام على حقائق-العداء للإمبريالية. علماً أيضاً بأن هذا الخطاب قد ساعد الحكام على إخفاء نواقصهم في إنجاز التقدم الموعود.
    وليست هذه الممارسة خاصة بالتجربة السوفيتية. إذ يلجأ زعماء دول الجنوب إلى خطاب وطني مماثل حول معاداة الإمبريالية لمشروعهم "المستقل".

    واليوم، في ظروف صعود عداء الغرب لروسيا، يقوم الشعور بالوطنية الروسية بدور إيجابي. إلا أن مثل هذا الخطاب ما زال يؤثر في الشعب الروسي المشغول بمواجهة النتائج الكارثية للسياسة الليبرالية التي ينفذها النظام.

    فحل خطاب شوفينى بحت محل تعبئة الوطنية الصحيحة. ويغذى الخطاب الشوفينى كراهية الجار ويحمله مسئولية (وهمية طبعاً) المصاعب التي يعاني منها الشعب الروسي. فأصبح المهاجر القوقازي أو الآسيوي يمثل هذا العدو. مرة أخرى ليست هذه الظاهرة خاصة بروسيا. فأصبحت أداة خداع الشعوب في الغرب "المتقدم" (الحملات ضد المهاجرين) وفي الجنوب "المتخلف" (الحروب الأهلية "الدينية" أو "العراقية" في الوطن العربي وفي أفريقيا المعاصرة).

    خروج روسيا من النفق؟

    توحى قراءة الصفحات السابقة بأن روسيا تعيش عصر أفولها لدرجة بائسة، وأن مبادرات بوتين لقلب الاتجاه لم تأت بثمار تذكر إلى الآن. وهناك ظواهر اجتماعية توحى بأن الأفول لا يتعلق فقط بتدهور المنظومة الإنتاجية بل يلمس أيضاً المجال الديموغرافي-تعداد سكان روسيا في انخفاض-الأمر الذي يدل على أن فقدان الأمل في المستقبل أخذ يتفشى في المجتمع.

    وترى بعض شخصيات اليسار الجذري الروسي بأن الأفول المذكور مؤقت. ويقوم تفاؤلهم على ملاحظة غياب شرعية نظام السلطة الراهن في أعين الشعب الروسي، وتشبيه الظروف الراهنة بما كانت عليه روسيا قبل انفجار ثورة 1917. فالمنتظر في نظر هؤلاء إنما هو انفجار موجة متكررة لحركة الثورة الاشتراكية، وليس أقل.

    أعتقد أن كلتا وجهتي النظر تفتقران للحجة. فمن جانب لم ينجز النظام الرأسمالي الليبرالي الحاكم أهدافه المعلنة، أي درجة من الاستقرار الاقتصادي والسياسي والاجتماعي تضمن استمراره. وبالتالي تظل الأبواب مفتوحة على تغيرات تمس جوهر الأمور. والمقولة صحيحة بالنسبة إلى روسيا كما هي صحيحة بالنسبة إلى أي منطقة أخرى من الكوكب، بما فيها الدول المركزية القائدة، وبالأولى دول الجنوب الصاعدة وغيرها.

    ومن الجانب الآخر لم تظهر بعد-لا في روسيا ولا في غيرها من أقاليم العالم-قوة استطاعت أن تقيم الجبهة الواسعة المطلوبة لانقلاب اتجاه التطور العام.

    أقول، انطلاقاً من ملاحظتي المذكورة، إن السؤال الحقيقي المطروح هو الآتي: ما هي الشروط التي تتيح صعود موجة ثانية للحركة نحو الاشتراكية؟ علماً بأن هذه الموجة المطلوبة لا يمكن أن تكون تكراراً للموجة الأولى التي حركت الشعوب خلال معظم القرن العشرين. ثم بعد ذلك يمكننا أن نطرح نفس السؤال بصورة ملموسة وخاصة ظروف روسيا الراهنة: ما هي الخطوات الأولى المطلوبة والممكن تحقيقها والتي تدفع الحركة إلى الأمام في ظروف روسيا؟
    تناولت بشيء من التفصيل الوجه الأول– العام-للقضية في مقالي المعنون "الوحدة والتعددية في الحركة نحو الاشتراكية". فأرجو من القارئ المهتم بالموضوع أن يرجع إليه. وقد تمركزت ملاحظاتي في القضية حول بيان الجديد الذي يمنع اللجوء إلى الاستراتيجيات التي أتت بثمارها خلال الموجة الأولى (القرن العشرين) والتي لم تعد فعالة في ظروف القرن الواحد والعشرين.

