1. politics-dz

    politics-dz مدير الموقع إداري politico نجم المنتدى

    إنضم إلينا في:
    ‏22 فبراير 2015
    المشاركات:
    3,915
    الإعجابات المتلقاة:
    3,843
    [​IMG]
    شكلت قضية الجيش المغربي أهم القضايا التي أثارت اهتمام العديد من الباحثين على اختلاف مشاربهم وانتماءاتهم العلمية، لكن رصد التطور التاريخي لهذا الجيش شكل أم قضايا الباحثين، وبالتالي فهذه القضية متعددة الأسباب متشعبة الجوانب تقتضي طرح العديد من الإشكاليات الكبرى حولها تستدعي من الباحث خوض غمار البحث فيها بشكل مستفيض إلى الحقيقة العلمية المتعلقة بها لأنها ركن
    أساسي من أركان الدولة. وجرت العادة عند العديد من الباحثين في مجال التاريخ تحقيب تاريخ المغرب إلى عصور، حيث نقول مثلا المغرب في عهد الأدارسة، المغرب في عصر المرابطين،... غير أنهم يكادون يجمعون على أهمية القرن التاسع عشر، لما له من أهمية في تاريخ المغرب، خاصة وأنه عرف ملامح تحول وتغيرات كبرى شملت العديد من القطاعات، العسكرية، الاجتماعية الاقتصادية والمالية، أي نكاد نقول تغير على أكبر مقومات الدولة المتمثلة في المسألة العسكرية كما أننا نعلم أن المغرب عرف امتداد تاريخي عريق انطلاقا من الفنقيين والقرطاجيين مرورا بالرومان والمماليك المحلية خاصة عهد يوغرطة، ورث خلالها المغرب مقومات حضارية هامة، وعلى رأسها قطاع الجيش الذي هو قوام الدولة وأساسها على جميع مراحل التاريخ.
    ومع مجيء الفتح الإسلامي وتأسيس دولة مغربية مجسدة في إمارة الأدارسة سنة 172هـ، وهذه الأخيرة أول الأسس التي قامت عليها هو الجيش، وهذا الجيش هو الذي ساهم في نشر الإسلام في المغرب، وكذا مشاركتهم في فتح الأندلس مع طارق ابن زياد، وفي العهد المرابطين استطاع هذا الجيش توحيد المغرب على المستوى العمودي من نهر السينغال إلى بلاد الغال في الشمال بفرنسا، كما أن بفضله تمكن الموحدين توسيع رقعة المغرب وتوحيدها من المحيط الأطلسي غربا إلى طرابلس (الغرب) شرقا. ومع ظهور المرينيين وتأسيس دولة وطنية بالمغرب الأقصى أول ما قامت به هو تأسيس فرقة من الجيش كنواة دائمة، دورها هو الحراسة على أمن الدولة والدفاع عن حوزتها والجهاد بالأندلس ضد الحروب الصليبية ضد القشتاليين والأركونيين، هذا ونجد أن دور الجيش سيبرز أكثر في العهد السعدي وخاصة مع طرح مسألة تحرير الثغور المغربية من يد البرتغال واستطاع المنصور الذهبي أن يقتحم أرض السودان والوصول إلى تمبوكتو، وتحقيق انتصار تاريخي في معركة وادي المخازن سنة 1578م،بحيث في هذه المعركة استطاع المغرب فرض هبته على الدول الأخرى خاصة إسبانيا شمالا والأتراك بالجزائر شرقا.
    هذا وعرف الجيش خلال ق17م في عهد الدولة العلوية منذ تأسيسها، ونظرا للتفكك الذي عرفته الدولة خلال هذه الفترة وانقسامها إلى إمارات صغيرة وبالتالي انقسام الجيش وتفكيك أواصر الربط بينهم، غير أنه مع مجئ المولى إسماعيل تغير مجرى الأحداث بإعادة تكوين جيش البخاري من العبيد، ويعتبر من أشهر منجزاته، خاصة وأننا نعلم بأن الدولة لم يكن لها جيش بالأساس إلا ما كان من استنفار القوات العسكرية القبلية.ولما تولى الأمر للمولى إسماعيل أقام جيشا من عبيد السلطان أو حول عبيد السلطان إلى جيش الدولة. وتحقق بذلك ثلاث غايات، إذا كان هذا الجيش الجديد مبنيا على عصبية عرقية عسكرية دون أن يتعثر في خصومات القبائل المغربية الموروثة، وكان هذا الجيش الجديد ملزما بأوثق طاعة السلطان لأنه صنيع إرادته، وكان إلى ذلك كله معبئا روحيا بما كان يؤدي أفراده من قسم الإخلاص للدين وللإمام على صحيح البخاري. وبعد وفاة السلطان المولى إسماعيل عمت الفوضى من جديد نتيجة أزمة عبيد البخاري الذي تحول إلى عنصر فوضى وخلق الفتن، كما أن السلاطين بدؤوا يعتمدون على جيش الاستنفار وحراك القبائل لإخماد الثورات الداخلية والدفاع ضد الهجومات الخارجية، وكما قال الناصري الجيش المغربي أساسه الشجاعة وكثير الأدمي، ولهذا نلاحظ أنه أبلى البلاء الحسن في إحدى المواقع وعجز في أخرى، مثل ما وقع في معركة اسلي سنة 1844م وحرب تطوان 1839 ـ 1860م، انطلاقا من هذه الهزائم بدأ يتراجع إلى الوراء وضعفت قوته الأمر الذي دعى ودفع إلى التفكير في إصلاح شؤون الجيش على اعتبار أنه أساس تكون الدولة وتطورها واستمراريتها. ومن خلال رصدنا لسيرورة تاريخ الجيش المغربي نلاحظ مجموعة من التحولات والتغيرات الحاصلة في قطاع الجيش، بحيث كان لهذه التغيرات وقع على الدولة بصفة عامة خاصة وأن الجيش قوام الدولة وركنها الأساسي ولا يمكن القول بوجود دولة دون قيام جيش يعزز قوتها، ولا يجب أن ننسى بأنه يعتبر الركيزة الأساسية لضمان وجود سلطة أولا، ثم الحفاظ على الوطن من أي غزو أجنبي ثانيا وأخيرا قمع التمردات، وتتجلى مهمته أيضا في فرض الضرائب على القبائل كلما اشتد الخناق على المخزن والسلطة المركزية.
