دراسات سياسيةدراسات شرق أوسطيةدراسات مغاربيةنظرية العلاقات الدولية

آفاق التكامل المغاربي: الإمكانات المتوفرة والسيناريوهات المرجحة

اشتراك سنوي في المكتبة المميزة (اضغط على الصورة)

إن مسألة تحقيق التكامل والتنمية الشاملة بالدول المغاربية عملية تتعـدى الإمكانيـات القطريـة وتتطلب توحيد الجهود والإستفادة من الموارد المتاحة على مستوى الإتحاد المغاربي خاصة ونحن نعيش عصر التكتلات الإقتصادية الكبرى الذي تفقد فيه الدول الضعيفة أو الدويلات الناميـة وزنهـا وتصـبح مجرد تابع في مجال العلاقات الدولية وتتأثر بإنعكاساتها السلبية.

ولذا أصبح من الضروري الإنتقال من مرحلة الإجراءات القطرية المنعزلة التنافرية في العقـود السابقة إلى مرحلة التنسيق الفعلي والتخطيط  التوجيهي على مسـتوى دول  الإتحـاد لتحقيـق التكامـل الإقتصادي بإعتباره الإطار المؤسسي الملائم الذي يتم في إطاره استخدام المـوارد المتـوفرة اسـتخداما رشيدا عن طريق التأليف العقلاني، والمزج الفعال لعناصر الإنتاج المتباينة على مستوى تلـك الأقطـار التي تتقاسم في النهاية منافع هذا التعاون وثماره الأكيدة ولا يمكن للدول المغاربية أن تعيش بمعزل عمـا يجري في العالم الحديث من تكتلات تجاوزت حدود القارات لتحقيق المنافع الإقتصادية، بـل أصـبحت الضرورة ملحة والحاجة ماسة لتجاوز الخلافات المفتعلة والعمل على إنشـاء هـذا الإطـار المؤسسـي للقضاء على التبعية والتخلص من مخاطرها السياسية كخطوة في الطريق الصحيح لتحقيـق  الإسـتقلال  الإقتصادي بمفهومه الواسع.

فالتكامل الإقتصادي بين الدول المغاربية هو تحقيق نوع من التشابك والإنـدماج بـين فـروع وأنشطة الإقتصاديات القطرية وإيجاد سوق واحدة للسلع والخدمات وعوامل الإنتاج وهـو يتـدرج مـن الشكل البسيط من التنسيق الإقتصادي كالتخفيف من الحواجز الجمركية إلى الأشكال الأكثر تعقيدا التـي يتم في إطارها قيام اتحاد اقتصادي بين الدول المتكاملة.

وبقدر توافر عوامل التكامل تكون فرص نجاح هذا التكامل أكبـر خاصـة إذا تـوفرت الإرادة والمنهج الصحيح وهذا ما يجعلنا نطرح التساؤل التالي: هل يتوفر للدول المغاربية فعلا إمكانيات تؤهلهـا لتحقيق تكامل مغاربي ؟ وكيف يمكن استغلال هذه الإمكانيات والموارد للوصول إلى أقصـى درجـات التكامل الإقتصادي ؟

والإجابة تكون من خلال مضمون هذا الفصل والذي يقسم إلى ثلاثـة مباحـث المبحـث الأول يستعرض الإمكانيات والموارد المتوفرة لدول المغرب العربي على اعتبار أنها عوامل ومقومات أساسـية لنجاح التكامل أما المبحث الثاني فيخصص لسيناريو النجاح و تحقيق التكامل من خلال إستشراف آفـاق التكامل ضمن إستراتيجية بديلة وذلك وفقا للمعطيات والطاقات والإمكانيـات المتـوفرة لهـذه الـدول و المبحث الثالث يتم تخصيصه لسيناريو الإخفاق ومؤشرات إستمرار الوضع القائم.

المبحث الأول : الإمكانيات والموارد المتاحة في دول المغرب العربي 

إن معرفة حجم الإمكانيات المتاحة على مستوى الدول المغاربية في غاية الأهمية مـن ناحيـة إبراز درجة تقصير السياسات التنافرية على مستوى الإتحاد في استغلال تلك الإمكانيات لتخفـيض هـذا الشكل الجديد من الإستعمار الإقتصادي، وبالتالي تماديها في تعميق درجة التبعية ومن ناحية أخرى فـ إن عملية إظهار الحجم الحقيقي لتلك الإمكانيات والموارد يظهر نسبة العجز التي قـد تـؤول إلـى نقـص الموارد، كما تبرز تلك الأهمية لأنه لا يمكن صياغة إستراتيجية واضحة المعالم ومحددة الأهـداف دون الإنطلاق من معرفة حقيقية لحجم إمكانياتنا الذاتية على مستوى دول الإتحاد المغاربي.

تزخر منطقة المغرب العربي من الجماهيرية الليبية شرقا إلى المملكة المغربية غربـا بثـروات كبيرة تمكن شعوب هذه الدول من الخروج من حالة العجز وتضـعها  فـي قائمـة المصـدرين للسـلع والخدمات المختلفة فهناك موارد وثروات طبيعية زراعية متنوعة وطاقات بشرية كبيرة ومـوارد ماليـة معتبرة.

المطلب الأول : الثروات الطبيعية 

تشمل المنطقة المغاربية على أراضي متعددة المناخات وموارد مائية وثروات بحريـة ونهريـة وغابية وموارد معدنية وطاقوية تتباين من قطر إلى قطر مما يساعد على اتجاه كل دولة في إطار تحقيق مصلحتها إلى التكامل مع الدولة الأخرى فهذا التباين يعتبر العنصـر الأساسـي للتكامـل  الإقتصـادي الجماعي ويعتبر بمثابة الدافع الأول نحو التكامل وإن الدول إنما تسعى إلى التكامل مع غيرهـا ابتغــ اء تلافي ما لديها من حالات عوز ونواقص لأن التكامل يتيح لها إمكانية حصولها على إمـدادات ومنـافع تنالها من الأطراف التي تتكامل معها ([1]) ، وإن الدول المغاربية تتنوع فيهـا تلـك المـوارد والثـروات وتتكامل لتشكل مصدرا للتقدم الإقتصادي.

