1. politics-dz

    politics-dz مدير الموقع إداري politico نجم المنتدى

    Country:
    Algeria
    إنضم إلينا في:
    ‏22 فبراير 2015
    المشاركات:
    3,914
    الإعجابات المتلقاة:
    3,836
    نقاط الجائزة:
    113
    الجنس:
    ذكر
    الإقامة:
    الجزائر
    الصفحة الرئيسية:

    Print

    تفسيرات نظرية للأزمة المالية العالمية 2008-2015

    طلب من خبير مالي أن يبسط للناس العاديين أسباب الكارثة التي حدثت في أسواق البورصةفحكا لهم قصة فيلم قديم... حين باع الناس الحمير والتراب... فقال:

    ذهبرجل إلى قرية نائية، عارضا على سكانها شراء كل حمار لديهم بعشرة دولارات ، فباع قسمكبير منهم حميرهم، بعدها رفع الرجل السعر إلى 15 دولارا للحمار، فباع آخرون حميرهم،فرفع الرجل سعر الحمار إلى 30 دولارا فباع باقي سكان القرية حميرهم حتى نفذت الحميرمن القرية. عندها قال الرجل لهم أشتري منكم الحمار بخمسين دولارا ثم ذهب إلىاستراحته ليقضي أجازة نهاية الأسبوع.

    حينها زاد الطلبعلى الحميروبحث الناس عنالحمير في قريتهم والقرى المجاورة فلم يجدوا .

    في هذاالتوقيتجاء مساعده إلىالقرية وعرض على أهلها أن يبيعهم حميرهم السابقة بأربعين دولاراللحمار الواحد. فقرروا جميعا الشراء حتى يعيدوا بيع تلك الحمير للرجل الذي عرضالشراء منهم بخمسيندولارا للحمار، لدرجة أنهم دفعوا كل مدخراتهم بل واستدانواجميعا من بنكالقرية حتى أن البنك قد أخرج كل السيولة الاحتياطية لديه، كلهذافعلوه على أمل أنيحققوا مكسب سريع. ولكن للأسف بعد أن اشتروا كل حميرهم السابقةبسعر 40 دولاراللحمار لم يروا الشاري الذي عرض الشراء بخمسين دولارا ولامساعدهالذي باع لهم. وفيالأسبوع التالي أصبح أهل القرية عاجزين عن سداد ديونهم المستحقةللبنك الذي أفلسوأصبح لديهم حمير لا تساوي حتى خمس قيمة الديون، فلو حجز عليهاالبنك مقابل ديونهمفإنها لا قيمة لها عند البنك وإن تركها لهم أفلس تماما ولنيسدده أحد.

    بمعنى آخر أصبح علىالقرية ديون وفيها حمير كثيرة لا قيمةلها ضاعت القرية وأفلسالبنك وانقلب الحال.... رغم وجودالحمير وأصبح مال القرية والبنك بكامله في جيب رجل واحد، وأصبحوا لا يجدون قوت يومهم احذف كلمة حمار وضعمكانه أي سلعة أخرى:شقة - سيارة - طعام - ..... إلخ، ستجد بكل بساطة ... أن هذه هي الأزمة المالية التي يعيشها العالم اليوم.


    رغم الاتفاق على وجود أزمة مالية يمرُّ بها الاقتصاد الرأسمالي العالمي راهنا إلاّ أن الخاصية المميزة في هذا المجال هي الاختلاف الجذري في تفسير أسبابها وتحديد الحقل الذي تندلع فيه ضمن عملية إعادة الإنتاج الرأسمالية، ولهذا نلاحظ تنوع المقاربات التي تتطلب التوقف عندها.

    وحتى نضع الأمور في سياقها الصحيح، لا بد من الإشارة إلى تلك المرتبات الفلكية للإدارات العليا لم تكن سوى عرض جانبي للأزمة. ففي السياق الأوسع تعود الأزمة، في هذا المجال، أساسا إلى سياقين رئيسيين هما:

    - ظهور وصعود الريغانية. ابتدأ الرئيس الأميركي الراحل (رونالد ريغان) فترة حكمه بتطبيق سياسات تحرير الأسواق عموما، بما فيها أسواق المال من أي ضوابط ارتباطا بايدولوجيا الليبرالية الجديدة التي اعتمدها هو ورئيسة وزراء بريطانيا آنذاك (مارغريت تانشر)، حيث شاع في أواخر السبعينات مصطلحا (الريغانية) و (التانشرية) كنماذج لليبرالية الجديدة باعتبارها عقيدة يحتمي تحت رايتها دعاة تحرير الأسواق والعودة إلى " الأصول".

    - وبتحديد أقرب، تعود الأزمة أيضا إلى تشرين الأول (أكتوبر) 1999 حينما أصدر الكونغرس الأميركي، الخاضع لسيطرة الجمهوريين، تشريعا بإلغاء ما تبقى من قيود صارمة كانت مفروضة على نظام المال الأميركي منذ سنوات الكساد العظيم في الثلاثينات من القرن الماضي. ونظراً لغياب تلك الرقابة الصارمة أو ما تبقى منها تتابعت الأزمات. وفي الطريق إلى الأزمة عملت مؤسسات المال الأميركية على جذب الأموال الضخمة من الخارج تحت إغراء الأرباح الاستثنائية من خلال أدوات استثمارية تبين بعد الخراب أنها كانت من الأصل مسمومة.

