1. omar

    omar عضو نجم المنتدى

    Country:
    Algeria
    إنضم إلينا في:
    ‏17 مارس 2015
    المشاركات:
    167
    الإعجابات المتلقاة:
    142
    نقاط الجائزة:
    43
    الجنس:
    ذكر

    Print

    أسس مصطفي كمال أتاتورك دولة تركيا الحديثة في العام 1923 وظل رئيسا لها حتي وفاته في العام 1938. ومنذ تقلده الرئاسة، استهدف أتاتورك التحويل السريع لتركيا من دولة إسلامية وعاصمة للخلافة إلي دولة علمانية حديثة علي النمط الغربي لاعتقاده بأن الإسلام سبب تخلف بلده وان العلمانية هي العصا السحرية التي ستجعل تركيا دولة أوروبية حديثة. وتمشيا مع هذا، سنّ البرلمان (الذي تمتع فيه حزبه بالأغلبية) عدة تشريعات جريئة متسارعة تتعلق بنظام التعليم والنظام القانوني. وبذلك، تم إلغاء التوجه الديني في التعليم، الأمر الذي تطلب تجديد المناهج وإدخال مواد جديدة للتدريس، والتخلص من المعلمين ذوي الميول الدينية واستبدالهم بذوي التوجهات العلمانية. كذلك، ألغي أتاتورك المحاكم الدينية (إسلامية ومسيحية ويهودية) وأقام محاكم علمانية تعتمد القوانين الغربية وبخاصة السويسرية.

    ومن التغيرات الأساسية التي أدخلها أتاتورك علي القوانين: إلغاء تعدد الزوجات، ومساواة المرأة بالرجل وبخاصة في مجالات الإرث وإجراءات الطلاق والانتخابات البرلمانية. كما استبدل الأحد بالجمعة كعطلة رسمية، وألغي التقويم الهجري واعتمد الميلادي، واستعاض عن الأحرف العربية التي كانت تتشكل منها اللغة التركية بالأحرف اللاتينية. وقد دل هذا علي تصميمه بنقل تركيا إلي محيط مختلف وإبعادها عن محيطها الثقافي الإسلامي. وعلي صعيد متمم ، نقل العاصمة إلي انقرة بدلا من استنبول عاصمة العثمانيين والخلافة الإسلامية. وكتتويج لتغييراته، عمد أتاتورك وأنصاره في العام (1924) إلي إلغاء الخلافة التي بقيت أربعة قرون محصورة في السلاطين العثمانيين مما أدي إلي فقدان المسلمين لقيادة روحية لأول مرة في تاريخهم . وانسحاب تركيا ـ الوريث الشرعي للإمبراطورية العثمانية ـ من دورها كدولة قائدة للعالم الإسلامي يعكس التغيير الكبير الذي طرأ في العلاقة بين الحكومة والإسلام. وبينما شكل الإسلام هوية رعايا الإمبراطورية العثمانية أصبحت العلمانية، بفعل سياسات اتاتورك، هوية الدولة التركية.

    لم يتورع أتاتورك ومناصروه عن فرض ما هو أبعد من العلمانية علي المجتمع التركي! فقد اعتبروا أن الإسلام لا يتناسب مع معتقدات العصر، بل أكدوا أنه مناقض للعلم الحديث والمدنية التي تعني بنظرهم ثقافة عقلانية وعلمانية. أما التحول للعلمانية، فلم يتم بطريقة تدريجية كما في الغرب، بل فرض فرضا وبفترة قياسية، في وقت كانت جميع مناحي الحياة في الإمبراطورية العثمانية ـ علي الأقل من الناحية النظرية ـ تحكمها الشريعة الإسلامية، وكانت المؤسسات الدينية السنية في صلب الدولة لمئات السنين. وتجدر الإشارة إلي أن القوانين العلمانية التي فرضها أتاتورك اشتملت علي إلغاء المدارس الصوفية. كما أنه ألغي القوانين المستمدة من الشريعة الإسلامية واستبدلها بتلك ألمستمدة من القوانين الأوروبية. بل فرض قيودا علي اللباس والطقس الديني: منع لبس الطربوش (غطاء الرأس التقليدي لدي الأتراك) وألغي حجاب المرأة، ومحاولة تتريك لغة الإسلام واستخدام كلمات تركية لرفع الأذان، مكملا مساعيه بتحريم بناء الجوامع الجديدة محولا الجوامع الموجودة إلي استخدامات أخري.