الفرع الأول : الإمكانيات والموارد الطبيعية الزراعية 

تتميز منطقة المغرب العربي بتنوع بيئتها الطبيعية إذ تشمل الأراضي أقاليم الغابات والمنـاطق شبه الرطبة والأقاليم الجافة والأقاليم الصحراوية وبتنوع البيئة الزراعية وتتنوع المحاصيل النباتية مـن حبوب شتوية وصيفية وبقول ومحاصيل زيتية وخضر وفواكه… كما تتنوع الثروة الحيوانية والسمكية.  تمتد دول الإتحاد المغاربي على مساحة شاسعة تقدر بـ 468,8 مليون هكتار تتـوزع بنسـب متفاوتة بين تلك الدول وتأتي في مقدمتها الجزائر بـ 283,2 مليون هكتار، ثم ليبيـا بــ 176 مليـون هكتار، ثم موريتانيا بـ 102,5 مليون هكتار ثم المغرب بحوالي 6,44 مليون هكتار وتونس بــ 5,15 مليون هكتار ([2]).

ويوضح الجدول الآتي إجمالي المساحة ونسبة الأراضي الصالحة للزراعة ونسبة المروية منها فـي دول الإتحاد المغاربي.

الجدول رقم 05 : الأراضي الزراعية في منطقة المغرب العربي 

نسبة الأراضي الرعوية من المجموع الأراضي

المروية كنسبة من الأراضي الصالحة للزراعة

نسبة الأراضي الصالحة

للزراعة إلى المجموع

الأراضي الصالحة للزراعة بالمليون هكتار المساحة بالمليون هكتار الدول
  % 02   % 07   % 03   07,5   238,2 الجزائر
  % 17,8   % 13   % 19,4   08,7   44,6 المغرب
  % 4,1   % 7,5   % 19,5   03,0   15,5 تونس
  % 0,4   % 11   % 01,0   01,7   176 ليبيا
  % 4,8   % 10   % 0,2   0,2   102,5 موريتانيا
    % 04   % 4,5   21,1   468,8 المجموع

المصدر : تقرير التنمية البشرية عام 1993، ص ص ،182،183.

يبين الجدول رقم 05 الأراضي الزراعية المتاحة للإستغلال كنسبة مئوية إلى إجمـالي مسـاح ة الدول المغاربية، فرغم أنها لا تزيد عن 5,4 % من المساحة الكلية إلا أنها مساحة معتبرة بالمقارنة مـع مجموع السكان فهي تبلغ 21 مليون هكتار وتشكل 30 % من المساحة المزروعة في العالم العربي، هذا فضلا عن الأراضي القابلة للزراعة والممكن إصلاحها سواء في المناطق الجافة أو المناطق الصحراوية والتي تجعل النسبة الممكنة أكبر من النسبة الفعلية الحالية.

وإذا علمنا بأن الموارد المائية في الوطن العربي والمقدرة بـ 353 مليار متر مكعب سـنويا لا يستخدم منها سوى النصف للأغراض الزراعية والصناعية والبشرية، فإذا عممنا ذلك التقدير على منطقة المغرب العربي فإنه يؤكد لنا إمكانية رفع المساحة المروية إلى النصف بالإستفادة من مياه الأمطار عـن طريق زيادة طاقات التخزين للمياه السطحية وترشيد طاقة استغلال المياه الجوفية.

فطالما أن نسبة الإستفادة من الثروة المائية ضعيفة سواء في مجال الطاقة الكهرومائيـ ة أو فـي مجال المياه الصالحة للشرب حيث يبلغ عدد السكان الذين لا يحصلون على الميـاه الصـالحة للشـرب حوالي 8,20 مليون نسمة أي 25 % من مجموع سكان الإتحاد المغاربي أو في مجال المياه المخصصة للعلاج، وكذا الري والرعي… فإن الفرص البديلة الممكنة تظهر ضعف عملية الإستغلال والقصور فـي الإستخدام، كما أن هناك إمكانية كبيرة لزيادة وزن الثروة الحيوانية البرية والبحرية فمسـاحة المراعـي الطبيعية على مستوى العالم العربي وحده تقدر بحوالي 250 مليون هكتار نسبة هامة منها لا تقـل عـن 40 % توجد بمنطقة المغرب العربي، التي تمتد من جهة أخرى على آلاف الكيلومترات البحريـة بـدءا من المحيط الأطلسي بشواطئ موريتانيا والمملكة المغربية إلى البحر الأبيض المتوسط علـى شـواطئ المغرب والجزائر وتونس وليبيا وما تحتويه من إمكانيات هامة لتطوير مكانة هذه الإقتصاديات في إنتاج وتجارة الأسماك في الأسواق الإقليمية والقطرية (1).

الفرع الثاني : الإمكانيات والموارد المعدنية والطاقوية 

تكتسب منطقة المغرب العربي مكانة أساسية من حيث حجم ونوعية الموارد الإقتصادية الهامـة التي تشكل المدخلات الأساسية للصناعات المتنوعة، ومصادر الطاقة للإقتصاديات الحديثة فهي تشـتمل على حجم احتياطات غازية يزيد عن 6000 مليارم3 واحتياطي بترولـي يتجـاوز 5 مليـار طـن مـع احتمالات شبه مؤكدة لإكتشاف احتياطات أخرى في موريتانيا والصـحراء الغربيـة والجزائـر وليبيـا والمغرب، إضافة إلى الإحتياطات من الفوسفات التي تزيد عن 6 مليار طن خاصة في المغرب وتـونس إضافة إلى إنتاج معدني وطاقوي هام يجعل المنطقة في حالة تكاملها مجـالا لإسـتقطاب  الإسـتثمارات الإنتاجية والجدول رقم 06 يظهر إنتاج بعض الثروات المعدنية والطاقوية في دول المغرب العربي.