    هذا مع العلم أن حجم خسارة الصناديق التقاعديّة الأميركيّة خلال الأشهر الـ 15 الأخيرة، قد بلغت (2) تريليون دولار، حسبما كشف مدير مكتب الميزانيّة في الكونغرس، (بيتر أورسزاغ)، الذي حذّر في حينه من أنّ الأزمة المالية على وشك أن تؤثّر على العائلات الأميركية، حيث سيضطر البعض إلى تأجيل تقاعده وقد يقرر من اقترب تقاعده أنّه لم يعد بإمكانه من الناحية المادية التقاعد وسيواصل العمل.

    لذلك طرحت إشكالية السيولة، حيث أن أزمة الائتمان العالميّة ناجمة من عدم رغبة المصارف في إعطاء القروض بنسب فائدة معقولة أو بشروط معقولة للشركات. لذلك، تُدفع المؤسّسات التي تُعاني من الصعوبات الماليّة، إلى الإفلاس، ولا بد من توقع المزيد خلال الاعوام المقبلة.

    ولكن هناك سؤالين أساسين يمثلان لُب المشكلة:

    السؤال الأول: لماذا لا تستطيع المصارف إعطاء المزيد من القروض؟

    السؤال الثاني: وما هي هذه الأصول التي خسرت كلّ هذه القيمة؟

    في مسعى الإجابة على هذين السؤالين لا بد أن نشير إلى أن حجم إقراض المصارف في أميركا حسب بيانات حديثة بلغ حوالي ٧٠ تريليون دولار. يمكن القول أن تلك المصارف لا تستطيع إعطاء المزيد من القروض لأنّها خسِرت الكثير من المال جرّاء انخفاض قيمة الأصول التي اشترتها خلال السنوات الخمس والست السابقة. فقد قدمت المؤسسات المالية قروضًا هائلة للتمويل العقاري بلغت حوالي (11) تريليون دولار لشراء المنازل، كما قدمت مبلغًا مماثلا بصفة قروض استهلاكية بموجب بطاقات الائتمان. لذلك، عليها أن تقتصد وتكفّ عن إعطاء القروض. كما يجب أن تبحث عن رؤوس أموال ومستثمرين جدد قبل معاودة إقراض الآخرين.

    لفهم أزمة الرهن العقاري نحتاج إلى الإشارة إلى أن هذه الأزمة ليس بنت هذه اللحظة التي حدثت فيها الأزمة المالية الراهنة. ففي الواقع تعود مفاعيل أزمة الرهن العقاري إلى ما قبل عام 2006، وظهرت على السطح في آب 2007، وتفاقمت في تموز عام 2008.

    انكشفت الأزمة عندما امتنع المقترضون عن سداد أقساط وفوائد القروض التي حصلوا عليها لشراء المنازل، ما أدى إلى فقدان السيولة لدى المصارف الاستثمارية التي منحت قروضاً عالية المخاطر، ومن ثم إلى تعثر تلك المصارف وإفلاس العديد منها الذي أفضى أيضاً إلى انهيار الأسواق المالية.

    بيد أن جذور الأزمة تعود لسنوات خلّت. إذ حفز سعر الفائدة المنخفض الأفراد على الاقتراض من المصارف الاستثمارية لشراء المنازل، ما أدى إلى ارتفاع أسعارها وتزايد إقبال الأفراد على الاقتراض لشراء المنازل، معتقدين أن أسعار المنازل سوف تستمر في الارتفاع لأمد طويل.

    وطبيعي أنه ومع ارتفاع سعر الفائدة وتزايد قيمة أقساط سداد القرض التي ترتفع مع طول المدة، وجد المقترضون أنفسهم غير قادرين على السداد. الأمر الذي دفع المصارف إلى عرض المنازل المرهونة للبيع. وطبقا لقوانين العرض والطلب فان كثرة المنازل المعروضة للبيع مقارنة بحجم الطلب عليها، أدى إلى تدهور أسعار المنازل إلى ما دون قيمة القرض.

    وبهدف الحصول على السيولة لجأت المصارف الاستثمارية إلى بيع قروضها إلى شركات مالية كبيرة، ما لبثت هذه الأخيرة أن أعادت هيكلتها وأصدرتها في شكل سندات مالية، وأمنت عليها لدى شركات التأمين بضمانة المنازل المرهونة وطرحتها للتداول في البورصات العالمية. وبذلك امتدت تداعيات الأزمة لتشمل القطاع المالي الأمريكي بمجمله، ومن خلال البورصات عبرت الأزمة إلى معظم أنحاء العالم.

    وكانت الحصيلة إفلاس العديد من المصارف الاستثمارية الأمريكية، وتعثر مصارف وشركات أمريكية وأوربية وآسيوية كبرى، وانهيار أسواق الأوراق المالية، وضياع ثروات طائلة، وتلاشي مدخرات الأفراد في مختلف أنحاء العالم، وفقدان الثقة بالنظام المالي العالمي. فالأزمة التي بدأت بفقدان السيولة لدى عدد من المصارف الأمريكية انتهت إلى تلاشي الثقة بالنظام المالي العالمي وتفاقم مشكلة السيولة على المستوى العالمي.