    علمانية أتاتورك
    مولده:
    ولد مصطفى علي رضا في 19 مايو 1881م في مدينة سالونيك اليونانية، والتي كانت تابعة للدولة العثمانية وقتئذ، وحينما التحق بالمدرسة العسكرية أظهر نبوغًا دراسيًّا، دفع أحد أساتذته أن يطلق عليه اسم "كمال"، بينا اسم "أتاتورك" يعني أبو الأتراك، وقد أُطلق عليه أيضًا اسم الذئب الأغبر، وهو اسم على مسمى.
    نشأته ومراحل حياته:
    نشأ أتاتورك في بداية حياته في مدرسة من المدارس الدينية المنتشرة في أرجاء السلطنة العثمانية وقتئذ، ولكنه التحق بعدها بمدرسة أخرى، ثم بالمدرسة العسكرية العليا عام 1893م.
    وفي عام 1905م تخرج مصطفى كمال في الكلية العسكرية في إسطنبول برتبة نقيب أركان حرب وأُرسل إلى دمشق حيث بدأ مع العديد من زملائه بإنشاء خلية سرية أطلق عليها اسم "الوطن والحرية" لمحاربة الخلافة الإسلامية متمثلة في السلطنة العثمانية.
    ولكنه اختار في الوقت ذاته أسلوبًا ماكرًا لكسب قلوب الناس واستمالتهم إليه، فاجتهد في الحصول على الترقيات وأنواط الشرف وأوسمة النصر كقائد من قواد الجيش العثماني، وذلك أمام بطولاته في كافة أركان الامبراطورية العثمانية بما فيها ألبانيا وليبيا، كما خدم فترة قصيرة كضابط أركان حرب في سالونيك وإسطنبول وكملحق عسكري في صوفيا.

    أتاتورك ومسيرة الخداع العسكري:
    واجتهد أتاتورك في تكملة مسيرة الكذب والخداع، فعندما شُنَّت حملة الدردنيل عام 1915م، أصبح الكولونيل مصطفى كمال بطلًا وطنيًّا عندما حقق انتصارات متلاحقة وأخيرًا رد الغزاة ورُقِّي إلى رتبة جنرال عام 1916م وهو لا يبلغ من العمر سوى 35 سنة.

    وفي نفس السنة قام بتحرير مقاطعتين رئيستين في شرق أنطاليا، وفي السنتين التاليتين خدم كقائد للعديد من الجيوش العثمانية في فلسطين وحلب وحقق نصرًا رئيسيًّا آخر عندما أوقف تقدم أعداء العثمانين عند حلب.
    وفي 19 مايو 1919م، نزل مصطفى كمال في ميناء البحر الأسود سامسون لبدء حرب أسماها "حرب الاستقلال"، وهي في الحقيقة كانت المرة الأولى التي يسفر فيها أتاتورك عن وجهه الحقيقي، ويكشف النقاب عن مخططه الخبيث، حيث أعلن الحرب على الخلافة الإسلامية وفي تحدي لحكومة السلطان نظم جيش التحرير في الأناضول، ونتيجة لذلك وفي 23 ابريل 1920م تأسس مجلس الأمة الكبير وانتخب مصطفى كمال لرئاسته، وتم ترقيته إلى رتبة مارشال.