الجدول رقم 06 : إنتاج الثروة المعدنية والطاقوية لـ 2001م 

الوحدة : مليون طن، الغاز مليار م3 

المجموع المغاربي موريتانيا ليبيا تونس المغرب الجزائر الدول  الإنتاج
  135   –   67   3,5   0,02   65 البترول
  147   –   5,6   1,7   0,04   140 الغاز الطبيعي
  14   11   1,5   0,18   0,006   1,5 الحديد
  31   –   –   8   22   0,8 الفوسفات

المطلب الثاني : الطاقات البشرية 

تمتد منطقة الإحاد المغاربي على مساحة واسعة، يقطنها أكثر من 84 مليون نسـمة يتوزعـون على خمسة دول تختلف من حيث درجة الكثافة السكانية والتمركز البشري والتوزيع الحضري والقطاعي والجنسي والثقافي، حيث أن هناك دول تعاني من كثافة سكانية كبيرة وأخرى ذات كثافة سكانية ضـعيفة، مما يشجع على التقارب لتحقيق المصالح المتبادلة خاصة في القطـاع الزراعـي والصـناعي بالـدول المغاربية التي يمتلك بعضها مساحات شاسعة غير مستغلة وموارد صناعية غير مستخدمة يمكـن عـن طريق التكامل بين عنصر الأرض في دولة مثل ليبيا وعنصر العمالة في دولـة كـالمغر ب أو تـونس لتحقيق منافع كثيرة متبادلة، وأن حركية الطاقات البشرية بين الأنشطة والقطاعات في السوق الإتحاديـة من شأنه أن يضمن تعظيم مصلحة الإقتصاديات القطرية من مدخل مقدرتها التنافسية المتعلقة بالأجور(1).

ولإبراز أهمية هذه الطاقات وضرورة تفعيلها للقيام بدورها الحضاري على مستوى هذه المنطقة وخاصة في مجال توفير احتياجاتها الحياتية الأساسية المتناميـة سـوف نتعـرض لـبعض المؤشـرات الإحصائية التي تجلي لنا وضعية هذه الثروة العظيمة.

الفرع الأول : نمو السكان وتقديراتهم المستقبلية 

إن معرفة حجم السكان وتقديراتهم المستقبلية ومعدلات نموهم يظهر لنا أهميـة دورهـم الـذي يتناسب مع ذلك الحجم من جهة ويبين لنا مخاطر عـدم القيـام بـإجراءات جـادة لتـأمين احتياجـاتهم الضرورية من جهة أخرى.

الجدول رقم 07 : السكان وتقديراتهم المستقبلية 

الهيكل العمري  معدل النمو السكاني  السكان بالملايين  
من 15 إلى 65 سنة أقل من 15 سنة
2025   2002   2025  2002 -90   2000   90-80   80-65  2025  2002  1992 السنوات  الدول 
68,5   61   25,7   35   2,2   3   3,1   43   31,4   26,3 الجزائر
  68   62   25,7   34   1,8   2,6   2,5   41   31   26,3 المغرب
68,5   65   23,4   29   1,6   2,3   2,1   12   10   8,4 تونس
56,7   63   39,5   34   3,6   4,1   4,3   8   5,5   4,9 ليبيا
  55   53   42,4   44   2,8   2,4   2,4   5   3   2,1 موريتانيا
  64   61   31   35   2,7   2,9   2,9   132   84   68 مج دول

الإتحاد

المصدر : البنك الدولي، تقرير عن التنمية في العالم  1992م،2001م.

يعتبر الجدول الموضح أعلاه صورة رقمية لنمو السكان وتقديراتهم حيث تبـين الأرقـام ح جـم الطاقات البشرية المتوقعة بمنطقة الإتحاد المغاربي الذي ارتفع من حوالي 68 مليون نسمة مع مطلع سنة 1992م إلى 84 مليون نسمة سنة 2002م إلى أكثر من 132 مليون نسمة خلال الربع الأول من القـرن القادم، إضافة إلى هذا العدد الهام من السكان حاليا فإن أكثر من 40  % منهم تقل أعمارهم عن 15 سنة ،بمعنى أن نسبة الشباب في سوق العمالة فيهم تتراوح بين 65 و 70 % مما يعكس ارتفاع نسبة الإعالـة في حالة البطالة، وهذا الوضع قد تغير مع بداية القرن الواحد والعشرين حيث نجد بأن معظم السكان أي أكثر من 55 % في سن العمل، وهو مؤشر يدل على ضرورة توجيه وتشغيل نسبة هامـة مـنهم عـن طريق تنمية وتطوير المشروعات المشتركة والقطرية للتخفيف من حدة الأزمة المتوقعة مع بدايـة هـذا القرن في حالة بقاء الأوضاع الحالية وعدم اتخاذ الإجراءات المستعجلة لدفع خطر البطالة والفقـر ومـا يترتب عنهما من مشكلات اقتصادية واجتماعية.

الفرع الثاني : العمالة ونسبة مساهمتها في الناتج القومي 

إن معرفة توزيع العمالة على قطاعات الإقتصاد الوطني، ونسبة مساهمتها في النـاتج الـوطني تساعدنا على تتبع بعض الظواهر السلبية في الدول النامية والمغاربية ومنها ظاهرة تحرك العمالة عبـر قطاعات الإقتصاد بشكل فوضوي، أدى إلى انخفاضها في قطاعات الإنتاج المادي وتركزها فـي قطـاع الخدمات وظاهرة ضعف مساهمة العمالة في بعض القطاعات الهامة مثل القطاع الزراعي.