    مهما تنوعت المداخل والمقاربات لهذه الأزمة فانه يمكن حصرها في مقاربتين رئيسيتين تتفرع منها مقاربات ثانوية، تفصيلية:

    المقاربة الأولى: التركيز على النتائج وتجنب البحث في الأسباب:

    تنشغل هذه المقاربة، بتنوع تجلياتها، بالتطورات الحاصلة في طور التبادل وأساساً مجال التداول (النقود) معتبرة أن الأزمة المالية الراهنة ناجمة مثلا عن اختلال التناسب بين العرض والطلب النقدي.

    مشكلة هذه المقاربة أنها تهمل الطور الأساسي – طور الإنتاج – وما يعتمل فيه من عمليات وتناقضات ناجمة عن أشكال الملكية الاستغلالية الرأسمالية رغم أن العلاقة الإنتاجية في هذا الطور، هي العلاقة الأساسية، الأولية، التي تقرر بقية العلاقات في الأطوار التالية، والتي تعتبر علاقات مشتقة من العلاقة الأساسية. ولهذا يمكن القول أن العلاقات النقدية وبالرغم من كونها أداة من أدوات السيطرة في الاقتصاديات الرأسمالية، فهي ليست في النهاية سوى انعكاس لما يتم في هيكل الإنتاج، وفي مجال العلاقات بين القوى المنتجة أثناء العملية الإنتاجية.

    ضمن هذه المقاربة، وعند المباشرة في تحديد جذور الأزمة المالية العالمية الراهنة تتنوع الاتجاهات:

    1. فهناك اتجاه من يرى أن الأزمة المالية الراهنة ناجمة عن " أدوات الضبط " المستخدمة وضعف الرقابة الحكومية على المصارف والمؤسسات المالية عموما، وان التغلب على تلك الأزمة يكمن في إزالة هذه الأدوات.

    وعادة ما نرى هذا التفسير سائدا في تحليلات ومقاربات المؤسسات المالية وبعض المحللين الماليين، وهي التحليلات التي تنشغل، في العادة، بمظاهر الأشياء وتتجنب الغوص في عمق المشكلات.

    هذه المقاربة تفسر الأزمة إذن من خلال تمظهراتها. ويبدو الأمر هنا كما لو أن ما حدث ناجم عن مجرد " أخطاء شخصية " أو " ممارسات غير صحيحة للمدراء التنفيذيين الجشعين في المصارف" أو " أخطاء ارتكبها الاحتياطي الفدراليّ ومصارف مركزيّة أخرى " أو " فشل المصارف المركزية في (تنظيم) البنوك وبيوت الاستثمار " ..الخ.

    ودون التقليل من الأدوار التي لعبها المدراء الكبار، والخلل في أدوات الضبط والمراقبة المصرفية ، وما ذكر من أسباب إضافية، إلا أن نقطة ضعف هذه المدخل تكمن في انه يركز البحث عن " أكباش فداء " ممثلين بالأشخاص المسؤولين أو المصارف بدلا من طرح الأسئلة حول النظام الرأسمالي ذاته وآلياته التي أتاحت المجال لهؤلاء الأفراد ولهذه المؤسسات واسعا لتحقيق القانون الاقتصادي للرأسمالي (تحقيق أقصى الأرباح) دون إعارة الاعتبار لأية قضايا وتداعيات أخرى.

    2. وبالمقابل هناك من يقر بالأزمة ولكن مع بذل الجهد لـ " تحميل مسؤولياتها " للآخرين مع ربط الأمر بالدعوات لـ " ترشيد الرأسمالية ".

    أدى عمق الأزمة المالية، وحدّتها، وطابعها العاصف الى اهتزاز الكثير من القناعات والمسلمات التي كانت تشكل " اسمنت " النظام الرأسمالي. فقد تساقطت فرضيات كانت بمثابة الإنجيل الاقتصادي والأخلاقي لدى صقور الليبرالية الجديدة. ولاحتواء التداعيات الناجمة عن الأزمة لاحظنا خلال الفترة الأخيرة تصاعد الدعوات لـ " ترشيد الرأسمالية وتجديد قواعد انتظام وضبط نشاطها "، بحسب ما صرح به العديد من صناع القرار في المراكز الرأسمالية، ومن بينهم مثلا الرئيس الفرنسي (نيكولا ساركوزي).

    هكذا إذن تقوم هذه المقاربة الأيديولوجية على استعراض نوع من الصحوة الأخلاقية. غير أننا لو دفعنا هذه المقاربة إلى نهايتها المنطقية لتبين أنها تحوم في الواقع حول تحقيق هدف ابعد هو تجنب أي قراءة نقدية للعقيدة النيو- ليبرالية التي وضعت حرية السوق والمضاربة في مصاف المقدس بحيث لا يجوز المس بهما، ناهيك عن انتهاكهما، والتي أدت الى النتائج الكارثية الحالية.

    هكذا يمكن ملاحظة أن ما كتب سابقا عن " النموذج الأميركي النيو – ليبرالي " المستند إلى تقليص دور الدولة وتحرير السوق والتخفيف من الضوابط... الخ، يطرح الآن دعوات حتى في داخل المعسكر نفسه تدعو إلى " ضرورة ترشيد الرأسمالية وتجديد قواعد انتظام وضبط نشاطها ".