    كما انطلقت من نظرة مجددة لقضية "بناء الاشتراكية"، قائمة على اعتبار أن السير نحو الاشتراكية يتجسم في مسيرة تاريخية تمتد على عقود من الأعوام، بينما قامت نظرة القرن العشرين على تخيل انتقال سريع للاشتراكية. ثم لفت النظر إلى تحول هام لطرح القضية نظرياً وعملياً، يمس إشكالية تعددية الأطراف المشتركة في الحركة نحو الاشتراكية. ويختلف هذا الطرح هو الآخر عن أطروحات ماركسيات القرن العشرين. فرأت هذه الأخيرة أن هناك طبقة واحدة ووحيدة عليها أن تقود وتنجز التحول الثوري إلى الاشتراكية هي البروليتاريا. كما أن بعض فروع الماركسية التاريخية رأت أنه– في ظروف مجتمعات تخوم المنظومة الرأسمالية المعلومة-يمكن أن تقوم البورجوازية الوطنية (أو الدولة الوطنية) بتحقيق أهداف مرحلية أولى تنخرط في التطلع نحو الاشتراكية.

    وترسى خلاصة التحليل الذي قدمته في القضية في طرح مقولة "المشروع المستقل" ("الوطني المستقل") بصفته الخطوة الأولى على الطريق الطويل للاستمرارية. وأقصد بـ "الاشتراكية" مرحلة أعلى في حضارة الإنسانية تقوم على مبدأ لحم النسيج المجتمعي على أساس سيادة الديموقراطية، ويحل محل لحمه على أساس سيادة السوق.
    ويتجلى مضمون "المشروع المستقل" المطلوب والممكن في إقامة "رأسمالية دولة مستقلة" ذات توجه اجتماعي شعبي بصفتها الخطوة التي تفتح الباب لتطويرها إلى "اشتراكية دولة" ثم بالتدريج إلى تقدم الأخيرة نحو الاشتراكية.

    كيف يمكن ترجمة هذه الخطوط العامة إلى برنامج عمل ملموس في ظروف روسيا اليوم؟

    لقد ناقشت أطروحاتي في هذا المجال في موسكو عام 2013 بشيء من التفصيل مع عدد من الرفاق الروس. ودون أن أجرؤ على القول بأننا "اتفقنا بالضرورة وبالتفصيل" أقول إنه قد بدت لي موافقة شملت النقاط الأساسية الآتية:

    1-الخروج من سيادة انفراد نمط الملكية الخاصة في إدارة الاقتصاد وإحلال سيادة "رأسمالية دولة مستقلة" محله.
    يقتضي تنفيذ المشروع البديل المذكور العودة إلى تأميم أهم قطاعات الإنتاج الروسي التي يملكها حالياً أعضاء الأوليجاركية بصفتهم أصحاب ملكية خاصة. وتشمل هذه القطاعات النفط والغاز بصفة خاصة، وأيضاً قطاعات صناعية هامة مختلفة. وذلك دون إلغاء مبدأ الملكية الخاصة بشكل عام، بمعنى احترام سيادة هذه الملكية في أنشطة إنتاجية متعددة. بكلمة أخرى بناء "اقتصاد مختلط".

    2-الخروج من سيادة تحكم السوق في إدارة المنشآت تحكماً مطلقاً، وتعويضه بالعمل بمبدأ التفاوض بين ثلاثة أطراف: أصحاب القرار (سواء كانوا موظفين يديرون القطاع العام أم أصحاب رؤوس الأموال الخاصة)، العمال المستخدمون في القطاع المعنى، الدولة (أو السلطات المحلية).
    ويقتضي تنفيذ المشروع إبداع الإطارات المؤسساتية المناسبة على جميع الأصعدة من مستوى المنشاة إلى مستوى القطاع والإقليم، ثم إلى مستوى الوطن والدولة. وتمثل هذه الخطوة عاملاً فاعلاً ومتحكماً في دفع رأسمالية الدولة لتحويلها بالتدريج إلى اشتراكية الدولة.