وهذا يعني أنه من بين الإجراءات الإستخدامية لهذه الإمكانيات البشرية هو ضبط حراكهـا فـيإطار إستراتيجية تعيد الإعتبار للقطاعات الحيوية في الإقتصاد الوطني كالزراعة والخـدمات والفـروعالصناعية المتطورة، كما أن تلك الإجراءات تثمن وترفع من مردودية العمل بتلـك الفـروع والأنشـطةبشكل يؤدي إلى رفع نسبة مساهمتها في الناتج الوطني.

الجدول رقم 08 : حركية توزيع العمالة على القطاعات ونسبة مساهمتها في النـاتج الـوطني خـلال الفترة 1965م-2002م.                                                      

  الوحدة : نسب مئوية 

نسبة مساهمة القطاعات في الناتج القومي 2002 الخدمات الصناعة الزراعة القطاعات
الخدمات الصناعة الزراعة   91-89   1965   91-89   65   91-89   1965 الفترة  الدول
  35,3   55   10   75   26   11   17   14   57 الجزائر
  53   31   16   29   24   25   15   46   61 المغرب
  51   32   17   62   29   16   21   22   50 تونس
  59   28   13   53   38   29   21   18   41 ليبيا
  51   29   21   22   8   9   3   69   89 موريتانيا

المصدر : 1- تقرير التنمية البشرية ،1993م، ص ص ،168،169.

           2- تقرير عن التنمية في العالم 2000م/2001م، ص 296.

تبين أرقام الجدول التفاوت في توزيع العمالة من قطر إلى آخر من الأقطار المغاربيـة، ولكـن الملاحظة العامة هي اتجاه العمالة نحو قطاع الخدمات على حساب القطاعات الأخرى من جهة وضـعف مساهمة العمالة الزراعية في الناتج الوطني من جهة أخرى، ويمكن أن نأخذ هذه الأرقام كمؤشـر علـى أهمية العمالة الزراعية والصناعية في تحقيق الأمن الإقتصادي والتخفيض من التبعية ولذلك لابـد مـن توطينها وتثبيتها وتوفير شروط مساهمتها الإيجابية في الإقتصاد الوطني عن طريـق إحـداث تغيـرات جذرية وجدية في عالم الريف الذي يضم الملايين من العمالة الزراعية وفي الحضر بتحسـين مسـتواهم العلمي والمعرفي ورفع مستوى معيشتهم وتوفير الظروف الملائمة لحياتهم وإمدادهم بالكفاءات الإرشادية وتغيير الأساليب التقليدية في عملية الإستغلال الزراعي والإستخدام الصناعي فكل ذلك سيؤدي حتما إلى رفع إنتاجية العامل في القطاعات الإنتاجية المادية ضمن الناتج القومي الإجمالي.

إن حجم العمالة المتاحة بمنطقة الاتحاد المغربي وتركيبها العمري والنوعي والتكـويني الحـالي تشكل إحدى عوامل تنافسيتها بالمقارنة مع دول الإتحاد الأوروبي، التي تعاني من ضعف نموها السكاني وتزايد نسب الشيخوخة وارتفاع أجور عمالتها وهي من أهم التحديات التي تواجهها في هذا القرن، ولـذا فإن تعظيم جوانب الشراكة مع تلك الدول سيتم في إطار إعادة الإعتبار لعنصر المـوارد البشـرية فـي المفاوضات والإتفاقيات فتشير الأرقام المتعلقة بمستويات الأجور بأن متوسط الأجر الساعي فـي المـدنالكبرى في أوروبا يتراوح بين 15 إلى 16 أورو، بينما يصل في العواصم الإفريقية والمـدن المغاربيـةإلى 2 أورو ([3]).

إن هذا الوضع التنافسي المتعلق بالأجور يجعل الأنشطة الإقتصادية أكثر تنافسية في السـوق التجاريـة والإقليمية المجاورة.

المطلب الثالث : الإمكانيات المالية والتجارية 

من العوامل المشجعة لإقامة تكامل اقتصادي أن الدول ذات العجز المالي تسـتطيع أن تحصـل على التمويل اللازم للمشاريع المشتركة المتعددة لتحقيق الأمن الإقتصادي، وتتمكن الدول ذات الفـائض من إيجاد منافع وفرص مربحة لإستثمار فوائضها في المشاريع التي تنمـي التكامـل ذلـك أن التكامـل الإقليمي يؤدي إلى جودة قطاع التمويل ويقلل تكاليف التمويل مما يؤدي إلـى اسـتثمار عـال، وتؤكـد الدراسات والتحليلات الإقتصادية الحديثة أن معدل العائدات على رأس المال وعلى الإستثمار يمكـن أن ترتفع في كل الدول المشتركة في التكامل بغض النظر عن قيمة رأس المال ([4]).

وأن استغلال الموارد والثروات الطبيعية المتاحة وتشغيل الطاقات البشرية في الدول المغاربيـة يتطلـب توافر حد أدنى من الموارد المالية لتحقيق التوظيف الرشيد للموارد العاطلة، فهل تملك الدول المغاربيـة هذه الإمكانية ؟

لاشك في وجود تباين كبير في حجم الإمكانيات المالية المتوفرة على مستوى دول اتحاد المغرب العربي، فأغلب هذه الدول تعاني من مشكلة المديونية التي أصبحت تشكل عبئا على اقتصادياتها وإرهاقـا كبيرا لشعوبها وهي تعكس وضعية مالية خطيرة تؤثر علـى كافـة التوازنـات  الإقتصـادية والماليـة  والأوضاع الإجتماعية.

