يضم العرض التالي أهم الأفكار التي جاءت في الفصل الرابع من كتاب “القومية العرقية وسقوط الإمبراطوريات” الصادر عن المركز القومي للترجمة

تأليف: أفيل روشفالد

ترجمة: عاطف معتمد وعزت زيان

كانت الحرب العالمية الأولى حربًا شاملة على نطاق غير مسبوق، ولم تستطع أية شريحة من سكان الإمبراطوريات متعددة الأعراق الإفلات من تأثيرها. ومع تقهقرها وتقدمها غطت الجبهات العسكرية في أوروبا الشرقية مساحات شاسعة بالتدمير والمذابح والاغتصاب والسلب والنهب، وكأنها نار في الهشيم. وفي العديد من أقاليم أوروبا الشرقية والشرق الأوسط التي لم يكن سيف الحرب مسلط على رقابها بشكل مباشر، أخذت سلطة الإدارة الإمبريالية أبعادًا جديدة، لأن المؤسسات العسكرية سطت على سلطة الإدارة المدنية أو حلت محلها. وأدى التجنيد الإجباري للجماهير، وصدمة المعركة وعصبية القتال، ومقتل وإصابة الأحباء، ومصادرة الممتلكات، والقصور والعجز في معظم السلع الأساسية، وسحب النساء إلى قوة العمل، والغزو الأجنبي والاحتلال العسكري، وتدفق اللاجئين دخولاً وخروجًا، بهذه الطرق وغيرها، إلى تأثير مباشر وعنيف على معظم قطاعات المجتمع. وهكذا أدت صدمة تجربة الحرب إلى جعل الناس من أقل الطبقات تعليمًا وأبعد الأقاليم يدركون أن حياتهم اليومية كانت مرتبطة بالسياسة بطرق لم يتخيلوها من قبل.

ولكن القول إن الجميع قد تأثر بالحرب لا يعني القول إن طبيعة التجربة أو أنماط الاستجابات التي أثارتها كانت متشابهة في جميع الأرجاء، إذ أن تأثير الحرب على عقليات وهويات الشعوب تغير كثيرًا عبر الزمن، واختلف كثيرًا عبر الأقاليم والثقافات والمجموعات العمرية والنوعية والطبقية، فضلاً عن الاختلافات بين مقاتلي الجبهة الأمامية والمدنيين. فبعد الانطلاق المبدئي للحماس الجماهيري والتضامن البطولي بين سكان الحضر في كل الدول المحاربة الكبرى في الأيام والأسابيع الأولى من الصراع، بدأت التجارب والرؤى وردود الأفعال تفترق بدرجات أكبر حدة.

وتمثل أحد أنماط هذا الافتراق في عزل رعايا القوميات السائدة عن النخب السياسية الإمبريالية داخل الإمبراطوريات متعددة الأعراق. حيث أدى الإحساس بأن هذه الحرب المستنزفة غير المنتهية نشبت بسبب مصالح النخب السياسية إلى إثارة إحساس جماعي بالاغتراب بين شعوب ورعايا الإمبراطوريات، هذا بالإضافة إلى الاعتقاد المتزايد بأن عبء الحرب لم يكن موزعا توزيعا عادلاً بين المجموعتين. ففي حالات كثيرة، كان هذا الإدراك يعزز أساطير الفداء القومي ويوقظ توقعات يسوعية بالخلاص الجماعي.

وفي نفس الوقت يجب أن نؤكد على أن أثر الحرب على المجموعات العرقية المختلفة كان بعيدًا عن التجانس. فبحلول 1918م، كانت لغة الخطابة وتصورات التحرر القومي قد أصبحت وسيلة شائعة للتعبير عن المشاعر والتطلعات السياسية عبر طيف اجتماعي واسع لدى العديد من هذه الشعوب. ومع ذلك فإنه بدلاً من صك سياسة مشتركة، أصبحت القومية تأخذ شكل تعدد الطوائف التي كانت قيمتها التبادلية موضع تساؤل. فماذا كانت حقيقة المضامين السياسية والاقتصادية لحركات لتقرير المصير القومي؟ وما هي المجموعات التي تستحق أعلى مصداقية لتحقيقها؟ ومن كان الأكثر تأهيلاً للاستفادة منها؟ فهذه كانت تساؤلات بلا إجابة، وكان لهذه التساؤلات آثار انقسامية حادة، وذلك لأن لغة القومية أثارت توقعات عالية للتضامن الاجتماعي والخلاص الجماعي. وكانت الإجابات على هذه الأسئلة، وحتى طبيعة القضايا المثارة، تختلف من مجموعة لأخرى. ففي داخل أية قومية معينة، كان هناك جنود في الجيوش الإمبراطورية، ومتطوعون في الكتائب الوطنية يعملون تحت إمرة “العدو”، ومدنيون من الطبقة الوسطى، وأشخاص مبعدون، وعمال صناعة، وفلاحون، وقادة سياسيون استمروا في إعلان الولاء للنظم الإمبراطورية حتى في الحرب، وسياسيون قوميون منفيون كرسوا جهودهم لتفكيك الإمبراطوريات، بالإضافة إلى الكثير من الفئات الأخرى صاحبة العمل والتجربة. ولذلك أصبحت المشروعات المستقبلية السياسية والاجتماعية التي يجب التوفيق بينها في إطار “الوحدة القومية” بعد 1918م جد متباينة.

جبهة الحرب، إمبراطورية الهابسبرج

كان اندلاع الحرب في إمبراطورية الهابسبرج فرصة لإثبات الولاء المطلق من جانب القادة السياسيين في جاليتشيا، وكرواتيا، وسلوفينيا، وبوهيميا، وغيرها. وفي الواقع، كان هناك أمل في أن إظهار الولاء الشديد وقت الحرب للتاج سوف يحقق عائدًا في صورة فرص أكبر للحكم الذاتي بعد الحرب. ولكن حقيقة أنه كانت هناك حاجة لإظهار الولاء للملك توضح في حد ذاتها الثقافة السياسية البالية لدولة الهابسبرج، بالإضافة إلى عدم تماسكها.

وأدت الأضرار الجسيمة على الجبهة الروسية بالإضافة إلى الخسائر الاقتصادية الهائلة في المجهود الحربي إلى الحد من ولاء القوميات المسيطرة والخاضعة معًا. وقدمت الإمبراطورية النمساوية المجرية مشهدا متناقضا لدولة ملكية تخوض حربًا شاملة، ولكن متطلبات استمرار هذه الحرب لا تستطيع تلبيتها سوى دولة تستطيع إلهام شعبها بالإحساس بأن مصيرها القومي معرض للخطر في هذا الصراع. وفي حالة إمبراطورية الهابسبرج، ربما كانت هذه الفكرة غامضة بالنسبة للمجريين، ولكن نظرًا لأن الصراع كشف إحساسهم بالمصير القومي المتميز، فقد زاد اغترابهم عن الصرح الإمبريالي الذي ظلت قاعدته في فيينا. وفي الواقع، فقد منعت الحكومة المجرية توريد الحبوب عن النصف النمساوي من المملكة، بينما اتهمت جيش الهابسبرج بتبديد أرواح المجريين بأعداد غير تناسبية على جبهات القتال. وبالنسبة للألمان النمساويين، فإن تقوية المشاعر القومية التي مروا بها أدت إلى تفاقم صراعهم مع التشيك والمجريين، بل إنها زادت التوتر بين نموذج الوحدة الألمانية والولاء لدولة الهابسبرج. ففي النهاية كانت برلين مركز جذب أقوى كثيرًا للمشاعر القومية للألمان مقارنة بفيينا.

وبالنسبة للعديد من المجموعات العرقية الأخرى، كانت المشاعر القومية ترتبط مباشرة بالتعاطف مع قضية “الحلفاء”. فقد كان هناك أناس كثيرون من كل القوميات يشعرون بالإحساس بالولاء الشخصي للبطريرك الكهل، القيصر فرانز جوزيف الذي حكم الإمبراطورية بأسرها من 1848م ـ 1916م. وربما كانوا يقدرون الدولة النمساوية المجرية كمصدر للاستقرار وحكم القانون، وكان البولنديون واليهود في جاليتشيا يتطلعون إلى فيينا لحمايتهم مما كانوا يعتبرونه الجماعات البربرية للجيش الروسي، ولكن النظام الذي كان معزولا عن أي مفهوم للهوية القومية كان غير قادر على إطلاق شرارة الحماسة الجماعية التي تساعد السكان على تحمل الحرمان والمتطلبات القاسية للحرب الشاملة.

وكلف هجوم بروسيلوف Brusilov الروسي في صيف 1916م الجيش النمساوي المجري 570 ألف رجل (كان أكثر من نصفهم أسرى حرب) قبل أن يجبر تدخل الجيش الألماني الروس على التقهقر في حالة فوضى. وأصبحت الملكية المزدوجة أكثر تبعية من ذي قبل لبرلين في مواصلتها للمجهود الحربي؛ لأنها أذعنت لتكوين قيادة عسكرية مشتركة كانت السيطرة فيها للألمان، وفي نوفمبر 1916م، أثار الإعلان المشترك من الهابسبرج والألمان إقامة المملكة البولندية على إقليم مقتطع من روسيا الآمال بين سلاف إمبراطورية الهابسبرج في انضمام بولندا المستقلة ذاتيًا إلى دولة الهابسبرج التي ستتحول إلى اتحاد عرقي. ولكن هذه الآمال تبددت لأن الكيان البولندي الجديد تحول إلى مجرد واجهة لسيطرة الألمان. وأخيرًا، فإن موت فرانز جوزيف (في نوفمبر 1916م أيضًا) بعد 68 سنة في الحكم، أزاح من الساحة شخصية كانت تجسد تصورات الشرعية الملكية والأبوية المبجلة التي كانت ضرورية للوطنية النمساوية المجرية.