    3-الانعتاق من سيادة مبدأ انسحاب الدولة من مجالات الخدمات العامة ونقل مسئولية إدارتها إلى رأس المال الخاص، وتكريس قيام الدولة بإدارة الخدمات المذكورة (التعليم، الصحة، الإسكان، الضمان الاجتماعي... الخ). ولا سيما بالنسبة إلى روسيا العودة إلى النظم التي أعطت للاتحاد السوفيتي سبقاً وتفوقاً على صعيد عالمي (لا سيما في مجالات التعليم).
    وتفترض العودة إلى قيام الدولة بدورها القائد في هذه المجالات إصلاحاً جذرياً في النظام الضريبي بحيث توفر الحصيلة الضريبية الموارد المطلوبة بالإضافة إلى خروج الدولة من التبعية الريعية في تمويل أنشطتها.
    أقول إن النظام الراهن-القائم على تحديد نسبة خفيفة (17%) للضرائب وتعميم هذه النسبة (أي النظام المسمى بالإنجليزية l flat tax لضريبة الموحدة الخفيفة) -هو أسوأ نظام ضريبي يمكن أن يكون، أي على مستوى العالم! وطبعاً نصح البنك الدولي العمل به بدعوى أنه يجعل روسيا مكاناً جذاباً للاستثمار الأجنى!
    وبالفعل هو نظام جذاب، يحول الصناعة الروسية إلى منشآت تعمل من الباطن وتتيح امتصاص أرباحها لصالح رأس المال الإمبريالي. ولكنه نظام مدمر يسبب نمط تنمية رثة ولا غير.

    4-اتخاذ إجراءات تدفع الديموقراطية إلى الأمام، ولا تنحصر الوصفة هنا على إجراء انتخابات صحيحة فقط. بل يتوج قبل ذلك بخلق مناخ ديموقراطي في المجتمع. الأمر الذي يفترض سن قوانين تتيح حرية تنظيم الأحزاب والنقابات والمؤسسات الأهلية، بل تشجيع ازدهارها بتوفير دعم لها إن لزم الأمر.. الخ.

    تمثل هذه الإجراءات الوسيلة الوحيدة التي تفتح مجالاً لتقدم مقرطة المجتمع السياسي. وليست هذه مشكلة خاصة بروسيا. فلا يختلف الأمر عالمياً. فقد تسببت عقود من سيادة رأسمالية الدولة في روسيا وفي بلدان أخرى، وعقود من سيادة رأسمالية "الموافقة التامة" في الغرب ثم عقدين أو ثلاثة من سيادة الرأسمالية الليبرالية المنفلتة، تسبب ذلك التاريخ في تنويم الوعي السياسي وطمس الثقافة السياسية على صعيد عالمي، في البلدان المتقدمة والمتخلفة على قدم المساواة.

    فلا ينفع إجراء "انتخابات" فورية في هذه الظروف، بل يحتاج الأمر إصلاح الوضع قبل ذلك لخلق مناخ وممارسات ديموقراطية حقيقية حتى يرتفع مستوى الوعي المسيس إلى المستوى المطلوب. ويتطلب تقدم الديموقراطية مزيداً من الصبر! وينبغي وضع قضية الدستور الروسي في هذا الإطار.

    قطعاً ليس دستور روسيا لعام 1993 دستوراً ديموقراطياً، شأنه في ذلك شأن معظم الدساتير القائمة على مبدأ تفوق سلطة الرئيس (ولو المنتخب!) على السلطات الأخرى (البرلمان). وتتلخص مثل هذه الدساتير في أشكالها المتطرفة (وهو وضع الدستور الروسي المعني وكذلك وضع جميع الدساتير المصرية الناصرية وبعد الناصرية ومنها مشروع الدستور الأخير) في بند واحد مفاده الحقيقي يقٌرأ "للرئيس السلطات"!