وإذا تفحصنا الإمكانيات المالية بغض النظر عن الموارد الفعليـة التـي تملكهـا دول المغـرب العربي والتي استغرقتها الديون وخدماتها نجد بأن حجم الأموال المهاجرة المستثمرة في الـدول الغربيـة تكفي لتغطية نسبة هامة من الإستثمارات اللازمة لتحقيق التنمية الشاملة في الـدول المغاربيـة، إذا مـا توفرت العوامل الموضوعية لإعادة توظيفها وأهمها عنصر الثقة والشفافية، بحيث لا يخشى أصحابها من المصادرة أو التأميم والتضييق نتيجة للإضطراب في القوانين وتبدل الأنظمة وتغيير الحكومات.

كما أن عامل الربحية والقدرة على التصرف في الأرباح وإمكانيـة تحريكهـا بـين الأنشـطة المختلفة أو تحويلها إلى الدول المرغوبة يعد من أهم العوامل التي يمكن أن تحفـز أصـحاب الأمـوال (الأفراد والحكومات) على استثمارها في الأقطار المغاربية.

فبقدر تحقق الإستقرار في النظم السياسية ووضوح وشفافية القوانين المتعلقة بالإستثمار بقدر مـايتوفر المناخ الإستثماري الملائم لإعادة توطين أموال المهاجرين المغاربة وأموال المـواطنين المهـاجرةوالمهربة فرغم أن العجز في جل الدول المغاربية كبيرا إلا أن مواطنيها في الخارج والـداخل يملكـونأموالا واستثمارات هامة في الخارج، كما أن هناك إمكانيات مالية مهدورة يمكن إيجادهـا عـن طريـق حسن استخدام حصيلة الصادرات من جهة، وعن طريق القوة التفاوضية للسوق المغاربية الواسعة ومـا توفره من تخفيض لتكلفة الواردات بالمقارنة مع الجهود الفردية القطرية في السوق الدوليـة فـي هـذا المجال.

ولا تستطيع الدول المغاربية التحكم في استخدام العائدات للتقليص من فجوة الموارد ما لم يتحدد سلم أولوياتها التنموية الذي على أساسه يتم تخصيص تلك الأموال وعلى ضوئه يتم اسـتثمارها فيـزول الهدر المتمثل في الواردات الكمالية الترفيهية ويقل الإنفاق المظهري التفاخري والإنفـاق علـى السـلع الضارة ويتم توجيه تلك الموارد جميعا إلى مجالات إنتاج السلع النافعة واستهلاك الطيبات التـي تعظـم مصلحة المجتمع والفرد ([5]).

أما الإمكانيات التي يتيحها المجال التجاري الموحد فهي كبيرة جدا وأهمها وجود سوق ديناميكية وما يتوفر عنها من وفرات خارجية وداخلية، تتاح نتيجة للتعامل مع الوحدات الإنتاجيـة فـي الأقطـار المتكاملة في السوق على مستوى الإتحاد المغاربي التي تتشكل من أكثـر مـن 84 مليـون مسـتهلك، والوفرات الممكنة الناتجة عن القوة التفاوضية لدول التكامل في تعاملهم الإقتصادي مع الدول والتكـتلات الكبرى للتقليل من تحدي الشراكة معها وتؤدي إلى تعظيم مكاسبها والحفـاظ علـى مصـالحها وإتاحـة الفرصة للتعامل الإيجابي مع تلك التكتلات من مدخل اتساع السوق وارتباطها بمزايا تنافسية هامة ذلـك أن اتفاقيات التكامل الإقليمي تجمع الأسواق بما يسمح بتقليل قوى الإحتكار لأن الشركات من دول متعددة تدخل في منافسة مكثفة مع بعضها البعض وهذا الوضع تنتج عنه العديد من المكاسب منها:

  • المكاسب المتعلقة بتخفيض الأسعار وزيادة المبيعات بالنسبة للمستهلكين والشركات المتنافسة.
  • المكاسب المتعلقة بتقليص التقصير الداخلي القطري والربوع المرتبطة به ،لأن كثافة وشـدة المنافسـة تتطلب تقليص أوجه القصور الداخلية والإختلالات المرتبطة بها فهناك دليل على العلاقـة بـين تحريـر التجارة وزيادة الكفاءة، وبين تحرير التجارة وتقليل أوجه القصور حيث الشركات الأقـل كفـاءة إمـا أن تتعدل أو تختفي ([6]).

كذلك يمكن الحديث في هذا الصدد عن الوفرات الناتجة عن التخصـص فـي المشـاريع ذاتالإنتاج الكبير الحجم، حيث يتيح التكامل تطوير السلع والخدمات الموجهة للسوق المغاربية لتلبية حاجاتمستهلكيها وهذه المشاريع لا تتاح للدول في إطارها التنموي القطري وبالتالي فهي من العوامل المشـجعة على قيام التكامل لأن التخصص في إطار سوق مغاربية تكاملية يختلف عن التخصص في إطار السـوقالدولية، بإعتبار أن الأول يحظى برعاية جميع دول الإتحاد ويحظى بالمعاملة التفضيلية في هذا السـوقوالتي تمكن من إحداث تأهيل إقليمي للمؤسسات الإنتاجية قبل اندماجها وتشاركها مع التكتلات الكبرى.

وقد تتبادر إلى الذهن إشكالية أن الأنشطة الإقتصادية على مستوى الأسواق المغاربية متشـابهة نتيجة التماثل بحيث قلما يوجد قطر له ميزة نسبية أو مطلقة، نقول بأن هذا الفهم غير صحيح (1).

