1. politics-dz

    politics-dz مدير الموقع
    طاقم الإدارة politico نجم المنتدى

    إنضم إلينا في:
    ‏22 فبراير 2015
    المشاركات:
    4,380
    الإعجابات المتلقاة:
    7,208


    [​IMG]

    هذه الدراسة تتألف من مجموعة من التقارير كتبها مختصون وخبراء أمنيين, تتناول محاور الاهتمام الاستراتيجي في الشرق الأوسط , والتوجهات الأمنية الآخذة في البروز والتي يفترض انها تشكل البيئة الإستراتيجية في المنطقة وفق توقيت الدراسة الزمني , وتبحث في المواضيع التي ستؤثر في الأمن الإقليمي من وجهة النظر الامريكية، وهذا يشمل التوقعات المستقبلية في مجالات الإصلاح الاقتصادي والسياسي ، العلاقات المدنية - السياسية ، تبدل الأنظمة ، امن الطاقة ، انتشار تقنيات المعلومات الجديدة ، انتشار أسلحة الدمار الشامل .كما تستعرض الدراسة التحديات المحتملة لمصالح الولايات المتحدة في منطقة الخليج العربي خلال العقد القادم مع التركيز بشكل أساسي على القوة العسكرية التقليدية لدى كل من إيران والعراق ، إمكانيات الدمار مستقبلا ، نقاط الضعف الاجتماعي والاقتصادي في بلدان المنطقة .

    ملخص الدراسة

    كان موضوع انتشار أسلحة الدمار الشامل ووسائل حملها إلى أهدافها الأبعد مدى يمثل جانباً مهماً من التباحث حول مسألة الأمن في منطقة الشرق الأوسط منذ سني السبعينيات ، على أقل تقدير . بعد ذلك جاءت حرب الخليج في عام 1991 لتضع هذه المخاوف في الصدارة ، وخصوصاً بين المراقبين الغربيين ، ثم عاد فعزز منها بقوة ذلك المناخ الذي أعقب أحداث 11 أيلول وما تلاه من حديث عن " محور الشر " ، ومن بعده الحرب التي شنت على العراق في عام 2003 ، على اعتبارها مسألة متعلقة بإستراتيجية الأمن القومي والأوضاع القائمة في المنطقة . بل أن الترابطالمنظور ، في الواقع ، بين أسلحة الدمار الشامل والإرهاب وإمكانيات التحرك والوصول بين مختلف أنحاء العالم يجعل التطورات الحادثة في الشرق الأوسط من شؤون الداخل الأميركي فضلاً عن كونها من شؤون الأمن الإقليمي . ما الذي يجعل أسلحة الدمار الشامل تحتل كل هذه المكانة البارزة في حسابات الشرق الأوسط المعاصرة ؟ على مدى عقود الحرب الباردة كانت الاستراتيجيات تتقبل في حساباتها مجازفة أن تكون المعركة النووية الفاصلة هي" العامل الفاعل الدائم " ، وكانت مناقشات الأمن الإقليمي تقر باحتمالات التصعيد وإمكانيات استخدام السلاح النووي أو الكيمياوي مستقبلاً . فالأسلحة النووية والصواريخ البعيدة المدى كانت جزءاً من المعادلة الإقليمية منذ أزمة السويس في عام1956، على أقل تقدير ، عندما هددت روسيا ( ولو أنها لم تكن صادقة تماماً في ذلك التهديد ) بتوجيه ضربات نووية ضد بريطانيا وفرنسا رداً على تدخلهما في مصر . وفي عام 1967 ، ومرة أخرى في عام 1973 ، لاح في الأفق طيف المجابهة النووية بين القوى العظمى في إطار الصراع العربي - الإسرائيلي . كذلك ظل الرادع النووي الإسرائيلي عاملاً من عوامل الأمن الإقليمي لعقود من الزمن ، ولم تتردد إسرائيل في سبيل الإبقاء على احتكارها للقدرة النووية في المنطقة عن تدمير المفاعل النووي العراقي في عام 1981 . ثم جاءت نهاية الحرب الباردة لتكسر تلك الصلة المسلم بها بين النزاعات الإقليمية وتوقعات التصعيد ثم انجرار القوى العظمى واحتمالات استخدام أسلحة الدمار الشامل .

    وفر عهد ما بعد الحرب الباردة لجميع اللاعبين ، الإقليميين منهم والخارجيين ، حرية فعل أوسع ، حيث خفض من جسامة المخاطر المصاحبة للتدخل ، ولكنه أزال في نفس الوقت كثيراً من القيود القديمة التي كانت مفروضة على السلوك ضمن المنطقة . ففي عالم يستطيع اللاعبون الخارجيون فيه أن يأملوا في النأي بأنفسهم عن العواقب المترتبة على الخلافات الشرق أوسطية ، يصبح مجهزو التكنولوجيا العسكرية ، بما فيها المعدات والتقنيات ذات الصلة بأسلحة الدمار الشامل ، أقل حذراً إزاء تناقل مثل هذه المواد . فالاتحاد السوفيتي كان راعياً رئيسياً ومجهزاً للمعدات العسكرية التقليدية الثقيلة خلال فترة الحرب الباردة ، ولكنه رغم هذا كان يحجم عن إرسال التكنولوجيا التي يتوقع منها أن تؤدي إلى التصعيد لئلا تعقد عليه تخطيطاته الأمنية . ولكن الحوافز الاقتصادية والسياسية لدى الروس ، أو غيرهم من اللاعبين الخارجيين ، لإرسال معدات ذات علاقة بأسلحة الدمار الشامل إلى منطقة الشرق الأوسط قد ترجح كفتها عندهم الآن على كفة المحاذير المتوقعة . واليوم تساهم عوامل أخرى عديدة في إبراز أهمية أسلحة الدمار الشامل والصواريخ البعيدة المدى في الأمن الشرق أوسطي .

    أولاً . أن الشرق الأوسط هو المنطقة التي استخدمت فيهاالأسلحة غير التقليدية والصواريخ البعيدة المدى في الصراعات الحديثة ، ولو أن ذلك الاستخدام كان على نحو تكيتيكي محدود . فقد استخدمت مصر الأسلحة الكيمياوية في اليمن في الستينيات ، ويزعم أن ليبيا أيضاً استخدمتها في تشاد . كذلك تفيد تقارير بأنها استخدمت في افغانستان ، ثم استخدمت مؤخراً في السودان . والعراق استخدمها ضد الأكراد ، واستخدمها الطرفان المتحاربان على نطاق واسع في الحرب العراقية - الإيرانية . أما الصواريخ فقد استخدمت في الحرب العربية - الإسرائيلية في عام 1973 ( كصواريخ سكود المصرية وصواريخ فروغ - 7 السورية ) ، واستخدمت في " حرب المدن " بين إيران والعراق ، وفي الحرب الأهلية في اليمن ، وخلال حرب الخليج في 1991 . كذلك أطلقتها ليبيا على الأراضي الإيطالية ، ولو أنها لم تحدث تأثيراً . ويبقى التهديد باستخدام هذه المنظومات معلماً مألوفاً من معالم أية مجابهة تتفجر في المنطقة ، أو على أطرافها .

    ثانياً .أن الشرق الأوسط منطقة متقدمة من مناطق انتشار هذه الأسلحة ، حتى لو لم يجر استخدامها بالفعل . فمعظم مصدري أسلحة الدمار الشامل الرئيسيين في العالم ينتظمون على مسار قوس يمتد من شمال أفريقيا إلى باكستان ( ومن الممكن أيضاً أن تؤثر اختبارات الأسلحة النووية والصواريخ الجارية في جنوب آسيا على معايير الانتشار في منطقة الشرق الأوسط ) . فوجود الصراعات النشطة والنقاط الساخنة في عموم المنطقة يعني أن امتلاك أسلحة الدمار الشامل لا يمثل مجرد مسألة هيبة وطنية وثقل استراتيجي ، بل أنه عامل حقيقي تماماً له حضوره في الموازنات العسكرية وفي أي حرب تخاض .

    ثالثاً . يأتي بروز أهمية أسلحة الدمار الشامل في البيئة الأمنية لمنطقة الشرق الأوسط محاطاً بشكوك كبيرة حول دوافع اللاعبين الإقليميين وثقافتهم الاستراتيجية . إذ يغلب الإعتقاد بأن أساليب التفكير في أسلحة الدمار الشامل ، وخصوصاً الأسلحة النووية والصواريخ ، التي كانت قد تطورت خلال فترة الحرب الباردة بعيدة الصلة بأوضاع وخلفيات منطقة الشرق الأوسط . ولا يزال من غير الواضح بعد إن كان ناشروا الأسلحة" الخارجون عن القانون " سيتصرفون بتعقل أو إن كان في الإمكان ردعهم عند اللزوم بالمنطق التقليدي . وفي إطار هذا الموضوع وسواه يثير توقع حدوث صراعات في الشرق الأوسط ، قد تتضمن استخدام أسلحة الدمار الشامل ، شتى أنواع القضايا التي لا تبعث على الارتياح لدى لإستراتيجيين الغربيين ، وحتى لدى اللاعبين الإقليميين أنفسهم فيما يفترض . والمجابهة الفلسطينية - الإسرائيلية الدائرة ، بما تحمل من مخاطر التصعيد الإقليمي ، تكسب هذه القضايا ثقلاً وفورية أعظم .

    رابعاً. تثير وتائر وخصائص انتشار أسلحة الدمار الشامل في الشرق الأوسط اهتماماً بالغاً للغاية لدى اللاعبين من خارج المنطقة .

    تشير الدراسة أن روسيا والصين وكوريا الشمالية ، وآخرون غيرهم محتملون ، هم المجهزون الرئيسيون للأسلحة والمواد والمعرفة التقنية المطلوبة لتطوير القدرات المحلية . في حين أن متابعة تحقيق السلام في الشرق الأوسط والسعي وراء أيجاد سبيل إلى إمدادات الطاقة في المنطقة هما المسألتان اللتان تحظيان بأهمية استثنائية من بين كل الشؤون العالمية الأخرى ، وسوف ترغمان أميركا والغرب على مواصلة الاهتمام بهما . ولهذه الأسباب وسواها تتطلب المنطقة تواجداً وتدخلاً عسكرياً غربياً . فانتشار الأسلحة قد يتداخل تأثيره مع عملية سلام الشرق الأوسط ومع الاستقرار في الخليج ومنطقة البحر الأبيض المتوسط . ومن الممكن أن يغير ظهور قوى نووية جديدة محتملة في المنطقة مستقبلاً ، وما يصاحب ذلك من نشرصواريخ ذات مديات أبعد ، حسابات التدخل والاشتباك الغربية في الشرق الأوسط على نحو عميق ومعقد . كذلك قد يغير من تلك الحسابات التحول إلى " عالم من الدفاعات " ، من الناحيتين العملياتية والاستراتيجية . وكما أظهرت الحرب على العراق في عام 2003 ، فإن مسألة امتلاك أسلحة الدمار الشامل واحتمالات استخدامها في المستقبل قد تصلح مبرراً لشن الحرب بحد ذاتها . أخيراً ، فإن ما تبديه أميركا من قلق متزايد بشأن قدرات التسلح بأسلحة الدمار الشامل في الشرق الأوسط إنما يعكس قلقاً أشد منه عمقاً يتعلق بأمن الولايات المتحدة داخل أراضيها نفسها ، وخصوصاً بعد أحداث 11 أيلول . كما أن بروز ظاهرة الإرهاب العالمي وما بدا من صلاتها بالشرق الأوسط تثير ، عند أخذها مصحوبة بمستوى الفتك المتنامي الذي أسفـر عنه " الإرهاب الجديد " ، محاذير استخدام الإرهابيين لأسلحة الدمار الشامل داخل الأراضي الأميركية . فالسهولة التي يمكن أن يتحرك بها الناس والمواد والتقنيات تعني أن انتشار الأسلحة في الشرق الأوسط لن يكون ظاهرة تأخذ مجراها بمنأى عن الولايات المتحدة وحلفاءها . وسواء تم نقل هذه الأسلحة بواسطة الصواريخ البعيدة المدى أو بأيدي العملاء ، فإن الأسلحة عالية التدمير هي الأمثلة الأشد دراماتيكية ووضوحاً عما تتسم به البيئة الأمنية الجديدة من خصائص القدرة على الانتقال عبر المناطق . كما أن اتساع المديات التي صار بوسع هذه الأسلحة أن تصلها بات يتحدى المفاهيم التقليدية بشأن الأمن الإقليمي . فآسيا والشرق الأوسط وأوروبا وأوراسيا ونصف الكرة الغربي برمته أشد اعتماداً على بعضها البعض أمنياً اليوم من أي وقت مضى . إن انتشار أسلحة الدمار الشامل في الشرق الأوسط له تأثير على الأمن في سائر أنحاء الكرة الأرضية ، وبالمقابل فإن من الممكن لتطورات تحدث في أماكن أخرى بعيدة أن تؤثر في أنماط انتشار أسلحة الدمار داخل المنطقة . وعند أخذ هذه العوامل مجتمعة يتضح مدى تزايد أهمية أسلحة الدمار الشامل في أمن منطقةالشرق الأوسط . وهي تثبت ما للمسألة من صلة متنامية القوة بالتطورات الجارية خارج المنطقة وداخلها . وهذا الفصل يقوم باستعراض العديد من تقييمات أوردتها المصادر الممتازة المتاحة لبرامج أسلحة الدمار الشامل وتوجهات الانتشار. وهو يركز على تحليل تطورات الانتشار وما تعنيه بالنسبة لأمن المنطقة واستراتيجيتها ، ومن ثم يقوم بتقييم التوجهات الحالية وأثرها على الجدل الدائر بشأن الانتشار