    الصحف الإسلامية


    بالمقابل، جوبهت إجراءات اتاتورك العلمانية بمقاومة سلبية وبخاصة في المناطق الريفية حيث شكل الريفيون ثلاثة أرباع سكان البلاد. فإذا كانت الإجراءات العلمانية حققت نجاحا وتطبيقا في المدن، فإن تأثيرها في الأرياف والقري فشل حيث ظلت المدارس والمحاكم تمارس نشاطها المألوف حسب التعاليم الإسلامية. وكان واضحا أنه كلما كانت القرية اصغر كان تأثرها بالإجراءات الجديدة أقل. ويعود ذلك إلي تفشي الأمية حيث لم يكن من الممكن قراءة الصحف الحكومية وبخاصة المكتوبة بالأحرف اللاتينية الجديدة. ثم إن عدم وجود الكهرباء حال دون التأثر بالدعاية الحكومية الخاصة بالترويج للإجراءات الجديدة. كذلك، فإن أحزابا وقوي إسلامية قديمة وجديدة استمرت في مزاولة نشاطها ولو بطريقة سرية وبخاصة جماعة الأخوان المسلمين. بل إن عودة الإسلام إلي الحياة السياسية التركية جاء نتيجة لخطوات التحديث (العلمانية) الكبيرة والسريعة التي قام بها أتاتورك إذ لم يكن بمقدوره، أو الذين جاءوا من بعده، إعادة بناء تركيا علي النمط الغربي دون الأخذ بالنظام السياسي الديمقراطي في الغرب (تداول السلطة، انتخابات حرة، ونظام متعدد الأحزاب). فبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، ونتيجة لضغوطات داخلية وأخري من الحليف الأكبر الولايات المتحدة، شهدت تركيا أول انتخابات برلمانية قائمة علي تعدد الأحزاب في 1946. وفي الانتخابات الثانية التي أجريت في 1950، خسر حزب الشعب الذي أسسه أتاتورك (أصبح لاحقا حزب الشعب الجمهوري) الأغلبية البرلمانية لصالح الحزب الديمقراطي ذي التوجهات الإسلامية الذي استطاع، بفضل انفتاحه علي الناخبين، حكم تركيا لمدة عقد كامل، معيدا الاعتبار إلي بعض التوجهات الإسلامية. فقد أقر إعادة استخدام العربية بدلا من التركية في رفع أذان الصلاة، كما سمح بإذاعة آيات من القرآن عبر الإذاعة الحكومية، وجري تشييد مساجد عديدة جديدة، وترميم جوامع كثيرة، ثم السماح بزيارة المقابر الإسلامية ومزارات كبار علماء المسلمين. وكما هو متوقع، ازدادت الصحوة الإسلامية بالأرياف وزيدت المخصصات لتدريب رجال الدين.

    غير أن المؤسسة العسكرية ـ الوريث الشرعي لحكم أتاتورك ـ لم تستطع البقاء صامتة وساكنة وهي تري انتشار المد الإسلامي، فكان أن تحرك الجيش في 1960 ووضع حدا لحكم الحزب الديمقراطي وأغلق مكاتبه ومنعه من مزاولة نشاطه. وحين سلّم الجيش السلطة إلي حكومة برلمانية منتخبة في 1961 تبعت ذلك فترة من الليبرالية رغم فرض الرقابة الرسمية علي الصحف والمنشورات. ومن جهتهم، وعلي نحو منفصل، ركز الإسلاميون جل اهتمامهم في ثلاثة مجالات رئيسة: التعليم، والنشر، والتنظيم. كما مارسوا ضغطا علي الحكومة لزيادة المخصصات للدروس الإسلامية في المدارس، وقاموا بتوسيع نشر دروس القرآن للبالغين في القري النائية بعيدا عن مراقبة أجهزة الدولة، وجهدوا بطبع وبيع كتب إسلامية قليلة الكلفة وبخاصة كتب السيرة النبوية، وسير الخلفاء الراشدين، والتاريخ الإسلامي والشعائر الإسلامية. ومما رفع درجة الوعي الإسلامي بين المواطنين، ظهور عدد من النشرات والصحف والمجلات التي تزايد توزيعها نتيجة لارتفاع نسبة المتعلمين.