    وهكذا فإن هذه المقاربة بدلا من أن تقدم رؤية حقيقية للمشكلة نراها تركض لاهثة لرفد العقيدة النيو - ليبرالية بمسوغات فكرية وإيديولوجية تبرر ما حدث ولا تكلف نفسها بطرح السؤال الأهم: لماذا حدث الانهيار، وما هي أسبابه الفعلية؟، وهو ما دفع بأحد الكتاب إلى القول أن هذه المقاربة تسعى لإيجاد " وصفة لا يموت فيها، أو بموجبها، الذئب ولا يفنى الغنم " هذه الوصفة يغلب عليها بطبيعة الحال، وفي مناخ الإيديولوجية النيو - ليبرالية الزاحفة منذ مطلع الثمانينات، " الطابع الأخلاقي ".

    نحن هنا، إذن، أمام مقاربة هي في جوهرها تحاول أن تمنع (أو على الأقل تؤجل) أي مراجعة نقدية لجملة الشروط التي أوصلت الرأسمالية المعولمة، في مرحلة تطورها الراهن، إلى الأزمة الحالية، والتي أجازت طوال سنوات لمضاربين لاهثين وراء الربح السريع أن يحصدوا جوائز مالية بسرعة فلكية وبأحجام كبيرة غير عابهين بمصائر ملايين الناس من عملاء للمصارف ومتقاعدين ومستثمرين في أسواق الأسهم والسندات وغيرها من المؤسسات المالية.


    المقاربة الثانية: المقاربة الاقتصادية – السياسية:

    بداية، لا بد من الإشارة الى ان ثمة أبعاد مترابطة للأزمة المالية العالمية، إذ لا يمكن فهم هذه الأزمة ووضعها في سياقها الصحيح من دون اعتماد مقاربة مركبة تشخص أبعاد الأزمة وبالتالي تحديد القوى المسؤولة عن هذا الوضع وانفجاره في أزمة عميقة وما تحمله من مخاطر وتحديات ليس فقط اقتصادية بل جيو– سياسية عالمية البعد.

    تنطلق هذه المقاربة من محاولته التعرف على الأسباب الحقيقية للازمة، من خلال تحليل طور الإنتاج والتغيرات الجارية في البنية الإنتاجية للاقتصاد الرأسمالي. ومن خلال تحليل هذا الطور يمكن تعميم النتائج المتحصل عليها، وتستخدم كأداة معرفية – تحليلية لدراسة التطورات في مجال التداول وبحث العلاقات ذات الطابع الجدلي العام، ليتم الوصول، في نهاية الأمر، الى تشخيص الأزمة المندلعة بأنها أزمة بنيوية الطابعStructural.

    غير أنه من المفيد التذكير بأنه وارتباطا بعولمة الحياة الاقتصادية فان الأمر يحتاج إلى أن يُدخَل في التحليل المظاهر الجديدة في تدويل عملية إعادة الإنتاج الرأسمالية، والدور المتعاظم للرأسمال المالي والوهمي وللشركات الاحتكارية الدولية النشاط في الاقتصاد الرأسمالي، والأسواق المالية وما تشهده من " تذبذبات ".

    والمفتاح في فهم هذه الإشكالية هو أن الفائض النسبي في تراكم رأس المال النقدي يفوق بنسبة متزايدة التوظيفات المباشرة في " رأس المال المنتج " أي تلك المؤسسات التي تنتج القيم المادية وتنتج فائض القيمة. هكذا إذن ينمو رأس المال المالي، بما في ذلك رأس المال الوهمي والمضارب، وتتعاظم مواقع المؤسسات المالية والنقدية بما فيها البورصات والبنوك العملاقة ذات الطبيعة الاحتكارية، مما يعزز الطبيعة الطفيلية لرأس المال المالي، يقابل ذلك تباطؤ وتائر نمو القطاعات الإنتاجية.

    كانت الحروب تشكل إحدى وسائل تدمير هذا الفائض، عبر رفع الإنفاق العسكري كما عبر الدمار الذي تحدثه، فيعود الطلب إلى الارتفاع مشكّلاً قاطرة النموّ الاقتصادي وتراكما جديدا لرؤوس الأموال بعد إزالة القدرات الإنتاجية المعطلة،هذا ما حصل في الحرب العالمية الثانية التي أخرجت الولايات المتحدة من ما يقارب إحدى عشرة سنة من الركود.

    إن الملاحظات السابقة تتيح الإشارة إلى أن التحليل الصحيح للازمة التي هي موضوع حديثنا (الأسواق المالية العالمية) يستحث أن تُرجع " التذبذبات " الحادة التي عاشتها أسواق المال والبورصات العالمية، على مدى الأسابيع الأخيرة، إلى جملة من الأسباب وليس إلى عامل واحد من جهة. وهي من جهة ثانية ليست نتاج التناقضات الحاصلة في حقل التداول فقط وإنما امتداد لما يعتمل به حقل الإنتاج من تناقضات ظاهرة مرة، ومضمرة مرة أخرى.

    وبالانتقال من المجرد إلى الملموس يمكن الإشارة إلى جملة أسباب تفسر – مجتمعة - الأزمة التي عاشتها الأسواق المالية العالمية خلال الفترة الماضية، من بينها:

    أولا: في البداية، لا بد من الإشارة إلى أن الانهيار لم يبدأ مع أزمة الرهونات العقارية الأمريكية هذا العام، بل بدأ ببطء بشكل انكماش اقتصادي متنامٍ منذ عقدين وأكثر، فينبغي إرجاع القضية إلى السبب- الانكماش الاقتصادي ذاته. بدأت ملامح الركود الاقتصادي منذ فترة متمثلة في:

    - انخفاض وتيرة النمو الاقتصادي.