    ومن المعلوم أيضا أن الجهاز العسكري كان مكونا عموما من المتطوعين وقبائل الكيش المتشبثة بشخص السلطان، لهذا فهي رهينة بقوة السلطان إذ فكلما كان السلطان شديد البأس إلا وكانت موالية وطائعة تقوم بمهمتها على أحسن وجه، وفي فترة ليونة السلطان تتحول هذه العناصر إلى عنصر يثير الشغب والثورة على السلطان وهذا ما يلاحظ من خلال أحداث القرن 19م، وهذا كان من بين العوامل المساهمة في ضعف وتراجع قوة الجيش، لأن قبائل الكيش كانت دائما تسعى إلى تصفية الحسابات مع بعضها البعض عوض التكتل إلى جانب السلطان وكما قال الناصري "الحاصل أن جيش مغربنا لا يحارب إلا حياءا من السلطان أو هداية من الله".
    وتحت وطأة الهزائم التي تعرض لها المغرب خلال ق19م من قبيل معركة إسلي 1844م وحرب تطوان 1860م، ونتيجة لهذا عرف المغرب سلسلة من الإصلاحات الهادفة إلى تكوين جيش نظامي قوي تعتمد عليه الدولة في الدفاع عن حرمتها في كل الأحوال ورد الأخطار الخارجية، كما أن الإصلاحات تزايدت خلال هذا القرن بمعناها الكبير خاصة في عهد السلاطين الثلاثة: عبد الرحمان بن هشام ومحمد ابن عبد الرحمان وبلغت أوجها خلال فترة المولى الحسن. بحيث عرفت الإصلاحات على مستويين:
    على المستوى الجيش في حد ذاته أي العامل البشري من خلال طريقة التدريب والتكوين، وعلى مستوى الجهاز الدفاعي في مفهومه المادي أي العامل التكنولوجي.
    ولتحديد الجيش قام السلاطين بعدة إجراءات من بينها جلب بعثات عسكرية من المشرق نتيجة التطور العثماني وكذا دولة محمد علي هذا في البداية مع المولى عبد الرحمان بن هشام، وفي عهد الحسن الأول قام هذا الأخير ببعث بعثات طلابية من المغرب إلى الخارج في الدولة الأوربية خاصة إيطاليا وفرنسا وألمانيا وبلجيكا وإنجلترا لتعلم تقنيات الحرب الحديثة على اختلاف تخصصاتها، وإحداث مدرسة بجبل طارق وهي مدرسة عسكرية، جلب مدربين أوربيين على أعلى مستوى لتدريب فيالق الجيش المغربي. غير أن رغم هذه الأعمال لم ترقى إلى المستوى المطلوب نتيجة التكاليف الباهضة التي تتطلبها. مع العلم أن الدولة في هذه الفترة عرفت ضغوطات أجنبية واتفاقيات مع الدول الأخرى، والمعاهدات الأكثر وقعا هي تلك التي وقعت من أجل الصلح مع فرنسا وإسبانيا مقابل دفع غرامة مالية على الحرب الأمر الذي أدى إلى إفراغ خزينة الدولة.
    خاصة وأن الأسلحة والتموينات غالبا ما كانت تجلب من الخارج من إنجلترا، غير أنها لم تكن متاحة لكافة الجنود خاصة رجال القبائل الذين كانوا يمتلكون أسلحة بالية متوارثة.
    ففي عهد المولى الحسن تم الشروع في بناء مجموعة من معامل السلاح في كل من فاس ومراكش ومكناس وغيرها. وهكذا أدت الإصلاحات العسكرية إلى تنظيم جيش نظامي عصري يحتكم لقواعد جيش عصري ونظامي من زي واحد وقواعد السلوك والانضباط مقسم إلى وحدات وتخصصات لكل واحدة رئيسها أي هناك رئيس ومرؤوس للتحكم في عناصر الجيش وضبط زمام أمورها لكي لا تنفلت من قبضة المخزن وتحولها إلى الشعب والفوضى مثل ما كانت عليه العناصر التقليدية. وهكذا فرتبها كانت منظمة شهريا وعناصرها مسجلة في كناش خاص بالجيش لمعرفة إسم العسكري وتخصصه ورتبته، لأنه انخرط في الجيش طوال فترة حياته سواء في السلم أو الحرب للدفاع عن الوطن والارتباط به ويكون خاضعا لكل قواعد الجيش النظامي.
    لكن الملاحظ هو أن التدخل الأجنبي حال دون تحقيق المغرب لأهدافه المرجاة وذلك نتيجة تفوق أوربا السياسي والعسكري، ومن تم الضغط على المغرب في كل الأحوال لعرقلة الإصلاحات عن طريق استيراد الأسلحة تحت رقابتهم ومن تم زودوه بأسلحة بالية متقادمة مقابل أسعار باهظة ولم تعد قادرة على مواجهة التحديات الأوربية الحديثة، ومن تم كان مصير كل هذه الإصلاحات الفشل دون جدوى ، وبالتالي تضافرت مجموعة من العوامل الخارجية و الداخلية أدت بالمغرب إلى السقوط تحت نيران الحماية سنة 1912م.