    بيد أن حل المشكلة لن يأتي من خلال انتخاب فورى لجمعية وطنية مسئولة تسن مشروع دستور جديد لا في روسيا، ولا في مصر (وقد أثبتت التجربة التونسية هشاشة الأوهام المعلقة على هذا الأسلوب، بل يستحسن تأجيل اتخاذ هذا الإجراء الضروري في نهاية المطاف) حتى تخلق ممارسة ديموقراطية فعلية على أرضية الواقع الشعبي الملموس وخلال بضع سنوات إنعاش الثقافة المسيسة.

    5-مثلت البنية السوفيتية المتعددة القوميات انجازاً تقدمياً ليس فقط بالنسبة إلى الشعوب المعنية (الروس وغيرهم) بل أيضاً على صعيد عالمي. فقدم نموذجاً للمطلوب– مشاركة قوميات مختلفة في بناء مستقبل مشترك-وذلك مهما كانت نواقصها. علماً بأن هذه النواقص لم تحل في مجال التعامل مع قضية القومية-إذ إن النظام السوفيتي قد احترم بالفعل التعددية في هذا المجال-بل حلت في مجالات أخرى تمس إدارة الاقتصاد والسياسة.

    وبالتالي أعتبر تفكيك الاتحاد ظاهرة سلبية تاريخياً، جزءًا لا يتجزأ من الكارثة. أقول أكثر من ذلك: "إن القوى (الرجعية) التي طالبت بالاستقلال المزعوم لم تتمتع في لحظة سقوط الاتحاد بمساندة شعبية واسعة كما قيل، خاصة كما قال به الإعلام الغربي الكاذب والمخادع وفُرض الاستقلال غير المطلوب على جمهوريات آسيا الوسطى. وقد سعت الأوليجاركية الروسية من وراء هذا القرار منها إلى التخلص من "عبء المعونة" المصممة من الداخل في هيكل النظام الاقتصادي السوفيتي كما ذكرت. وفي بعض الجمهوريات الأخرى-أوكرانيا، الدول القوقازية-طرحت قطاعات من الأوليجاركية المحلية ولا الشعوب المعنية هذا المطلب ومولت أجهزة الإمبريالية بسخاء –ولا تزال في أوكرانيا حالياً-المؤامرة كما أن الإعلام الغربي ضخم صور "الانتفاضات" من أجل الاستقلال تضخماً فاحشاَ.

    على أنه– بعد الحصول على "الاستقلال"-ازدهرت أوهام في صفوف الجماهير تعلق آمالاً على "معونة" غربية تحل محل الدعم السوفيتي السابق بل تتفوق عليه. وطبعاً لم يحدث ذلك، حدث العكس تماماً: دفع مشروعات الإمبريالية لنهب ثروات الجمهوريات المعنية.

    لعل الظروف بدأت تتغير من هذه الوجهة ويلاحظ عودة "الحنين" لأيام الاتحاد، حتى في دول البلطيق.
    آن الأوان إذن لفتح مجال لإعادة بناء نوع من التقارب، وربما أكثر، بين الجمهوريات الجديدة وروسيا، وفتح مفاوضات من أجله ويفترض دفع استراتيجيا فعالة في هذا المجال.

    أولاً: تجنب تصور العودة إلى إقامة سلطة مركزية (على صعيد الاتحاد المجدد أو التحالف المقيد باتفاقية دولية بين الأطراف) على نمط الاتحاد السوفيتي السابق. الأمر الذي يتطلب من الطرف الروسي أن يدرك سلامة مخاوف الشعوب الأخرى بسبب غياب التوازن بينهم. فلا تخص هذه المخاوف روسيا فقط، إذ نجد تحفظات متماسكة في المفاوضات حول التعاون بين البرازيل– الدولة القارية-وبوليفيا.