    - زيادة وتيرة التضخم.

    - العجز المتفاقم في ميزاني التجارة والمدفوعات بسبب الإنفاق العسكري للولايات المتحدة وخصوصا على الحرب في العراق وأفغانستان والتي بلغت تكاليفها حوالي 700 – 800 مليار دولار.

    ثانيا: أدى الانكماش الاقتصادي الأمريكي المشار إليه أعلاه، إلى التباطؤ في وتائر نمو قطاع الإسكان في الولايات المتحدة، فالمشكلات الحادثة على صعيد الرهن العقاري تجد جذورها في الركود الاقتصادي هذا. حيث أشار تقرير مبيعات المنازل (القديمة والحديثة) في الولايات المتحدة إلى تراجع في عدد المنازل المباعة بدأً من حزيران 2007 ولاحقا. فخلال السنوات السابقة كانت هناك حالة من الانتعاش في أرباح الشركات وأسعار المنازل. وكان من بين العوامل التي ساهمت في تحقيق هذا الانتعاش، انخفاض سعر الفائدة، مما أدى إلى انخفاض تكلفة الاقتراض بالنسبة للأفراد وبالنسبة أيضا للشركات، لتمويل عمليات الاستثمار وشراء العقارات. غير أن الأشهر الأخيرة شهدت ضعفا ملحوظا في أداء الاقتصاد الأمريكي وبالتالي بروز مشكلات في سوق القروض العقارية الأمريكية مما أثار مخاوف المستثمرين. وقد أدى هذا الوضع إلى اهتزاز أسواق المال والبورصات العالمية نتيجة مخاوف من أن تنتقل المشكلات التي يعاني منها القطاع العقاري الأمريكي إلى بقية أسواق العالم. وارتباطا بذلك حلّت تلك اللحظة التي بدا فيها أن عهد القروض الرخيصة قد ولى. بيد أن ضعف الاقتصاد الشامل الذي تعاني منه الولايات المتحدة الآن يرجع إلى ما هو أبعد من العجز في الإمدادات من أرصدة الائتمان من خلال ما يلي:

    - هبوط أسعار المساكن يؤدي إلى تقلص مداخيل الأسر الأمريكية، وبالتالي انكماش الإنفاق الاستهلاكي.

    - كما يؤدي انخفاض معدلات تشغيل العمالة إلى تقلص الأجور والدخول.

    - ومع ارتفاع أسعار الغذاء والطاقة تتقلص الدخول الحقيقية.

    - فضلاً عن ذلك فإن انتقال آثار انحدار النشاط الاقتصادي في الولايات المتحدة الى بقية أنحاء العالم يعني انخفاض الطلب على صادرات هذا البلد، وبالتالي تعمق الركود الاقتصادي على الصعيد العالمي والأمريكي بكل ما يحمله من آثار سلبية.

    ثالثا: تحول الاقتصاد العالمي في ظل الرأسمالية المعولمة من اقتصاد حقيقي إلى اقتصاد رمزي، أي من اقتصاد قائم على الإنتاج والاستثمار والعمل إلى اقتصاد وهمي قائم على المضاربات المالية وكل ما يرتبط بها من نشاطات. ربما هذه هي واحدة من أهم القضايا التي ينبغي تسليط الضوء عليها لتفسير الأزمة المالية الراهنة. فقد خفّض ذلك من قدرة الرأسماليّة على الاستثمار في تكنولوجيا جديدة من أجل دفع النمو الاقتصاديّ، وكانت العمليّة خلق رأسمال خياليّ، وهمي.

    لقد تحررت الأموال الى حد بعيد من الالتصاق بقطاعات الاقتصاد الحقيقي، وخلقت فضاء خاصا تدور فيه، بحيث تستند الى قطاعات الاقتصاد الحقيقي وتسيطر عليها وتعرضها للكثير من المخاطر. واستطاعت هذه البنية المالية الفوقية أن تؤمن لرؤوس الأموال الموظفة فيها، في صناديق التحوط خاصة، وفي إطار المضاربات، معدلات مرتفعة من الربح. ففي الوقت الذي تدنى فيه مردود التوظيفات الرأسمالية في قطاع الصناعة إلى حوالي 6%، كان مردود صناديق التحوط يتجاوز الـ 20% وأصبح ارتفاع أسعار الأسهم أهم بكثير من مردودها بالنسبة للبنية المالية المضاربة. وارتفعت أسعار الأسهم في أسواق المال من معدلاتها التاريخية التي لا تتجاوز خمسة عشر ضعف المردود إلى أكثر من 45 ضعف المردود، وتم تحقيق الأرباح ليس من مردود السهم بل من ارتفاع ثمنه في السوق المالية نتيجة المضاربات والترفيع. وهذا درس مهم يفسر لماذا حصلت الأزمة وفي مقدمتها أزمة/فقاعة الرهن العقاري

    . فالفقاعات لا تنمو بالصدفة في السوق، بل يتم تكوينها وتنميتها لأسباب موضوعية ولخدمة رؤوس الأموال الباحثة عن مخارج وساحات وأدوات مالية لتنمية أرباحها ودفع أزماتها البنيوية إلى الأمام، فتتراكم ثم لا بد من أن تنفجر.