    وعلي صعيد التنظيم، جاء نشاط الإسلاميين علي مستويين اثنين: الأول من خلال جمعيات إسلامية خيرية ازداد عددها كثيرا في زمن قياسي، والثاني من خلال أنشطة سرية. وهذه النشاطات مهدت الطريق لميلاد أول حزب إسلامي في تاريخ الجمهورية التركية. ورغم أن الدستور منع تشكيل أحزاب ذات توجه ديني، فإن ذلك لم يحل دون تأسيس حزب إسلامي نشط في 1970 تحت اسم حزب النظام الوطني . وقد عمد الحزب إلي افتتاح فروع له في مختلف أنحاء تركيا وبخاصة في القري وبين الأوساط الدينية. ولقد كانت طبيعة التوجه الإسلامي للحزب واضحة للعيان بالرغم من تأكيده المستمر، في برامجه وخطب مسؤوليه، علي التوجه الديمقراطي الموحي بالليبرالية الغربية. فلم يخف الحزب مناصرته للقيم الروحية حيث دعا إلي حرية العقيدة . ومن دون أن يذكر العلمانية صراحة، رفض أي نوع من التوجهات التي قد يفهم منها أنها مناهضة للإسلام. وللمرة الثانية اضطر الجيش إلي التدخل الانقلابي معلنا حل الحزب في العام 1971 بدعوي أنه كان يسعي إلي إقامة نظام ديني في تركيا. وبذلك، انتهت مرحلة من التاريخ التركي الحديث.

    في العام 1972، أعاد حزب النظام الوطني تشكيل نفسه مرة أخري علي يد مجموعة من السياسيين النشطين في الحزب السابق لكنهم عملوا، هذه المرة، تحت اسم حزب الخلاص الوطني . وقد ظل هذا الحزب يمارس نشاطه لمدة إحدي عشرة سنة بنجاح كبير. وفي 1973، خاض الانتخابات البرلمانية لأول مرة محققا نتائج باهرة إذ حصل علي ما نسبته (11.8%) من مجموع أصوات الناخبين فاحتل (48) مقعدا (من أصل 450) في الجمعية الوطنية (البرلمان) الأمر الذي جعله ثالث اكبر مجموعة برلمانية بعد الحزبين الكبيرين (حزب الشعب الجمهوري، وحزب العدالة أو الديمقراطي سابقا). ومن المرجح أن سبب نجاح هذا الحزب في الانتخابات يرجع إلي التكتيكات المختلفة التي كان يستخدمها: فهو تارة يستفيد من رجال الدين للدعاية له من علي منابر المساجد (مما شكل تحديا للسلطة)، وتارة ثانية يستخدم لغة بسيطة معبرة (مخاطبا الطبقات المستاءة من الوضع) حيث استخدم خطابا إسلاميا ممزوجا بنقد لاذع للأوضاع الاقتصادية الصعبة متوجها بخاصة إلي الطبقات المسحوقة من الشعب التركي. لقد كان خطابه مباشرا واضحا إذ خاطب المسلمين باللغة التي يحبونها واعدا إياهم بإعادة الاحترام للإسلام وتعاليمه، مؤملا المسحوقين بالتغيير وإصلاح النظامين الاقتصادي والسياسي، الأمر الذي أكسبه ثقة الناخبين المتدينين والفقراء علي حد سواء. وفي كل هذا، كان هدف حزب الخلاص الوطني هو العودة إلي الإسلام ليتبوأ ذلك الدين مكانته في الدولة والمجتمع كما كان في الحياة التركية. ولكي يتجنب الحزب أي إجراءات قانونية قد تتخذها الدولة ضده (كما جري لحزب النظام الوطني في 1971) ركز علي الأخلاق الحميدة والفضيلة في المجتمع مذكرا بالتقاليد العريقة والتراث المجيد للأمة التركية متجنبا أي دعاية دينية مباشرة، مثلما ركز علي ضرورة إصلاح الوضع الاقتصادي وتخفيف العبء عن كاهل الطبقات الفقيرة.

