1. Nour

    Nour نور الهدى قراش إداري نجم المنتدى

    Country:
    Algeria
    إنضم إلينا في:
    ‏5 مارس 2015
    المشاركات:
    374
    الإعجابات المتلقاة:
    381
    نقاط الجائزة:
    63
    الجنس:
    أنثى
    الوظيفة:
    موظفة
    الإقامة:
    سطيف

    Print

    عولمة حقوق الإنسان و إعادة البناء الإيتومولوجي للسيادة
    [​IMG]
    (د*محند برقوق ): أستاذ محاضر في العلوم السياسية (جامعة الجزائر) و المعهد الديبلوماسي و العلاقات الدولية (وزارة الخارجية) مدير مركز الدراسات الاستراتيجية والأمنية -الجزائر-
    أفرزت نهاية الحرب الباردة واقعا عالميا جديدا ،قائما على هيمنة الإيديولوجية النيو-ليبرالية المكرسة لمبادئ الديمقراطية المشاركايية (délibérative democracy) اقتصاد السوق الحر و مبدأ عالمية حقوق الإنسان (Universal Human Rights) كهيكلة مرجعية مؤسسة لسلوكات الإنسان داخليا (داخل الدولة الواحدة ) و خارجيا بين الفواعل الدولية المختلفة . و هذا ما دعى أقطاب الفلسفة السياسية منذ عهد الهيمنة الرومانية Pax Romana (في مؤتمر و ستيفالي Westphalia 1648) من أمثال De De Maistre ,Puffendorf ,Kant, Vattel مما زاد من أهمية هذا التصور القيمي هو

    تبني الولايات المتحدة ، كقوة مهيمنة
    Hegemonic power عالميا .لهذه الطروحات المعيارية ليس فقط لضرورات إنسانية كما تريد المدارس النفعية الجديدة (neo-utilitarian approaches) إقناعنا و لكن لتنميط السلوكات الفردية ،الجماعية و المؤسساتية بصفة تعكس نمط حياة ،قيم ،مصالح و طموح الولايات المتحدة و القيم المشتركة للغرب .

    فمن هنا جاءت محاولة لإعادة قراءة الصكوك الأساسية و المرجعية المكونة للنسق الحقوقي العالمي (الإعلان العالمي لحقوق الإنسان 1948، العهد الدولي للحقوق المدنية و السياسية 1966 ، العهد الدولي للحقوق الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية 1966،و كل الأطر التكميلية و التفصيلية لهذه المرجيعيات التعاقدية ،على ضوء واقع عالم ما بعد الحرب الباردة و التطلعات ما بعد الحداثية post – modernist aspirations للمجموعة البشرية و في إطار ترابط نسقي و تشابك عضوي للعالم (عمليات العولمة ) تجعل من الدولة كائنا اعتباريا أكثر منه طبيعيا de-naturalizing the state بفعل انكماش القيمة المادية للمجال الوطني the de-territorilizing of the state تفاقم دور الفواعل غير الوطنية (المنظمات الدولية الحكومية و غير الحكومية ،الشركات العالمية العابرة للحدود ...الخ ) و ميوع القدرة الرقابية للدولة على حدودها بفعل النشاط و العمليات العابرة للحدود ( الإعلام ،المال و الصرف ،الكوارث البيئية و الصحية ...الخ ). السؤال الذي يفرض نفسه في هذا السياق هو : كيف تأثرت فلسفة حقوق الإنسان بعمليات العولمة و مدى تأثير هذه التغيرات على السيادة sovereingty كقيمة محددة للسلوكات الداخلية و الخارجية للدول (1).