    ويمكن الاستنتاج إذن بان أزمة الرهن العقاري، باعتبارها إحدى تجليات الأزمة المالية، ما هي إلا تمظهر للازمة المشتعلة على نار هادئة في حقل الإنتاج من خلال ما حصل من انحراف كبير في الموارد. هكذا إذن بدلا من خلق التراكم الرأسمالي المطلوب في قطاعات منتجة تم الانحراف نحو خلق رأسمال خيالي/وهمي لا يخلق ثروات حقيقية. فخلال الانتعاش الحاصل في العشرين سنة الماضية، انتفخ قطاع الخدمات الماليّة بطريقة خطرة. فمثلا في عام 1979، كان ما يزيد قليلاً عن (5) ملايين أميركي يمتلكون أسهما، أما الآن، وبعد مرور ثلاثين عاماً تقريبا، ارتفع هذا العدد إلى ما يقرب من (60) مليون شخص (حوالي 12 مرّة)، وان ما يدور في البورصات هو كتلة نقدية تعادل (1.5) ترليون دولار يومياًً.

    رابعا: انعدام التناسب بين الكتلة السلعية والكتلة النقدية. حيث يقول العديد من كبار الاقتصاديين أن الأمريكيين استطاعوا بأدواتهم، ولاسيما البورصة، خرق القانون الموضوعي القائل بالتناسب بين الكتلة السلعية والكتلة النقدية. فكما معروف، وبحسب أبسط كتب الاقتصاد السياسي، هناك معادلة بسيطة، فحواها أن أية كتلة نقدية في التداول يجب أن تساوي كتلة السلع المنتجة خلال فترة محددة مقسومة على سرعة دوران النقد خلال الفترة نفسها، وعادة ما تكون الفترة الزمنية سنة واحدة. ولنأخذ الإنتاج العالمي الذي يقدر حسب الأرقام المنشورة بـ (60) تريليون دولار، لكن طريقة الحساب كما يرى بعض الاقتصاديين، وهم على حق، تشير الى القول إن هناك حساباً مكرراً وهناك تضخيم للإنتاج العالمي. وبناءً على ذلك فإن هذا الإنتاج قد يكون بحدود (40) تريليون، مع الأخذ بعين الاعتبار أنه ليس كل الإنتاج العالمي يتم تبادله بالدولار، وهنا لابد من القول إن نصف هذا الإنتاج يجري تبادله بالدولار، وإذا اعتبرنا أن الإنتاج العالمي الذي يخدمه الدولار هو (20) تريليون فمن المؤكد أن سرعة دوران النقد هي أعلى من واحد، وإذا كانت كذلك فإن المعادلة تحتم أن تكون كتلة النقد في التداول أقل من كتلة السلع المنتجة خلال الفترة الزمنية المحددة. فإذا كان لدينا (20) تريليون دولار من الإنتاج الحقيقي فيجب أن يكون لدينا أقل من (20) تريليون دولار للاستخدام، لكن الأرقام تقول بأنه منذ 1995 فاقت الكتلة الدولارية المطروحة للتداول (300) تريليون، والأرقام الجديدة التي نشرت بعد اندلاع الأزمة فجّرت مفاجأة ضخمة حين أكدت على أن الكتلة الدولارية بلغت حدود (700) تريليون، في حين يجب أن تكون الكتلة النقدية أقل من واحد أي أقل من (20) تريليون، أي لدينا (35) ضعفاً مما هو مطلوب من حجم الكتلة النقدية الدولارية الدائرة في العالم اليوم.

    خامسا: التحولات التي شهدتها أنظمة البورصة العالمية وآثارها. نظام البورصة العالمي الذي نراه اليوم لم يكن تاريخياً بهذا الشكل. فقد تكوّن الشكل الحالي للبورصة عام 1995 حين حوت البورصة مبادلات تعكس حجم مضاربة واسع جداً، وكان 90 % من مبادلاتها عبارة عن مضاربات مالية، وكانت البورصة قبل ذلك تتشكل بنيتها كالتالي: 90 % مبادلات حقيقية و10 % مضاربات مالية. وهذا التحول الذي شهدته البورصة مكّنها من امتصاص جزء كبير من الكتلة النقدية الدائرة حول العالم. وإذا كان الناتج العالمي يبلغ (40) تريليوناً، فإن الذي يدور في البورصات هو كتلة نقدية تعادل (1.5) تريليون دولار يومياً أي حوالي (500) تريليون سنوياً. وبما أن ضخ النقد لا يوقف هذا العملية وهذا الضخ هو عملياً طريقة لإعادة توزيع الثروة لمصلحة الأغنياء والشركات الكبرى، فهذه الكتلة/الفقاعة كانت ستنفجر عند لحظة معينة، وإذا كان الحديث منذ ستة شهور يدور حول زوال إمكانية إيقاف انفجار الفقاعة المالية بمجرد تجاوزها نسبة 1/35، فالحقيقة أنه قد تم تجاوز هذه النسبة منذ فترة، وكل ما يظهر على السطح الآن ما هو إلاّ ارتدادات الانفجار، وقد كانت المؤسسات الأمريكية الرأسمالية الكبرى واعية لحجم هذا الخطر واستطاعت أن تحتوي الأزمة عبر البورصة بين 1995 و2000. وبحسب الاقتصادي السوري (د. قدري جميل)، كان الخروج إلى الحرب ضد الإرهاب عام 2001 مجرد ضربة استباقية للأزمة الاقتصادية التي نرى تداعياتها اليوم. هل سيتكرر المشهد؟ بالعودة الى حركة التاريخ الفعلية يتبين انه في الأزمات ذات الحجم الكبير كان الحل دائماً عسكرياً واتخذ صيغا مختلفة.