    كذلك يتفحص الفصل الديناميكيات الداخلية لانتشار أسلحة الدمار الشامل في الشرق الأوسط ، ثم يتصدى بعدها للديناميكيات الإقليمية ذات الصلة بأسلحة الدمار الشامل في المغرب والمشرق والخليج ، ويناقش التطورات والأدوار التي يقوم بها اللاعبون من خارج المنطقة . وفي النهاية يقدم الفصل للولايات المتحدة وحلفائها استنتاجاته ، والانعكاسات السياسيـة المحتملة . يتكرر استخدام عبارة " أسلحة الدمار الشامل " في الحوارات الاستراتيجية للإشارة غالباً إلى الاستعمالات التكتيكية المحدودة التي قد لا تتضمن دماراً واسعاً أو إلحاق إصابات بشرية شاملة . وعلى نحو ذلك ، فإن المناسبات العديدة التي استخدمت فيها الصواريخ البعيدة المدى في الشرق الأوسط كانت مقتصرة على استخدام رؤوس حربية تقليدية . ولو توخينا المبدأ ، لاقتضت الدقة منا أن نميز ما بين الاستخدام التكتيكي للأسلحة الكيمياوية والبايولوجية والإشعاعية والنووية ، والتوظيف الفعلي لهذه الأسلحة كوسائل دمار شامل ضد أهداف عسكرية ومدنية . ولكن من أجل غايات هذه الدراسة التحليلية ، تم أخذ موضوع نشر هذه الأسلحة غير التقليدية إجمالاً ، مع تركيز الاهتمام في نهاية الأمر على ما تحمله من تهديد بإلحاق دمار جسيم وخسائر بشرية واسعة النطاق . كذلك تبرز الصواريخ بعيدة المدى كعلامة شاخصة في المناقشة ، مع التركيز على دورها كأنظمة حمل محتملة لأسلحة الدمار الشامل . أما أنظمة الحمل الأخرى ، مثل المدفعية ، وصواريخ كروز ، والأساليب السرية الخفية ، فلم تجرِ مناقشتها على نحو نظامي هنا بالرغم من أهميتها المستقبلية المحتملة

    تقييم التوجهات الحالية تفترض التقييمات الغربية لتوجهات نشر الأسلحة في الشرق الأوسط ، في أغلب الأحيان ، وجود سرعة في وتائر الحيازة والنشر ليس لها ما يبررها على ضوء التجربة الحديثة . فعلى مدى عقود من الزمن ، دأب المحللون على التنبؤ بقرب ظهور قوة نووية جديدة في المنطقة :" في ظرف عقد من الزمن " . وكانت مطامح إيران النووية موضوع دراسة وتأمل حتى من قبل حدوث الثورة الإيرانية . كذلك بقي نشر الصواريخ بعيدة المدى ، القادرة على تجاوز حدود المنطقة( 1000 كم فما فوق ) ، متأخراً نوعاً ما عن أشد التنبؤات تطيراً . وحتى بلدان مثل الجزائر ، التي كانت لعقد مضى مثار قلق الغرب في إطار انتشار الأسلحة ، لم تطور برامج ذات بال . ولكن على العكس من ذلك كانت قدرة العراق ، التي ظلت مصممة رغم كل ما أصابها على تطوير أسلحة الدمار الشامل حتى تحت ظروف المراقبة المشددة والحصار ، ستثير دهشة المحللين في مطلع التسعينات . كما أن ما تكشف من تطوير العراق لأسلحة إشعاعية في أواخر الثمانينيات يبرز أهمية الانتشار المستقبلي المحتمل ، حتى لما هو أدنى من القدرات النووية الفعلية . وفي الواقع ، كانت محاولة التوصل إلى رأي قاطع حول السرعة التي تمضي بها عقارب الساعة صوب ظهور قدرة نووية في العراق هي النقطة المركزية في الجدل والتجاذب الدوليين الذين كانا يدوران بشأ، ضرورة التدخل وتغيير النظام قبل حرب عام 2003 . كذلك فأن مشاريع إيران النووية والصاروخية آخذة في النشوء والتطور على نحو مستقر وثابت ، ولكن حتى هنا تتفاوت وجهات النظركثيراً عند محاولة تقدير الموعد الذي ستتمكن إيران فيه من إنتاج أسلحة نووية ، أو الدفع إلى الميدان بصواريخ عابرة للقارات . ومما لا ريب فيه أن هذه الأسئلة سوف تؤدي إلى اجتذاب أساليب مراقبة أشد دقة وتمحيصاً في أعقاب الحرب على العراق في 2003 واستمرار الشكوك المتعلقة بمدى حجم ما كان يمتلكه العراق من أسلحة الدمار الشامل . لقد توسعت قدرات أسلحة الدمار الشامل في المنطقة ، وأثبتت شدة عنادها في وجه أنظمة حظر الانتشار المفروضة عليها .

    وقد تكون وتيرة الخطى أبطأ مما كانت تقدره التوقعات ،خصوصاً في حالة الأسلحة النووية ، ولكن التوجهات رغم ذلك منذرة بالسوء .

    وقدرات أسلحة الدمار الشامل التي يمتلكها عدد من دول المنطقة تعد كبيرة جداً ، حتى لو لم يكن هناك مزيد من التطوير والنشر . كذلك فأن حجم الموارد التي ترصد لمشاريع أسلحة الدمار الشامل يشير إلى الأهمية التي تمثلها هذه الأسلحة لدى العديد من دول المنطقة . لذلك فأن الأمر يستحق إجراء مسح ، ولو موجز ، لأوضاع قدرات التسلح بأسلحة الدمار الشامل في بلدان معينةوالعمل على توفير " لمحة سريعة " على التقديرات الحاضرة التي تلفت الإنتباه إلى مشاريع تسترعي الاهتمام بشكل خاص . ( ولكن في ضوء احتلال العراق سوف لن تشمل المناقشة مشاريع ذلك البلد وتطلعاته المتعلقة بأسلحة الدمار الشامل في المسح التالي لدول الشرق الأوسط التي تمتلك قدرات من هذا النوع ) .الجزائـرقبل اندلاع أعمال العنف في عام 1991 كان المحللون الغربيون يركزون اهتمامهم على المشروع النووي الوليد في الجزائر ، وعلى مفاعلات الاختبار ومفاعل الطاقة الضخم (في عين عسيرة ) الذي تم تطويره بمساعدة صينية . كذلك كانت التقارير تفيد بأن الجزائر تتسلم مواد نووية من العراق خلال أزمة الخليج 1990 - 1991 . وقد أثارت سعة المشروع الجزائري والظروف المحيطة به شكوكاً حول التطلعات النووية الجزائرية . كما أن المسؤولين الجزائريين من جانبهم كانوا يكثرون من التصريحات حول القيمة الجيوستراتيجية للقدرة النووية ، حتى لو اقتصر الأمر على مجرد إنشاء مشروع مدني لإنتاج الطاقة . وللجزائر أيضاً قدرات كبيرة جداً على إجراء البحوث في مجال الأسلحة الكيمياوية والبايولوجية ، ولكن لا تتوفر أدلة كافية على أن هذه الأسلحة تمثل أسبقية بالنسبة للنظام . وتفيد التقارير بأن الجزائر استطلعت إمكانية شراء صواريخ بالستية بعيدة المدى من الصين وكوريا الشمالية ، كما أن من المعروف عنها أنها تنشر صواريخ سكود - بي ( مداها 300 كيلومتراً ) الروسية الصنع .وإذ يتراجع العنف في الجزائر ، يتجه هذا البلد إلى استطلاع مجالات في السياسة الخارجية أكثر نشاطاً ، بما في ذلك مقدمات للتقارب مع المؤسسات الأمنية الغربية (والجزائر الآن عضو في المحادثات الثنائية لحلف شمال الأطلسي المتعلقة بالبحر الأبيض المتوسط ) .

    وبتحسن العلاقات مع المغرب ، المنافس الجيوسياسي الرئيسي ، ومع التخفيض الكبير في الاستثمارات المرصودة للتكنولوجيا النووية ، تتراجع بشدة توقعات متابعة الجزائر مشروعها الطموح لإنتاج أسلحة الدمار الشامل.

    ليبيـا

    كانت ليبيا نقطة متقدمة في إطار تركز المخاوف من انتشار الأسلحة ، وهنالك تشديد خاص على قدراتها في مجالي الأسلحة الكيمياوية والصواريخ . فليبيا لها محاولات قديمة للحصول على السلاح النووي أو تطويره ، ولكنها على ما يبدو لم تحرز تقدماً يذكر . إلا أن اهتمام النظام بشراء سلاح جاهز ، ناهيك عن سعيه الحثيث لتطوير قدرة التصنيع ذاتياً ، يعني أن التساؤل المتعلق بتحديد نقطة الشروع الليبية يبقى قائماً ، وتبقى إمكانية الحيازة السرية" المفاجئة " لسلاح نووي ماثلة . كذلك فأن تعليق الحظر ، الذي كانت تفرضه الأمم المتحدة ، في أعقاب محاكمات لوكربي قد يسهل أمام ليبيا ولوج منافذ الحصول على تقنيات مزدوجة الاستخدام في الحقول التي قد تسعى من خلالها إلى إدامة محاولات التطوير الذاتي ، بما في ذلك المشاريع البايولوجية والكيمياوية . وفي الوقت الحاضر يعتقد أن لليبيا مشروع بحوث متواضع في مجال الأسلحة البايولوجية ، ومشروعاً آخر أوسع منه لانتاج الأسلحة الكيمياوية قام فعلاً بانتاج كميات من عوامل الأعصاب والعوامل الملهبة للأنسجة الحية . ولكن يعتقد أن مصنعي الربطة والترهونة - اللذان كانا موضع مراقبة مكثفة من قبل الأميركيين ومدعاة لإطلاق التهديدات والتدخل في أواسط التسعينيات - متوقفان عن ممارسة أي نشاط في الوقـت الحاضر . أما مشروع الصورايخ الليبي فإنه ، من الناحية الجدلية ، يعد في مقدمة مصادر القلق من انتشار الأسلحة في شمال أفريقيا بالنسبة للحكومة الأميركية والحكومات الأوروبية ، وهو الأبرز كذلك في إطار عموم المنطقة . حيث تقوم ليبيا بنشر صواريخ قديمة جهزتها بها روسيا من نوع فروغ - 7 وسكود - بي . كما أن ليبيا استطلعت في بداية عام 1990 إمكانية شراء سكود - سي وأنظمة متوسطة المدى قادرة على بلوغ 1000 كم أو أكثر من كوريا الشمالية . وبالإضافة إلى هذا ، توحي زيادة مديات الصواريخ التي اختبرتها كوريا الشمالية في السنوات الأخيرة ، ومن بينها صواريخ نودونغ البالغ مداها 1300 كم ، وتايبودونغ -1 البالغ مداها 2000 كم ، بأن مكونات هذه الأنظمة والمعونة الفنية المتصلة بها باتت مطروحة في السوق الآن ، وسوف تكون ليبيا مشترياً محتملاً لها . وقد سبق لليبيا أن أطلقت صواريخ سكود على قاعدة لوران الأميركية على جزيرة لامبيدوسا الإيطالية في عام 1986 ، وكررت تهديداتها بضرب أهداف في جنوب أوروبا . ونشر ليبيا لصواريخ ذات مديات عابرة للبحر المتوسط قد يرفع بشكل حاد من الإحساس بالتهديد بين أعضاء حلف شمال الأطلسي ، ومن الممكن أن يكون لذلك دور ولو جزئي في ظهور أساليب أوروبية جديدة في الدفاع ضد الصواريخ . وتواصل ليبيـا التأكيد بأساليب خطابية حماسية قوية على أنها متمسكة بالتزامها بالحصول على أسلحة الدمار الشامل ، كـ " قوة رادعة " ، وأيضاً كثقل إقليمي مضاف ، وفقاً للتصورات المفترضة . وقد أفادت تقارير حديثة بأن ليبيا ساعدت العراق على الالتفاف حول قرارات الأمم المتحدة والعقوبات الدولية المتعلقة بمشاريعه الخاصة بأسلحة الدمار الشامل ، من خلال السماح له بتمرير بعض المواد والتقنيات المتعلقة بالصورايخ إلى طرابلس . وقد تواجه ليبيا في المستقبل رقابة مشددة جديدة ، ومن المحتمل أن يحال بينها وبين طموحها في امتلاك أسلحة الدمار الشامل كواحدة من نتائج الحرب على العراق في عام 2003 .

    مصـر

    كانت مصر في طليعة المنتقدين لوضع اسرائيل النووي غير المعلن ، وقد جعلت من هذا الموضوع نقطة مركزية لدبلوماسيتها المتعددة الأطراف في الشرق الأوسط ، وفي إطار مراجعة معاهدة خطر انتشار الأسلحة ، في الأمم المتحدة والمحافل الأخرى . وفي ذات الوقت ، فإن لمصر قدرات تسلح قديمة بأسلحة الدمار الشامل ، وغالباً ما كانت مصر توصف بأنها اختارت السعي وراء القدرات الكيمياوية - قنبلة الرجل الفقير - كبديل عن المشاريع النووية الأعلى كلفة وأشد صعوبة . وقد كانت مصر تمتلك قدرات لتصنيع الأسلحة الكيمياوية منذ عقود ، بل واستخدمتها بالفعل في اليمن في أعوام الستينيات . كما أن مصر تواطئت سراً مع العراق ، حسب ما تقول التقارير ، في تطوير أسلحته الكيمياوية قبل حرب الخليج . وينبع اهتمام مصر بالأسلحة الكيمياوية جزئياً من أثر العقيدة السوفيتية في التخطيط المصري وكل ما تم تدبيره عبر سني الستينيات حتى حرب عام 1973 .