    تشكلت القيادة العليا للحزب من مجموعة من المحامين والخبراء الفنيين بزعامة نجم الدين اربكان. وهذا الأخير أستاذ جامعي، متخصص في تكنولوجيا المحركات، ومن خريجي الجامعات الألمانية. ولعل من المفيد الإشارة إلي أن أربكان ولد سنة 1926 ودرس في جامعة اسطنبول ثم انخرط، بعد تخرجه، في العمل السياسي، مترشحا في العام 1969 للانتخابات فحصد من الأصوات ثلاثة أضعاف ما يؤهله ليصبح عضوا في المجلس الوطني عن مقاطعة كونيا المحافظة دينيا. وفي العام 1976، أصبح حزب الخلاص الوطني ثالث أكبر الأحزاب في البرلمان (المجلس الوطني) الأمر الذي أهله للاشتراك في حكومة ائتلافية مع أي من الحزبين الكبيرين الآخرين (حزب الشعب الجمهوري وحزب العدالة). وبالفعل، ائتلف لهذه الغاية مرتين: ففي المرة الأولي، شكل حكومة مع حزب الشعب، وفي الثانية مع حزب العدالة. وتقلد اربكان منصب نائب رئيس الوزراء واسندت إلي أنصاره بعض الوزارات الأخري الحساسة وبخاصة وزارة الاقتصاد. وكما كان متوقعا، اغتنم وزراء الحزب مناصبهم لإلغاء بعض القوانين العلمانية التي فرضها أتاتورك علي الدولة قبل حوالي نصف قرن (مثل إعادة يوم الجمعة كعطلة رسمية أسبوعية بدلا من الأحد، وزيادة ساعات بث البرامج الدينية عبر الإذاعة الرسمية، وتحريم القمار، وتعاطي أو بيع المشروبات الكحولية).




    المؤسسة العسكرية:

    أثارت هذه الإجراءات مخاوف بعض الدوائر العلمانية في تركيا. ومع هبوط تمثيل الحزب في الانتخابات اللاحقة للمجلس الوطني إلي 24 نائبا فقط، تدخلت المؤسسة العسكرية ـ المكلفة بحماية العلمانية ـ مرة أخري وتم إغلاق مقرات جميع الأحزاب، وحكم الجيش البلاد منفردا لفترة ثلاث سنين، عاد بعدها وسلم السلطة إلي المدنيين بعد انتخابات برلمانية جرت في العام 1983.

    خلال الثمانينات، أعاد عدد من الأحزاب القديمة تشكيل الذات تحت مسميات جديدة. ومن ضمن هذه الأحزاب كان حزب الخلاص الوطني الذي أعاد تشكيل نفسه بزعامة اربكان ولكن تحت اسم جديد هو حزب الرفاه ! لقد شمل التغيير الاسم فقط أما الأهداف فظلت كما هي دون تغيير وظل قادته هم أنفسهم. ولأنه جري تعديل الدستور التركي في العام 1982، بحيث أصبح لا يحق للحزب الذي يتحصل علي أقل من 10% من مجموع الأصوات دخول الجمعية الوطنية، انجبر حزب الرفاه الجديد علي التحالف مع حزب آخر ونجح سنة 1991 في الحصول علي (43) مقعدا من أصل (450) مقعدا تتشكل منها الجمعية العمومية. ونتيجة لهذا النجاح، قرر الحزب خوض انتخابات 1995 بمفرده وحصل علي (21.5%) من مجموع الأصوات التي تمثل (158) مقعدا. وفي الانتخابات الفرعية (1985) حصل الحزب علي ما نسبته (30.4%) من الأصوات. وبذلك، باءت بالفشل جميع المحاولات لتشكيل الحكومة الجديدة بدون اشتراك حزب الرفاه فيها. وفي العام 1996، دعي الحزب لتشكيل الحكومة التركية الجديدة بالمشاركة مع أحزاب أخري فكان نصيبه (19) وزيرا بمن فيهم أربكان نفسه و(18) وزيرا من حزب الطريق القويم (وريث حزب العدالة المحظور).