    وخلاصة القول، إن الأزمة التي شهدتها الأسواق المالية العالمية أخيرا هي واحدة من تجليات ظاهرية لأزمة كانت ولا تزال تعتمل في حقل الإنتاج وتتمظهر في " تقلبات وتذبذبات " حادة في حقل التداول تشبه عملية طحن قوية.

    إن " التذبذبات " التي شهدتها تلك الأسواق منذ " الاثنين الأسود " (15/9) أدت، كما أشرنا سابقا، الى محو عدة تريليونات من القيمة الإجمالية السوقية للأسهم العالمية وتبيّن مدى عمق تلك الأزمة. إنها " عاصفة منظفة " حقا وضحاياها كُثر، هذا إضافة الى أن الأسواق ما زالت في مرحلة حساب " قتلاها " بعد " الإعصار " الذي ضرب هذه الأسواق خلال الأسابيع الأخيرة التي تلت انفجار الأزمة المالية في يوم الاثنين الأسود!!


    استنتاجات ودروس من الأزمة: نهاية منظومة من " المسلمات ":

    1. يبدو ان حال الفوضى والاضطراب الاقتصادي التي أثارتها أزمة أسواق المال الأميركية قد وضعت نهاية لايديولوجيا " السوق الحرة " وفرسانها. تؤشر الأزمة الحالية الى "نهاية التاريخ" متمثلا بنهاية " الثورة الريغانية – التانشيرية " التي حملت النيوليبرالية الاقتصادية وسمحت بهيمنة الرأسمالية المالية وكذلك بالحرية المطلقة لآليات السوق، وقضت بشكل كبير على أي دور تدخلي للدولة، واعتبرت هذا الدور عائقا أساسيا أمام النمو والازدهار الاقتصادي. غير ان الرياح جرت بما لا تشتهي السفن كما يقال. فقد بيّن تطور الأحداث ان فكرة القوة المطلقة للأسواق ومنع تقييدها بأي قواعد أو بأي تدخل سياسي، التي تقوم عليها أيديولوجيا الليبرالية الجديدة، كانت فكرة مجنونة كما قال الرئيس الفرنسي (ساركوزي).

    2. ربما سيؤدي الانهيار المالي الى تداعيات تطول الأحادية القطبية الاقتصادية للولايات المتحدة الأميركية، وقد تعجل هذه الأزمة بانتهاء هذه الأحادية، فهناك العديد من التوقعات التي تشير الى أن الولايات المتحدة ستخسر مكانتها كقوة عظمى مهيمنة في النظام المالي العالمي، ويصبح نظاماً متعدد الأقطاب. وهناك أيضا من الدلائل والمؤشرات التي تبين صعود أقطاب اقتصادية قوية مثل الصين وروسيا الاتحادية وألمانيا واليابان سيكون لها دور كبير ومؤثر في صياغة النظام الاقتصادي والمالي الجديد، خصوصاً بعد الضعف الذي انتاب الاقتصاد الأميركي منذ بداية حكم جورج بوش الابن.

    3. بيّن مسار الأحداث الفعلي ان هناك خللا بنيوي تعاني منه المنظومة الرأسماليّة الحاليّة. وهذا الخلل يترجم في شكل انفجار فقّاعات متتاليّة في قطاعات نمت بطريقة مصطنعة، حيث ارتفعت أسعار الأسهم أو المنتجات الماليّة بطريقة لا تتوافق مع منطق مبادئ السوق، ما أدّى في حدّه الأقصى إلى سلوك طريق عودة التوازن ولكن بطريقة دراماتيكية هذه المرة حيث تتجلى الأزمة هنا بأنها " عاصفة منظفة ".

    4. ومن الآثار المباشرة للأزمة آنها هزّت احد اهم مرتكزات الهيمنة الايديولوجية التي فرضتها الليبرالية الجديدة على مدى عدة عقود، حيث اثبتت الأزمة من جديد، أن السوق المنفلتة ليست عقلانية ويمكن أن تقود إلى كوارث ، كما زعزعزت الاعتقاد بعدم وجود بدائل أفضل للنظام الاقتصادي الدولي الراهن، وأعطت دفعاً للمناضلين من اجل بديل يتجاوز للرأسمالية، وبدرجات مختلفة من الجذرية. وهكذا جاءت الأزمة لتؤشر الإمكانيات الكبيرة التي يحملها الواقع لتصعيد النضال ولاجتذاب قوى جديدة في الحركة المناهضة للعولمة المتوحشة وللرأسمالية بعد انهيار احد نماذجها.