    ثانياً: تجنب منطق "السوق المشتركة" في بناء العلاقات الجديدة بين روسيا والجمهوريات المعنية، إذ تمثل السوق المشتركة وسيلة تنتج وتعيد إنتاج التفاوت بين أطرافها إذا أقيمت في الأصل بين أطراف غير متساوية.
    تضرب التجربة الأوروبية المثل لما يجب تفاديه. فيزعم الإعلام الأوروبي أن الاتحاد الأوروبي، أقيم من أجل تخطى تواضع قدرات الدول الصغيرة أو المتوسطة الأوروبية في مواجهة ضخامة حجم الولايات المتحدة. وبالتالي يقدم صورة للنية الأوروبية على تكريس استقلالها الجماعي. واقتنع الرأي الأوروبي، بل الرأي السائد أيضاً في روسيا وفي العالم بحقيقة هذا الادعاء. بيد أن الواقع يثبت عكسه تماماً. لم تتح الوحدة الأوروبية المبنية على مبدأ السوق المشتركة الموحدة فرصاً للبلدان الأوروبية الأقل نمواً (خاصة في أوروبا الشرقية سابقاً) لاستعجال لحاقها بالدول الأوروبية الغربية. بل على عكس ذلك فتح أبواب أوروبا الشرقية للنهب لصالح احتكارات الغرب– لا سيما الألمانية. فأصبحت العلاقة بين أوروبا الغربية وأوروبا الشرقية غير متوازنة، شأنها شأن العلاقات بين الولايات المتحدة وأمريكا اللاتينية. أقول إن الوحدة الأوروبية أقيمت من أجل تحقيق هذا الهدف بالتحديد، علماً بأن المشروع نفسه لم يدخل في أي شكل من أشكال المنافسة مع الولايات المتحدة كما يزعم الإعلام الأوروبي، بل كرس تبعية أوروبا السياسية والعسكرية التي تتجلى في قيادة أمريكية للناتو وللسياسة الخارجية لدول الثلاثية (الولايات المتحدة وأوروبا واليابان).
    لقد أدركت شعوب أمريكا اللاتينية ذلك تماماً، ولهذا السبب رفضت مشروع بناء سوق قارية أمريكية وهو المشروع الذي طرحته واشنطن. وهو مشروع مماثل للمشروع الأوروبي! ولكن للأسف يبدو أن الرأي العام في أوروبا الشرقية وفي روسيا لم يدرك ذلك-إلى الآن.

    وبالتالي ينبغي تصور قيام البديل بالنسبة إلى العلاقات بين روسيا والجمهوريات المعنية على قاعدة أخرى: بناء تكامل مدروس وموازٍ نتاج تفاوض بين الدول المعنية بحيث يحفظ استقلال رأسمالية الدولة الخاصة لكل أطراف التحالف. ويضرب مشروع ألبا في أمريكا الجنوبية مثالاً للنمط المطلوب، خارج سيادة علاقات السوق.

    6-تكريس استقلالية سياسة روسيا في الساحة الدولية ودعم قواتها العسكرية. ففي مواجهة مشروع عسكرة العولمة وبسط السيطرة الأمريكية العسكرية على الكوكب، ليس هناك بديل لتكريس مبادئ احترام السيادة الوطنية في المجالات الدولية ودعمها بالقوة العسكرية على قدر التحدي الإمبريالي.

    وبعد هذا العرض المفصل لما يبدو لي مكونات البديل بالنسبة إلى روسيا علينا أن ننظر فيما إذا كان يتواجد في الكيان المجتمعي الروسي قوى تدرك مغزى التحدي وتدفع خياراتها السياسية في سبيل انجاز الأهداف المحددة.

    كانت الحكومة التي رأسها بريماكوف لمدة قصيرة خلال التسعينيات قد شرعت في سبيل الإصلاح واتخذت بعض المبادرات– ولو المتواضعة-في الاتجاه المطلوب. ولكن الأوليجاركية استطاعت أن تتخلص من بريماكوف.