واعترف الإمبراطور الجديد، كارل الأول، بأن الدولة التي آلت إليه كانت في وضع هش لا يستطيع مقاومة ضغوط الحرب، فقدم عروضًا للقوميات السلافية بزيادة إمكانية تفويض السلطة إليهم. وعاد البرلمان للانعقاد في مايو 1917م، بعد توقف لثلاث سنوات. واستخدم كارل الأول أيضًا قنوات خاصة لاستكشاف إمكانية التفاوض على سلام منفصل مع “الحلفاء”.

ولقد لعبت العرقية في معظم الحالات دورًا فاعلا في التأثير على تجربة زمن الحرب، في حين أن الحرب شكلت بدورها بناء الهويات القومية. ومع ذلك، كانت أنماط تطور الوعي الاجتماعي والسياسي بعيدة عن التشابه، فبالتركيز على ثلاثة مجالات متميزة ومنفصلة من النشاط ـ جيش الهابسبرج، والجبهة الداخلية التشيكية، والجبهة الداخلية السلافية الجنوبية ـ يمكن أن نرسم صورة لمدى الاستجابات للحرب بين أعضاء القوميات الخاضعة للإمبراطورية.

ولاءات خط الجبهة

كان جيش النمسا ـ المجر، الذي يعتبر واحدًا من آخر المؤسسات الإمبريالية للمملكة المزدوجة بعد 1867م، يتمتع بأهمية تفوق توفير الأمن والدفاع عن الدولة، إذ كان رمزًا عامًا قويًا للوحدة الإمبريالية، وأداة للتكامل بين الأعراق. ولذلك كانت قدرته على الحفاظ على التماسك الداخلي ضرورية جدًّا عندما قبلت إمبراطورية الهابسبرج تحدي الحرب الشاملة. وبنفس المنطق، فإن أية ضغوط طاردة داخل صفوفه يمكن أن يكون لها أثار مضاعفة تتخطى المجال العسكري إلى المجال السياسي.

لقد كان أداء الجيش مدهشًا في الحرب، بالرغم من القيود الهائلة التي كانت عليه حسب معظم التقارير، وهذا يعني القول إن طول مدة عمل هذا الجيش كمؤسسة كان أمرًا ملحوًظًا، أخذا في الاعتبار طبيعته متعددة العرقيات، بالإضافة إلى حالة انخفاض تجهيزه النسبي. فبالرغم من عدم قدرته على تحقيق نصر حاسم على أية جبهة بدون مساعدة مباشرة من ألمانيا، إلا أنه كان قادرًا على اجتياز بعض الاعتداءات العقابية في القطاع الإيطالي، والحفاظ على دفاع فعال هناك حتى سبتمبر 1918م. وكانت فرق الضباط أكثر عناصر هذا الجيش تماسكًا ، إذ كانت هذه الفرق واحدة من أكثر المؤسسات الباقية في المملكة حيادًا من ناحية العرقية، فبالرغم من أن أكثر من نصف الذين اختاروا أن يصبحوا ضباطًا محترفين كانوا من الألمان العرقيين، إلا أن الترقيات كانت تتحدد على أساس الجدارة، وليس القومية. وعادة ما كان هؤلاء الضباط أبناء عاملين مدنيين تنقلوا وأسرهم من إقليم لآخر في أرجاء الإمبراطورية، مع تعيينهم في إمارات مختلفة طوال مسار حياتهم الوظيفية. وقد منعت هذه الخلفية النمطية للحراك الجغرافي خلال الطفولة، بالإضافة إلى روح التعليم العسكري، معظم الضباط من الوقوع في شرك تحديد الهوية على أساس عرقي، والذي كان ينخر في أسس المملكة في السنوات التي أدت إلى الحرب وخلالها أيضًا. وكان الولاء المطلق لدى الضابط العادي موجهًا إلى فوجه وإلى الملك الإمبراطور، الذي قطع له عهدًا شخصيًا بالولاء.

أما فيما بين المجندين العاديين، فقد كان الإحساس بالهوية الجماعية أضعف كثيرًا. وكان جنود الهابسبرج، ومعظمهم فلاحون، يمكن الاعتماد عليهم في إطاعة الأوامر، والحفاظ على القانون والنظام المحلي: حيث كانوا يرسلون بعيدًا عن إماراتهم بصورة منتظمة كجزء من منهج واع لحل مشكلة القوميات عن طريق سياسة “فرق تسد”. وكان يبدو أن الكثيرين منهم يشعرون بالولاء للملك الإمبراطور، ولكن عندما تصل الأمور إلى ويلات الحرب، فإن أداءهم غالبًا ما يكون رديئًا ومعنوياتهم ضعيفة. ولم تظهر أية درجة من الحماس للقتال بين الجماهير الموحدة إلا على الجبهة الإيطالية، وذلك لأن دخول إيطاليا (الحليف السابق) في الصراع إلى جانب “الحلفاء” كان يعتبر طعنة في ظهر المملكة، واستغلت الدعاية النمساوية خطط إيطاليا لضم أراضي سلافية جنوبية بين الكروات والسلوفينيين بنجاح.

وكان أداء ومعنويات الجنود العاديين سيئًا جدًّا، وذلك بسبب حقيقة أن معظم الجنود الذين دخلوا الحرب في 1914م، كانوا قد قتلوا أو أصيبوا أو أسروا في أول سنتين منها. فبحلول 1916م، حل محل شباب 1914م مجندون جدد وتشكيلات احتياطية تم استدعاؤها على عجل لإشباع نهم آلة الحرب الشرهة. وهكذا لم تستطع هذه القوات المتداعية، التي لم يتم إعدادها بصورة كافية، وكانت تفتقر إلى الثياب والطعام، أن تغير من حقيقة أن الجيش الروسي كان أكثر انهيارًا. وكان الانتصار النمساوي ـ المجري على الإيطاليين في “معركة كابوريتو Battle of Caporetto” في سبتمبر 1917م آخر إنجاز لجيش الهابسبرج، وبعدها كان انهياره سريعًا.

وفيما بين السلاف الجنوبيين في الخدمة العسكرية في الهابسبرج، كانت القوات الصربية تميل إلى الفرار أو اللجوء إلى العدو (خاصة على الجبهات الصربية والروسية) ، وكلما طالت الحرب، كلما تضاعفت هذه الأحداث بين السلوفينيين والكروات أيضًا. ولكن الوحدات التي كانت في المؤخرة كانت الأكثر ميلاً لتحدي السلطات ـ حيث ساهم عدم النشاط النسبي في انخفاض المعنويات، وساعد الاتصال بالسكان المدنيين على زيادة حساسية القوات للتغيرات في المناخ السياسي. وكانت وحدات الاحتياط، التي تكونت أساسًا من رجال مستبعدين من الخدمة في الخطوط الأمامية بسبب خلفيتهم كطلاب جامعات أو قساوسة، أو مدرسين، بمثابة أرض خصبة لغرس الأفكار الثورية والقومية. كما التحق أفراد غير لائقين أو المشاغبين بهذه الوحدات وغيرها من وحدات المؤخرة، مما ساهم في ضعف النظام وزيادة نزعات التمرد لدى هذه التشكيلات. وخلال أوائل 1918م، اندلعت حركات التمرد التي قادها البحارة السلاف الجنوبيون في أنحاء الأسطول النمساوي المجري الذي ظل عاطلاً قبالة ساحل دالماشيا. وبالرغم من قمع هذه الحركات، إلا أنه تبعتها سلسلة من الحركات بين وحدات المشاة السلافية الجنوبية المتمركزة في كرواتياـ سلوفينيا، وألمانيا، والبوسنة،  وهي الوحدات التي كانت تضم عشرات الآلاف من أسرى الحرب السابقين المفرج عنهم حديثًا من الأسر في روسيا، حيث شهدوا التحول الثوري للجيش والمجتمع. وساعد انخفاض كميات الطعام في إثارة هذه الأعمال، ولكنها غالبا ما كانت تأخذ شكلاً سياسًيا واضحًا. وكانت مخططات التمرد تعكس خليطًا من التطلعات القومية والاجتماعية الثورية: حيث كانت الشعارات المؤيدة للبلاشفة تتردد في صيحات مثل: “عاشت يوغسلافيا” أو “تحيا سلوفينيا”.