    لقد شكل انتصار أربكان وحزبه (حزب الرفاه) انتصارا لعودة الإسلام إلي الحياة السياسية التركية. ففور انتصاره الكبير، شرع الحزب في تطبيق مبادئه التي طالما دعا إليها، فعمد إلي إغلاق نوادي القمار وغير ذلك من إجراءات داخلية. وعلي الصعيد الخارجي، حاول أربكان التقرب من الدول الإسلامية المجاورة فكانت أول زيارة له إلي إيران حيث وقع عقدا ضخما لاستيراد الغاز الطبيعي منها بقيمة (23) بليون دولار. كما زار ليبيا وحاول الحد من علاقة تركيا بإسرائيل. وكما هو منتظر، أثارت الخطوات الأولي التي قام بها أربكان حفيظة الجيش فأصدرت المحكمة الدستورية في 1997 حكما منعت بموجبه الحزب من ممارسة نشاطه وأمرت بسجن أربكان لمدة خمس سنوات!! وهكذا انتهي مصير حزب إسلامي آخر علي أيدي القوي العلمانية التركية وعلي رأسها المؤسسة العسكرية. إلا أن محاولات إحياء الشعور الديني في تركيا لم تنته فقام أعضاء الحزب في الجمعية الوطنية بتأسيس حزب إسلامي جديد هو حزب العدالة والتنمية من رحم الحزب الأم حزب الرفاه . وكان ذلك مؤشرا إضافيا علي أن محاولات القوي الإسلامية الاستيلاء علي السلطة عن طريق صناديق الاقتراع وليس العنف ستستمر، الأمر الذي أثار ويثير بلا شك مخاوف القوي العلمانية من نجاح تلك القوي، وبالتالي تحويل تركيا إلي بلد إسلامي معاد للغرب! وتكتمل المفارقة حين ندرك أن تدخل المؤسسة العسكرية لمنع الديمقراطية يوجه دوما ضربة قاسية لمحاولات تركيا المستمرة للانضمام إلي الاتحاد الأوروبي. وبذلك، يبقي صراع ديك القوي العسكرية العلمانية مع ديك القوي المدنية الإسلامية ... صراعا مفتوحا.


    الإسلاميون والتحديات الداخلية:

    رجب طيب أردوغان


    خاض حزب العدالة والتنمية بقيادة رجب أردوغان انتخابات 2002 ولم يمض علي إنشائه سوي فترة قصيرة محققا نتائج باهرة. وتعتبر انتخابات 2002 نقطة تحول في الحياة السياسية التركية بسبب فشل ستة عشر حزبا (من أصل ثمانية عشر خاضت الانتخابات) من تخطي نسبة الحد الأدني البالغة 10% لدخول البرلمان. ومن اللافت للنظر أن الحزب الحديث حصل علي (34.2%) من الأصوات وحصل بالتالي علي (363) مقعدا من مقاعد الجمعية الوطنية البالغة (550) مقعدا، بينما فاز الحزب الثاني (حزب الشعب الجمهوري ـ يسار الوسط) بـ (178) مقعدا، أي ما نسبته (19.4%) من الأصوات. وفي هذا السياق، فإن النجاح الكبير الذي حققه الحزب الإسلامي الوليد (في ظل فشل جميع الأحزاب القديمة) شكل زلزالا أعاد رسم الخريطة السياسية لتركيا. فلأول مرة منذ اعتماد التعددية الحزبية سنة 1946، تمكن حزبان فقط من ملء جميع مقاعد البرلمان وتمكن حزب واحد (حزب العدالة والتنمية) من تشكيل حكومة بمفرده منذ خمسة عشر عاما. أما النتائج الباهرة التي حققها الحزب فتعود إلي خطابه الإسلامي المعتدل مقارنة بما سبقه من أحزاب. فمنذ البداية، أكد الحزب علي احترامه للطبيعة العلمانية للمجتمع التركي، واحترامه للديمقراطية والتعددية، وعلي رغبته في بقاء تركيا عضوا في الحلف الأطلسي، إضافة إلي تأكيده علي العمل سعيا وراء دخول تركيا إلي الاتحاد الأوروبي. والحال كذلك، فإن الانتصار الساحق للتيار الإسلامي المعتدل بزعامة أردوغان خلق مشهدا سياسيا جديدا في تركيا، رغم تحديات كثيرة واجهت القيادة الجديدة بعضها داخلي والبعض الآخر خارجي، فما هي أبرز هذه التحديات؟