    5. الأسماك الكبيرة تبتلع الأسماك الصغيرة: اندماجات لاحتواء الأزمة. ففي مواجهة ما حدث يوم الاثنين الأسود وتداعياته، لم يكن خفض العمالة السبيل الوحيد لهروب الشركات من مقصلة الأزمة المالية؛ إذ لجأت الكثير منها للاندماج، أو بيع جزء من أصولها. ووسط أكبر تحولات في صورة القطاع المالي تشهدها الولايات المتحدة منذ الكساد العظيم طفت على السطح أنباء اندماجات من بين أطرافها مثلا مورجان ستانلي ثاني أكبر بنك استثماري أمريكي وبنك الادخار (واشنطن ميوتيوال) وبنك الإقراض العقاري البريطاني HPOS. وجاءت موجة صفقات الاندماج المحتملة في أعقاب الخطوة المفاجئة التي اتخذها مجلس الاحتياطي الاتحادي (البنك المركزي الأمريكي) بتقديم قرض استثنائي بقيمة 85 مليار دولار لإنقاذ مجموعة AIG أكبر شركات التأمين في العالم والتي لم يكن لها أثر يذكر في تهدئة المستثمرين. وامتد هوس الاندماج الى قطاعات أخرى من الاقتصاد الأمريكي وخصوصا القطاعات الإنتاجية. فعلى سبيل المثال لا الحصر دخلت "جنرال موتورز" إحدى كبريات الشركات الأمريكية والعالمية في صناعة السيارات، في محادثات مع شركة " كرايسلر" ، المنافسة الأصغر، بشأن عملية اندماج ستوحد الشركتين الأولى والثالثة لصناعة السيارات في الولايات المتحدة.

    6. ثمة مقارنة تعيد إلى الأذهان التشبيه المكثّف بين الأزمة الحاليّة وأزمة " الكساد العظيم "، التي ضربت البورصات في نهاية العقد العشرينات من القرن الماضي، والتي أدّت تفاعلاتها، وبينها ارتفاع وتيرة تطبيق الإجراءات الحمائيّة، إلى انتشار حركات التطرّف في أوروبا (الفاشيّة) وإلى اندلاع الحرب العالميّة الثانية. والسؤال الذي يشغل الذهن الآن: ما الذي ستفرزه الأزمة الحالية بكل أبعادها العميقة؟ ما هي الردود السياسية التي ستأتي بها الحركات الاجتماعية للنتائج الفوضوية الناجمة عن هذه الأزمة؟ هل ستكون شعبوية جديدة رجعية، أم يسارية راديكالية؟ فمن المؤكد ان بنى النظام المستقبلي والصيغة التي سيتخذها متوقفة على الأجوبة التي تأتى بها هذه الحركات. وهذه الأسئلة ستجيب عليها قوادم الأيام.

    7.أدى تشابك العلاقات الاقتصادية والمالية عالميا بنتيجة عولمة الحياة الاقتصادية بطبعتها الرأسمالية، الى ان تتحول "الأزمة الوطنية" التي انفجرت في الولايات المتحدة الأمريكية الى "أزمة عالمية" تجتاح مختلف البلدان الرأسمالية وخاصة البلدان الصناعية المتطورة. فالانهيارات التي طالت بورصة (وول ستريت) في أمريكا رافقتها على الفور بروز أزمة في مختلف بورصات العالم الأخرى. كما ان انخفاض وانهيار أسعار الأسهم أدى رأسا الى انخفاض سعر صرف الدولار مما أدى أيضا الى انخفاض سعر برميل النفط في السوق العالمية. ولهذا، فإنه وبدون إصلاح جذري للازمة المالية مبني على التعددية القطبية في شتى المجالات، في ظل طابع عولمة أكثر عدالة من الطابع الوحشي التمييزي القائم للعولمة بطبعتها الرأسمالية المتوحشة، بدون ذلك فان العالم سيبقى ضحية معاناة من الأزمات الدورية المختلفة التي تندلع في قلاع راس المال في حين تدفع البشرية كلها تكاليف ذلك.

    8. يوجد اعتقاد عند البعض بأن الرأسمالية قادرة على إدارة الأزمة الراهنة بالمنطق الرأسمالي من خلال إيجاد مخارج لأزماتها عبر تغيير المسارات التي تسلكها، فتنتقل من تهميش دور الدولة إذا تعارض مع المصالح الحيوية القائمة على التمدد، الى استدعاء الدولة لإنقاذها. وقد ينطرح السؤال التالي: لماذا لا تكون هذه الأزمة هي إحدى الأزمات العابرة التي ضربت الرأسمالية طوال مائة عام واستطاعت الرأسمالية أن تتجاوزها وتجديد نفسها؟ هذا سؤال وجيه، أولا صحيح أن الرأسمالية أفلحت في تجديد نفسها في العديد من المرات والخروج من عنق الزجاجة في المائة سنة الماضية، ولكن الأزمة الراهنة تختلف عن العديد من الأزمات السابقة حتى بالنسبة لأزمة سنة 1929 وفيما بعدها من أزمات وآخرها أزمة دول جنوب شرق آسيا سنة 1997.

    9. ولكن ومنعا للالتباس لا بد من الإشارة الى ان أزمة النظام الرأسمالي الحالية، التي تمظهرت على هيئة أزمة مالية عميقة، لا تعني بالضرورة انهيار الرأسمالية أو العودة الى " الكينزية "، إذ أن الانهيار هذا لا يتوقف فقط على أزمتها بل يتوقف، وهو المهم، على القوى المقابلة لها، القوى النقيض. وهذا يطرح سجالا لا تقدر هذه المساهمة على الدخول في تفاصيله هنا لان ذلك يحتاج إلى معالجة مستقلة.

     
جاري تحميل الصفحة...