وكان الاستياء من المسألة النمساوية المجرية منتشرًا بين الجنود الذين انتهى بهم الأمر كسجناء في روسيا. ففي صيف 1918م، وبعد أشهر قليلة من توقيع معاهدات السلام مع “قوى المركز” في برست ـ ليتوفسك Brest-Litovs، بدأ البلاشفة في إطلاق مئات الآلاف من أسرى الحرب من الألمان والهابسبرج. وبمجرد أن عاد هؤلاء الرجال إلى ديارهم، وجد الكثيرون منهم أنفسهم مدفوعين مرة أخرى إلى ارتداء الزي العسكري والذهاب إلى جبهات جديدة. وكان ذلك سببا في تسييسهم، إذ لم يكن هناك شيء آخر يستوعبهم. فبعد الاحتجاز في المعسكرات ومعاناة الحرمان الشديد لسنوات كان هؤلاء الرجال غير مستعدين للرجوع كوقود للمدافع عقب عودتهم التي طال انتظارها إلى أراضي أوطانهم.

واختصارًا، فإن أداء الجيش في الحرب يلخص أوجه القوة والضعف لإمبراطورية الهابسبرج. فخلال معظم فترات الحرب، كان أغلب القوات ترى في وجود الإمبراطورية ـ والالتزام بالدفاع عنها ـ أمرًا مسلمًا به. إلا أنه باستثناء الجبهة الإيطالية، لم يكن أعضاء القوميات الخاضعة يشعرون بأنهم عندما يقومون بأداء واجبهم تجاه الملك الإمبراطور فإنهم كانوا يحمون أية مصالح حيوية لشعوبهم في نفس الوقت. وفي الواقع، فإن الحكم العسكري لم يبذل أي مجهود لغرس مثل هذه المشاعر في القوات. إذ كان تماسك جيش الهابسبرج يدور دائمًا حول الولاء لشخص الملك، وكانت الهوية العرقية والانتماء الإقليمي من الأشياء التي يجب نسيانها عندما يلتحق المرء بالجيش. وقد ثبت أن جهود اللحظة الأخيرة ـ التي بدأتها في مارس 1918م الاستخبارات المضادة لتنظيم التعليم الوطني Valterlandischer Unterrucht للقوات ـ كانت فاشلة تمامًا بسبب اعتمادها المفرط على المحاضرات والمنشورات التعليمية، وكانت تقليدية بصورة مؤسفة لتركيزها الجامد على قيمة دولة الهابسبرج والطبيعة الخيرة المحبة للسلام لحاكمها. وكانت المذكرات التي توزع على الجنود الذين أرهقتهم الحرب وذاقوا مرارتها تشمل عبارات قوية مثل: “لا يستحق الاحترام والحب سوى ملك عادل، وليس هناك سوى التلاحم الحزبي الذي بوسعه ضمان حصول كل فرد على نصيب عادل من الحقوق والخيرات”.

ولكن مثل هذا النوع من الحملات الدعائية لم يؤد سوى إلى زيادة إحساس الجنود البسطاء بالاغتراب. وفي الواقع، كانت السلطات المجرية ـ التي حاولت غرس الإحساس بالحماسة القومية بين القوات المجرية ـ تعارض صراحة هذا الجهد المتأخر جدًّا لإحياء ولائهم الملكي غير القومي؛ أي أن المبدأ الموحد لجيش الهابسبرج أصبح بمثابة مفارقة تاريخية، وأدت محاولة اللحظة الأخيرة التي قام بها الملك الإمبراطور كارل الأول في نهاية أكتوبر 1918م ـ للدخول في مساومة جديدة مع القومية المجرية بإعفاء القوات المجرية من قسم الولاء الشخصي له ـ إلى زيادة انضمام الجنود المجريين للتيار متعدد العرقيات من الفارين من خطوط الجبهة. وفي الساعة الأخيرة لإمبراطورية الهابسبرج، كانت كل قومياتها متفقة في تصميمها على التخلي عنها.

وفي التحليل النهائي، نجد أن التركيب متعدد القوميات لجيش الهابسبرج لم يكن السبب الرئيس لفشله العسكري، فقد كانت هناك عناصر محددة أخرى مثل التركيب القروي للقوات المسلحة، وعدم ملاءمة إمكانات النقل والإمداد، وعدم قدرة اقتصاد الهابسبرج على مواصلة مجهود الحرب الشاملة، والانهيار النهائي للحليف الألماني. ولكن الإفساد وإضعاف المعنويات الذي ارتبط بهذا المجهود الحربي، والتلاعب في ظل تلك الظروف بفكرة الولاء الشخصي لشخص الملك، وفشل سلطات الهابسبرج في تكوين إطار بديل للدافع الجماعي، كل هذا ساعد على تقويض الولاء للإمبراطورية بين القوات. هذا إذا ما افترضنا أن الهوية العرقية قد ظهرت فقط كإطار مرجعي للجنود المتمردين والفارين. وبعبارة أخرى، لم تتسبب الهويات العرقية بحد ذاتها في هزيمة الهابسبرج، ولكن منهج الهزيمة أدى إلى تفكك الجيش على أسس قومية عرقية. وبدون استمرار تماسك الجيش كرمز يفرض الوحدة الإمبريالية، لم يكن هناك أي شيء آخر يحقق تماسك الدولة النمساوية المجرية معًا. وقد أدت السنوات الأخيرة من الصراع إلى تطورات جوهرية على الجبهة الداخلية أيضًا، وذلك كما توضح الحالتان التاليتان.

الجبهة الداخلية التشيكية

بالرغم من أن التحدي التشيكي العلني لسلطة الهابسبرج لعب دورًا هامًا في تفكك الإمبراطورية ككل، إلا أن الروح القومية لم تظهر نفسها على أساس متسق ومنسق قبل 1917م ـ 1918م. فخلال السنتين والنصف الأولى من الحرب، كان نشاط الأحزاب السياسية التشيكية الرئيسة يفتقر إلى الكثافة المركزة لنشاط مساريك السياسي في المنفي. وتمتع عدد من القادة الذين بقوا في براغ بآمال التحرير على يد روسيا أو بآمال الانهيار الداخلي للإمبراطورية النمساوية المجرية. ومع وضع هذا في الحسبان، أجرى كاريل كرامر Karel Kramář، وفاتسلاف كلوفيتش Vaclav Klofáč ـ زعيما حزب “تشيكيا الفتاة”، والحزب الاشتراكي القومي المتعاطفان مع روسيا ـ اتصالا سريا مع الحكومة الروسية، بينما كان رئيس “الحزب الزراعي” أنتونين شفيلا Antonin Švehla يواصل سياسة المسار المزدوج من خلال الحفاظ على الاتصال بالقوميين الراديكاليين في المنفى، وفي الداخل، مع العمل داخل الإطار الشرعي للسياسة النمساوية في نفس الوقت. إذ كانت المخاطرة بكل شيء في تحد صريح لسلطة الهابسبرج تبدو اقتراحا طائشا حتى بالنسبة لهذه الشخصيات. أما الآخرون، مثل قادة الأحزاب الكاثوليكية، فإما أنهم حافظوا على إحساس نشط بالولاء للمملكة، أو تطوروا معتادين على العمل داخل النظام، وكانوا يرفضون التخلي عن رضاهم الذاتي. وبصفة عامة، بقي الأمل معقودا على احتمال الحصول على حكم ذاتي للأراضي التاريخية التشيكية في إطار إمبراطورية الهابسبرج الإصلاحية. وقبل رحيله عن البلاد قام إدوارد بينيس Edvard Benes، زميل مساريك، بتكوين لجنة سرية من القوميين الراديكاليين عرفت باسم “مافي Maffie”، وإن لم يظهر تأثيرها قبل 1917م.

وخلال السنة الأولى من الحرب، أدى سجن كرامر، وكلوفيتش ـ وغيرهما من القوميين المتهمين بالتخريب والاتصال مع العدو، وفرض الحكم العسكري الوحشي على أجزاء من المقاطعات التشيكية في بوهيميا ومورافيا اللتين كانتا مجاورتين لجاليتشيا ـ إلى الشك في إمكانية الحوار البناء مع فيينا. ومن ناحية أخرى، أدى سجن أكثر قادة الأحزاب السياسية الرئيسة قدرة على المواجهة إلى ترك مسرح السياسة التشيكية خاليا أمام الشخصيات الراغبة في التوافق. ولذلك فإنه حتى 1917م، ظلت هذه الأحزاب في تعاملها مع السلطات حذرة، إن لم تكن جبانة ورفضت الالتفات إلى دعوات المنفيين للمواجهة والمقاومة.

ويبدو أن إعلان الإمبراطور كارل الأول في نوفمبر 1916م أن مجلس النواب سينعقد في مايو من السنة التالية، بالإضافة إلى عفوه عن السجناء السياسيين، عزز موقف القادة التشيك الذين أصروا على الحفاظ على فتح قنوات الاتصال مع الحكومة. وكان يبدو أن حياة جديدة بعثت في “مذهب الفعالية” التشيكية ـ وهو المصطلح الذي استخدم لوصف العمل بفعالية داخل النظام لتحقيق إصلاح جذري. ولم يكن التهديد الرئيس للمصالح التشيكية قادمًا من مملكة الهابسبرج ذاتها، بل من كتلة الأحزاب ذات الأصل العرقي الألماني، حيث تجرأ هؤلاء القوميون الألمان النمساويون. بسبب اندلاع الحرب وتوقف مسرحية التنوع العرقي (البرلمان) ـ للضغط من أجل السيطرة السياسية واللغوية العرقية المباشرة على النصف الغربي من المملكة. ولكن عودة مجلس النواب إلى الانعقاد جعلت الأحزاب التشيكية تستغل الفرصة لاستعادة التوازن السياسي، ووضع حد لمؤامرات الكتلة الألمانية النمساوية من وراء الستار. وكان هذا هو الإيمان، الذي تمسك به العديد من القادة التشيك، بالتكامل الأصيل لمؤسسات الهابسبرج غير القومية.

ومن أجل تكوين معارضة برلمانية صلبة لمبادرات الألمان النمساويين، نظمت الأحزاب السياسية التشيكية الرئيسة نفسها في “الاتحاد التشيكي” بالإضافة إلى “اللجنة القومية التشيكية” (والتي أصبحت في يوليو 1918م تسمى “اللجنة القومية التشيكوسلوفاكية”). وكون الحزبان الاشتراكيان الرئيسان “الديمقراطيون الاشتراكيون” و”الاشتراكيون القوميون” ـ مجلسهما المشترك من أجل طرح مصالح الطبقة العاملة، ولكن بدون مناقشة السلطة العامة “للجنة القومية”، التي كانا مشاركين فيها. وحقق “الاتحاد التشيكي” تنسيقًا وثيقًا في التكتيكات البرلمانية مع كتلة “السلاف الجنوبيين”.

ومع جنوح الدولة النمساوية المجرية إلى المزيد من الاعتماد على ألمانيا، ومع الضغوط العسكرية والاقتصادية المتفاقمة، انهارت مصداقية سياسة “الفعالية” القديمة تمامًا. حيث وصم قادة الأحزاب “الفعاليون” بأنهم مجرد عملاء، وطردوا من مواقع السلطة. وتزايد نفوذ “المافي” (ومن خلالها تزايد نفوذ المنفيين مساريك وبينيس) عبر الطيف السياسي التشيكي، بل إن “الحزب الديموقراطي الاجتماعي التشيكي” طرد قائده بوهومير سميرال Bohumir Smeral مبكرًا في سبتمبر 1917م. إذ كان سميرال الشخص الدولي المتحمس يعتنق باستمرار فكرة أن الاشتراكية لن يكون لها آفاق حقيقية في الإقليم إذا تفكك الكيان الاقتصادي الكبير للنمسا ـ المجر إلى دول قومية مستقلة. حيث طرده القوميون الراديكاليون الذين رفضوا البرنامج الماركسي النمساوي القديم للاستقلال الذاتي الثقافي للقوميات، والذين حشدوا قواهم مع الأحزاب “البورجوازية” في حملة تقرير المصير القومي الكامل. أما سميرال فقد واصل مسيرته ليصبح واحدًا من مؤسسي الحزب الشيوعي التشيكوسلوفاكي. وبحلول أكتوبر 1918م، ومع انهيار سلطة الدولة على جميع الجوانب، تولت “اللجنة القومية التشيكوسلوفاكية” بصورة سلمية المسئوليات الإدارية في بوهيميا ومورافيا وأعلنت استقلال الدولة.

وعلى هذا النحو مضى التسلسل الزمني الأساسي للأحداث السياسية التي أدت إلى تكوين تشيكوسلوفاكيا، ولكن السؤال المهم هو: كيف كانت هذه العملية ترتبط بتأثير الحرب على الجمهور التشيكي الأوسع؟

في 1914م لم يكن ثمة ما يوضح أن الجمهور التشيكي كان أكثر رغبة في تحقيق الاستقلال السياسي القومي من قادته السياسيين. إذ كان تحقيق استقلال ذاتي أكبر في إطار مملكة الهابسبرج المتحدة يمثل أقرب شيء إلى الهدف المجمع عليه. وكان تأييده منتشرًا عبر القطاعات الاجتماعية والتقسيمات الإقليمية التشيكية. ولكن قبول المنفعة المحتملة من مملكة الهابسبرج الإصلاحية كان شيئًا، بينما كان الموت في سبيل الإمبراطورية النمساوية المجرية غير الإصلاحية في حرب ضد الرفاق السلاف من صربيا وروسيا يعتبر شيئًا آخر. إذ كانت تقارير حاكم بوهيميا في سبتمبر 1914م تحوي روايات عن مجندين سكارى في براغ يترنحون مستعرضين الأعلام القومية التشيكية ويلوحون براية حمراء، ويتساءلون عن سبب إرسالهم لقتال الروس، بينما تحثهم حشود متعاطفة على ألا يطلقوا الرصاص على إخوانهم السلاف.

ولكن هذه الثورات المبكرة للغضب سرعان ما تم قمعها؛ لأن سلطات الهابسبرج علقت الحريات المدنية في أرجاء الإمبراطورية، وألقت القبض على القادة القوميين، واستعادت مظاهر النظام والانضباط على الجبهة الداخلية. ومع ذلك أثرت الخسائر الاقتصادية الناجمة عن الحرب الشاملة على معنويات الشعوب بمرور السنين. فمع المعاناة الشديدة من الحصار البريطاني ضد “قوى المركز” وجدت مملكة الهابسبرج نفسها في وضع يصعب عليها توفير الطعام والوقود الكافي لسكانها المدنيين، وكانت احتياجات الجيش تأتي أولاً، وكانت المواد الأساسية كالخبز والفحم في حالة تقشف. وكانت بوهيميا المحرك الاقتصادي للإمبراطورية، إذ كانت تحوي أكثر من 70% من صناعتها الثقيلة (تشمل مجمع إنتاج الأسلحة الكبير “سكودا Skoda” في بلزن Plzen).  إلا أنه بحلول صيف 1918م، كانت الحكومة قادرة على تزويد المقيمين في هذا الإقليم الحيوي بحوالي 45% فقط من تموين الخبز الضئيل أصلاً والبالغ 165 جرامًا فقط في اليوم.

وقد قام بيتر هاناك Péter Hanák بدراسة تطور الرأي العام وقت الحرب بين القوميات الخاضعة لإمبراطورية الهابسبرج، حيث اعتمد عمله على آلاف الخطابات التي جمعتها الرقابة البريدية طوال فترة الصراع. وتوصل هاناك إلى أن صعوبات الحرب أكدت النظرة الثنائية للمجتمع لدى الطبقات الدنيا، على أنه ينقسم إلى أغنياء وفقراء، وإلى سلطات متعنتة ورعايا بائسين. فالأغنياء يستطيعون تحمل تكلفة شراء السلعة النادرة من السوق السوداء، وتجنب الخدمة العسكرية واستغلال نفوذهم. وفي الحالات العديدة التي كانت تتوافق فيها الفوارق الطبقية والعرقية مع بعضها، كانت كراهية الأغنياء والأقوياء تعني بالتعريف كراهية المجموعة العرقية الأخرى ـ مما يزيد شعور المجموعة المقهورة بوطأة التمييز العرقي.

وفي حالة التشيك، لم تكن الطبقية والعرقية متساويتين في الامتداد زمانًا ومكانًا؛ لأنهم كانوا في الأساس في حالة “شعوب الفلاحين” مثل الروتينيين Ruthenians (الأوكرانيين اليونيتين Uniate في جاليتشيا) أو السلوفاك. وكان هناك طبقات وسطى وطبقات وسطى عليا متطورة تمامًا، وطبقة عاملة صناعية تشيكية كبيرة ومنظمة جيدًا، وطبقة قروية تشيكية متقدمة اقتصاديًّا وثرية نسبيًا. ولذلك فإنه لا يمكن التسليم في هذه الحالة بأن الوعي المرتفع بالهويتين الاقتصادية والاجتماعية والقومية سيقويان بعضهما  تحت تأثير الحرب. فقد كان هناك احتمال للصراع بين هذين الشكلين من الهوية، فعندما دفعتهم صعوبات الحرب إلى المزيد من المشاركة في العمل السياسي، كان على الجماهير التشيكية أن تقرر ما إذا كان الهدف الرئيس من هذه المشاركة مواجهة الطبقات الثرية بصفة عامة، بغض النظر عن العرقية، أم مواجهة حكامهم غير التشيك.

وحظيت الولاءات القومية بالأولوية على الصراع الطبقي بين التشيك، ويرجع ذلك جزئيًا إلى أنماط ومفاهيم توزيع السلطة بين المجموعات العرقية في الإمبراطورية. فمثلاً، تفاقمت مرارة السكان من نقص الطعام الحاد الذي وصفناه سلفًا بسبب استمرار تصدير الحبوب من الأراضي التشيكية إلى ألمانيا طوال معظم فترة الحرب، وبسبب استمرار الشائعات بأن النصف المجري من المملكة المزدوجة كان يرفض مشاركة منتجاته الزراعية الوفيرة مع النصف الغربي من الإمبراطورية. وهذا يوضح الاعتماد الخارجي لتاج الهابسبرج على ألمانيا وضعفها الداخلي في مواجهة المجريين. إذ كان من الواضح تمامًا أن نجاة الهابسبرج من هذا الصراع المميت تعتمد على انتصار ألمانيا، وأن مثل هذا الانتصار كان سيجعل ألمانيا المهيمن الوحيد على أوروبا بصفة عامة، وشرق أوروبا الوسطى بصفة خاصة. وأدى هذا إلى زيادة جرأة أحزاب الوحدة الألمانية في البرلمان النمساوي المجري Reichstrat في مطالبتها بالسيطرة السياسية المحلية، بينما كانت الحكومة المجرية تتطلع إلى حرية أكبر في حسم شئونها الخاصة ـ وإهمال مصالح السلوفاك والكروات وغيرهم ـ في ظل تاج الهابسبرج الضعيف. وكان المستقبل السياسي للشعوب السلافية بالإمبراطورية سيبدو مظلمًا لوتمكنت قوات “قوى المركز” من السيطرة عليه. وهكذا أدت الصعوبات المادية التي عانتها الجماهير التشيكية يوميًا إلى تكوين بعد سياسي واضح جدًّا في أذهانهم، وذلك لأنها أدت إلى زيادة قوة المفهوم الموجود سلفًا والمتمثل في أن السلاف في إمبراطورية الهابسبرج كانوا يتعرضون باستمرار لقهر واستغلال الألمان والمجريين، وكان عدم كفاية الطعام لا يعتبر نتيجة للحرب بصفة عامة، بل كان يعتبر نتيجة خاصة لعدم المساواة بين أعراق الدولة النمساوية المجرية.

وكان التناقض بين القومية التشيكية والراديكالية السياسية الاجتماعية النمساوية الألمانية خلال الحرب واضحًا تمامًا. حيث شهد يناير 1918 اندلاع حركة إضراب شاسعة في فيينا ومدن ألمانية نمساوية أخرى، انتشرت بعد ذلك إلى المجر أيضًا. فمن الواضح أن العمال المضربين كانوا متأثرين بنموذج الثورة البلشفية، حيث كونوا في بعض الحالات سوفيتات Soviets (مجالس شعبية) على النموذج الروسي، وأعلنوا سخطهم من خلال الصراع الطبقي والحاجة إلى ثورة اجتماعية. ولذلك ذهبوا أنه من خلال الإطاحة بالنظام الاقتصادي الاجتماعي والسياسي القائم، يمكن أن تنتهي الحرب على جميع الجبهات بسرعة. وقد تطلب قمع هذه الإضرابات نشر سبع وحدات قتالية من الهابسبرج.

وكان هناك اهتمام كبير بهذه الحركة بين الطبقة العاملة التشيكية، وأعرب الحزب الديموقراطي الاجتماعي التشيكي رسميًا عن تعاطفه وتأييده لها، ولكن التشيك لم يقدموا الكثير من الناحية الفعلية. حيث تم تنظيم إضراب تعاطف ليوم واحد في المصانع التشيكية قبل نهاية يناير. وفي ذلك الوقت كانت السلطات قد استعادت السيطرة تمامًا على الموقف في النمسا. ولم ينضم العمال التشيك إلى الإضراب بمجرد بدايته إلا في الضواحي الصناعية لبرنو Brno عاصمة مورافيا. إذ كان من الواضح أن قيادة الديموقراطيين الاجتماعيين التشيك اتخذت قرارًا بتجنب الصدام مع أحزاب الطبقة الوسطى التشيكية، والبقاء متفرجة متعاطفة، بدلاً من أن تصبح مشاركة نشطة في السعي نحو إشعال ثورة اجتماعية في الإمبراطورية كلها. فقد كان تركيب قيادة الديموقراطيين الاجتماعيين في حد ذاته يعكس الكراهية الشعبية والضغوط العامة التي أدت إلى إزاحة الشخصية الدولية الملتزمة التي يمثلها سميرال من رئاسة الحزب في سبتمبر 1917م، واستيلاء القوميين داخل الحركة على السلطة.

ولكن لماذا أصبحت الهوية القومية نقطة مرجعية هامة للتشيك من الطبقات العاملة والوسطى؟ لقد كان من ضمن الثنائيات السياسية الاجتماعية، التي أشار إليها هاناك في تحليله لمفاهيم الطبقة الوسطى، ثنائيات الأغنياء والفقراء، وملاك الأراضي والفلاحين، والرأسماليين وعمال البروليتاريا، ولكن أهم ثنائية في عقول الجماهير كانت تتحدد بالتفاوت في السلطة، وليس في الثروة المادية في حد ذاتها، أي أن الصعوبات المادية المرتبطة بالحرب لم تولد الصراع الطبقي تلقائيًا. ولكنها أكدت التمييز الشعبي بين من يملكون السلطة ومن لا يملكونها.

وفي حالة الطبقات الدنيا من الشعب التشيكي المتفاوت اقتصاديًا واجتماعيًا، كان المفهوم السائد يتمثل في أن الألمان كمجموعة يتمتعون بالسلطة، في حين أن التشيك كمجتمع لا يتمتعون بها. وكان واضحًا تمامًا أن البورجوازية التشيكية لم تكن هي التي جرت البلاد إلى الحرب (حتى إذا كان بعض الصناعيين التشيك قد حققوا مكاسب من العقود العسكرية) أو شحن الحبوب إلى ألمانيا، فقد كانت دولة الهابسبرج هي التي فرضت هذه القرارات قسرًا على التشيك من جميع الطبقات. وذلك لأن شعور التشيك من جميع الطبقات بأنهم كانوا ضحايا استغلال الهابسبرج وألمانيا زاد الإحساس بالمجتمع القومي الذي كان يتطور بسرعة قبل الحرب. والأهم من ذلك أنه قوض الإيمان بأن حقوق الأمة يمكن ضمانها في إطار مملكة الهابسبرج. وبحلول 1918م، كان يبدو واضحًا لمعظم التشيك أن أي نوع من الإصلاح الاجتماعي لن يتحقق إلا بعد حل المشكلة الأساسية للاستغلال الإمبريالي.

أراضي سلاف الجنوب

هناك صعوبة أكبر في تقديم تقرير متماسك أو حتى متسلسل لتطور الوعي القومي خلال الحرب بين سلاف الجنوب في إمبراطورية الهابسبرج، إذ إن التداخل الكبير بين التوزيعات الإقليمية المختلفة للصرب والكروات والمسلمين يعقد الجهود الرامية إلى تحديد الهويات القومية في الإقليم، فضلا عن الانقسامات العميقة داخل المجموعات العرقية بين الثقافات الحضرية والريفية (خاصة بين الكروات) وبين العناصر الليبرالية العلمانية والدينية الكنسية. وأدت ضغوط حالة الحرب إلى تعقيد الأمور بدرجة أكبر، وذلك عندما تطلعت السلطات المدنية وجيش الهابسبرج إلى فرض السيطرة على الأقاليم المجاورة للجبهة الصربية، واتبعت أجندات متعارضة. وبالتحديد فإن هذا النمط من الفوضى والتشتت هو الذي بلور المبدأ المنظم للرواية التالية: من الممكن أن الأطراف التاريخية المعاصرة كانت في حالة من الارتباك كذلك الإرتباك الذي يواجهه المؤرخون المعاصرون حيال استخلاص العبر من الظروف السياسية سريعة التغير والعواطف الشعبية كثيرة التقلب. فقد كثفت الحرب المشاعر القومية بين شعوب سلاف الجنوب، بينما عقدت مسألة إلى أين تتجه هذه المشاعر، وما الذي يمثل أفضل الأطر الثقافية والسياسية لتقرير المصير القومي.

وأدى اندلاع الحرب إلى تصدع النشاط السياسي المعارض في أرجاء أقاليم سلاف الجنوب في الإمبراطورية، وكانت السلطات المدنية تحتفظ بالسيطرة التشريعية على كرواتيا التي تحكمها المجر. ولكن جيش الهابسبرج اعتبر الإقليم منطقة حربية واطلق العنان لفرض “إجراءات أمنية” بلا رادع، حيث واجه مئات من الصرب المدنيين الموت، وأُبعد الكثير منهم، على أساس تهم غامضة أو ملفقة بالتجسس. وبالطبع كان بعض الصرب يشاركون في شبكات التخريب، بل إن الصرب المحليين في إحدى المناطق الحدودية رحبوا بالجيش الصربي بحرارة خلال اجتياحه الوجيز للإقليم. ولكن جيش الهابسبرج وضع السكان الصرب جميعًا موضع شك، واستغل فرصة سلطاته الاستثنائية وقت الحرب لإطلاق حملة إرهاب مصممة للقضاء على أية إمكانية لعمل سياسي جماعي من قبل الأقلية ذات الأصل العرقي الصربي. وتفاقم الموقف بسبب الحركة الارتدادية المناهضة للصرب بين الكثير من الكروات الذين نسوا حماسهم المؤيد للصرب في السنوات القليلة السابقة (انظر الفصل الثالث) وانخرطوا في احتجاجات وأعمال عنف في شوارع زغرب (وفي دوبروفنيك وسراييفو) في أعقاب اغتيال الوريث الشرعي لمملكة الهابسبرج فرانز فردناند وزوجته في سراييفو في يوليو 1914م. وبشكل حماسي شجع القوميون الكروات من حزب فرانك الحملة العنيفة للجيش ضد الأقلية الصربية، وصرح جناحهم الحزبي (الكروات Hrvatska) بأن “الصرب عبارة عن ثعابين سامة لا يمكن أن تكون بمأمن منها إلا بعد أن تسحق رؤوسها”. وكان أبرز النشطاء اليوغسلاف في “التحالف الكرواتي الصربي” (HSK) الذي كان لا يزال يمثل أكبر تجمع في البرلمان الكرواتي (السابور Sabor) ـ إما في المنفي فعلاً في الدول الحليفة، أو استطاعوا أن يشقوا طريقهم إلى هناك (انظر الفصل الخامس). وكان ذلك التحالف تحت قيادة سفيتوزار بريبيشفيتش Svetozar Pribićević (1875 ـ 1936م)، قائد جناحه الصربي، الذي غير اتجاهه مؤخرًا نحو الدفاع الانتهازي عن المصلحة الجماعية للصرب من خلال التعاون مع حكومة المجر. ومع انهمار الدعاية الحكومية الخبيثة المناهضة للصرب، أعلن التحالف الكرواتي الصربي المذعور ولاءه لدولة الهابسبرج والتزامه الشديد بقضية النصر العسكري على الصرب وروسيا، بينما كان يبحث بيأس عن حماية السلطات المدنية في بودابست من سلب ونهب جيش الهابسبرج. وفي دالماشيا التي كانت تحكمها النمسا، ظهر التأييد العام لليوغسلافية أكثر ثباتًا، ولكن حتى هنا كان يمكن القول أن ذلك التأييد كان حاضرا فقط بين الطبقات الوسطى الحضرية المتعلمة التي كان عداؤها للكنيسة وتوجهها التجاري يجعلها غريبة عن الفلاحين المحليين.

وفي البوسنة ـ التي كان مجتمعها الصربي الكبير يمثل أرضًا خصبة لحركة الشباب القوميين المؤيدة للصرب (البوسنة الفتاة Mlada Bosna) في سنوات ما قبل 1914م ـ تم فرض القانون العسكري بضراوة عقب اندلاع الحرب. ووضع آلاف من النشطاء المشكوك فيهم في معسكرات الاعتقال، وكان صرب البوسنة يعاملون كأعداء من جانب قوات الهابسبرج بقيادة الجنرال الكرواتي ساركوتيتش Sarkotić. وكانت المحاكم العسكرية العاجلة تمثل القاعدة، حيث تم إعدام مئات المتهمين بالتجسس أو التخريب بدون تحقق من التهم. وكجزء من سياسة “فرق تسد” المقصودة، نظمت سلطات الهابسبرج مسلمي البوسنة والكروات في ميلشيا ـ (قوات دفاع) Schutzkorps ـ مكلفة بقمع وإجهاض نشاط حرب العصابات الصربية. وأدت أساليب قوات الدفاع الوحشية ـ التي كانت تصل إلى حد المذابح العشوائية ـ إلى صب مزيد من الزيت على نار العداوة القديمة بين المسلمين والصرب في البوسنة، وتفاقم العداء بين الكروات والصرب.

ولكن المقاطعات التي كان يقطنها السلوفينيون كانت بعيدة عن الجبهة، وبالتالي نجت من التدخلات الإدارية للجيش، ولكن السلطات المدنية النمساوية أثبتت أنها أكثر قسوة في قمعها للمطبوعات والمسرح الكرواتي. وفي الواقع، كانت ثقافة السلوفينيين مقهورة جدًّا خلال السنتين الأوليين من الحرب. إذ كانت الصحف والمجلات المرتبطة بالجناح الديني المحافظ المخلص الموالي لهابسبرج في السياسة والثقافة السلوفينية تحظى بحرية التعبير عن آرائها، بينما تعرضت لرقابة شديدة الصحافة الليبرالية التي تولت قضية “اليوغسلافية الثلاثية Triune Yougoslavism” (الدعوة إلى تكوين كيان سلافي جنوبي يتمتع بالحكم الذاتي كعنصر ثالث مكون لمملكة الهابسبرج المعدل تشكيلها، بحيث تصبح يوجسلافيا العمود الثالث إلى جانب النمسا والمجر في تلك المملكة). وكذلك كانت الحياة المسرحية السلوفينية ومظاهرها الليبرالية مقيدة بشدة، بينما ملأت الثقافية الناطقة بالألمانية الفراغ الناتج عن ذلك جزئيًا في مسارح العاصمة ليوبلانا ( مسرح لايباخ Laibach). ولا شك أن هذه السياسات لم تشجع على دفء العلاقات بين المجتمعات الألمانية والسلوفينية في ليوبلانا، ولم تمنح السلوفينيين إحساسًا بأنهم يمكنهم الاستفادة من انتصار الهابسبرج في الحرب.

وعلى مدار 1917م ـ 1918م، أصبحت الأعمال الأدبية والمنتجات المسرحية الكرواتية والسلوفينية أكثر جرأة في طرح الأفكار اليوغسلافية، حيث قامت أوبرا بعنوان “قناع الساحرة The Witch Veil”، عرضت لأول مرة في زغرب في 1917م، بالجمع بين الأساليب المسرحية الحديثة وبنية فاجنر المسرحية وعناصر من الموسيقى الكلاسيكية اليوجسلافية في عرضها لقصة شعبية صربية بطولية. وشهدت نفس الفترة أيضًا تأسيس مجلات أدبية موجهة خصيصًا لتشجيع الوعي والمركب الثقافي اليوغسلافي مثل مجلة “أدب الجنوب Knjizevni Jug” في زغرب (والتي نشرت لأول مرة في يناير 1918م) والتي ركزت على الدعوة إلى تقديم الإسهامات بكل الوسائط اللغوية السلافية الجنوبية الثلاث (السيريلية، والأشكال المكتوبة باللاتينية من الصربية الكرواتية، والسلوفينية). ففي فبراير 1918م، حاولت صحيفة تصدر من زغرب الترتيب لاحتفال عام بالعيد المئوي لمولد بيتر بريرادوفيتش  Petar Preradovicأحد أشهر شعراء الإحياء القومي الإليراني. وعندما تم حظر الاحتفال، تحدي الجمهور السلطات من خلال ردود أفعال ارتجالية، حيث أغلقوا المتاجر طوال اليوم، ورفعوا الأعلام الصربية والكرواتية والسلوفينية، وأعربوا عن سخطهم بجوار قبر الشاعر.

وبالرغم من كل هذه التأكيدات الجريئة المبهجة للقومية الليبرالية، لم يفلح التضامن اليوغسلافي في كسب أصداء قوية من الريف الكرواتي، حيث كانت الطبقات التجارية والمهنية الحضرية، تعتبر من المتحايلين على القانون والمتهربين الذين استطاعوا تجنب التجنيد الإجباري، واستفادوا من تجارة السوق السوداء وتضاعف أسعار السلع. بينما فقد الفلاحون قوتهم العاملة بسبب التجنيد الإجباري، وفقدوا ماشيتهم بسبب مصادرة المؤن أثناء الحرب، وفقدوا دخولهم بسبب ارتفاع معدلات الريع أو الضرائب. وقد تفجرت هذه الأوضاع السيئة في صورة اضطرابات اجتماعية عنيفة في صيف وخريف 1918م، حيث انضم الهاربون من الجيش في الريف الكرواتي ـ والذين تضخمت أعدادهم بسبب تدفق أسرى الحرب الكروات المفرج عنهم مؤخرًا من الأسر الروسي، وغير الراغبين في العودة إلى أتون الحرب ـ إلى الفلاحين الكروات المحرومين في حملة متصاعدة من اللصوصية الاجتماعية. وكانت هذه القوات تعرف باسم “الكوادر الخضراء Green Cadres” ووصلت أعدادها إلى عشرات الآلاف في خريف 1918م. حيث وجهت غضبها ضد ملاك الأراضي وممثلي سلطة الدولة، ودمرت السجلات الوثائقية المستخدمة في جميع الريع والضرائب، وخلال ذروة التمرد في أكتوبر ـ نوفمبر 1918م، شنت غارات على المدن في أرجاء كرواتيا ـ سلافونيا.

لقد كانت تلك حربًا طبقية في المقام الأول، ولم تكن تعبيرًا عن مشاعر قومية. أما في سياق الأحداث العسكرية والسياسية لسنة 1918م، كان أثرها خطيرا على تطور السياسات القومية في الإقليم. ففي الواقع، لعبت العرقية دورًا مباشرًا في تشكيل الأطر المرجعية السياسية للاضطرابات الريفية: إذ كان الفلاحون الكروات يفضلون إعلان جمهورية كرواتية مستقلة قائمة على المساواة الاجتماعية، أو حتى البقاء تحت حكم الهابسبرج، وليس الاندماج مع صربيا. وعلى العكس، كان الكثيرون من الأقلية القروية الصربية في كرواتيا ـ التي أخضعها جيش الهابسبرج لمعاملة قاسية جدًّا طوال السنوات الأربع السابقة ـ ينتظرون بلهفة التحرير على أيدي القوات الصربية التي كانت في سبتمبر 1918م تشق طريقها شمالاً من رأس جسر الحلفاء المتوسع في سالونيك. ولعبت الانقسامات العرقية دورًا في تشكيل أنماط العنف أيضًا. ففي العديد من الغارات على المدن، كانت “الكوادر الخضراء” تصب نار غضبها على قوات الشرطة والعاملين المدنيين الذين كانوا يقابلونهم، ونهبت عددًا من المؤسسات التجارية. ومع ذلك كانت المحال المملوكة لليهود أكثر عرضة للسلب والحرق المنظم مقارنة بالمستودعات غير اليهودية. وفي بعض الحالات، كان يتم تمييز المحال المملوكة للصرب لتلقى معاملة قاسية أيضًا (بالرغم من أنه في حالات عديدة كان الفلاحون الصرب والكروات يشاركون بقدر مماثل في الهجمات العامة على الطبقات الثرية والبيروقراطية المحلية). وكان الفلاحون الصرب بصفة عامة أكثر تحمسًا لفكرة الاتحاد اليوغسلافي (والتي كانوا يعتبرونها إرساء مباشرا لمملكة صربية في الإقليم)، مقارنة بالكروات، مما ساهم في حدوث توتر وعنف داخل المجتمع. واشتعل القتال بين الصرب والمسلمين في البوسنة في الأقاليم الحدودية الكرواتية أيضًا. ومع انهيار دولة الهابسبرج في أكتوبر ـ نوفمبر 1918م، تحولت السلطات المحلية المذعورة في شرق كرواتيا (سلافونيا) إلى أسرى الحرب الصرب المحررين (أي أفراد القوات المسلحة الصربية التي سقطت في أسر الهابسبرج) لحمايتها من الفلاحين الكروات المغيرين.

وفي ظل الحاجة إلى التصرف بحكمة في وجه المطالب الإقليمية لإيطاليا والتحركات العسكرية في إستريا ودالماشيا، تضافرت مجموعة من العوامل لتفرض على “المجلس القومي” في زغرب تخطي “اللجنة القومية اليوغسلافية” وقبول اندماج غير مشروط لأراضي سلاف جنوب الهابسبرج مع صربيا بحلول الأول من ديسمبر 1918. ولكن أحد العوامل الحاسمة التي أدت إلى هذا التطور تجسدت في الرعب الذي زرعته “الكوادر الخضراء” في قلوب الطبقة الوسطى الكرواتية، والتي خشيت من انتشار العنف إلى مدن الإقليم. فمع خروج قوات الهابسبرج من الساحة، ومع عدم قدرتها على الحفاظ على النظام، تطلعت النخبة السياسية الكرواتية إلى جيش دولة صربيا المستعادة باعتباره أقرب مصدر للخلاص من تهديد الثورة الاجتماعية وما اعتبرته بمثابة بلشفية قروية. وفي 5 نوفمبر، أصدر “المجلس القومي” المتعجل نداءً إلى القوات الصربية للذهاب لاستعادة النظام. وهكذا التأمت صربيا، وبحلول منتصف نوفمبر، كانت معظم الأقاليم تنعم بهدوء قسري. وكانت القوات الصربية تحتل معظم كرواتيا (من بين أقاليم الهابسبرج السابقة الأخرى). وفي المفاوضات السياسية المتعجلة التي كانت سارية، سيطر الجناح الصربي من التحالف الصربي الكرواتي على مداولات “المجلس القومي” بينما شعر القادة الكروات بعدم استعدادهم للمقاومة. وهذا هو سبب السهولة التي ضمنت بها بلجراد الاتفاق على اتحاد سلاف جنوب الهابسبرج مع الصرب في ظل الأسرة الملكية الصربية، مع المغازلة الغامضة لحماية الحقوق الجماعية لغير الصرب داخل الكيان الجديد. لقد كانت مفارقة تاريخية مريرة؛ لأن شروط تأسيس دولة يوغسلافيا الموحدة تحددت بسبب التفكك الكرواتي الداخلي وانتهازية النظام الصربي، وليس بسبب القوة الشاملة لتضامن الصرب، والكروات، والسلوفينيين.

البعد العرقي للحرب والثورة في روسيا:

تمت الإطاحة بالنظام القيصري في مارس 1917م، على خلفية مستوى مفزع من سوء إدارة المجهود الحربي من قبل حكومة لم تكن قادرة نفسيًا وتنظيميًا على التعبئة الفعالة للموارد البشرية والطبيعية للبلاد. حيث تحول هجوم بروسيلوف Brusilov في 1916م إلى هزيمة فوضوية عندما ضغطت القوات الألمانية بشدة على الجيش الروسي الذي كانت بنيته التحتية اللوجستية ومعنوياته تنهار تمامًا. وظلت “الحكومة المؤقتة” التي حلت محل القيصر ملتزمة بشدة بقضية الحلفاء، ولكن محاولتها إحياء المجهود الحربي الروسي أدت إلى الإطاحة بها على أيدي البلاشفة، الذين استولوا على السلطة في انقلاب عسكري في نوفمبر 1917م.

وقد فشلت الجهود الدعائية وقت الحرب في روسيا القيصرية في تكوين إطار دائم للتضامن البطولي الذي يوحد المجتمع والدولة. إذ أن الموجة الأولية من الإيمان المتفائل بالقيصر والشعب والأرض، والذي انتشر بسرعة بين القطاعات الحضرية والمتعلمة في المجتمع الروسي في أغسطس 1914م، سرعان ما تحول إلى سلسلة متعاقبة من الأمواج المتكسرة وتيارات خطيرة تحت السطح. فقد فقدت الصورة الملكية بريقها بسرعة، ولم تعد نقطة مرجعية بطولية لدى الشعب، حيث اختفت عمليًا خلال أشهر من وسائل الإعلام الثقافية العليا والشعبية معًا، ولكنها استمرت فقط في المنشورات المملة للجهات الدعائية الرسمية. وعندما انهار النظام، كان قد نجح في دفع كل طبقات المجتمع إلى الشعور باغتراب تام. بل إن أكثر الأعضاء تعليمًا في الطبقة الليبرالية داهمهم شك لا أساس له في أن القيصر والمقربين منه كانوا يتواطئون فعلاً مع العدو، ولكن إذا اتفق معظم الروس على أن “النظام القديم” لم يجسد هوية الأمة، لن يكون هناك إجماع على ما يجسدها.

وهكذا لعبت العرقية دورًا هامًا في تحديد طبيعة مشاركة غير الروس في المجهود الحربي، وفي تشكيل سلوكهم كجنود. إذ كان العديد من القوميات في صربيا والقوقاز ووسط آسيا وفنلندا معفاة من الخدمة العسكرية. وكما سنرى فيما يلي، فقد أثار انتهاك الحكومة للإعفاء من الخدمة العسكرية في آسيا الوسطى إلى إثارة قلاقل مدنية في الإقليم. أما في فنلندا، فقد احترمت الحكومة الروسية الإعفاء من التجنيد، ولكن تدفق الجنود والبحارة وقت الحرب من الجيش الروسي، وتدفق العمال من جميع أنحاء الإمبراطورية لبناء التحصينات الساحلية الفنلندية، أثار المشاعر العنصرية والخوف المرضي من الأغراب لدى الشعب الفنلندي وزاد كراهية الحكم الروسي، وتضافر ذلك مع المصاعب الاقتصادية المرتبطة بالحرب.

أما بالنسبة للمجندين من القوميات غير الروسية، والذين خضعوا للخدمة العسكرية، فكان الهروب من صفوف الجيش في معظم الحالات أكثر انتشارًا منه بين القوات القروية الروسية غير المتأثرة. وبالعكس، فإنه في الحالات التي كان فيها احتمال الغزو الأجنبي له مضامين سيئة محددة لمجموعة عرقية معينة، كان التزام جنودها بالمجهود الحربي أعلى من المعتاد. إذ كان هذا حال وحدات المتطوعين الأرمن المنتشرة في القوقاز، حيث شجعتهم معرفتهم بعادة الجيش العثماني بذبح المجتمعات الأرمنية على الحفاظ على المقاومة العسكرية المستميتة حتى بعد انهيار الجبهة ككل بوقت طويل. وبالمثل، شكل اللاتفيون قوة رماة متطوعين خاصة للمساعدة في الدفاع عن أراضيهم ضد الألمان؛ وذلك لأن انتصار الألمان كان سيمكن ألمان البلطيق من ممارسة سيطرة محلية أكثر استغلالاً مما كانت تتمتع به من قبل.

القومية والانفصالية في ظل الحكومة الانتقالية

فتحت الثورة الروسية في مارس 1917م الباب على مصارعه لسيل جارف من المطالب والطموحات الاجتماعية والسياسية المتناقضة التي مزقت أوصال الدولة ذات، وألقت بها في النهاية في دوامة الحرب الأهلية. ومع انهيار الآلة العسكرية الروسية خلال 1917م، أصبح التمييز بين الحياة العسكرية والقطاع المدني، وبين الشئون العسكرية والسياسية المحلية أكثر غموضًا. حيث شكل الجنود في الميدان مجالس سوفيتية تطالب بإصلاحات عادلة داخل الجيش، بينما أقاموا علاقات وثيقة مع الأحزاب اليسارية النشطة في سوفيتات العمال في بتروجراد وموسكو. وأثار شعار لينين “الأرض والسلام” أصداء قوية بين الجنود الفلاحين الذين كانوا يشكلون الغالبية العظمى من مجندي الجيش، ولعبت العناصر البلشفية في الجيش دورًا هامًا في تحدي سلطات قادة الجيش والحكومة الانتقالية أيضًا. وقام عشرات الآلاف من الجنود “بالتصويت بأقدامهم” (بحسب نصيحة لينين) وذلك بالهروب من وحداتهم والعودة إلى ديارهم، حيث أضافوا عنصرًا إضافيًا من السخط العنيف إلى المرجل الذي كان يغلي بالصراع السياسي الاجتماعي. وأصبح الكثيرون من الجنود غير الروس الذين تركوا صفوف الجيش (والذين فعلوا ذلك بنسبة أعلى من الجنود الروس) يشاركون بفعالية في الصراعات العرقية والنضال من أجل التحرر القومي الذي اجتاح الأراضي الحدودية للإمبراطورية السابقة، عندما أفسحت الحرب ضد الألمان الطريق لنشوب حرب أهلية.

وكانت الحكومة الانتقالية تتطلع إلى كسب شرعية واسعة بين شعوب الإمبراطورية، ولكنها كانت في نفس الوقت تخشى من رؤية مبدأ تقرير المصير القومي يصل إلى نهايته المنطقية، والذي سيعني تجزئة الدولة الإمبراطورية. وكان هذا النوع من الازدواجية يميز اتجاهات ما قبل الحرب لدى الحزبين اللذين كانا يسيطران على الحكومة الانتقالية. وكان الكاديتس مشهورين بتفضيل الاستقلال الذاتي الثقافي لكل القوميات، وإعادة الاستقلال الذاتي الإداري / السياسي، إلى فنلندا وبولندا. وكانوا يعارضون الاتحاد الفيدرالي للدولة الروسية ككل، على أساس أن هذا سيعقد التوترات العرقية، بدلاً من أن يحلها. وتبنى المنبر الرسمي للثوريين الاشتراكيين أوسع تطبيق ممكن لمبدأ الفيدرالية على العلاقات بين القوميات المختلفة، ولكن الحزب كان مشتتًا بسبب الاختلافات الداخلية على المدى الذي يمكن أن يصل إليه تطبيق هذه السياسة بدون حدوث تفكك اقتصادي أو الإضرار بالوعي الطبقي.

وعندما وصلت الحكومة الانتقالية إلى السلطة، استبعدت كل التشريعات التي تتحيز ضد الأقليات العرقية والدينية، وأقرت المساواة المدنية الكاملة كأساس للنظام القانوني. وأعلنت أيضًا اعترافها بحق الشعب الفنلندي في “الاستقلال السياسي الداخلي”. وأصدرت إعلانًا يعترف بحق بولندا في الحكم الذاتي. وكان الموقف الرسمي لبتروجراد من حركات الاستقلال الذاتي يرى أن فكرة إعادة تنظيم روسيا كاتحاد ديموقراطي بين القوميات ـ كما اقترح مؤتمر الشعوب غير الروسية في الإمبراطورية الروسية، والذي عقد في كييف في سبتمبر ـ فكرة جيدة من حيث المبدأ، ولكن الحكومة الانتقالية افتقدت السلطة لتطبيق هذه السياسية. واضطرت كل مبادرة هامة أن تنتظر انتخاب “المجلس الدستوري”. وكان القادة القوميون يعتبرون هذا الموقف مراوغة قانونية كبيرة تخفي شوفينية “روسيا العظمى” لدى القيادة الجديد للبلاد. وكما لو كانت بتروجراد تريد أن تؤكد أنها لا تستطيع الانفصال عن الماضي، فقد أثبتت عدم رغبتها أو عدم قدرتها على التفاوض على حل وسط حتى مع قادة البرلمان الفنلندي  ( Sejm)المشكل حديثًا، بل إنها قامت بحل المجلس.

الأسس الاجتماعية الثقافية للاضطراب العرقي:

يبدو أن السجلات الرسمية للجمعيات والمجالس القومية التي أصدرت قرارات، وأعلنت بيانات خلال 1917، تشير إلى أن كل أقلية عرقية في البلاد كانت متحدة في تصميمها الفريد على تحقيق الحكم الذاتي، إما في اتحاد فيدرالي، أو من خلال الانفصال المباشر. ولكن الحقيقة تتمثل في أن بعض هذه الوثائق نتجت عن اجتماعات مقصودة لا تمثل سوى نفسها، وخاصة في حالة بيلاروسيا، حيث قام “حزب هرومادا” القومي بتنظيم “المؤتمر القومي” الذي حاول تأسيس جمهورية مستقلة في ديسمبر 1917م، ولكن لم تظهر أصداء التأييد لموقفه بين الفلاحين الذين كانوا يشكلون الغالبية العظمى من السكان. فقد كانت جماعة المثقفين الناقمين التي اتخذت هذا الموقف المثير في مشروع بناء الأمة عبارة عن أعضاء مجتمع حضري بيلاروسي صغير أقل كثيرا عن عدد البولنديين واليهود حتى في منسك، عاصمة الجمهورية الجديدة (بيلاروسيا). وفي الواقع، نجد في انتخابات “المجلس التأسيسي” (التي أجريت على مدار أسبوعين في نوفمبر ـ ديسمبر 1917م)، أن البلاشفة حصلوا على أكثر من 60% من الأصوات في بيلاروسيا، مما يشير إلى أن شعار لينين “الأرض والسلام” كان أكثر جاذبية للفلاح البيلاروسي البسيط من “تقرير المصير القومي”. وكان السبب الوحيد الذي منح أهمية لإعلان هرومادا عن الدولة المستقلة يتمثل في التقدم العسكري الألماني نحو بيلاروسيا في فبراير 1918م، وبناء عليه تبنت القيادة العليا الألمانية فكرة الدولة المستقلة في بيلاروسيا اسميًا كغطاء مناسب لفرض الحكم الألماني. ووفر الغزو الألماني أيضًا الفرصة لإعلان استقلال لاتفيا.

ومع ذلك، استطاع العديد من الحركات القومية التي كانت نشطة في هذه الفترة إثارة استجابة إيجابية بين الجماهير التي كانت تتحدث باسمها. وأدى الدمار الاقتصادي في كافة أرجاء البلاد، وتفتت المؤسسات السياسية في البلاد، إلى الإطاحة بالعديد من المجتمعات واجبارها على الدفاع عن نفسها وسط كابوس رهيب.

وكان تطور العلاقة بين بتروجراد وأوكرانيا يتأثر كثيرًا بضغوط السياسة الشعبية الأوكرانية خلال هذه الفترة. حيث تعارضت النبرة المعتدلة للمطالب المبدئية للمجلس مع تيارات الراديكالية الاجتماعية والسياسية التي كانت تجتاح الريف الأوكراني في 1917م. وأصبحت المطالبة الشعبية بالتغيير الاقتصادي ترتبط بالمطالبة بموقف أقوى في قضية تقرير المصير القومي، وساهمت هذه الحركة الشعبية في تقوية موقف “المجلس” وذلك مثل تكتيكات المراوغة الواضحة للحكومة الانتقالية الروسية.

وكان المحفزان الرئيسان للراديكالية القومية في الريف الأوكراني يتمثلان في تجربة المجندين في الحرب، والكراهية العامة لأنماط ملكية الأرض الشائعة. إذ أخرجت الخدمة الإجبارية في الجيش الفلاحين من النطاق الضيق لوجودهم الريفي، وعرضتهم للاتصال الوثيق ـ غير المريح ـ مع أعضاء من مجموعات عرقية غير مألوفة، ومع أقرانهم من مختلف أنحاء أوكرانيا. وأدى هذا إلى زيادة وعيهم بالجوانب المشتركة مع زملائهم المجندين الذين يتحدثون نفس اللغة، مقارنة بغيرهم الذين كانت عاداتهم ولغاتهم غريبة وغير مألوفة بالنسبة لهم، حيث عززت وحشية الحرب من بلورة الانتماءات العرقية. ولم تكن العداوة تنصب كثيرًا على العدو الألماني أو النمساوي المجري المحدد رسميًا، مثلما كانت على القوات التي يسيطر عليها الروس، والتي كانت ترسل المجندين إلى الموت. وبمجرد أن وصلت كلمة “ثورة مارس” إلى الجبهة، بدأ الجنود الأوكرانيون ـ الذين كانوا ينظمون أنفسهم على نمط التشكيلات العسكرية البولندية التي كانت تتشكل بمباركة بتروجراد في ذلك الوقت ـ في تكوين منظمات تتطلع “للمجلس” لقيادتها، وتنادي بتكوين وحدات مسلحة أوكرانية منفصلة. (وحدثت عملية مشابهة بين جنود العديد من القوميات غير الروسية الأخرى). ونظم الجنود في كييف “المؤتمرات العسكرية الأوكرانية” التي انعقدت في مايو، ثم في يونيو وأكتوبر، وذلك في مخالفة لأوامر بتروجراد. فكانت هذه الاجتماعات العنيفة مقدمة لصياغة المطالب الراديكالية بالاستقلال السياسي الكامل، بغض النظر عن الترددات القانونية للحكومة الانتقالية.

أما فيما بين الفلاحين الأوكرانيين، فقد أثارت الاضطرابات السياسية في 1917م توقعات كبيرة بالخلاص من الاستغلال والحرمان الاقتصادي. وأخذ ذلك شكلاً واضحًا في المطالبة بإعادة توزيع الأراضي مباشرة، وبأخذها من الطبقة الحاكمة البولندية والروسية وتوزيعها على الفلاحين الأوكرانيين.

المصدر: منتدى الباحثيين السياسيين العرب