    1-عولمة حقوق الإنسان :

    لمسايرة هذه التحولات استصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة لائحة سنة 1989 تدعو فيها لتنظيم مؤتمر عالمي ثاني حول حقوق الإنسان .ولتحقيق توافق عالمي حول معضلتي النسبية و التكامل من جهة و الإلزامية و المسؤولية من جهة ثانية .دعت هذه اللائحة أيضا لتنظيم مؤتمرات جهوية (أوربا ,أمريكا اللاتينية و الكاريبي و إفريقيا ) لتقديم بدائل "جماعية " للتسهيل من عملية بناء الإجماع consensus building
    في المؤتمر الثاني ،و بناءا على ذلك نظمت ثلاث مؤتمرات جهوية تحضيرية في تونس (نوفمبر 1992) للدول الإفريقية في سان خوزي (جانفي 1993) بالنسبة لأمريكا اللاتينية و الكاريبي ،و بانكوك (مارس –أفريل 1993) بالنسبة لآسيا تحضيرا لمؤتمر فيينا (جوان1993) .

    خرجت هذه المؤتمرات الجهوية بتصورات متباينة تعكس طبيعة البناء القيمي لكل جهة جيوسياسية و كذا أولوياتها التنموية (بالمعنى الإستراتيجي الواسع ) و مدى اندماجها في سيرورة العولمة .

    ركزت الوثيقة النهائية لمؤتمر سان خوزي على مبادئ التنوع الثقافي و إختلاف هذه الدول في أولويات تعاملها مع القيم الحقوقية بحيث تعطي الأسبقية للحقوق الهادفة لترقية المستويات المعيشية للإنسان من خلال تحقيق الأدنى المطلوب من الكرامة الإنسانية بتحسين الظروف المعيشية لشعوبها . فأولوياتها هي التمكين الحقوقي للسكان في ظل الاحترام الدولي المتبادل للاختصاص الداخلي للدول وقداسة مبدأ السيادة الوطنية ، ورفض التصورات القصرية الموجهة خارجيا للمرجعيات القيمية الوطنية . تقول ديباجة سان خوزي كما يلي :
    "(....) (تجتمع دول أمريكا اللاتينية و الكاريبي ) في قناعتها عن ضرورة بحث حلول جماعية لمشاكل العالم عن طريق الحوار ،التعايش السلمي و احترام التعددية (الثقافية ،الحضارية ،اللغوية و الدينية ) و مبادئ السيادة الوطنية و مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول و حق الشعوب في تقرير المصير ) .

    وهذا ما ذهب إليه أيضا الإعلان النهائي الصادر عن المؤتمر الجهوي لإفريقيا (تونس ،نوفمبر 1992) ،إذ تؤكد الديباجة على أولوية الحقوق المرتبطة بالتنمية و الأمن الوجداني existential rights للإنسان الإفريقي ،و مبدأ تصفية الاستعمار عن طريق تفعيل حق الشعوب في تقرير المصير.

    هذا في حين ركزت الدول الآسيوية ، من إعلان بانكوك (افريل1993) على ضرورة إعطاء الأسبقية ،للمرجعية القيمية المطلقة للقيم الآسيوية المشتركة Asian Values وهذا ما ذهبت إليه ديباجة إعلان بانكوك و التي اعتبرت فرض قيم حقوق الإنسان كتدخل في مجال الاختصاص التشريعي الداخلي وفرض (مرفوض) لهيكلة قيمية هرمية و عالمية قائمة على تفوق القيم الغربية على قيم الحضارات الأخرى التي تضرب بجذورها في أعماق التاريخ الإنساني .إذ تقول ديباجة إعلان بانكوك :

    "حتى و إن اعترفت ( الدول الآسيوية ) بالطبيعة العالمية لحقوق الإنسان إلا أنه يجب تفسيرها في مجال حركي ،و في إطار عمليات غير مستقرة للتأسيس القيمي العالمي مع الأخذ بعين الاعتبار الخصوصيات الوطنية و الجهوية و كذا مختلف المعطيات التاريخية ،الثقافية و الدينية "

    و من أجل تحقيق كرامة الإنسان دعت الدول الآسيوية لضرورة عدم التعامل مع النسق الحقوقي العالمي كمرجعية و حيدة و إلزامية و لا بتوظيفها سياسيا لهلهله استقرار دول المنطقة التي تؤمن بقيم حضارية /ثقافية مشتركة و خاصة (بالآسيوية ) و في ظل الاعتراف بالتماثل المعياري لبعض القيم مع الحقوق الوجدانية المنصوص عليها في الصكوك الحقوقية العالمية . و لهذا نصت ديباجة إعلان بانكوك على ما يلي :