    لقد شكل فوز حزب العدالة والتنمية بقيادة أردوغان تحديا حاسما للذات وللآخرين علي الصعيدين الداخلي والخارجي. أما أهم التحديات الداخلية فهي: معالجة الانهيار الاقتصادي: تمر تركيا بأزمة اقتصادية خانقة ذلك أن نسبة التضخم وصلت إلي (35%) مع وجود أكثر من مليوني عاطل عن العمل معظمهم من الشباب. واضطرت تركيا إلي الاستدانة من البنك الدولي بما قيمته (31) مليار دولار. بل أن الأزمة الاقتصادية المتفاقمة كانت العامل الرئيس في سقوط الحكومة السابقة التي لم تعالج الوضع المتدهور . أما المعضلة الثانية التي تواجهها الحكومة فهي: التفاهم مع الجنرالات: فالمؤسسة العسكرية التركية هي حامية النظام الجمهوري العلماني الذي أسسه أتاتورك في عشرينات القرن الماضي. وهناك خطوط حمراء للمؤسسة العسكرية لا يجوز تجاوزها وإلا اضطر الجيش للتدخل كما حدث مرارا. ولكي لا يعيد أردوغان تجربة أربكان مع الجيش (بالرغم من الفارق بالأصوات 34.2% مقابل 21.3% لأربكان) فإنه سعي للتفاهم مبكرا مع الجنرالات. وقد ساعده في ذلك التوجه المعتدل للحزب وكذلك احترامه للعلمانية التركية. ومما أكد نية الجيش الوقوف علي الحياد هذه المرة تصريح قادته بأن النتائج تعكس إرادة الشعب وأنهم سيحترمونها، دون أن يعلم أحد إلي متي سيبقي الجيش علي الحياد وهو يري جذور العلمانية تهتز بقوة، علما بأن ثمة قوي ضاغطة داخلية، وبالذات خارجية، تدفع باتجاه إنجاح تجربة الحزب المعتدل الإسلامي الحاكم، وبالذات إثر قرار البرلمان التركي تمرير الدفعة السابعة من الاصلاحات التي طلب من تركيا تنفيذها قبل البت في دخولها الاتحاد الأوروبي. ولعل أهم هذه المطالب تخفيض سلطة ونفوذ العسكر في الحياة السياسية التركية. كذلك، هنالك تحد إضافي أمام الحكومة التركية قوامه: احترام المبادئ الجمهورية. ذلك أن حزب العدالة والتنمية تعهد ـ إثر فوزه ـ بالتوفيق بين الإسلام ... والعلمنة والديمقراطية. وهذه عملية ليست سهلة، إذ تقع علي أردوغان مسؤولية التوضيح للغرب عن الإسلام المعتدل المؤمن بالديمقراطية الغربية، إضافة إلي صعوبة التوفيق بين العقيدة الإسلامية ومفهومي العلمنة والديمقراطية الغربية، علاوة علي وجود عناصر راديكالية داخل الطرفين يهمها عدم نجاح التجربة!! أما التحدي الداخلي الأخير فيتصل بضرورة التعاطي الإيجابي مع المشكلة الكردية: فحزب العدالة والتنمية يدرك أن من أبرز شروط دخول تركيا الاتحاد الأوروبي: احترام حقوق الأقليات (الأكراد) واحترام الحق بالاختلاف والتعدد ورفض مبدأ الاحتواء والتوحيد القسري واحترام حقوق الإنسان والتنوع الثقافي وذلك بخلاف الموقف الرسمي التركي (السياسي والعسكري) المهتم باتباع سياسة القمع والوحدة القسرية.