فإذا كان الإعتقاد الشائع هو أن التماثل يعد عاملا طاردا للتكامل لأنه يقود إلـى التنـافس إلا أن هذا الإعتقاد غير منطقي لأسباب عديدة أهمها أنه لا يوجد تماثل “مطلق” بين عناصر العملية الإقتصـادية وحتى إذا كان هناك مثل هذا التماثل فإن التقدم التقني وتطور الإحتياجات تدفع نحو مزيد مـن التنويـع والتخصص في تلبية هذه الإحتياجات بحيث يكون لكل منتج أو مورد في السوق إمكانيات واسعة لتحقيق ذلك وللتميز والإبتكار، هذا ناهيك عن مزايا القوة التفاوضية التي يمنحها التكامل في هذه الحالـة للـدول ذات العلاقة، وهذا يعني أن التماثل في الوقت الذي ينطوي فيه على تنافس بين المتكاملين، فإنه يزيد من قوتهم الإحتكارية وهذا أقرب ما يكون إلى حالة منافسة احتكارية، ومن ناحية أخرى فإنه يمكـن النظـر إلى التماثل بوصفه أساسا للتكامل الأفقي بين الإقتصادات مثلما هو الحال عند اندماج شـركات متماثلـة وهو أكثر حالات الإندماج بين الشركات انتشارا.

ومهما يكن من الأمر فإن التماثل أيا كانت درجته ونطاقه، فإنه يتيح مجـالات واسـعة للتنـو ع والإبتكار في الإنتاج والتسويق والترويج لتحقيق أقصى قدر من الكفاءة في استخدام الموارد مـن جهـة، وأفضل إشباع ممكن لحاجات السكان والإقتصادات الوطنية في الدول ذات العلاقـة وللطلـب العـالمي عموما من جهة أخرى.

وبوجه عام فإن تنوع مقومات التكامل وخصوصا الموارد الإقتصادية يعـد الأسـاس الطبيعـي والعامل الأكثر تأثيرا في التكامل فعندما يقبل أي طرف على التعامل مع طرف آخـر لغـرض التبـادل والتكامل فالدافع الأساسي هو الحصول على ما ينقصه ويتوافر لدى الطرف المقابل ([7]).

المبحث الثاني : سيناريو النجاح و تحقيق التكامل المغاربي ضمن إستراتيجية بديلة

إن الحاجة الماسة لإعتماد إستراتيجية بديلة للتفاعل الإيجابي مع التحولات الدولية المتسـارعة،واحتواء الأزمات المتنامية على مستوى دول الإتحاد المغاربي التي أخفقت فيها مسيرة التنمية وعجـزت السياسات التي استرشدت بها على تحقيق الإستقلال الإقتصادي.

إن هذه الإستراتيجية تتخذ من التكامل بين الدول المغاربية إطارا مؤسسيا لها، وتتحدد معالمهـا على مستويات عديدة سنأتي على ذكرها من خلال مضمون هذا المبحث الذي يعد منظار لآفـاق تحقيـق التكامل المغاربي.

المطلب الأول : الإستراتيجية البديلة : الأهداف – المنهج ونظام استغلال الموارد   الفرع الأول : أهداف الإستراتيجية البديلة 

إن الهدف العام لهذه الإستراتيجية هو زيادة قدرة دول الإتحاد المغاربي على تغطية الإحتياجات الأساسية للسكان بشكل يضمن تحقيق الأمن الإقتصادي عبر الزمن هذه القدرة تتجاوز المفهـوم البسـيط للإكتفاء الذاتي الذي يمثل نسبة الإنتاج المحلي إلى إجمالي الإستهلاك دون مراعاة ضعف القوة الشـرائية الفردية وتدهورها على المستوى الوطني نتيجة لتزايد الفقر والمسكنة كما أن المفهوم الصـحيح يتجـاوز ربطه بمدى قدرة الإنتاج على توفير متوسط الإحتياجات الأساسية مقارنة مع المتوسط العالمي، وبالتـالي فإن المفهوم الصحيح للإكتفاء الذاتي الذي يتحقق في إطاره الأمن الإقتصادي القطري والجماعي لـدول الإتحاد المغاربي، يركز على الإكتفاء الذاتي الحقيقي الذي يراعي ضرورة ارتفاع القدرة الشـرائية فـي إطار التطور الإقتصادي والإجتماعي لمجتمعاتنا وما يترتب عنها من زيادة كمية ونوعية في الطلب على السلع والخدمات، كما يراعي ذلك المفهوم أهمية الإستفادة من الميزة النسبية في مجال التخصـص علـى المستوى المغاربي أو الدولي بما يؤدي إلى توفير العائدات اللازمة لتغطية قيمة الإحتياجات المسـتوردة المكملة للإنتاج المحلي اللازم لتحقيق الإكتفاء الذاتي ([8]).

تهدف الإستراتيجية البديلة في إطار جهود التكامل إلى توفير الإنتـاج الـلازم لحفـظ الحيـاة الإنسانية، من خلال الإستغلال الرشيد للإمكانيات المتاحة والموارد الكامنة على مستوى الإتحاد المغاربي للحد بشكل نهائي من التبعية للعالم الخارجي، ويتطلب توفير هذا الحجم الكمـي والنـوعي مـن السـلع والخدمات إعادة النظر في السياسات الإقتصادية الحالية لإستغلال الموارد فـي دول ا لإتحـاد المغـاربي حسبما تقتضيه ضرورة توفير المتطلبات الأساسية لحفظ الحياة الفرديـة والجماعيـة، والقضـاء علـىالوضعية التي تعبر عن تدني مستوى المعيشة وسوء التغذية، وتزايد دائرة الفقر والتهميش اللذين تعـانيمنه شعوب المنطقة، التي أصبحت في ظل استمرار السياسات الحالية مهددة مستقبلا بالمجاعـة وعـودة الأمراض وتوطن الإنحرافات، ولعل من بين أهم الأهداف التي يجب تجسيدها ضمن منظومـة إجرائيـةمنسجمة بصورة تدريجية نذكر:

  • إعادة بناء الإقتصاديات القطرية المغاربية على أسس تجسد التكامل والإندماج التـدريجي لأنشـطتها وفروعها وقطاعاتها ومنظوماتها المؤسسية وهذا من خلال :
    • التصفية المتوالية لأنظمة التخلف والتبعية.
    • إصلاح الإختلالات وتثمين المنجزات القطرية المتحققة.
    • استعادة التوازنات الإقتصادية على المستوى الإتحادي.
  • تعزيز الإستقلال الإقتصادي والإعتماد على الإمكانيات الذاتية ضمن المستويات التالية :
    • مستوى الرؤى والتصورات.
    • مستوى المناهج والسياسات والإجراءات.
    • مستوى نمط الإستهلاك ومحتوى النمو ومضمون التنمية.
    • مستوى السيادة على الموارد والثروات.
  • رفع مستوى المشاركة الإنسانية الإقتصادية والإجتماعية والثقافية والسياسـية فـي عمليـة التنميـة والمسار التكاملي، وإقامة نظم سياسية ملائمة للتنمية التكاملية الشاملة (1).

الفرع الثاني : المنهج التنموي اللازم لنجاح إستراتيجية التكامل المغاربي 

لما كان اختلاف المذاهب الإقتصادية والنظم المرتبطة بها وتباين النظم السياسية مـن معوقـات التكامل الإقتصادي بين الدول المغاربية، فقد أصبح من الضروري الإسترشـاد بمـنهج تنمـوي يتميـز بالواقعية والموضوعية، ويتسم بالمرجعية الحضارية التي تبرز الخصوصية الثقافية والفكريـة ويتصـف بالمصداقية الشعبية من حيث المشاركة والتزكية لضمان عنصر الثقة والقدرة على التعبئـة والمسـاهمة الإيجابية في العملية التنموية.

فبعد النتائج السلبية التي ترتبت على تطبيق المناهج التنموية المستوردة ونماذج النمو وسياسـات التنمية المرتبطة بها سواء على مستوى التكامل بين الدول المغاربية أو على مسـتوى تحقيـق  الإكتفـاء الذاتي القطري لا يجب أن تكرر نفس التجربة في ظل الموجة العالمية الحالية التي تريد تعميم وفـرض الإتجاه الليبرالي بشكل يؤدي إلى إعادة هيكلة الدول النامية بما يحقق مصالح الدول المتقدمة ويخفف مـن أزماتها، فإن هذا التوجه سيدعم السياسات التنافرية القطرية ويزيد من تفاقم المشكلات الداخليـة فالـدول المتقدمة نفسها لا تؤمن ولا تطبق من السياسات المستمدة من فلسفة الإقتصاد الرأسمالي فـي تطوراتهـا الحالية إلا بمقدار ما يحقق مصالحها ويؤمن لها نموها الإقتصادي ويخفض من أزماتها ([9]).

لذلك نجد أن برنامج الرئيس الأمريكي “بيل كلينتون” يؤكد هذه الحقيقة في الفقرة التالية : >> إن سياستنا ليست ليبرالية ولا محافظة … إنها سياسات جديدة… وتسلم إستراتيجيتنا بأن الطريقـة الوحيـدة لوضع الأساس لرخاء أمريكي متجدد هي استثارة الإستثمار العام والخاص معا << ([10]).

إذن على الدول المغاربية استنباط معالم هذا المنهج التنموي الذي يـتلاءم مـع خصوصـياتها الحضارية ويتناسب مع إمكانياتها وظروفها الواقعية بصورة تزيد من التقارب والتعاون وتعظـم منـافع الإستغلال الجماعي للثروات المتاحة.

الفرع الثالث : نظام استغلال الموارد في إطار الإستراتيجية البديلة 

لقد كان الإضطراب في نظم الإستغلال للموارد المتاحة على مستوى الدول المغاربيـة عـاملا مساعدا على تدهور وضعيتها، حيث تميزت بالتغيرات الإرتجالية المتوالية تبعا لتغيير الأنظمة المستوردة بدءا من محاولات تطبيق النظام الإشتراكي أو الإسترشاد به كما هو الحال في الجزائر وتونس وليبيا وما ترتب عنها فرض نظام الإستغلال أدى إلى إقصاء وتحجيم القطاع الخاص والتضييق عليه، ومنذ مدة بعد التحولات التي شهدها العالم بدأت في دول المغرب العربي إصلاحات كبيرة تتماشـى مـع التوجهـات الليبرالية للإقتصاد سواء على المستوى القطري أو في علاقة تلك الدول بالسوق الدولية باستثناء السـوق المغاربية.

ولكي نضمن نجاح هذه الإستراتيجية يجب أن نتخلص من ذلك الإضطراب وصولا إلـى نظـام لإستغلال الموارد يراعي الضوابط التالية :