    "اعتراف الدول الآسيوية بضرورة تشجيع و ترقية حقوق الإنسان عن طريق الحوار ة الإجماع ،لا بالصراع و بفرض قيم غير ملائمة و غريبة عن( المجتمعات غير الغربية )
    إلا أن مطالب المجتمعات الصاعدة بضرورة احترام الخصوصيات الثقافية /الحضارية أو باحترام سلم أولوياتها من حيث التعامل مع مكونات النسق الحقوقي العالمي نقد قبلت بالمعارضة من قبل الفواعل العالمية الرئيسية ( الولايات المتحدة و الدول الغربية و المكونات الأساسية للمجتمع المدني العالمي النشط في مجال ترقية حقوق الإنسان ، كما أن إعلان و برنامج عمل فيينا ، الذي انبثق عن أشغال المؤتمر العالمي الثاني لحقوق الإنسان (جوان 1993) قد فضل مبدأ التوافق و العالمية على الخصوصية و المفاضلة الحقوقية .

    ركزت الوثيقة النهائية للمؤتمر على قيم العالمية ،التكامل و عدم التجزئة بين الحقوق :
    أ-عالمية حقوق الإنسان : تؤكد الفقرة الأولى من إعلان فيينا على أن حقوق الإنسان هي ذات صفة عالمية رافضة للنسبية و أنها تؤسس لمرجعية حقوقية مطلقة . إذ يؤكد نص الفقرة واحد على التالي :
    "يؤكد المؤتمر العالمي الثاني حول حقوق الإنسان على الالتزام العلني و العملي لكل الدول لترقية الاحترام و حماية حقوق الإنسان و الحريات الأساسية للجميع تماشيا مع ميثاق الأمم المتحدة (و الصكوك الدولية الأخرى الخاصة بحقوق الإنسان ) ....الطبيعة القانونية لهذه الحقوق مطلقة "
    ب-التكامل بين الحقوق : تنص الفقرة الخامسة من إعلان فيينا أن كل حقوق الإنسان مترابطة ،متكاملة و غير قابلة للتجزئة .مما يعني أنه لا يمكن للدول بناء سلم أولويات في التعامل مع حقوق الإنسان أو التفسير الظرفي لها و هذا ما ذهبت إليه أيضا الفقرات 32/37 من الإعلان .
    هذه الإعادة و التكرار في الإشارة للعالمية هو لمحاولة التأكيد على أحادية المرجعية الحقوقية (النسق الحقوقي العالمي ) عالميتها و صفتها المتكاملة و الرافضة لفكرة الانتقاء في التعامل مع حقوق الإنسان و التقليص من احتمالات الاستثناء في احترام الحقوق الغير مترابطة بالأمن الوجدانيnon-existential rights (في ظل الأزمات الداخلية ) مع تحديد مبدأ المسؤولية الوطنية و العالمية في معالجة التعديات السافرة لحقوق الإنسان مع التأكيد على مبدأ إلزامية حقوق الإنسان كقواعد عرفية في القانون الدولي ،غير قابلة للخرق و طالبة الالتزام المطلق و هذا ما ذهبت إليه أغلب المدارس الوضعية في القانون الدولي ، التي تعتبر الحقوق المنصوص عليها في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (1948) أنها أصبحت مكونا اساسيا للقانون الدولي العرفي و القانوني الإنساني الدولي مما أكسبها قوة القاعدة القانونية الإلزامية .

    ارتبطت استنتاجات فقهاء القانون الدولي بما جاء في إعلان طهران (1968)، الذي بقي حبرا على ورق بفعل التعامل الانتقائي مع النصوص في ظل عالم الحرب الباردة إذ جاء في الوثيقة النهائية للمؤتمر الأول لحقوق الإنسان (طهران 1968) :

    "يشكل الإعلان العالمي لحقوق الإنسان تصورا مشتركا لشعوب العالم حول حقوق المجموعة الإنسانية الغير قابلة للتفريط أو الاعتداء ،كما تتسم بالصفة الإلزامية بالنسبة لأعضاء المجتمع الدولي "
    بالإضافة لخصائص العالمية و القوة القانونية للقواعد التي أرستها الوثيقة النهائية لمؤتمر فيينا ،هنالك أيضا التركيز على فكرة "الديمقراطية (الديباجة ، الفقرة 8) كفلسفة حكم قائمة على تحقيق شروط التمكين السياسي للمواطن من خلال إقرار مبدأ قداسة المواطنة كمصدر مجالي للمشروعية .فمن هنا أصبحت المشروعية السياسية كعملية تقييميه للنظم السياسية ،قائمة على مرجعيات داخلية (المواطنة ) و خارجية ( النسق الحقوقي العالمي ) و هذا على خلاف النظريات السياسية السابقة لعالم ما قبل الهيمنة النيوليبرالية و الأمريكية " و التي كانت تؤكد على حرية اختيار الشعوب لطبيعة أنظمة حكمها سواء أكانت تقليدية أم حديثة ،تسلطية ،شمولية أم ديمقراطية .
    و لتحقيق الديمقراطية بمنظور ما بعد الحداثة ،ربطت الهيكلة الحقوقية ،و مختلف البرامج ، التي تلت مؤتمر فيينا (1993) ،الصادرة عن الأمم المتحدة ووكالاتها (ربط البنك العالمي بين حقوق الإنسان ،الديمقراطية و التنمية المستدامة ،وربط برنامج الامم المتحدة للتنمية pnud/undp في التقرير الصادر عنه سنة (1994 ) بين هذه القيم و الرشادة السياسية كفلسفة للتسيير العقلاني و الشفاف للبرامج التنموية الوطنية بين قيم المشاركة السياسية (بأشكالها الدورية ،الدائمة و التمثيلية )، التباين السلطوي authority différentiation العقلانية القراريةrational decision –making كمحور للجودة السياسية political sophistication التداول ، الفعالية السياسية ، التنمية الإنسانية و الأمن الإنساني . هذا ما يشكل لب محاولات التنميط القيمي و النمذجة السياسية للمجموعات الإقليمية المكونة للمجتمع العالمي المرتقب .

    لتحقيق فكرة النمطية في ظل عالم العولمة و الاعتماد المتبادل عمدت الولايات المتحدة الأمريكية من خلال سياستها الخارجية (القائمة على الازدواجية في التعامل مع حقوق الإنسان و الديمقراطية و من خلال الأمم المتحدة ووكالاتها على استخدام مجموعة من الآليات التي غالبا ما أعادت تشكيل الهيكلة المعيارية المؤسسة للقانون الدولي الحديث (الأسس التي استحدثت في مؤتمر وستفاليا سنة 1648 : سيادة الدول ،مبدأ المساواة القانونية بين الدول و مبدأ عدم التدخل ). من بين هذه الآليات: 1- الربط بين المساعدات المالية و الإصلاحات الاقتصادية (اقتصاد السوق ) و السياسة الديمقراطية النيو ليبرالية أي محاولة فرض نوع الخيارات الأساسية للدول .
    2- استخدام مبدأ عالمية حقوق الإنسان و قاعدة jus cogens (القواعد القانونية المطلقة ) لحقوق الإنسان لفرض أنظمة سياسية أو إزاحة الحكومة العسكرية في هايتي سنة 1994 بجنود أمريكيين و بغطاء أممي )
    3- -تطوير قواعد التدخل الإنساني
    4- حماية الأقليات عن طريق إقرار مبدأ التمكين الذاتي و ترقية خصوصية المكونات للمجالات الجيو سياسية ( القرار رقم 688 الصادر عن مجلس الأمن فيما يخص إنشاء المحميات في كردستان العراقي)
    5- ترقية الفلسفة الحقوقية عن طريق تدعيم الأمانة العامة للأمم المتحدة للجمعيات الوطنية النشطة في مجال حقوق الإنسان
    6- نشر المعلومات على التعديات السافرة لحقوق الإنسان عن طريق مساعدة نشاط المنظمات الدولية غير الحكومية النشطة في مجال ترقية حقوق الإنسان .
    7- إنشاء المحافظة السامية لحقوق الإنسان 1994 للمساعدة على فرض مبدأ الامتثال العالمي الإنسان و الذي يكرس مبدأ أولوية الأمن الإنساني عن الأمن الوطني
    8- تطوير أطر تجريمية لمنتهكي حقوق الإنسان ،عن طريق إنشاء المحاكم الخاصة لرواندا و يوغوسلافيا و كذا تأسيس المحكمة الجنائية الدولبة 2002 لمتابعة مرتكبي جرائم التصفية العرقية، الجرائم ضد الإنسانية و جرائم الحرب
    9- مبدأ المتابعة القضائية لمرتكبي الجرائم ضد الإنسانية على مستوى المحاكم الوطنية للدول (محاكمة ديكتاتور الشيلي الأسبق بينوتشي في بريطانيا بناءا على طلب قضائي إسباني).

    إلا أن هذه الآليات لا تستخدم بصفة تلقائية بالنظر للتشابك المنفعي بين الفواعل الدولية خاصة و الأساسية منها ( الأعضاء الدائمين في مجلس الامن ) و للتفسير المصلحي / الظرفي للأزمات الدولية و أحسن مثال على ذلك الرفض البريطاني / الأمريكي لاستصدار قرار من مجلس الأمن لحماية الشعب الفلسطيني من الغطرسة الصهيونية

    إلا أنه مع هذه الازدواجية في الطرح و التعامل مع الأزمات الدولية تبقى هذه التطورات الإجرامية و الحقوق على المستويات القيمية / البنيوية / المؤسساتية و السلوكية تؤثر على دعائم القانون الدولي الخاص فيما يخص إعادة تشكيل مبادئ عدم التدخل و سيادة الدول المكونة للمجتمع العالمي.

    2-السيادة في عالم ما بعد الحرب الباردة :
    السيادة منتوج للتاريخ و صانع له ، إذ ساهمت كفكرة و كقاعدة في صياغة النسق القيمي لعالم ما بعد و ستفاليا كما تأثرت بالتغيرات الموضوعية التي وقعت في العالم فمحتواها حركي و طريقة التعامل معها مرنة لأنها لا تشكل فقط قيمة معيارية بل إطارا مرجعيا أيضا. ظهرت فلسفة السيادة الحديثة في أوربا الغربية في أواخر القرن السادس عشر (كفكرة ) و في القرن السابع عشر (كقاعدة) منظمة لسلوكات الفواعل المكونة للمجال الجيو سياسي الأوربي كما أنها كانت مرتبطة ببروز الرأسمالية كنمط جديد للتنظيم الاجتماعي الاقتصادي و الدولة كتنظيم سياسي
    تعد السيادة إذن (كفكرة و قاعدة و مؤسسة ) مكون أساسي للدولة الحديثة و هي مرتبطة ارتباطا وثيقا بمفاهيم النظام ، السلطة ، المشروعية و الحكم ،و إن كانت للسيادة بعدا كونيا في بداية القرن xxi ،إلا أنها لا تتسم باللامحدودية الزمانية و لا بالصفة المطلقة فهي إن صدرت عن فترة الحروب الدينية في أوروبا اللاتينية أو اللااستقرار السياسي في إنجلترا إلا أنها سرعان ما توسع مجال تفعيليها من المجال الأوروبي إلى العالم عبر الحركية الاستعمارية و طريقة تصفيتها أي مع انتشار فكرة الدولة الوطنية خارج مجالها الفلسفي / الحضاري / التاريخي – الجغرافي و الأنثروبولوجي في أوربا.

    تتمثل السيادة كما صنفها John Austinفي القرن التاسع عشر و طورها المفكرون اللاحقون في مكونين متكاملين : أما الأول فمتعلق بالتمييز بين البعدين الداخلي و الخارجي للسيادة، أما الثاني فيقوم على عدم الاعتراف بسلطة مرجعية خارج إطار التركيبة السلطوية للدولة. تعد السيادة من هذا المنظور أكثر من قيمة معيارية بل قاعدة قانونية تتسم بالصفة المطلقة لا النسبية ، أي أنها لا تعترف بمستويات في السيادة بل بوجودها أو غيابها داخليا ،ترمز لوجود سلطة مركزية تمتلك قدرة التشريع الوحدوي و الحق المطلق و الوحيد في استخدام القوة الشرعية من اجل تنظيم المجال الجيو-ديمغرافي الذي يكون الدولة. أما خارجيا فالدولة مستقلة عن أي كيان خارجي و لها الحق السيد في التعامل مع القيم المشتركة، أي أن قواعد القانون الدولي عرفية كانت أم تعاقدية غير ملزمة للدولة بل إن للدولة الحق و الحرية في التعامل النفعي أو العقلاني أو الأخلاقي معها. فمن هنا ترابطت السيادة بمبدأ عدم التدخل و المساواة في السيادة للدول(2).

    إلا أنه في عالم ما بعد الحداثة و عصر الاعتماد المتبادل و الترابط الشبكي لم يعد لهذا التصور الحداثي قيمة واقعية لأنها لا تعكس " الواقع المركب للنسق العالمي فالدولة كما قلنا سابقا أصبحت كيانا اعتباريا فقط من خلال قيمة التجانس الوطني ،بالمعنى التقليدي ، بالنظر لطبيعة التمازج الإنساني بفعل الاستعمار و الهجرة ،كما فقدت الحدود صلابتها و أصبحت تتسم بصفة الميوعة بفعل التطورات التكنولوجية ،و فقدت الدول قدرتها على رفض الالتزام بالقواعد الأساسية للنسق القانوني العالمي بفعل حالة الاعتماد الذي قلل من " المناعة المادية و السياسية للدول خاصة الجديدة منها
    كما كانت لهذه التحولات الموضوعية الأثر الكبير في تطوير ركائز حقوق الإنسان العالمية التي وجدت بين المصادر التشريعية للدول ،فيما يخص العلاقة بين النظام السياسي و المجتمع . و كما أدت الحركيات التي أنتجتها الحرب الباردة إلى محاولة فرض نمطية مجتمعية ،اقتصادية ،سياسية و سلوكية عاكسة لطبيعة التوزيع العالمي للقوة ،و طبيعة القيم الحضارية المهيمنة. ففي النهاية ،القاعدة تعكس الواقع و إن كانت تؤثر فيه أيضا .

    الخلاصة :

    أدت عولمة حقوق الإنسان إلى خلق أطر معيارية تهدف لتنميط عالمي لطبيعة الأطر المرجعية ،السلوكية و التأسيسية للدول بصفة تخلق الظروف الملائمة لنمذجة الأنظمة المجتمعية المنظمة للمجالات الجيو – ديمغرافية المعينة. لتحقيق هذين الهدفين حول التركيز المعياري - التحليلي من الدولة إلى الإنسان . فمن هنا جاءت فكرة أسبقية أمن الإنسان على أمن الدولة مما خلق مجالا لإعادة صياغة مفهوم المسؤولية من مسؤولية مجزأة (مسؤوليات وطنية و إقليمية ) إلى مسؤولية موحدة (المجموعة الإنسانية و المجتمع الكوني ) تخلق شرط إفراغ السيادة من محتوياتها القيمية الصلبة لتمكين الآليات الكونية من فرض حتمية علو الأطر المرجعية الموحدة. لكن هل يمكن للعالم المنمط (إن حقق) طمس الخصوصيات الحضارية / الثقافية للمجموعات البشرية ،الموحدة في الأصل ، و المختلفة من حيث التركيبة الانتروبولوجية ،الحضارية بل و حتى النفسية .

    الهوامش:
    1-Berkouk (Mhand): "Global citizenship and political obligation' in Archibugi (D.), ed.: "Cosmopolitan democracies", London: Verso, 1998, pp.273-286

    2- Hinslay (F.H): "sovereignty", Cambridge University Press, 1996, pp.92-105
     
جاري تحميل الصفحة...