    الإسلاميون وأوروبا: تناغم أم تنافر


    أما أهم التحديات الخارجية التي تواجه الحزب فهو دخول تركيا إلي الاتحاد الأوروبي. فقد أعلن الحزب، منذ الأيام الأولي لانتصاره، عن نيته دخول الاتحاد الأوروبي وهو ما يجمعه بحزب الشعب الجمهوري الفائز معه في الانتخابات. والدخول إلي الاتحاد هو أولوية بالنسبة للقيادة التركية الجديدة لاعتبارات النهوض الاقتصادي، علما بأن ذلك الدخول ليس وقفا علي الرغبة التركية فقط! فهناك متطلبات يجب علي تركيا الوفاء بها قبل الانضمام. ومنها: احترام حقوق الأقليات وحقوق الإنسان والحريات السياسية ومشكلة قبرص. وقد وافق الزعماء الأوروبيون، خلال قمة كوبنهاغن الأخيرة، علي توسيع الاتحاد بالموافقة علي ضم عشر دول أخري (معظمها من دول أوروبا الشرقية سابقا) في حين كان مستقبل تركيا الأوروبي أكثر تعقيدا! فبعد سنوات من المماطلة، أصبح الاتحاد الأوروبي ملزم ببدء مفاوضات مع أنقرة بالرغم من أن تركيا منحت وضع الدولة المرشحة للانضمام منذ 1999. وقد اقترحت كل من ألمانيا وفرنسا بدء المفاوضات في تموز (يوليو) 2005 شرط حصول تقييم إيجابي نهاية العام 2004 للتقدم السياسي والاقتصادي في تركيا. ولكن هذه الأخيرة المتلهفة لدخول الاتحاد الأوروبي لا تزال تصر علي الحصول علي موعد ثابت مبكر. وفي هذا الصدد، تلقي تركيا دعما من الولايات المتحدة.

    إن الجدل حول انعكاسات دخول تركيا إلي الاتحاد الأوروبي لا ينتهي إذ أنه سيقلب كثيرا من موازين القوي داخل الاتحاد لأن تركيا ستكون ـ سكانيا ـ ثاني أكبر بلد (بعد ألمانيا) وبالتأكيد ستكون الاولي لاحقا! وهذا يعني أن تركيا سيكون لها أكبر وفد في البرلمان الأوروبي، وبالتالي أكبر عدد من الأعضاء في المجالس الوزارية الأوروبية، وهو أمر يراه فاليري جيسكار ديستان ـ رئيس الاتفاقية حول مستقبل أوروبا ـ بمثابة نهاية الاتحاد وان علي أوروبا أن تبقي ناديا مسيحيا . وفي هذا النطاق، فإن ما يصرح به ديستان بالعلن يؤمن به كثير من الزعماء الأوروبيين وان كانت اللياقة الدبلوماسية تمنعهم من المجاهرة به. ومع ذلك، تبقي المشكلة قائمة! فمن مصلحة أوروبا حماية ظاهرة الاعتدال الإسلامي في تركيا لان مواصلة المماطلة في دخول هذه الأخيرة إلي الاتحاد ستكون له عواقب وخيمة علي الوضع الداخلي التركي، الأمر الذي قد يستغله الجيش للانقضاض ثانية لوأد التجربة الوليدة وخصوصا أن هناك بوادر توتر في العلاقة بين الحزب والمؤسسة العسكرية علي خلفية تعيين بعض الإسلاميين في مناصب حساسة في الدولة، وكذلك القوانين الجديدة التي أقرتها الحكومة التركية واستهدفت السلطات والصلاحيات التاريخية غير العلنية للمؤسسة العسكرية/الأمنية التركية! ويبقي المستقبل ـ كعادته ـ مفتوحا علي التطورات!



     
جاري تحميل الصفحة...
Tags: