1. politics-dz

    politics-dz مدير الموقع إداري politico نجم المنتدى

    Country:
    Algeria
    إنضم إلينا في:
    ‏22 فبراير 2015
    المشاركات:
    3,914
    الإعجابات المتلقاة:
    3,837
    نقاط الجائزة:
    113
    الجنس:
    ذكر
    الإقامة:
    الجزائر
    الصفحة الرئيسية:

    Print

    لا شك أن تحقيق الاندماج الوطنى هو أهم إشكاليات بناء الدولة الوطنية فى إفريقيا منذ الاستقلال، وقد تعمقت أزمة الاندماج الوطنى تحت وطأة عدة أسباب يرتبط بعض منها بالسياسات الاستعمارية التى كانت تتبع سياسة فرق تسد، ومن ثم بذرت الجذور الأولى للفرقة والانقسام داخل هذه المجتمعات، هذا علاوة على أن الاستعمار عشية رحيله كان قد قضى على كل الكيانات الإفريقية التى يمكن أن تكون نواة لدول وطنية متماسكة جغرافيا وديموجرافيا، ومن ثم ظهرت حدود الدول الإفريقية على شكلها الحالى، ولم تراع هذه الحدود المصطنعة العوامل البشرية والسكانية والواقع على الأرض، ومن ثم ضمت هذه الكيانات الجديدة سكانا على درجة كبيرة من الخلافات والانقسامات الإثنية واللغوية والدينية.

    وعندما قامت الدول الوطنية لتنهض بمسئولياتها فإنها قد عجزت عن تبنى مشروعات وطنية يمكن من خلالها أن تُذوب الاختلافات بين هذه المكونات المتعددة، ليس هذا فحسب بل تبنت الأنظمة المتعاقبة سياسات تمييزية ضد الجماعات الأضعف وحرمتها من نصيب عادل من الثروة والسلطة، وهو ما أدى إلى الحديث بعد ذلك عن ظاهرة التهميش ونتج عنه ما يسمى بعلاقة المركز والهامش، ومن ثم لم تجد هذه الجماعات ملجأ سوى العودة إلى الولاءات الأولية الضيقة والانتماءات الجهوية وذلك بالخصم من رصيد الدولة الوطنية.
    ومن ناحية أخرى جاء مفهوم "العولمة" ليضيف تحديات جديدة على الواقع الإفريقى، حيث أسهمت أدواتها والأفكار التى صاحبتها والسياسات التى روجتها إلى تآكل دور الدولة الوطنية وتغير مفهوم السيادة بل انتقص من احتكار الدولة للأدوات الرئيسية اللازمة لممارسة السلطة، مما أسهم فى زيادة حدة أزمة الاندماج الوطنى.
    - "الحالة الإثيوبية"
    يمثل النموذج الإثيوبى حالة خاصة فى معالجة أزمة التعايش السلمى وبناء الدولة القومية فى أفريقيا، لان إثيوبيا وعلى الرغم من أنها دولة تتكون من قوميات متعددة وبها اختلافات ثقافية ودينية ومذهبية وعرقية مختلفة، فإنها سعت للحفاظ على وحدتها وبناء نظام فيدرالى يمكن من خلاله لهذه الجماعات أن تتعايش داخل حدود دولة واحدة.

    فإثيوبيا دولة تزخر بتنوع هائل بين مكوناتها، حيث يتكون شعبها من أكثر من 83 قومية، ولعل هذا الوضع للتعدد العرقى والدينى قاد إلى حتمية وجود تعددية ثقافية ارتكزت إلى ذلك المركب من التعدد العرقى والدينى واللغوى والعادات والتقاليد بجانب تنوع البيئة الطبيعية، ومن ثم نتج تباين واختلاف الثقافات التى تبدو بأنها لا جامع يربطها، لأنها غارقة فى الخصوصية بسبب التباين والتعدد اللغوى الذى جاء مترادفا مع تلك المجموعات العرقية. هذا التعدد العرقى والثقافى نجد صورا أخرى له ترتبط باختلاف الموقع الجغرافى للإثنيات المختلفة ومن ثم تدخل العامل الجغرافى والتضاريس التى تجعل الهضبة الإثيوبية مقسمة بين السهول والمرتفعات الشاهقة ومن ثم اختلاف المناخ المنتج بدوره لتعددية أنماط الإنتاج والعمل بين الزراعى والرعوي. هذا علاوة على التعددية الدينية لإثيوبيا فهناك العديد من التناقضات بشأنها بين الإحصاءات الرسمية الحكومية، مع المصادر الإسلامية حيث تشير المصادر الحكومية إلى تفوق المسيحية على الإسلام بنسبة 61.7% للمسيحية مقابل 32.89% للإسلام و5.41% للأديان الأخرى الوثنية واليهودية. فى حين أن المصادر الإسلامية تضع الأغلبية والتفوق لدى الجانب الإسلامى بنسبة تقترب من 80% وتمنح النسبة المتبقية للمسيحية والديانات الأخرى التقليدية والأقلية الهامشية لليهود الفلاشا، ومن الواضح أن هذه النسب على الجانبين تتسم بالمبالغة والتحيز، حيث تشير بعض الكتابات والمصادر الموضوعية المسيحية والإسلامية إلى وجود أغلبية إسلامية بنسبة تتراوح ما بين 45 إلى 50%.
    - "المعالجة الاثيوبية"

    وفى إطار معالجة تلك المشكلة المعقدة عقب الفترة الانتقالية الأولى ذات السنوات الثلاث والتى أعقبت وصول نظام الجبهة الديمقراطية الثورية لشعوب إثيوبيا التى يقودها ميليس زيناوى إلى الحكم فى عام 1991 على أنقاض نظام منجستو هايلى مريام ذى الطبيعة العسكرية الماركسية، جرى إعلان الدستور الاثيوبى فى 1994 الذى قام على أساس مبدأ فصل الدين عن الدولة وعلى إقامة نظام حكم برلمانى تكون السلطة فيه بيد الحكومة صاحبة الأغلبية فى البرلمان، وتنقسم الهيئة التشريعية التى تسمى المجلس "الاتحادى البرلمانى" إلى مجلسين، هما المجلس الاتحادى ومجلس النواب. حيث يتم انتخاب أعضاء المجلس الاتحادى وعددهم 117 عضوا بواسطة المقاطعات الإثيوبية التسع التى تتكون منها إثيوبيا والتى تم تقسيمها على أساس الانتماءات القومية المعتمدة على الأصول العرقية، بينما ينتخب الشعب 548 نائبًا لمجلس النواب.
    وقد نتجت هذه التطورات عن أن حكومة الشراكة التى تقودها تنظيمات تحالف الجبهة الثورية للشعوب الإثيوبية وجدت نفسها مجبرة على السعى الى محاولة الحد من خطورة الصراعات الناتجة عن التمايزات والتفاوتات العرقية واللغوية والثقافية والدينية، كما أن إقرار الحكومة الإثيوبية للنظام الديمقراطى المرتكز على الفيدرالية العرقية، اتاح فرصة لمكونات كثيرة التعبير عن نفسها، حيث تم الاعتراف أيضا بحق التساوى اللغوي.

    كما ارتكزت المحاولة الاثيوبية لحل مشكلة الاندماج الوطنى والتعايش السلمى فى البيئة الجغرافية الإثيوبية، على السعى لاعتبارها بنية أساسية فى تركيبة وتشكيلة الدولة الإثيوبية، وذلك من خلال تقسيم وحداتها السياسية الداخلية فى إطار التقسيم الإدارى الداخلى للأقاليم التسعة على النحو التالى: التجراى "Tegray "، العفر "Afar"، الأمهرا "Amara"، الأرومو "Oromiya"، صوماليا "Sumale"، بنى شنغول "Benishanghul"، الجنوب "Debub"، جامبيلا "Ganbela"، هرار "Harer". وقد ساعد هذا التشريح البيئى الجغرافى فى تكوين صورة ذهنية واضحة، تصب فى تعميق الأفكار والدلالات وتحديد الأبعاد الحقيقة لجوانب التعايش المبنى على الاعتراف، وإن كان هذا الامر لا يخلو ايضا من مخاطر دفع عملية التمايز بعيدا مما قد ينتج عنه تعميق روح الانفصال والاغتراب عن المكونات الاخرى لإثيوبيا.
    غير أنه يمكن ملاحظة أنه رغم إعلان مبدأ الفيدرالية وعلمانية الدولة طبقا للدستور، فإن هناك مثلثا يسيطر على السلطة يتمثل فى تحالف بين الديانة المسيحية واللغة الأمهرية والقومية المسيطرة فى تحالف ثنائى بين الامهرة والتجراي. وهذا المثلث الذى يعبر عن أقلية عددية يظل هو الحاكم والمسيطر على باقى مكونات الطيف الاثيوبي، حيث ظلت المسيحية الأمهرية أو التجراوية فى صراع دائم مع بقية المكونات العرقية الاخرى التى تمثل هوية أثنية ودينية مختلفة كالأغلبية الإسلامية للأرومو والعفار والصوماليين والهرريين وغيرهم. ومن الواضح أن سيناريوهات ارتباط الدين بالسلطة وتأثير ذلك على المجتمع تعتبر واحدة من المشكلات والمهددات لعملية التعايش والاندماج الوطنى فى إثيوبيا.
    - "السعى إلى بناء الأمة"

    سعى الدستور الإثيوبى إلى استنباط بعض الحلول للتعددية الهائلة ومسألتى الاثنية والدين، وغياب ما يمكن تسميته الوحدة الوطنية الإثيوبية، من خلال النص على إقامة حكومة فيدرالية وديمقراطية ذات نظام ديمقراطى برلمانى ترتكز فيه العملية الفيدرالية على الأساس العرقى واللغة والإدارة، حيث حملت أسماء الولايات الصفة العرقية المعبرة عن الهوية الثقافية والسياسية للقوميات الكبيرة. وبغرض إيجاد صيغة مرضية للتعايش جرى النص على المساواة بين اللغات على أن تكون الأمهرية لغة عمل للحكومة الفيدرالية.
    ولعل اخطر مواد الدستور التى سعت لمعالجة المشكلة العرقية هى المادة 93 التى منحت جميع الأمم والقوميات والشعوب الإثيوبية الحق فى تقرير مصيرها بنفسها بما فى ذلك الانفصال، مع تقييد ذلك بعدد من الإجراءات التى تستوجب تصويت ثلثى أعضاء المجلس التشريعى لصالح الانفصال، مع تعريف محدد لمصطلحات الأمة والقومية والشعب، وهى الفئات التى يحق لها الحصول على حق الانفصال، حيث يجرى بعد ذلك استفتاء خلال 3 سنوات.

    أما فيما يخص المسألة الدينية، فقد قرر الدستور مبدأ فصل الدولة عن الدين، حيث فصل ذلك فى ثلاث فقرات تنص على عدم وجود دين للدولة وعلى عدم تدخل الحكومة فى شئون الدين وعلى ألا تتدخل الأديان فى شئون الدولة. حيث ظهر واضحا أن دستور 1994م يعبر عن حلقة جديدة فى سلم تطور النظام السياسى الإثيوبى الذى بدأ ملكيا ثم تحول إلى النظام الامبرطوري، الذى أعقبه الشمولى العسكرى وأخيرا الديمقراطى البرلمانى الفيدرالي، الذى سعى من خلال تبنى علمانية الدولة، إلى إيجاد مجموع وطنى إثيوبى موحد، تذوب فيه عصبيات الانتماءات الدينية والمذهبية المتعددة والصراعات الإثنية المعقدة.
    ولكن من الواضح أيضا أن التجربة تعكس وتحمل الكثير من التناقضات، فتجربة التعايش الوطنى ما زالت متأثرة كثيرا بطبيعة التشكيل والتكوين ذى الطابع القومى للعرقيات الإثيوبية، فإثيوبيا تعتبر متحفا للقوميات المتجاورة وليس للتعدد العرقى البسيط أو المعروف، فإذا كانت القومية تعبر عن جماعة متجانسة ومتماسكة وذات هوية واحدة تجمع وتوحد بينها مشتركات وروابط العرق والدين واللغة والثقافة والتاريخ فى إطار رقعة جغرافية محددة، فهى تنطبق على الأوضاع العرقية الإثيوبية، فهى ليست ذات طبيعة قبائلية أو عشائرية مثل الصومال، كما أنها ليست قبلية أو طائفية أو جهوية مثل السودان، حيث تختلف فى هذه الناحية عن باقى المكونات الاثنية فى القرن الافريقى.

    والشاهد أن الاثنيات الاثيوبية تتميز بخصوصية وتفرد الحدود والتباينات الفاصلة على المستويات السلالية واللغوية والثقافية والدينية، فالقومية الأمهرية بانتمائها إلى السلالة السامية ولغتها الأمهرية ذات الأصول السامية أيضا وديانتها المسيحية الأرثوذكسية وتطورها التاريخى تعد مختلفة بشكل كلى عن القومية الاورومية بأصولها السلالية الحامية ولغتها الأورومية وغالبيتها التى تدين بالإسلام. وعلى هذا النمط يمكن تصور بقية الخريطة الاثنية (القومية) الاثيوبية التى تضم قوميات كبيرة لها أيضا خصوصياتها مثل التجراى والعفار الصومالية، السيداما، القراقي، الهررية، الهوبة، الكامباتا، والمكونات العرقية فى مناطق بنى شنقول وقامبيلا وإقليم الجنوب. كل هذه التراكمات أدت إلى أن يصبح التكوين الاثيوبى الداخلى عبارة عن (دولة الدول القومية المتحدة) التى ما زالت تعانى من عدم القدرة على صياغة وإيجاد أمة إثيوبية أو قومية إثيوبية، تجمع بينها قواسم العيش المشترك والمواطنة والتعايش القومى أو الوطنى بطريقة تسمح بتجاوز الخصوصيات القومية للإثنيات الاثيوبية، الأمر الذى قد تكون مآلاته
    مطالب تقرير المصير أو الانفصال أو (الاستقلال) كما فى حالة إريتريا.

    عفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا
     
    أعجب بهذه المشاركة موسى محفوظ
جاري تحميل الصفحة...