    ثم بعد مضى سنوات ظهرت مرة أخرى إشارات تدل على أن بعض أقسام من الطبقة السياسية الحاكمة (ولا بد من التمييز بين هذه الطبقة المسئولة عن إدارة السياسة وبين الطبقة الحاكمة في المجال الاقتصادي، بالرغم من التحالف الذي يربطهما ببعضهما البعض) أصبحت تدرك مدى الكارثة. ويبدو أن بوتين ينتمي إلى هذه المجموعة واستغل الفرصة للصعود في سلم السلطة. فتوجهت قيادة بوتين توجهاً جديداً في ثلاثة مجالات هي:

    أولاً: السياسة الخارجية. فقد أخذ بوتين درساً من موافقته السابقة على تدخل الإمبريالية في ليبيا (بامتناعه عن استخدام حق الفيتو ضد هذا التدخل في مجلس الأمن). والتالي معروف وواضح. وأدرك أن الإمبريالية لم تزل تمثل الخطر الرئيسي على صعيد عالمي. فلم يكرر الخطأ عندما انفجرت أزمة سوريا. هكذا عادت روسيا تحتل مكانة دولة عظمى في الساحة الدولية.

    ثانياً: في مجال إعادة بناء تحالف مع الجمهوريات السوفيتية سابقاً، قاوم بوتين مشروعات الإمبريالية في الاستيلاء على هذه الجمهوريات، لا سيما في جورجيا وأوكرانيا.
    الأمر الذي أدى إلى إعلان ما يكاد حرباً إعلامياً غربياً ضد "الديكتاتورية" وتدين "القيصر الجديد" وضد الطموحات الإمبريالية الروسية إزاء الجمهوريات المعنية الخ..

    ثالثاً: في مجال إعادة هيكلة المنظومة الاقتصادية الروسية. شن بوتين معارك ضد بعض عناصر الأوليجاركية-وليس ضد الأوليجاركية بجمعها بصفتها طبقة حاكمة اقتصادياً.

    والأسئلة التي تطرح نفسها الآن هي التالية:

    هل ينوى بوتين فعلاً قلب ميزان القوة وإعادة بناء نوع من رأسمالية دولة مستقلة؟

    هل لديه استراتيجية (ولو "سرية") لتحقيق هذا الهدف؟

    ما هي شروط نجاحه إذا كان هذا هو هدفه الحقيقي؟ ما هي القوى الاجتماعية في داخل روسيا التي يمكن أن يعتمد عليها في مشروعه؟

    من هم الأعداء الحقيقيون والحلفاء المحتملون في الساحة الدولية؟

    تصعب الإجابة على هذه الأسئلة على الأقل بالنسبة لي شخصياً. لعل بعض الرفاق في روسيا الذين يدركون مدى التحدي والذين يعلمون كيف تتحرك القوى الاجتماعية في الساحة الروسية سوف يقدمون إجابات أفضل.

    أقول بهذا الصدد –ومن حيث المبدأ-إن نجاح مشروع إعادة بناء رأسمالية دولة مستقلة يفترض كسب مساندة "الشعب" بالمعنى الواسع للكلمة. أقول إن هذا المبدأ لا يحكم فقط مستقبل روسيا، فهو مبدأ يحكم أيضاً نجاح مثل هذا المشروع في أي بلد آخر من الكوكب المعاصر.

    لن أكرر هنا ما سبق أن كتبته بهذا الصدد حول ضرورة إعطاء مشروع رأسمالية الدولة طابعا "اجتماعيا" تقدميًا (ولا أقول طابعًا "اشتراكيًا").

    الأمر الذي يتطلب بدوره إجراء إصلاحات تتيح المشاركة للأغلبية العظمى من الطبقات الشعبية في فوائد التنمية الاقتصادية، فلن يقتنع الشعب بمساندة "مشروع وطني بحت" يتجاهل مشاكله تجاهلاً شاملاً
    وتأتى بعد ذلك إشكالية التحالفات الخارجية التي يمكن من خلالها دفع مشروع التنمية الوطنية المستقلة.

    سادت-ولا تزال تسود-أوهام خطيرة بهذا الصدد، في روسيا وفي العالم. فيعلق البعض آمالاً على "أوروبا"-كما هي أي الاتحاد الأوروبي-وما زال العديد من "رجال السياسة" -لاسيما في حلقات "الخبراء" في الشئون الدولية-مقتنعين بجدية كلام أوروبا عن نفسها: أن المشروع الأوروبي يسعى إلى نشر الرفاهية والديموقراطية وضمان السلام، فيتجاهلون الواقع: اصطفاف أوروبا وراء مشروع بسط الولايات المتحدة سيطرتها العسكرية على الكوكب. ويستمرون في تغذية الآمال بأن يكون هذا الاصطفاف مؤقتا.

    ولقد قامت خيارات أوروبا الشرقية-عندما قررت الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي-على أساس هذه التخيلات التي يكذبها واقع الأمور.

    وكذلك قامت دعوة جورباتشوف إلى بناء "البيت الأوربي المشترك" على نفس الأوهام. وكانت الحجج المقدمة بهذا الصدد بسيطة. أولاً: تشارك روسيا وأوروبا في "الثقافة" "والإرث التاريخي" ("أوروبا المسيحية"؟). علماً بأن الكلام عن "أمة أوروبية" (لا وجود لها في الواقع) لا يختلف كثيراً عن الكلام الموازي عن "الأمة الإسلامية" (التي هي الأخرى لا وجود لها).

    ثانياً: إن روسيا غنية بالثروات الطبيعية التي تحتاج أوروبا إليها –لا سيما البترول والغاز-وتمثل أرضية للتفاهم في صالح الطرفين.

    لقد تناسى هذا الخطاب البسيط لدرجة السذاجة أن "أوروبا" تشكيلة اجتماعية تقودها طبقات اجتماعية حاكمة. تمثل مصالح رأسمال الاحتكارات الإمبريالية. وفيما يتعلق بالبترول والغاز بالتحديد فقد طورت أوروبا في الحقيقة استراتيجيات تسعى إلى الاستغناء عن استيرادها من روسيا. ومنها مشروعات تحويل أنابيب آسيا الوسطى والقوقاز دون مرورها عبر روسيا.

    لئن اقتنع غورباتشوف بما قال، إلا أن بوتين يبدو واعياً بمغزى التحدي وحقيقة طابع أوروبا الإمبريالية حليفة الولايات المتحدة.

    بيد أن هذا "الوعي" الواضح" لا يكفي في حد ذاته طالما لم تُحقق شروط دفع مشروع رأسمالية دولة مستقلة التي ذكرناها فيما سبق.

    فطالما لم يتحقق جميع هذه الشروط ستظل تحركات بوتين معارضة ولكن هشة. ويدرك الغرب ضعف مبادرات بوتين فلا يقلق منها. ويقول "الخبراء" الأوربيون في شئون روسيا بهذا الصدد إن تحركات بوتين لن تضع مصالح أوروبا في خطر. فيظل اقتصاد روسيا في حالة خراب وتنميته مهددة.

    وتميل الطبقة السائدة-الأوليجاركية-إلى الاعتراف بالأمر الواقع-أي اختلال ميزان القوى في صالح أوروبا وفي غير صالحها-فتحترم ما يقتضيه حتى تضمن استمرار سيطرتها على الحكم وإثرائها. خلاصة القول إن روسيا لن تخرج عن آفاق الدولة الكومبرادورية التابعة.

    الكرة الآن في يدي بوتين: هل هو قادر أن يدرك ذلك؟ هل هو عازم على أن يتخلص من تحكم الأوليجاركية في شئون روسيا؟ هل هو مستعد أن يدفع ثمن انقلاب الميزان لصالحه من خلال سياسة اقتصادية واجتماعية تنقض السياسة التي استمر يسير في سبيلها إلى الآن؟

    تمثل دول "الجنوب" ولا سيما الدول الصاعدة التي تسعى هي الأخرى إلى إقامة نظم رأسمالية دولة مستقلة، بديلاً بعد تبخر الأوهام حول أوروبا. وسوف يقوى تكريس تحالفها في السياسة الدولية وفي مواجهة عسكرة العولمة موقف روسيا في الساحة. وتتواجد أيضاً مجالات للتعاون الاقتصادي يمكن استغلال فرصه. وهناك إشارات تدل على صعود الوعي بهذه الإمكانيات ظهرت في سياسة روسيا والصين بالأخص فلا بد من تعميق الفكر والعمل في سبيل إنجاز وعودها اللامعة.
     
    أعجب بهذه المشاركة politics-dz
جاري تحميل الصفحة...