    وتعتبر قدرات مصر في الأسلحة الكيمياوية من بين الأكثر تقدماً في المنطقة عند أخذها بمقياس الاعتماد على قدرة التصنيع الذاتي ، ربما حتى من دون الاستعانة بمواد كيمياوية أولية مستوردة . ومع أن قدرة مصر الكيمياوية لا تعد مكافئة لقدرة اسرائيل النووية ، لا كرادع ولا كسلاح معركة ، فإن كلتا الترسانتين كانتا في حالة مجابهة مع بعضهما في محادثات السيطرة على التسلح متعددة الأطراف . ولا يشار إلى مصر عادة كدولة تمتلك مشروعاً جدياً للأسلحة البايولوجية ، ولو أن من الواضح أنها تمتلك قدرة التحرك في هذا الاتجاه بسرعة لو شاءت (وتذكر بعض المصادر وجود محاولات مصرية متواضعة في مجال الحرب البايولوجية ) .

    ومصر لها أيضاً قدرات في مجال الصواريخ البعيدة المدى تتمثل في صواريخ سكود - بي(وربما سكود - سي أو أنواع أخرى ) ، التي حصلت عليها من كوريا الشمالية . وحلقة الوصل الكورية الشمالية قد تسهّل في المستقبل شراء منظومات أكثر قدرة . كذلك كانت مصر شريكاً في مشروع ( كوندور ) الأرجنتيني ، الذي أوقف العمل به ،لإنتاج صواريخ متوسطة المدى . ولو تصاعدت التوترات في المنطقة مع اسرائيل فقد يستحث هذا اهتمام مصر في تعميق ترسانتها الكيمياوية والصاروخية ، الأمر الذي سيعقّد المساعي الأميركية للإبطاء من هذا التوجه .


    إسرائيـل

    لو استثنينا باكستان ( التي تعد جدلياً جزءاً من معادلة أسلحة الدمار الشامل الشرق أوسطية ، ولو أنها لن تطرح للنقاش هنا ) فإن إسرائيل تبقى القدرة النووية الوحيدة في المنطقة . وتتفاوت التقديرات بشأن الترسانة النووية الإسرائيلية حتى تبلغ حدود 300 رأس حربي قد يكون من بينها أسلحة نووية حرارية . وهذه ترسانة " مفترضة " مرعبة ، حتى إذا أخذت بعين الإعتبار تفاوتات الحساب الواردة في الوثائق والمصادر المعلنة ، ولها آثار عميقة على الحسابات الاستراتيجية . ولإسرائيل بالإضافة إلى ذلك قدرات كبيرة في التسلح الكيمياوي ومشروع بحوث في التسلح البايولوجي ينصب تركيزهما أساساً على الدفاع في وجه الحرب الكيمياوية والبايولوجية . وقد جرى تطوير هذه القدرات بعد أن حازت إسرائيل على السلاح النووي ، ومن المحتمل أنها تعكس قلقاً تجاه مصداقية الردع المستند بشكل كامل و ساحق إلى القوة النووية ، وعلى الإهتمام الذي أثبتته التجربة بالأسلحة البايولوجية ، والكيمياوية بشكل خاص ، من قبل بعض جيران إسرائيل . ومن المحتمل أنها تعكس أيضاً إحساساً بأن أسلحة إسرائيل النووية قد تعرض للمبادلة في نهاية المطاف بتسوية " لإنهاء الصراع " مع جيرانها العرب وإيران ، وهو سيناريو بعيد الاحتمال ولكنه ليس بالمستحيل .ولإسرائيل ترسانة صواريخ من بين الأبعد مدى في المنطقة ، ولعلها الأشد فعلاً وتأثيراً ، وتضم منظومات أريحا 1 المطورة محلياً والمختبرة بصورة وافية ( ويبلغ مداها 500 كيلومتراً ) ، وأريحا 2 المتوسطة المدى ( يبلغ مداها 1500 كيلومتراً ) .كذلك فأن القدرة المتقدمة التي يمتلكها البلد على إطلاق صواريخ إلى الفضاء توحي بأن إسرائيل قادرة على النزول إلى الساحة بصواريخ متعددة المراحل أبعد مدى بكثير ولها القدرة على بلوغ باكستان وروسيا . ومثلما هي الحال في مصر ، فإن انعدام الثقة في " إنهاء الصراع " في العلاقات مع العالم العربي تعمق من الرهان الإسرائيلي على الاحتفاظ بقدرات فعالة في مجالي أسلحة الدمار الشامل والصواريخ .

    إيـران

    تحظى إيران باهتمام خاص فيما يتعلق بأسلحة الدمار الشامل ، فهذه الدولة تمتلك قدرات يحسب لها حساب في مجال الأسلحة الكيمياوية والبايولوجية ، وترسانة ضخمة من الصواريخ ، بالإضافة إلى برنامج لتطوير الأسلحة وبرنامج آخر نشط للغاية للأسلحة النووية . وقد استخدم هذا البلد أسلحة كيمياوية تكتيكية خلال الحرب الإيرانية - العراقية كما أن له مخزونات كبيرة من المواد الكيمياوية المعدة للإستخدام كأسلحة . وإيران تمتلك بنية تحتية وطنية تكفي لتطوير أسحلة بايولوجية ، ومن المحتمل أن تكون في حوزتها الآن كميات بسيطة من العوامل القابلة للإستعمال . والمعروف عن إيران أنها تسعى للحصول على مواد قابلة للإنشطار ، وعلى التكنولوجيا النووية . وهي منهمكة مع روسيا في تعاون نووي واسع يشمل بناء مفاعل للطاقة في بوشهر . وقد بذل هذا البلد مساع كبيرة جداً في السنوات الأخيرة - أمكن إفشال معظمها - للحصول على مواد نووية ومعدات هندسية عالية الدقة لها أهميتها في صناعة الأسلحة النووية . وهنالك شكوك لايستهان بها حول المواد والتقنيات التي قد تكون إيران أفلحت في الحصول عليها سراً ، ويعزز من دواعي القلق هذه ما كشفت عنه الوكالة الدولية للطاقة الذرية مؤخراً من أمور تتعلق بالمنشآت النووية الإيرانية التي لم يكن قد كشف النقاب عنها من قبل ، مما جعل الإتحاد الأوروبي وصانعي السياسة في الولايات المتحدة يصعّدان من تركيزهما على محاولة الكشف عن مطامح إيران النووية ومحاولة كبحها . وبوجه عام فأن إيران يمكن النظر إليها كدولة على أعتاب القدرة النووية أو قريبة من ذلك . أما قوة إيران الصاروخية فأنها تضم صواريخ سكود - بيو سي ، وكذلك صواريخ سي أس أس 8 القصيرة المدى . ومن الملفت للإهتمام أن إيران تقوم بصناعة صواريخ سكود بنفسها . وقد أجري اختبار في عام 1998 على صاروخ شهاب 3 المتوسط المدى ( 1300 كيلومتر ) ثم أعيد الاختبار في عام 2000 . وهذه المنظومة تعتمد صاروخ نودونغ الكوري الشمالي كأساس وتواصل العمل عليه بمساعدة موسعة من روسيا والصين . وتشير التقارير إلى أن إيران تسعى لتطوير صواريخ أبعد مدى ( شهاب 4 و شهاب 5 ) التي قد تشمل صواريخ بالستية عابرة للقارات قادرة على الوصول إلى أميركا الشمالية . وحتى على الأمد القريب ، فأن نشر صواريخ على غرار تايبودونغ 1 ( البالغ مداه 2000 كيلومتر ) أو 2( مداه 5000 - 6000 كيلومتر ) سوف يتيح لإيران إصابة أهداف في أوروبا وأوراسيا . وقد استخدمت صواريخ سكود الإيرانية بشكل واسع في الحرب مع العراق . وأن السعي وراء الصواريخ بعيدة المدى الأكثر فعالية ، عند أخذها مترافقة مع مشروع إيران النووي المتقدم ، يعطي قدرات نشر الأسلحة الإيرانية مساساً خاصا بالحسابات الاستراتيجية لدول مجلس التعاون الخليجي وإسرائيل والغرب ، بما في ذلك تركيا .

    المملكة العربية السعودية

    لا تصنف المملكة العربية السعودية عادة كدولة تثير القلق من ناحية نشر أسلحة الدمار . ويعتقد أن قدرات هذا البلد وتطلعاته في هذا المجال محدودة بشكل عام ، باستثناء حقل الصواريخ البالستية ، وهو استثناء له أهميته . فالمملكة السعودية ، في واقع الحال ، تنشر منظومة صواريخ هي الأبعد مدى في منطقة الشرق الأوسط ، والمقصود بها منظومة سي أس أس -2 التي اشترتها السعودية من الصين في عام 1987 . وتذكر التقارير أن السعودية تمتلك عدة عشرات من هذه الصواريخ المتوسطة المدى التي يمكّنها مداها البالغ 2000 كيلومتراً من أن تطال معظم أنحاء أوروبا وأوراسيا وشبه القارة الهندية .

    ويشير تقرير واحد على الأقل من التقارير الحديثة إلى وجود إمكانيات فنية مستقبلية لدى السعودية قد تجعلها تسعى ، بالإضافة الى ما لديها من دوافع محتملة ، إلى تأسيس مشروع نووي في المستقبل .


    أمـن الخليـج العربي


    تعتبر الإحتكاكات الحاصلة داخل منطقة الخليج العربي حافزاً دائماً للدول هناك على نشر أسلحة الدمار . فالتنافس بين إيران والعراق ، وهشاشة وضع المملكة العربية السعودية ودول مجلس التعاون الخليجي الأصغر ، والقدرات النووية الباكستانية ، والتواجد العسكري الأميركي كلها متغيرات في معادلة انتشار الأسلحة في منطقة الخليج ، ومن المحتمل أن يصبح الغزو الذي قادته الولايات المتحدة على العراق عاملاً أساسياً هو الآخر . بالإضافة إلى ذلك ، فإن وجود صواريخ أبعد مدى قادرة على الوصول إلى إسرائيل أو أبعد من ذلك معناه أن المنظومات التي ستقتنيها دول الخليج ، وكل قد وضع نصب عينيه أعداء معينين ، سوف تؤثر لا محالة على التوازن الإقليمي في منطقة المشرق ، والعكس بالعكس . فالحرب العراقية - الإيرانية شهدت استخداما مكثفاً لأسلحة الدمار الشامل بما فيها التبادل المطول للصواريخ البالستية والاستخدام التكتيكي للأسلحة الكيماوية . وقد أسهم هذا الاحتكاك بين العراق وإيران بشكل كبير في تغيير ديناميكيات الانتشار في المنطقة . إلا أن إيران خرجت مستفيدة من سياسة الاحتواء العسكري للعراق خلال سني التسعينيات ، حيث حسّن انخفاض قدرات العراق التقليدية المرعبة من الوضع الأمني الإيراني ، كما خفض من الناحية الجدلية دوافعها لحيازة أسلحة الدمار الشامل ، ولو أن من الواضح أنه لم يلغها . وأقل ما يقال ، إن احتواء العراق ربما يكون قد سمح بالتقدم في مجال التطوير النووي والصاروخي ولكن بخطوات أبطأ . بعد ذلك جاء الاحتلال الحالي للعراق ليقلل الخطر أكثر من هذا الجانب ،ولكنه من ناحية أخرى أوجد تحديا جديداً متمثلاً في صورة الوجود الأميركي على عتبة إيران وهو وجود قد يدوم لفترة غير معلومة . والسعي لحيازة أسلحة ترفع الشأن وتعزز الثقل الاستراتيجي في حالة إيران تمتد بداياته إلى ما قبل النظام الثوري الحاكم ، ومن المرجح له أن يستمر بصرف النظر عن تطلعات هذا البلد إلى الإصلاح والاعتدال . وهذا معناه أن قيام علاقات إيرانية أفضل مع أوروبا ، وربما مع الولايات المتحدة مستقبلاً ، سوف يفرض درجة من التقييد على محاولة حيازة الأسلحة الفتاكة والتقنيات الأبعد مدى . ولكن بروز باكستان كدولة تمتلك الأسلحة النووية من شأنه أن يفرض على طهران ضغوطاً لمحاولة المواكبة ، وعلى التحريم النووي مزيداً من التهرؤ . والسعودية أيضا معرضة للتهديد بشكل غير صريح بأسلحة الدمار الشامل الإيرانية ، وبالترسانة الإسرائيلية أيضاً . وتحت ظروف التصادم المحتملة في الخليج ، أو بين إسرائيل وجيرانها ، فإن السعودية قد تقع تحت إغراء الاستثمار في مجال الصواريخ الحديثة ، وربما الأسلحة النووية أيضاً في الحالات الأشد تعقيداً . وهذا السيناريو يزداد رجحاناً إذا ما نجحت إيران في أن تصبح " دولة نووية " ، أو إذا ما شهد الخليج نزاعاً جديداً تستخدم فيه أسلحة الدمار الشامل على نحو مكثف ، أو إذا ما تخلت الولايات المتحدة عن الدفاع عن الخليج . وقدرة النظام السعودي على البقاء والاستمرار متغير مهم آخر . فمجيء نظام أكثر راديكالية ( وذو نزعة ثورية لا تقنع بإبقاء الأوضاع على ما هي عليه ) سيكون من شأنه أن يستحث السعودية على حيازة أسلحة الدمار الشامل . ولو حصل أن خفضت أميركا من التزامها بالدفاع عن الخليج ، أو حدث تحول في العلاقات الأميركية مع إيران ، أو طالت فترة الاحتلال الأميركي للعراق ، فإن ذلك كله سيترك آثاره على توجهات نشر الأسلحة . إلا أن المنافسات الإقليمية يرجح لها أن تستمر في تطوير قدراتها في مجال أسلحة الدمار بدرجة ما ، متذرعة بأسبابها المنطقية الخاصة بها .

    شمال أفريقيـا

    انتشار اسلحة الدمار في منطقة شمال أفريقيا يبدو أشد تواضعاً مما تصوره وتنبأ به العديد من المحللين قبل عشر سنين . فالبرنامج الليبي يمضي على نحو غير منتظم ، ومجمل الشعور بالتهديد القادم من أسلحة الدمار الليبية قد أخذ بالتضاؤل منذ جنح النظام إلى الإعتدال في نبرته الخطابية وسلوكه . وعلى قدر ما ستبقى مطامح ليبيا لحيازة أسلحة الدمار الشامل مرتبطة ذلك الارتباط المباشر القوي بالإسلوب الشخصي الذي يتبعه القذافي مع المنطقة والعالم ، يرجح أن يظل مستقبل النظرة إلى البرامج الليبية معتمداً بشكل حساس وحرج على احتمالات تبدل القيادة مستقبلاً في طرابلس . كذلك لو نشبت أزمات جديدة مع الجيران ، وخصوصاً مع مصر ، فإن ذلك قد يبعث النشاط من جديد في محاولات ليبيا لحيازة أسلحة الدمار . أما الجزائر فأنها تعاود نشاطها في ميدان السياسة الخارجية بعد عقد من الإضطراب والفوضى . ولحد الآن كان هذا التأكيد على الدور الإقليمي للجزائر يتخذ صورة المبادرات الدبلوماسية والمحادثات الأمنية الوجلة مع أوروبا والولايات المتحدة . وهذه التوجهات من شأنها أن تثني الجزائر عن إحياء اهتماماتها النووية والصاروخية . ومن الواضح أن إمكانية ظهور نظام حكم إسلامي متطرف في الجزائر - وهو تطور كان من الممكن أن يثير قلقاً جدياً بصدد احتمالات مستقبل هذا البلد النووية - قد تراجعت ولا يتوقع لها أن تعود إلى الظهور . إلا أن التنافس الجيوسياسي مع المغرب ، بالإضافة إلى اهتمام الجزائر باستعادة موقع القيادة في العالم الثالث قد يعطيها دافعاً مستمراً ، ولكنه ضعيف ، للسعي وراء اكتساب الثقل الاستراتيجي من خلال البرامج التكنولوجية المعززة للهيبة . وإمكانيات الجزائر المستقبلية الكامنةفي مجال أسلحة الدمار الشامل لها أهميتها لأنها ، لو طُوِّرَت ، ستحفز على الأرجح حدوث ردة فعل قوية في فرنسا وأماكن أخرى من أوروبا . وهذا بدوره قد يلهب الاهتمام الأوروبي بمسألة الدفاعات الصاروخية .

    ديناميكيات خارج المنطقة

    في مقدور الدول من خارج الشرق الأوسط أن تؤثر في ديناميكيات الانتشار داخل المنطقة بأكثر من طريقة . فهي تستطيع أن تفعل هذا من خلال السياسات الخارجية ، أو منخلال الاستراتيجيات الأمنية ، أو من خلال نقل تقنيات أسلحة الدمار الشامل والخبرات المتعلقة بها ،وهذه الأخيرة لا تقل شأناً عن سابقتيها . ومن المفيد أيضاً أن يؤخذ في الإعتبار اختلاف النظرة إلى موضوع الانتشار ، وكذلك تأثير أساليب الردع والدفاع الصاروخي الغربية الآخذة في التطور على بيئة الشرق الأوسط . وليس هنالك حتى الآن ما يوحي بأن تعاون الروس والصينيين مع واشنطن في الصراع ضد الإرهاب في أعقاب 11 أيلول سوف يترجم إلى تحسن في التعاون في مجال الحد من نقل متعلقات أسلحة الدمار الشامل إلى الشرق الأوسط . فموسكو وبيجنك ، والعديد من حلفاء أميركا ، ينظرون إلى الإرهاب وانتشار الأسلحة على أنهما مشكلتان منفصلتان عن بعضهما . وهذا هو بالضبط ما أفصح عنه الاحتكاك الدبلوماسي خلال فترة الإعداد لحرب العراق في عام 2003 .

    العامل الروسي لا يلاحظ المراقبون أدلة تذكر على وجود استراتيجية روسية متماسكة تجاه الشرق الأوسط في أعقاب الحرب الباردة . إذ يبدو أن أسلوب موسكو في التعامل مع الأمر بات قائماً على القلق التقليدي المتعلق باختلال الأمن عند الأطراف الجنوبية لروسيا ، ومع تركيا بالدرجة الأساس . ففي أعقاب الحرب الباردة ورثت روسيا مجموعة من العلاقات شبه المهملة تمتد من المشرق إلى شمال أفريقيا كان من بينها صلات تجهيز بالسلاح مع الجزائر وليبيا وسوريا والعراق . ولكن روسيا طورت مع إيران علاقة أعمق خلال السنوات الأخيرة ، على الرغم من تباعد اهتمامات الطرفين ، وهي علاقة تنطوي على عناصر شراكة استراتيجية . كذلك يبدي التعاون الروسي - الليبي إمارات التجدد والانتعاش . وتواصل موسكو مع منطقة الشرق الأوسط يلوح عليه الافتقار إلى التماسك نتيجة للتنافس القائم بين المصالح التجارية والمصالح السياسية ، وفي بعض الأحيان نتيجة لعجز الدولة عن فرض سيطرتها التامة على اللاعبين البيروقراطيين اللذين وضعوا رهانهم على نقل الأسلحة والتقنيات . إلا أن السلوك الروسي يبدي ، رغم هذا ، دلائل تثير القلق من المحتمل لها أن تتعمق إذا ما استمرت العلاقة بين روسيا والغرب ماضية صوب مزيد من التنافس . لقد برزت روسيا كمجهز رئيسي لأسلحة الدمار الشامل إلى المنطقة بما فيها الأسلحة الكيمياوية والنووية وتكنولوجيا الصواريخ . فروسيا هي المساهم الأجنبي الرئيسي في برنامج إيران النووي المدني ، ويكاد يكون من المحقق أنها تساهم أيضاً ، ولو بشكل غير مباشر ، في برنامج إيران السري للأسلحة النووية . كما أن الشركات الروسية دعمت برنامج صواريخ شهاب - 3 الإيراني ، وهي المزوِّد الرئيسي بمنظومات الصواريخ والخبرة لدول أخرى بما فيها سوريا وليبيا . وخلال السنوات الأخيرة نشطت روسيا في تسويق الصواريخ البالستية( وأبرزها إسكندر - ي ) الذي يقع مداه وحجم حمولته ضمن المدى الذي حددته ضوابط السيطرة على تكنولوجيا الصواريخ . وقد ساعدت الخبرة الطويلة التي يمتلكها هذا البلد في مجال الأسلحة الكيمياوية والبايولوجية على تطوير هذه القدرات لدى دول أخرى مثل إيران والعراق ومصر وسوريا . ومشكلة المهندسين الروس المتخصصين في المجالات النووية وغيرها من المجالات ذات الصلة بأسلحة الدمار الشامل الذين يبحثون عن وظائف ، والمتوفرين في السوق العالمية ، تسهم هي الأخرى في زيادة إمكانيات انتشار الأسلحة في الشرق الأوسط . فمنذ تفكك الاتحاد السوفيتي صار يصرف اهتمام خاص لمشكلة " الإمكانيات النووية السائبة " ، وهي الأسلحة النووية وتوابعها التي من الممكن أن ينتهي بها المطاف إلى الأسواق العالمية . وناشرو السلاح في الشرق الأوسط ، المحدودو القدرة على الوصول إلى المواد القابلة للإنشطار ، قد يلجأون إلى هذا السبيل السريلتحقيق الحالة النووية .

    ويبدو أن دور روسيا كمجهز رئيسي لأسلحة الدمار الشامل وتكنولوجيا الصواريخ إنما يمثل انتصار كفة الكسب التجاري قصير النظر على كفة المصالح الاستراتيجية الأبعد أمد . وعند أخذ النقاط الساخنة العديدة على امتداد الحواف الجنوبية لروسيا واحتمالات حدوث احتكاك مستقبلي مع الدول الإسلامية القريبة منها ، فأن روسيا نفسها قد تصبح في وقت من الأوقات هدفاً محتملاً لصواريخ مسلحة بأسلحة الدمار الشامل رابضة في قواعد في الشرق الأوسط . وقد حاول صناع السياسة الأميركيون أن يدخلوا المسؤولين الروس في محادثات حول هذا الخطر المشترك الذي يمكن أن يتعرض له الطرفان من دون أن يحققوا سوى نجاح محدود . وفي حالة اشتداد التنافس بين روسيا والغرب ، فإن مشكلة نقل الأسلحة الروسية إلى الشرق الأوسط قد تتعمق . وهذا الأمر مثير للقلق بشكل خاص عندما نأخذ في الإعتبار ضعف الفرص المتاحة لروسيا في أوروبا ، ربما باستثناء البلقان . فمن المحتمل جداً أن يأخذ تجدد الاحتكاك مع الولايات المتحدة وحلفائها صيغة التنافس في المناطق ذات الأهمية الاستراتيجية الواقعة على الأطراف ، مثل منطقة الخليج العربي وشرق البحر الأبيض المتوسط ، حيث يمكن أن يكون للأسلحة الروسية ونقل التكنولوجيا تأثير بالغ على الموازنات العسكرية وعلى حرية أميركا في التحرك . لذا فإن مشهد العلاقات الروسية - الغربية يبرز كمتغير رئيسي في معادلة نشر أسلحة الدمار الشامل في الشرق الأوسط . بل أن سياسات نقل أسلحة الدمار الروسية في المنطقة بحد ذاتها تمثل ، في واقع الحال ، مصدراً رئيسياً من مصادر الاحتكاك بين الولايات المتحدة وروسيا . الصين وكوريا الشمالية وعلى غرار ما سبق فإن مجهزي أسلحة الدمار الشامل الآسيويين هم أيضاً مساهمون مهمون في نشر السلاح في المنطقة . فكلا الصين وكوريا الشمالية تواصلان القيام بدور له أهميته الخاصة في نشر الصواريخ البالستية الأبعد مدى وتقديم الدعم لتطوير القدرات المحلية لصناعتها وتحويرها . والصين و كوريا الشمالية ليستا أعضاء في نظام ضوابط السيطرة على تكنولوجيا الصواريخ ، ولو أن الصين تؤكد بأنها لن تعمل على نقل منظومات من مستوى الطبقة التي تحضرها تلك الضوابط . ومن أمثلة نقل الصواريخ الصينية إلى المنطقة يشمل بيع صواريخ سي أس أس - 8 إلى إيران ، والاشتراك مع باكستان في صاروخها شاهين ( البالغ مداه 2000 كيلومتراً ) ومنظومات حتف الأقصر مدى ، بالإضافة إلى تقديم المساعدة لليبيا . كذلك قامت الصين بمساهمة متواضعة في برنامج إيران النووي ، وكانت ضالعة بشدة في برنامج الجزائر النووي حتى مطلع التسعينيات عندما وضع العنف ضد الفنيين الصينيين والأجانب تحت تهديد لا يمكن التوقي منه . ومن المحتمل أن الباعث وراء نقل أسلحة الدمار الشامل الصينية إلى الشرق الأوسط ، حتى الآن ، لا يعدو أن يكون المصلحة التجارية والرغبة العامة في ترسيخ علاقات سياسية في أرجاء المنطقة .

    أما كوريا الشمالية فإن لها سجلاً ملفتاً للنظر في مجال نقل متعلقات أسلحة الدمار الشامل إلى المنطقة ، وهي الآلة المحركة الرئيسية في عملية نشر الصواريخ . فعلى مدى العقد الماضي نقلت هذه الدولة نسخاً محسنة من صواريخ سكود إلى مصر وسوريا وأنواع مختلفة من صواريخ نودونغ متوسطة المدى إلى إيران وباكستان .

    وقد عبرت الجزائر وليبيا عن رغبتهما في الحصول على منظومات نودونغ الكورية الشمالية أو منظومات أبعد مدى . وإن سعة مدى ما لدى كوريا الشمالية من الصواريخ وبرامج إطلاق مركبات الفضاء التابعة لها وشدة تكثيفها على هذه الجوانب ، ونمط نقلها إلى المنطقة يوحي بأن من المرجح أن تكون كوريا الشمالية هي مصدر تكنولوجيا المنظومات المتوسطة المدى والعابرة للقارات التي ستواصل الظهور في الشرق الأوسط على مدى العقد القادم . وفي استطاعة باكستان وإيران بدورهما أن تنقلا منظومات الصواريخ الكورية الشمالية إلى أماكن أخرى من المنطقة . كما يكشف إعلان كوريا الشمالية في شهر تشرين الأول عن مواصلة العمل ببرنامجها النووي عن الدور المساعد الذي تضطلع به باكستان ، وهذا من المحتمل أن يكون تم لقاء حصول الأخيرة على منفذ إلى تكنولوجيا الصواريخ ، أي أنها قد تكون مبادلة باتجاهين تتعلق كلها بأسلحة الدمار الشامل .إن زج الآسيويين بأنفسهم في نشاط نقل الأسلحة على مختلف أنواعها إلى منطقة الشرق الأوسط قد يكتسب أهمية جيوستراتيجية أعظم كنتيجة للتطورات الحادثة في أسواق الطاقة . فالعديد من المحللين يحاولون لفت الأنظار إلى تعاظم الاحتياجات الآسيوية إلى الطاقة ، ولاسيما الصينية . ومن المرجح أن تسد هذه الاحتياجات من خلال الاستيرادات من منطقة الخليج العربي وبحر قزوين ، كما سبق مناقشته في الفصل السادس . وهذا سوف يخلق ظروفاً تسمح بعلاقات أعمق يقايض فيها السلاح بالنفط بين آسيا والشرق الأوسط ، على نمط الترتيبات التي كانت قائمة بين أوروبا ومنتجي النفط العرب في الستينيات والسبعينيات .

    و قد يشجع ارتفاع أسعار النفط على مثل هذه الترتيبات .

    إن ترافق وفرة العائدات المالية الضخمة المتأتية من بيع النفط مع حضور مجهزين متلهفين ومستعدين لتقديم أسلحة الدمار الشامل وتقنيات أخرى على أساس التنازل قد يطرح على مسرح انتشار الأسلحة ديناميكيات جديدة خطرة . وهذه الاعتبارات قد تكون أرجح قبولاً من فكرة" التحالف الإسلامي - الكونفوشي " ضد الغرب التي طرحها صامويل هانتنغتون كقوى محركة للتعاون في مجال أسلحة الدمار.

    الهند وباكستان وتحالفات الانتشار

    قدرات أسلحة الدمار الشامل في منطقة جنوب آسيا قد يكون لها تأثيرعلى انتشار الأسلحة في الشرق الأوسط ، ولكن من المرجح أن هذا التأثير سيكون هامشياً . وقد يجادل ا لبعض بأن الهند وباكستان جزء من المنطقة فعلياً إذا ما نظر إليهما وفق مقاييس الانتشار ، على الرغم من طبيعة تنافسهما الجيوسياسي . واختبارات الهند وباكستان لوسائلهما النووية ونشرهما لمنظومات صاروخية قادرة على حمل أسلحة نووية تصنع معياراً في الثقل الاستراتيجي والهيبة الاعتبارية قد يرغب آخرون مثل إيران في مضاهاته . وعلى أقل تقدير ، فإن وجود أسلحة نووية في منطقة شبه القارة الهندية قد يغذي الشعور بحق الحيازة النووية بين اللاعبين الإقليميين . كما أن مستوى التعقيد في ترسانتي أسلحة الدمار الشامل العائدتين للهند وباكستان من الممكن أنيجعل منهما مستقبلاً مصدرين مهمين للتكنولوجيا المتعلقة بأسلحة الدمار . وقد أظهرت باكستان اهتماماً أكثر بممارسة مثل هذا الدور بحكم ما لها من صلات وثيقة بالشرق الأوسط ، ولوجود شخصيات بارزة في حقل التكنولوجيا الباكستانية لها الاستعداد لتبني فكرة التعاون النووي بين الدول المسلمة . ولكن دوافع الناشرين ضمن العالم الإسلامي تبقى إقليمية إلى حد كبير ، وذات طابع علماني . فتطوير باكستان لأسلحتها النووية يتخذ من الهند نقطة مرجع له . ومطامح إيران النووية أسبق عهداً من الثورة ، في حين أن الميول الإسلامية لدول مثل ليبيا وسوريا ضعيفة أصلا . فالتعاون في مجال أسلحة الدمار الشامل ، المرتبط صراحة بالمصالح الإسلامية ، يتطلب توفر شعور مشترك بوجود تهديد جدي أكبر من وضع المجابهة الحالي مع إسرائيل أو مجرد الخشية من وقوع تدخل غربي . ولكن الثقل الاستراتيجي ضمن ترتيبات المنطقة يعود ليبرز كعامل هنا مرة ثانية . والدول التي أفلحت ، بعد دفع الكلفة الاقتصادية والدبلوماسية الضخمة ، في اكتساب قدرات نقل قدرات أسلحة الدمار ( مثل الأسلحة النووية والصواريخ العابرة للقارات ) ستكون آخر من يرغب في انتقاص إنجازها هذا عن طريق نقل قدراتها إلى لاعبين آخرين ضمن المنطقة ، سواء كان هؤلاء تابعين لدول أم غير تابعين ( أما مجازفة باكستانبفقدانها السيطرة على الأسلحة والخبرة النوويتين ، واحتمال انتقال هذه الوسائل عن هذا الطريق إلى لاعبين تابعين أو غير تابعين لدول في الشرق الأوسط ، فقد سبق التطرق إليهـا آنفاً وهي مجازفة مختلفة تماماً عما ذكرناه ) . وحتى الدول النووية في الغرب لم تبدِ رغبة في تقاسم هذه القدرات مع غيرها من الدول حتى في إطار التحالف . وكذلك الهند ، رغم كل القلق الإستراتيجي الذي تشعر به إزاء التنافس من جانب الدول الإسلامية الواقعة إلى الشمال والغرب منها ، تبدو أبعد ما تكون عن السعي وراء تحالفات لنشر أسلحتها في الشرق الأوسط . والبلد الوحيد الذي قد يصلح شريكاً إقليمياً للهند في هذه المنطقة ، أي إسرائيل ، يمتلك قدراته النووية المتطورة الخاصة به .كذلك كان جنوب آسيا اختباراً محبِطاً تماماً في محاولة منع الانتشار ، وهذا قد تكون له انعكاساته المحتملة على منطقة الشرق الأوسط . فقد أثبتت عقود من الضغط الدبلوماسي ، و من ثم الحظر في وقت لاحق ، بأنها لم تكن فعالة أبداً في كبح الانتشار النووي في شبه القارة الهندية . وفي أعقاب أحداث 11 أيلول والتدخل في أفغانستان تم التخلي كلياً عن نهج وقف انتشار الأسلحة ، المعتمد على مبدأ الحظر في مناطق جنوب آسيا ، من أجل توطيد العلاقة الاستراتيجية مع كلا الهند وباكستان . وقد يكون من حق ناشري السلاح في الشرق الأوسط أن يخرجوا من هذه التجربة بدرس مؤداه : أن في وسعهم أن يسقطوا من حساباتهم مصداقية و فعالية أية عقوبات تتعلق بأنتشار الأسلحة . بل أنهم قد يخرجون من بعض المناسبات بقناعة تفيد بأن الولايات المتحدة ربما تكون مستعدة للسماح بنشر أسلحة الدمار الشامل شريطة أن تكون هنالك بالمقابل مصلحة أعلى في مجال التعاون الإستراتيجي .

    الانعكاسات والآثار على الأمن الأوروبي إن نشر الأنظمة الصاروخية ذات المدى العابر للقارات في منطقة الشرق الأوسط سوف يؤدي في النهاية إلى زيادة انكشاف أوروبا للتهديدات الآتية من الجنوب . وخطر الانكشاف للهجمات الصاروخية هذا مقتصر حالياً على تركيا وجنوبي أوروبا إلى حد كبير ، وفي هذا تفسير للإنتباه الشديد الذي يوليه الأعضاء الجنوبيون في حلف الناتو لأسلحة الدمار الشامل . بل أن تركيا ، في الواقع ، تبدي منحى واضحاً في التوجه نحو وسائل الدفاع ضد أسلحة الدمار الشامل والصواريخ كثير الشبه بالمنحى الذي كانت الولايات المتحدة تنحوه في الماضي داخل حلف شمال الأطلسي . أما صناع السياسة والأستراتيجيون الأوروبيون فأنهم يتخذون عموماً موقفاً أكثر استرخاءاً تجاه انتشار أسلحة الدمار والصواريخ في الشرق الأوسط . وقد يكون مرد هذا إلى حد ما الثقافة الاستراتيجية وتباين التصورات بشأن مستوى المجازفة الذي يمكن تقبله .

    والمحللون الغربيون يؤكدون أن أوروبا تركز أكثر على النوايا ، رغم أن الولايات المتحدة تفضل التركيز على القدرات كمقياس لدرجة التهديد ( وهي قدرات مستمرة في التنامي ) . فدول شمال أفريقيا والشرق الأوسط قد تكون قادرة على الوصول إلى مراكز سكانية في أوروبا بصواريخها الحديثة ، وهذه الصواريخ قد تكون مسلحة بأسلحة الدمار الشامل ، ولكن ما الذي سيجعل هذه الدول ترغب في الإقدام على مثل هذا العمل ؟كذلك فأن العديد من الأوروبيين يحاججون ، على ضوء تجربة حرب الخليج في عام 1991 ، بأن التهديد الأكثر جدية الذي من الممكن أن تتعرض له أوروبا في هذا الصدد قد يتأتى من جراء التدخل الذي تقوده الولايات المتحدة في الشرق الأوسط ، والذي من المحتمل أن يقع بمعونة من حلفاء أوروبيين . فالأنظمة التي تكون في حالة تصادم مع الغرب قد لا تتمكن من بلوغ أميركا الشمالية ، ولكنها قد تكون في وضع يمكنها من الانتقام بضرب أهداف داخل أوروبا . ومثل هذا الإنكشاف للتهديد سوف يعقد على الأرجح استراتيجيات التخطيط المستقبلي للقوة في الخليج أو في أماكن أخرى من المنطقة تضع اعتمادها على القواعد والقوات الأوروبية ( وعلى قناة السويس في ظل الضعف الذي تشكو منه مصر ) . لقد كانت للأوروبيين دوماً شكوكهم بشأن الكيفية التي يتم بها التعامل مع مسألة نشر الأسلحة في الشرق الأوسط ، والتي غدت جزءاً أكثر مركزية في التفكير الأمني الأميركي . فالأوروبيون بوجه عام يفضلون سبل التعامل الدبلوماسي للتوصل إلى منع الإنتشار على اتباع استراتيجيات الانتشار العسكري المقابل . وهذا معناه أن التطورات على مدى العقد القادم قد ترفع من اهتمام الأوروبيين بالدفاعات الصاورخية المعدة لمواجهة التهديدات الشرق أوسطية ورهانهم عليها . أولاً ، لأن نشر منظومات ناقلة متصاعدة المديات يشير إلى أن خطر الانكشاف سينتهي به الأمر أن يكون موضوعاً يشغل بال لندن وباريس وبرلين ، لا بال الحلفاء الجنوبيين الأقل نفوذاً في حلف شمال الأطلسي فحسب . وإذا ما بلغ الأمر هذا المبلغ فسوف تتصاعد الضغوط لتبني دفاعات ذات قابلية للنشر والاستخدام في مسرح العمليات .

    ثانياً ، إن نهج التعاون الحالي عبر الأطلسي في مجال مساندة التخطيط الأميركي المستقبلي لأوضاع القوة في الشرق الأوسط قد لا يمكن الاستمرار فيه أكثر حين تجد أوروبا نفسها معرضة بالكامل للعواقب الانتقامية المترتبة على التدخل . فلو كان في قدرة صدام حسين الوصول إلى الأراضي الأوروبية في رده على استخدام الولايات المتحدة قواعد في اسبانيا وإيطاليا واليونان وتركيا لكان فعل . فـ " حرمة " الأراضي الأوروبية آخذة في التلاشي ، وفي هذا إشارة ضمنية إلى ضرورة توسيع مدى التهديدات ( لأراضي دول الأعضاء في الحلف ) التي تشملها الفقرة الخامسة والتي تستدعي إقدام حلف شمال الأطلسي على إبداء رد جماعي .ثالثاً ، لأوروبا مطامح نحو تعاط دبلوماسي وأمني أعظم في الشرق الأوسط. فهذه المنطقة من المرجح لها أن تكون من أولى المناطق التي ستتأثر بالسياسة الخارجية والقدرات الدفاعية للاتحاد الأوروبي الآخذة في البروز . ومن المرجح جداً أنه في ظرف عقد من الزمن لن يعود موضوع الضربات الشرق أوسطية للأراضي الأوروبية مرتبطاً تماماً بما تفعله الولايات المتحدة . فأوروبا قد تواجه تحديات خاصة بها ، وعندها سيتزايد اهتمامها بإقامة الدفاعات في وجه أسلحة الدمار الشامل . وعلى قدر استمرار العلاقات العربية - الإسرائيلية في التدهور ، أو حتى تحركها المحتمل باتجاه المجابهة الأوسع ، فإن قلق أوروبا بشأن انكشافها للخطر سوف يتعزز .

    عالم الدفاعات :

    الانعكاسات على الشرق الأوسط على الرغم من أن مشهد ووتيرة محاولات الولايات المتحدة للدفاع ضد الصواريخ كلاهما دائم الحركة والتغير ، فإن أول قدرات مؤثرة سيجري نصبها يتوقع أن تكون معدة لغرض الدفاع الميداني عن حلفاء الولايات المتحدة وقواتها المنتشرة داخل منطقة الخليج العربي وحوله . وهذه قد تكون منظومات مقامة على قواعد برية أو بحرية قابلة للنشر والاستخدام في منطقة الخليج وشرق البحر الأبيض المتوسط . وللأسباب المشار إليها أعلاه ، فإن من المرجح لأوروبا أن تساهم بأنظمة لمسرح العمليات ، بضمنها دفاعات تكون " استراتيجية " من زاوية نظرها . فألمانيا وإيطاليا مساهمتان منذ الآن في منظومة الدفاع الجوي المتوسطة الموسعة التي تقودها الولايات المتحدة ، وهو برنامج ذو تطبيقات لها علاقة بالأخطار الصاروخية المنبعثة من الجنوب . ومن المتوقع أن تظهر في المنطقة طلبات لتوفير دفاعات محسنة مبنية على أساس منظومات باتريوت أوأس أي - 10 الروسية . وبطبيعة الحال فأن إسرائيل تملك دفاعاتها الخاصة بها المبنية على أساس منظومة آرو 2 التي تم تطويرها بالاشتراك مع الولايات المتحدة . ولقد نشرت بالفعل منظومة بالحد الأدنى ، ومن المتوقع أن تكون المنظومة الأوسع عاملة بشكل كامل بحلول عام 2005 . وهي سوف تعمل مقترنة بدفاعات باتريوت الجوية الإسرائيلية للإرتفاعات المنخفضة . أما من داخل المنطقة ، فإن تركيا تستطلع إمكانية اشتراكها في برنامج آرو . ومن الممكن أن تكون مصر والأردن وإسرائيل وتركيا جميعاً أطرافاً مشاركة محتملة مع الولايات المتحدة في الدفاع الصاروخي الإقليمي لمنطقة المشرق . إن التحرك باتجاه " عالم الدفاعات " ، وهو بيئة ذات قدرة أكبر على توفير دفاعات ضد الصواريخ وصلة انسجام أعلى بالدفاعات الاستراتيجية ، سوف تكون له انعكاسات مهمة بالنسبة للشرق الأوسط . أما بالصيغ العملياتية فإنه سوف يعزز فائدة القدرات العسكرية الموجودة ومصداقيتها ويقوي مواقف اللاعبين الذين يملكون قوات تقليدية أكثر تعقيداً . ولأن الصواريخ المسلحة بأسلحة الدمار الشامل من الممكن نشرها للإستخدام كسلاح مضاد لا متناظر في مواجهة القوة الجوية الحديثة ، باعتبارها وسيلة شن الهجمات الاستراتيجية ، فإن الدفاعات الإقليمية المضادة للصواريخ سوف تحسن من أمن الدول المعتمدة في دفاعها على منصات جوية غربية متقدمة ، ومن ضمن هذه الدول إسرائيل وتركيا والمملكة العربية السعودية والأردن ومصر والإمارات العربية المتحدة . وبتقويته لدور القوات التقليدية ، فإن الدفاع الإقليمي ضد الصواريخ قد يكون له تأثير مساعد على الاستقرار من حيث خفضه لإمكانيات الترويع والتصعيد السياسيين المحتملين مستقبلاً ، بالإضافة إلى تمديده الفترة الزمنية المتاحة للإنذار . كما أن وجود دفاعات فعالة من شأنه أن يثبط من توجهات نشر الأسلحة من خلال رفعه التكاليف على الناشرين . فالدول المصممة على امتلاك منظومات حمل فعالة يمكن الإعتماد عليها قد تجد أنها بحاجة لإنفاق الأموال في شراء وسائل مكلفة لمعادلة أثر المنظومات الدفاعية ( مثل الوسائل المساعدة على الإختراق ) ، أو في بناء ترسانة أكبر ، أو كلا الأمرين معاً . كذلك فإن وجود شكوك بشأن قدرة الصواريخ على اختراق دفاعات الطرف المقابل قد يخمد أيضاً من شدة الحماس لحيازة الأسلحة النووية ، طالما أن النفع من استخدامها لن يكون مؤكداً . أما نتائج الحد من التسلح على النطاق الإقليمي فهي أقل وضوحاً . فمع جعل الموقف أكثر تعقيداً أمام استخدام أسلحة الدمار الشامل ، ومع رفع حدود المتطلبات التي يقتضيها نصب منظومات مؤثرة ، قد يدفع وجود الدفاعات المتماسكة بعض دول الشرق الأوسط إلى استطلاع إمكانيات الحد من التسلح كأسلوب بديل لتحقيق التوازن مع منافسيها الإقليميين . وربما تكون هذه هي الحال بين إسرائيل ومصر . في نفس الوقت ، فإن نشر دفاعات قابلة للاستخدام على مسرح العمليات ، وهو أمر قد يأتي متوازياً مع الدفاعات الاستراتيجية ، من المحتمل أن يؤدي إلى تعقيد مسائل الحد من التسلح . وليس من الواضح بعد إن كان الربط بين منظومات الدفاعات في المنطقة ( مثل منظومـة آرو ) برادارات الإنذار المبكر الاستراتيجية - وهو نهج قد يسفر عن رفع فعالية المنظومتين معاً - سيعتبر خرقاً لشروط معاهدة منع استخدام الصواريخ البالستية الموقعة في عام 1972 . ولكن انسحاب الولايات المتحدة من تلك المعاهدة يجعل هذا الموضوع ضعيف الصلة بالمستقبل . كذلك فأن روسيا من جانبها قد تجد نفسها خاضعة أيضاً لقيود مشابهة تحد من قدرتها على المساعدة في تطوير الدفاعات الإقليمية لشركائها في الشرق الأوسط . كما أن رغبة بعض الدول الناشرة الحالية التي تعد مصدراً للقلق ، مثل إيران ، في حيازة الدفاعات المضادة للصواريخ قد يكشف عن طبيعة التفكير الاستراتيجي لهذه الدول . حيث أن التحرك باتجاه إقامة الدفاعات المقترن بمواصلة تطوير أسلحة الدمار الشامل قد يشير إلى نهج أكثر عقلانية لدى هذه الدول في استخدام الصواريخ عما كان يفترض أحياناً ، ولكنه قد يشير أيضاً إلى عمق التزامها بحيازة قدرات في مجال أسلحة الدمار قابلة للبقاء رغم مرور الزمن .ووجود الدفاعات الإقليمية قد يؤدي إلى خفض إمكانية ابتزاز الحلفاء سياسياً في المستقبل ، كما سيساعد على تحييد أثر الأسلحة التي من شأنها أن تحد بشدة من حرية الغرب في العمل في منطقة الشرق الأوسط . ومن الممكن أن تساهم الدفاعات الاستراتيجية الفعالة القادرة على الردع من خلال المنع ( مثل الدفاع الصاروخي الوطني ) أيضاً في إعطاء حرية للعمل على أوسع نطاق ، لأنها ستساعد في منع اعتبارات الدفاع عن الأراضي الوطنية من أن تفرض هيمنتها على صياغة سياسة المنطقة . وهذا سوف يسمح باتباع استراتيجيات إكراه أكثر شدة وفعالية لدى التعامل مع أنظمة الحكم الثورية أو " المارقة " . إلا أن وجود الدفاعات الفعالة قد يزيد في الوقت نفسه من انكشاف الدول التي لن يشملها الهيكل الدفاعي في الشرق الأوسط ( وقد كان هذا بالذات واحداً من الانتقادات الأوروبية للخطط الأميركية الساعية لإنشاء دفاع صاروخي " وطني " ) . وإذا ما أخذ في الاعتبار مدى اتساع علاقات التحالف الأميركي في أنحاء المنطقة ، فلابد أن تتصاعد الضغوط لجعل إي هيكل دفاعي ضد الصواريخ البالستية شاملاً قدر الإمكان بحيث لا تبقى هنالك دولة مكشوفة .

    أخيراً ، فإن التحول إلى الدفاع المضاد للصواريخ من المحتمل أن يحفز الجنوح إلى محاورات أكثر إمعاناً بشأن الاستراتيجية والردع والعقلانية في إطار تدارس الأوضاع الشرق أوسطية ، فقد تحول معظم الفكر الغربي فيما يتعلق بمشكلة الدول " المارقة " وأسلحة الدمار الشامل لينصب على مشكلة العقلانية في سلوك الأنظمة الحاكمة ووضع الافتراضات حول ما إذا كان في الإمكان ردع مثل هذه الدول ، وكيف . ومشكلة الردع في الشرق الأوسط تؤكد في حساباتها على ( التمركز حول العرقية ) في معظم الفكر الاستراتيجي . ولو استثنينا المآزق الحرجة التي قد تتسبب فيها " الدول الخرقاء " ، أو القيادات التي تتعارض نظرتها إلى العالم و أهدافها مع المعايير المتعارف عليها دولياً ، أو ترسانات السلاح الشرق أوسطية السائبة ، فإن من المفيد أن يكون هناك تمييز بين الدول التي تتسلح بأسلحة الدمار الشامل كأمر واقع تفرضه ضرورات التوازن و تلك التي تتسلح بها إرضاء لمطامح الأنظمة الثورية . فالبعض قد يجادل مثلاً بأن البرامج النووية والصاروخية الإيرانية الأكثر تقدماً هي في النتيجة أقل مدعاة للقلق بالنسبة للولايات المتحدة من تصور استمرار التطوير المتوقع لأسلحة الدمار الشامل في العراق إذا ما رجعنا إلى طريقة سلوك النظام الحاكم في كل من البلدين والشخصية ذات الجوهر المحافظ لصناع القرار الإيرانيين . وقد أعاد موضوع الدفاع المضاد للصواريخ نفس الحوار الكلاسيكي الذي كان يدور أيام الحرب الباردة بين " الوجوديين " و " الموسعين " . فالفئة الأولى تشدد على الطبيعة التهويلية للدمار المحقق الوقوع وترى أن الإستقرار يمكن التوصل إليه بخفض الردع إلى حده الأدنى أو حده " الموجود " . بينما تسعى الفئة الثانية إلى الاستقرار من خلال ديمومة الترسانات النووية ، وتبرير اللجوء إلى القدرة النووية بوسائل متعددة من ضمنها إقامة الدفاعات ( أو الردع " الموسع " ) . وفي إطار الشرق الأوسط أيضاً ، قد يقود تزايد وفرة تقنيات الهجوم والدفاع باسلحة الدمار الشامل الدول الواقعة داخل المنطقة ، وكذلك تلك الواقعة ضمن مدى التهديد خارجها ، إلى ذات المأزق في النهاية . وسوف تبرز أهمية هذا الشأن أكثر إذا ما فقدت إسرائيل احتكارها للأسلحة النووية في المنطقة وتحتم على الدول التي تمتلك برامج نشطة أن تختار : بين ترسانة بالحد الأدنى أو الترسانة الأكبر ، بين دقة أعلى أو دقة أوطأ ، بين التصلب أو مرونة الحركة ، وأن تحدد مدى دفاعاتها الشخصية ، .. الخ . والإحتمال الأرجح في هذه الحالة هو أن تتدخل الكلفة في تحديد الخيار أكثر مما كانت عليه الحال لدى الخصوم في ذروة الحرب الباردة . فإذا كان المقصود من حيازة الصواريخ البالستية الأبعد مدى والرؤوس الحربية النووية هو أن تكون وسائل لفرض الهيبة الوطنية بالدرجة الأساس ، قد لا تعود هنالك ضرورة لمثل هذه الحسابات المعقدة . ولكن إذا كان الناشرون الإقليميون ينظرون إلى هذه النظم كأسلحة للردع الفعال أو حتى خوض الحروب ، فأن نشر الدفاعات المضادة سوف يجبرهم على اتباع نهج أكثر تطوراً و تعقيداً .

    الديناميكيات الإقليميـة

    المناخ الاستراتيجي في منطقة الشرق الأوسط يؤثر على انتشار أسلحة الدمار الشامل ، ويتأثر به . كذلك ، فإن المديات المتنامية لمنظومات الحمل تثير مسألة على جانب من الأهمية هي مسألة تحديد حدود المنطقة . إذ من الواضح أن منطقة الشرق الأوسط ، عند طرحها للمناقشة كمنطقة انتشار ، لايمكن تحديدها ببساطة بالمشرق والخليج . فشمال أفريقيا والبحر المتوسط تعدان أيضاً جزءاً من المعادلة ، وكذلك تركيا ، والتداخل الحاصل بين الشمال والجنوب عند الإطراف الجنوبية لأوروبا ، والتطورات الجارية في جنوب آسيا . كذلك فأن للجغرافيا واحصائيات السكان دور أيضاً في تحديد دوافع الانتشار وتبعاته .

    أمور تتعلق بالجغرافيا

    عند مقارنة منطقة الشرق الأوسط بمناطق التنافس عبر القارات في زمن الحرب الباردة ، أو بالبيئة الاستراتيجية في آسيا ، فإنها تبدو منطقة صغيرة متقاربة الأجزاء للغاية . وهي علاوة على ذلك عامرة بالمدن المكتظة بالسكان . وكلا هذين العاملين له انعكاساته على حيازة واستخدام أسلحة الدمار الشامل . فقصر المسافات بين المراكز المأهولة للخصوم المحتملين يعني أنه سيكون بالإمكان استخدام طائفة واسعة من المنظومات لحمل أسلحة الدمار الشامل إلى أهدافها داخل المنطقة ، بما في ذلك الطائرات التكيتيكة ، وصواريخ كروز ، والمدفعية ، وحتى السفن الحربية والطوربيدات . أما في حالة الصواريخ البالستية فإن قصر المسافات سوف يترجم إلى تكاثف القدرة على " بلوغ الأهداف " مع فترات إنذار قصيرة للغاية . فالصاروخ البالستي العابر للقارات المنطلق من روسيا يعطي الولايات المتحدة زمن إنذار قد يصل إلى 20 دقيقة لدى استخدام أشد طرق الإلتقاط والكشف تقدماً ، ويكون الزمن أطول من هذا بكثير في حالة القاذفات التي يقودها طيارون ، وأقل في حالة المنظومات المنصوبة داخل غواصات . ولكن في حالة الصواريخ التي تطلق من منطقة الخليج ضد إسرائيل فإن زمن الإنذار سوف يقاس بالدقائق لا غير . ونظراً لافتقار المنطقة إلى منظومات كشف دقيقة منصوبة في الفضاء ( من الممكن اعتبار إسرائيل استثناءاً محتملاً من هذا وكذلك تركيا بفضل صلتها بحلف شمال الأطلسي ) فإن هناك إمكانية لتحقيق المباغتة الكاملة . وجميع الدول المتخاصمة الرئيسية في المنطقة في إمكانها أصابة أهداف ذات قيمة داخل أراضي بعضها البعض بأسلحة الدمار الشامل وبدرجة معقولة من النجاح . وهي من الآن قادرة على الوصول إلى حواشي منطقة الشرق الأوسط ، وإلى تركيا وأوروبا وأوراسيا بما يترك انعكاساته على حرية القوى من خارج المنطقة في اتخاذ إجراءاتها . وفي النهاية سوف تتمكن بعض هذه الدول على الأقل من بلوغ مناطق أبعد بكثير ، مثل شمال أوروبا ، وحتى أميركا الشمالية في آخر المطاف . عندئذ تكون النتيجة درجة أعلى من الإنكشاف للخطر ومن الإعتماد المتبادل ما بين البيئات الأمنية الشرق أوسطية والأوراسية والأطلسية . أما في داخل منطقة الشرق الأوسط فإن قرب المسافات والتركز المدني والإفتقار إلى العمق الاستراتيجي سوف تؤدي جميعاً إلى قيام وضع " عالي التوتر متبادل التعرض لخطر الهجوم " تشيع فيه النذر المهددة لوجود تلك الأمم . فاستخدام الأسلحة النووية ضد أي هدف من الأهداف المدنية الحساسة المحدودة العدد ( مثل تل أبيب أو عمان أو القاهرة أو بغداد أو طهران ، ... الخ ) قد يرقى إلى مستوى دمار تلك الأمة . الدفاع التقليدي عن الحدود ، والاستخدام المستقبلي المحتمل لأسلحة الدمارالشامل ، تمثلان مشكلتين وثيقتي الصلة ببعضهما في ترتيبات الأوضاع في الشرق الأوسط ، التي غالباً ما كان بقاء الأمم فيها مهدداً بالغزو . ضمن هذا السياق تكون مشكلة استخدام أسلحة الدمار الشامل قريبة الشبه جداً بالدور الذي كانت تمثله القوات النووية والصاروخية في الدفاعات الأوروبية خلال فترة الحرب الباردة . ولكن على خلاف الموقف في أوروبا الحرب الباردة ، لن يكون في الإمكان تصور أن تخاض حرب في الشرق الأوسط تستخدم فيها القوى العظمى أسلحة الدمار الشامل من فوق رؤوس الدول المتقاتلة الأخرى . ففي الشرق الأوسط ستكون أراضي المتقاتلين الإقليميين هي ساحة المعركة . كما أن قصر الزمن المتاح للإنذار يجعل القدرة على تسديد ضربة ضمان ثانية ( أو حتى تطوير ونشر منظومات أسلحة الدمار من دون التعرض لهجوم إجهاضي ) أكثر صعوبة في منطقة الشرق الأوسط ، ما لم تبذل جهود حثيثة من أجل تطوير قدرات التصلب والحركة . فالجغرافيا والطبيعة القلقة التي تتصف بها البيئة الأمنية تجعل من الحجج التي تساق بصدد ما للانتشار النووي من أثر فاعل على ترسيخ الاستقرار ادعاءات غير مقنعة .كذلك تفرض أوضاع السكان في الشرق الأوسط بعض القيود على استعمال أسلحة الدمار الشامل . فالتقارب المكاني بين التجمعات البشرية الإسرائيلية والعربية داخل إسرائيل ، وفي الضفة الغربية وغزة ، قد تؤدي إلى تعقيد الحسابات على الخصوم الذين يتطلعون إلى استخدام الأسلحة النووية أو البايولوجية ضد اسرائيل . وقد يمكن استخدام الرؤوس الحربية التقليدية أو حتى الكيمياوية بمجازفة أقل ، خصوصاً إذا ما استخدمت منظومات حمل أكثر دقة .

    ولو استخدمت سوريا صواريخ مسلحة بأسلحة الدمار الشامل في مواجهة مع تركيا ، فإن مدينة الاسكندرونة قد تكون الهدف المختار في الجنوب ، ولكن هذه المدينة معظم سكانها من العرب . كذلك فأن أنماط الطقس الموسمية فوق هذه المنطقة المتقاربة الأجزاء ، الكثيفة السكان ، قد تسفر عن حدوث إصابات في مناطق بعيدة عن الهدف المقصود ، بل أن من الممكن أن يتجاوز التأثير حدود الدولة ، ولاسيما في حالة الأسلحة النووية .الاحتكاكات بين الشمال والجنوب والموازنات الإقليمية

    يفترض عموماً أن ديناميكيات نشر الأسلحة في منطقة الشرق الأوسط وحولها تتأثر بالتوترات بين الجنوب والجنوب أكثر من تأثرها بالتوترات بين الشمال والجنوب . فاهتمام ليبيا بهذه الأسلحة مثلاً له علاقة كبيرة برغبة النظام في اكتساب ثقل إقليمي في المغرب وافريقيا والشرق الأوسط ، ولو أن المسعى الليبي لنشر الأسلحة مثار قلق لدى الغرب أيضاً . أما مصر فمن الواضح أنها تنظر إلى قدراتها على أساس علاقاتها الاستراتيجية مع اسرائيل وهيبتها في العالم العربي . كذلك ينشغل كل من العراق وإيران في احراز وسيلة تمكنه من تسليط الضغط على الطرف الآخر ، وعلى إسرائيل والأنظمة الملكية في الخليج . وغالباً ما يكون ردع أوروبا والولايات المتحدة جزءً إضافياً في الحساب ، ولو أنه قد يطغى كاعتبار رئيسي في خضم أية مواجهة تحدث مع الغرب . أما قدرات إسرائيل في مجال أسلحة الدمار فإنها معدة للإستخدام الإقليمي أولاً وقبل كل شيء ، ولو أن قدرتها على الوصول إلى روسيا وباكستان قد لا تخلو من فائدة . وتشير أنماط الحروب في المنطقة وتكرار وقوعها إلى أن الدول الواقعة في " الجنوب " ضمن المنطقة هي الأهداف الأرجح لأسلحة الدمار الشامل . التصور الآخر الأقل منطقية هو أن يكتسي نشر أسلحة الدمار الشامل ، والتهديد باستخدامها ، بنكهة نزاع شمالجنوبية أكثر بروزاً وصراحة . ففكرة " صدام الحضارات " الاستفزازية المثيرة التي يطرحها صامويل هاننكتون ( المسرفة في الحتمية من وجهة نظر هذا المؤلف ) تفترض إمكانية قيام تعاون مستقبلي في مجال أسلحة الدمار الشامل وفق خطوط دينية - مثل" القنبلة الإسلامية " . وقد بعثت أحداث 11 أيلول وما أعقبها المخاوف من وقوع مصادمة على أساس خطوط حضارية من هذا القبيل على الرغم من فشل بن لادن في إذكاء نار مجابهة أوسع بين العالم الإسلامي والغرب . وطرح فكرة الأسلحة الكيمياوية والبايولوجية على اعتبارها " نووية الرجل الفقير " تشير بشكل غير مباشر إلى وسائل الردع بين من يملكون ومن لا يملكون . ولكن بنظرة أكثر واقعية يتضح أن تدهور العلاقات بين الجنوب وبعضه ( مثلاً بين اسرائيل وجيرانها ) قد يكون له آثاره على العلاقات بين العالم العربي والغرب . بل أن هذا مشهود منذ الآن في الواقع متمثلاً في المبادرات الأمنية المتوسطية العديدة . ولكن من المستبعد أن يؤدي ذلك إلى إعطاء قوة دفع لانتشار الأسلحة التي تستهدف الشمال ككل استهدافاً صريحاً .وبطبيعة الحال ، من الممكن أن يتأثر أمن المناطق الواقعة عند حواشي الشرق الأوسط بنمو ترسانات أسلحة الدمار الشامل في المنطقة . وزيادة مديات الصواريخ البالستية ، في منطقة الشرق الأوسط على وجه الخصوص ، لها انعكاسات على أمن أوروبا وعلى التعاون الدفاعي مع الولايات المتحدة في إطار الأزمات التي قد تنشأ في الشرق الأوسط . فجنوب أوروبا يقع من الآن ضمن مدى بعض المنظومات الموجودة فعلياً ، وفي ظرف عقد من الزمن قد تصبح جميع عواصم أوروبا الغربية معرضة للعواقب الثأرية رداً على أي تورط لها في شمال أفريقيا والشرق الأوسط . وهذا قد تكون له انعكاساته المهمة على حصول الأميركيين على منافذ إلى القواعد الأوروبية كلما طرأ طارئ في الشرق الأوسط . وقد سبق للقذافي في الماضي أن هدد بضرب الأراضي الإيطالية والإسبانية واليونانية أذا ما قدمت هذه البلدان تسهيلات للهجوم الأميركي على ليبيا . ولو كان في وسع العراق أن يبلغ أوروبا بصواريخه البالستية في حرب الخليج عام 1991 لربما كان فعل . وعلى مثل هذه الخلفية قد تأخذ كلفة التعاون مع الولايات المتحدة بالتصاعد ، وهي قد تشمل أيضاً المطالبة بتوفير وسائل دفاعية سريعة النشر والإستخدام . كذلك يمكن للانتشار الإقليمي أن يؤثر على المناطق المجاورة بطرق أخرى أيضاً . فامتلاك إيران للقدرة النووية ، على سبيل المثال ، قد يشجع تركيا على التفكير في تطوير رادعها الوطني ، خصوصاً إذا فقدت أنقرة ثقتها في الضمانات الأمنية التي يمنحها إياها حلف شمال الأطلسي . وهنالك منذ الآن نقاش يدور داخل دوائر الدفاع التركية حول كيفية الرد على ترسانات الصواريخ المتواجدة على الحدود التركية . و تركيا عاكفة الآن على دراسة إمكانية انتاج صواريخ قصيرة المدى . ولكن مسألة حصول تركيا على منظومات ردع سوف تؤثر بالتأكيد على المفاهيم الاستراتيجية وعلى الموازنات في مناطق البلقان وبحر إيجه والمناطق المحيطة بالبحر الأسود . كما أن نشر الأسلحة عند الأطراف الجنوبية لروسيا لابد أن يؤثر في النتيجة على الحسابات الاستراتيجية لذلك البلد ( وهي حقيقة حاولت الإدارات الأميركية المتعاقبة أن تغرسها في تصورات موسكو ) . وباختصار ، فإن انتشار أسلحة الدمار الشامل في الشرق الأوسط ستكون له تأثيرات على الأمن في رقعة تتجاوز سعتها تلك المنطقة بكثير .

    النزاع العربي - الإسرائيلي

    إن التدهور في عملية سلام الشرق الأوسط وتصاعد أعمال العنف بين إسرائيل والفلسطينيين من الممكن أن يؤثر بشكل كبير جداً على ديناميكيات الانتشار في المنطقة . وفي هذا الصدد هنالك أربع ملاحظات ذات صلة جديرة بالذكر.

    أولا ، في ظل غياب أية محادثات فعالة يرجح أن تعزز المجابهة القائمة الدافع الصريح الداعي لنشر الأسلحة في العالم العربي وإيران والذي كان دائماً يحتل موقع الصدارة . والنزاع المستمر مع إسرائيل ، المسلحة بالأسلحة النووية ، قد يصلح مبرراً للمضي في برامج حيازة أسلحة الدمار الشامل الموجودة واستطلاع إمكانيات الشروع بأخرى جديدة غيرها . وحتى لو كان التنافس مع الدول الأخرى في المنطقة يشكل جزءاً من الحسابات ، وربما أيضاً الرغبة في إلزام الولايات المتحدة والغرب حدوداً لا يتجاوزونها ، فإن السعي لتحقيق التوازن مع إسرائيل يبقى سبباً منطقياً وجيهاً . وهذه البرامج تبقى مرتبطة أيضاً بشدة بالسعي لتحقيق الهيبة والمكانة الإقليميتين اللتين سبق أن أشرنا إليهما . والتوترات المتصاعدة مع إسرائيل تبرز كل هذه الاهتمامات على نحو أقوى و أفصح .

    ثانياً ، من خلال المجابهة مع إسرائيل ، وفشل المحادثات مع سوريا ، يلوح شبح التصعيد واحتمال اتساع رقعته ليشمل المنطقة برمتها . وفي هذه الحالة لا يعود أمام سوريا بالذات إلا أن تراهن على بناء قدرتها في مجال أسلحة الدمار الشامل ، ولاسيما الأسلحة الكيمياوية والصواريخ البالستية ، كرادع وكأداة من أدوات الحرب غير المتناظرة . ومن تجدد المواجهة قد يبرز احتمال أن تزج دول " الصف الثاني " التي لا تحادد إسرائيل - مثل إيران ، وربما ليبيا وباكستان أيضاً - بقدراتها لتساهم في النزاع عن بعد . وإمكانية الإسهام هذه ، من وراء الأفق ، هي النتيجة الأبرز التي أفرزها انتشارالصواريخ بعيدة المدى في عموم المنطقة . والظروف الراهنة تشدد على هذا التوجه وتفتح أبواب الفرص أمام نشر منظومات من خلال وسطاء لها قدرة الوصول إلى الأراضي الإسرائيلية ، وفي هذا شبه ليس بالبعيد عن أسلوب نشر الصواريخ السوفيتية في مطلع الستينيات . ولدينا هنا مثال حاضر يتجسد في الصواريخ التي تسيطر عليها إيران ، البالغ مداها 70 كيلومتراً ، والتي زعمت التقارير أنها نصبت في لبنان ولها قدرة الوصول إلى حيفا .

    ثالثاً ، إن الدمج بين منظومات الصواريخ الأبعد مدى ، ومشاريع إيران التي تدنو من عتبة القدرة النووية ، والتصاعد في قوة المبررات المسببة لاستخدام أسلحة الدمار الشامل سوف يؤدي بالتالي إلى تنامي هواجس إسرائيل تجاه الخطر المهدد لوجودها . كما أنه قد يعيد إثارة الجدال القائم في إسرائيل حول شؤون الردع ، والدفاع ، والإستراتيجية في ظل بيئة تسودها أسلحة الدمار الشامل . والجدال الإسرائيلي حول هذه الأمور يعكس من عدة نواحٍ ذات النقاش الدائر في الولايات المتحدة وأماكن أخرى ، ولكن بشكل أشد إلحاحاً . ونظام الدفاع الصاروخي الإسرائيلي ( بالنسبة لإسرائيل يعد مفهوما " صواريخ الدفاع الوطني " و " صواريخ مسرح العمليات "مترادفين ) الذي يرتكز على برنامج آرو ( السهم ) الإسرائيلي ، بالإضافة إلى التعاون المحتمل مع حلفاء مثل تركيا والولايات المتحدة ، يحظى اليوم باهتمام يفوق ما كان يحظى به في السابق . ومن هنا أصبحت الضربات بعيدة المدى والمسح وجمع المعلومات الاستخبارية المتعلقة بأسلحة الدمار والقدرة على مهاجمة الأهداف المتنقلة أسبقياتواضحة لاجدال فيها . كذلك تبقى الاستراتيجيات الإسرائيلية في حالة صراع دائم مع مشكلة لامفر منها هي مشكلة الدفاعات المخلخلة في منطقة تنوء بأسلحة الدمار الشامل . لذلك كان هناك ، إلى جانب الإجراءات الدفاعية والإجهاضية والردعية ، اهتمام بسلوك سبيل أكثر شمولاً يتضمن من بين ما يتضمن محاولات لـ " تحصين " المجتمع الإسرائيلي ضد المخاطر التي لا مجال لتفاديها . وهذا أمر ينطوي في جانب منه على الدفاع السلبي ( الدفاع المدني ) في حين ينطوي في جانبه الآخر على حسن إدارة الوعي لدى الناس . والفكرة من وراء كل هذا المسعى هو منع التهديد بأسلحة الدمار الشامل من أن يخل بنوعية الحياة التي يحياها المواطنون وما قد يتبع ذلك الخلل من إرباك لتوازن واستقرار صناعة السياسة ، وهذه عواقب من شأنها لو تحققت أن تشجع خصوم إسرائيل على حيازة أسلحة الدمار واستخدامها .

    رابعاً ، مجرد وجود أسلحة الدمار الشامل قد يؤثر على طبيعة أية مجابهة تقع بين العرب وإسرائيل تكون دون استخدام أسلحة الدمار وخارج الحرب التقليدية . فتزايد الإمكانية المستقبلية للتصعيد الذي تحمله ترسانات أسلحة الدمار في المنطقة قد يشجع على الارتداد إلى أنواع من المجابهة الواطئة الشدة ، أو إلى استخدام الوسطاء ، أو اللجوء إلى الإرهاب . ومن المرجح أن تكون حرب المدن هي السمة المميزة لهذا النوع من المجابهة . ومثل هذا التوجه يمكن ملاحظته في جنوب لبنان والضفة الغربية وغزة .

    كذلك فإنه يبدو جلياً في المجابهة بين الأطراف المتنازعة التي تمتلك الأسلحة النووية في شبه القارة الهندية . فدول المنطقة قد تسعى وراء أسلحة الدمار الشامل بقصد اكتساب الهيبة والثقل الاستراتيجي ، ولكنها سوف تحرص في الوقت ذاته على امتلاك بدائل أوطأ شدة وأدنى مجازفة لأغراض الاستخدام الفعلي.

    خلاصات وانعكاسات سياسية

    في فترة تتواصل فيها التوترات في منطقة الخليج العربي ، وتتجدد المجابهة بين الفلسطينيين والإسرائيليين ، وتقع احتكاكات لها أهميتها في أماكن أخرى من منطقة الشرق الأوسط يصبح انتشار أسلحة الدمار الشامل ووسائل حملها إلى مديات أبعد هماً شاغلاً . فأحداث 11 أيلول ، والميل إلى التعامل مع نشر أسلحة الدمار الشامل والإرهاب العالمي كظاهرة مترابطة ذات مرامٍ عالمية متنامية ، والحرب على العراق في عام 2003 تعزز كلها القلق الجدي القائم حالياً في أذهان صانعي السياسة في الولايات المتحدة .

    فليبيا والجزائر أقل مدعاة للقلق في الوقت الحاضر ، في حين أن ديناميكيات الانتشار في المشرق والخليج والتأثيرات الآتية من جنوب آسيا تزيد الصورة قتامة . ومجمل القول فأن بيئة الانتشار الإقليمي ستبقى في حالة تغير وحركة حتى لو استمر الإنتشار ماضياً على نفس وتيرته

    وإن ظهور قوة نووية جديدة في المنطقة ، مصحوبة ببرامج لتطوير صواريخ قادرة على بلوغ أوروبا الغربية وشمال أميركا في نهاية المطاف ، سوف تكون وفق الصيغ الاستراتيجية تطوراً مؤدياً إلى التحول .

    أما دون ذلك فحتى القدرات الموجودة ستكون لها انعكاساتها المهمة بالنسبة للإستقرار الإقليمي واستراتيجيات الولايات المتحدة . وفي الإمكان أن يستقى من هذا التحليل مزيد من الآثار والانعكاسات السياسية المحددة . أولاً ، أن التوسع في قدرات أسلحة الدمار الشامل والصواريخ في الشرق الأوسط يقيد حرية الولايات المتحدة على العمل بأكثر من طريقة . فهو على الصعيد العملياتي يزيد من هشاشة وضع القوات المنتشرة ويعقد الوضع أمام التواجد العسكري . أما في المناطق البعيدة ( ما وراء الأفق ) ، فإن استراتيجيات التطمين والتدخل قادرة على تقليل هذا التعرض والإنكشاف ولكنها قد لا تكون مناسبة في كثير من الحالات التي يتطلب الأمر فيها نشراً على الأرض . أما على الصعيد الاستراتيجي فإن انكشاف القواعد ومراكز التجمع السكاني في أوروبا للصواريخ البعيدة المدى معناه أن انتشار السلاح في الشرق الأوسط سيعد من مشاكل تهديد الأمن الأوروبي أيضاً .ونهاية حرمة الأراضي الأوروبية سيعني أن المنظومات الدفاعية التي تستهدف إبطال التهديد الصاروخي يجب أن تكون شاملة التغطية لأكثر من منطقة لكي تجعل ترتيبات التخطيط المستقبلي للقوة ممكنة التوقع . ولو وقعت أميركا الشمالية ضمن مدى الصواريخ الشرق أوسطية ، والتي يفترض أنها ستكون مسلحة بأسلحة الدمار الشامل ، فإن استراتيجية الولايات المتحدة ودبلوماسيتها في الشرق الأوسط سوف تكتسبان أهمية أعظم . كذلك فأن التعامل مع النزاع العربي - الإسرائيلي ، أو أمن منطقة الخليج ، وفق أسلوب تشكل مساره مديات الأسلحة سوف تتزايد صعوبته على قدر ما ستوقعه تطورات الشرق الأوسط من أثر مباشر على أمن أراضي الولايات المتحدة . ثانياً ، إن إقامة دفاع صاروخي ذو فعالية معقولة داخل وحول منطقة الشرق الأوسط ستكون له أهميته في التصدي لمشكلة انكشاف الحلفاء والقوات المنتشرة تحت الظروف الراهنة . كذلك فأن هذا الدفاع سيكون عائقاً أمام سيناريوهات النشر الأشد خطراً التي قد تنتج عن توسع المجابهة العربية - الإسرائيلية ، أو عن ظهور قوة نووية جديدة في المنطقة . والدفاعات المضادة للصواريخ بإمكانها موازنة التآكل الحاصل في درجة التفوق الذي كانت النظم المجهزة من قبلالولايات المتحدة ، وبدرجة أساسية الطائرات التكيتيكة الحديثة ، قد منحتها لحلفاء مهمين في المنطقة مثل إسرائيل ومصر والمملكة العربية السعودية وتركيا . ومتى ما انحدر مستوى التفوق وبأي قدر فإن القوات الأميركية المتواجدة في المنطقة هي الجهة الوحيدة القادرة على سد النقص . فعند وضع التصميم لأية هندسة دفاعية إقليمية مضادة للصواريخ يجب أن يؤخذ في الحسبان تصاعد الشعور بالخطر لدى أولئك الذين سيبقون خارج المنظومة الدفاعية . وهنالك في الوقت الحاضر فرص طيبة مبشرة لتطوير دفاعات مضادة للصواريخ يتم نصبها أو نشرها في قواعد واقعة في أماكن مثل شرق البحر الأبيض المتوسط حيث يكون في وسعها أن تعيد الشعور بالإطمئنان إلى أعضاء حلف شمال الأطلسي والحلفاء الشرق أوسطيين . إن البعد التحالفي في استراتيجية الدفاع المضاد للصواريخ والتصدي لأسلحة الدمار الشامل يعد أساسياً إذا ما أريد لهذه المحاولات أن تعزز حرية الأميركيين في العمل داخل منطقة الشرق الأوسط وحولها . أخيراً ، فإن التأثيرين الأبرز أهمية ، على جانب العرض والطلب من مشكلة الانتشار ، هما عمليات النقل من روسيا ثم الصين ، ومسار عملية سلام الشرق الأوسط . وهذان التأثيران يعدان أيضاً مصدر شكوك بالغة في السمتقبل .

    لذلك فأن الحيلولة دون حدوث أي ارسال جديد إلى منطقة الشرق الأوسط ينبغي أن تكون في صميم علاقات الولايات المتحدة بروسيا والصين . كما أن الولايات المتحدة قد تكون بحاجة لإعادة تعديل أسلوب تعاملها مع عملية السلام ، فتقر بمدى عمق الأثر المستقبلي الذي يمكن أن يحدثه نشر أسلحة الدمار الشامل على الهدف المتمثل بـ" وضع نهاية للصراع " ذلك الهدف الذي كان على الدوام مسألة حرجة في هذه العملية .

    فامتلاك الدول التي ترفض عملية السلام قدرات الإستمرار في مواجهة اسرائيل عن بعد يشير ، من ضمن ما يمكن أن يشير إليه ، إلى أن المفاوضات الثنائية قد لا تكون كافية لحل نزاع يستمر عدد الأطراف الضالعة فيه بالتزايد .

    وأن " التسوية " هنا قد يبقى مضمونها مقتصراً على قيام حالة من التعايش السلمي والمجازفة ضمن حدود التقبل

    * مؤسسة تعني بشؤون الأمن والدفاع للولايات المتحدة الأمريكية ونادر ما تنشر دراساتها



    ملاحظة

    تم أعداد هذه الدراسة في عام 2006 وفق فلسفة الدفاع الامريكي وخصوصا التحديد في الإستراتيجية الأمريكية والمتعلقة بالأسلحة النووية وأسلحة الدمار الشامل ولغرض الاطلاع ومعرفة طبيعة التوجه والتخطيط الامريكيتجاه العالم العربي ننشر هذه الدراسة..

    مركز صقر للدارسات الإستراتيجية

    19-6-2010
    actar و بشير الشيخ معجبون بهذا.
  2. طلال المسعودي

    نجم المنتدى

    إنضم إلينا في:
    ‏22 مارس 2016
    المشاركات:
    65
    الإعجابات المتلقاة:
    11


    أهلاً بك عزيزي الزائر لرؤية الردود يجب عليك تسجيل الدخول او الاشتراك معنا من هنا

    أعجب بهذه المشاركة politics-dz
جاري تحميل الصفحة...