  • الوضوح والثبات النسبي في القوانين والتشريعات التي تحدد طبيعة الملكية ومجالاتها والقيود التـي ترد إلى استغلالها بحيث تحفظ الملكيات العامة الموجودة في ظل استغلالها بـالطرق التـي تعظـم منفعتها الجماعية والفردية التي بينت التجربة الإنسانية كفاءتها بصورة تضمن ملكية الأصل وتبـيح خوصصة عملية استغلالها خاصة في الدول التي تعاني من هذه الإشـكالية كـالجزائر، وتجربتنـا الحضارية ثرية بصيغ الإستغلال التي تقوم على المشاركة فما أحوجنا إلى الإستفادة منها.
  • إزالة العوائق القطرية بما يضمن إتاحة فرصة التملك بكل حرية في جميع دول الإتحـاد المغـاربي بشكل يؤدي إلى نمو المشاريع المشتركة وتطورها.
  • الحفاظ على الموارد وتثمينها وتمديد فترة الإنتفاع بها لأجيال المجتمع المتنامية والحفاظ على البيئـة بتحييد طرق الإستخدام التي تقوم على الهدر والتبديد والتلوث ([11]).
  • توحيد التشريعات والقوانين المتعلقة بنظام استغلال الموارد بدءا من القوانين التـي تـنظ م الملكيـةوطرق استغلالها وكيفية انتقالها في المجال الإتحادي مرورا بتوحيد أسعار الضرائب على السلع، وتثبيتأسعار الصرف بين عملات الدول الأعضاء في الإتحاد المغاربي وحرية التحويل بينهـا، وصـولا إلـىتوحيد جهات تحصيل الضرائب الجمركية واعتماد مبدأ المعاينة العشوائية للبضائع والسـلع المسـتوردةوالمصدرة، وأخيرا إلغاء الإزدواج الضريبي على أن يتم لاحقا الإتفاق على تعريفـة جمركيـة موحـدة لضبط واردات الدول الأعضاء من العالم الخارجي، وبالتالي المساهمة في انفتاح الأسواق المغاربية على بعضها البعض (1).
المطلب الثاني: تنويع طرق الإستثمارات وتوجيهها نحو الأولويات المجتمعية القطرية والإتحادية  الفرع الأول : تنويع طرق تمويل الإستثمارات 

تتطلب الإستراتيجية البديلة لتحقيق التكامل المغاربي والأمن الإقتصادي استحداث شـبكة مـن المؤسسات التمويلية التي تستخدم صيغا تمويلية لا تتحرج الأغلبية الساحقة مـن التعامـل معهـا علـى المستوى المغاربي، يتوخى فيها حماية المودعين والملاك والمستثمرين، بغيـة  الإنطـلاق فـي تجسـيد المشاريع المشتركة التي تضمن المصالح المشتركة، الأمر الذي يساعد على تنمية المشروعات الصـغيرة والمتوسطة التي تستوجب الأعداد المتزايدة من الطاقات البشـر ية وبالتـالي القضـاء علــى البطالـة تـدريجيا ([12]).

كما تتميز تلك الصيغ بإنخفاض تكاليفها وقلة مخاطرها، ونعتقد بأن الصيغ التمويلية للمؤسسـات المصرفية التقليدية التي تقوم على آليات الفوائد المسبقة ليست لها الكفاءة العملية في محيط يتشـكل مـن محدودي الدخل والفقراء من هنا يستدعي الأمر فتح المجال فـي دول  الإتحـاد المغـاربي للمؤسسـات المصرفية التي تستخدم ميكانيزم عوائد النشاط الفعلية في التعامل مع زبائنها كمـودعين أو كمسـتثمرين عن طريق طرح صيغ المشاركات المتنوعة والمضاربات بأشكالها العديدة والمرابحات وعقـود التسـليم والتأجير وغيرها، فتلك الصيغ من جهة تزيل الحرج ويكثر الإقبال عليها ومن جهة أخرى فهي منخفضة التكلفة ويمكن أن توكل للقطاع الخاص في ظل ضوابط لحماية المودعين والملاك والمسـتثمرين الأمـر الذي يساعد على تنمية منظومة المشروعات الصغيرة والمتوسطة التي تستوعب الأعداد المتزايـد ة مـن الطاقات البشرية ([13]).

الفرع الثاني : توجيه الإستثمارات نحو الأولويات 

إن توجيه الإستثمارات عن طريق التشجيع والتحفيز والدعم مسألة هامة لأنه يترتب عنها توجيهعوامل التنمية والتكامل، نحو إنتاج الضروريات اللازمة ثم الحاجيات ثم التحسينات، وهذا التوجيه يسـتند بالطبع إلى الإمكانيات والموارد المتاحة على مستوى دول اتحاد المغرب العربي وهذا ما ينتج عنه مسألة حدوث التخصص في الإنتاج لبعض السلع والخدمات وحدوث تكامل واكتفاء على المسـتوى المغـاربي والتخلص من التبعية المطلقة للأسواق الخارجية .

وعليه وبناءا على ما تقدم يستوجب على الدول المغاربية توجيه الإستثمارات نحـو القطاعـات الهامة التي تحتاج إليها الجماهير وخاصة الإنتاج الغذائي عن طريق تشجيع القطاع الزراعـي إذ يشـكل قطاعا استراتيجيا حيويا حيث يمكن أن يستوعب ما يفوق 50 % من اليـد العاملـة فـي دول المغـرب العربي، ونظرا لأن الزراعة أصبحت سلاحا خطيرا جعل كل بلد يفكر في أمنه الغذائي محـاولا تـأمين عجزه ومن هنا يمكن تدعيم المشاريع الخاصة بتأمين العجز الغذائي بدول الإتحاد مـن خـلال محاولـة الإستفادة من الصحراء الكبرى وذلك عن طريق استصلاح الأراضي وتدعيم الفلاحة والرش المحـوري والزراعة المحمية لتأمين الغذاء وخاصة الحبوب التي تعتبر المادة الغذائية لأغلبية شعوب المنطقة والتي تستورد حاليا من الخارج كذلك يمكن استغلال المياه الجوفية في السقي.

وفي مجال الصيد البحري يمكن للدول المغاربية أن تستثمر فيه من خلال إقامة شركات مختلطة على أن تكون المغرب وموريتانيا هما الرائدتان في هذا المجال من خلال إقامة مصانع تجفيف وتجميـد وتعليب الأسماك والتسويق لدول الإتحاد والخارج نظرا لتمتع منطقة المغرب العربي المطلة على البحـر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي بشريط ساحلي يبلغ طوله 7000 كلم غنـي بـأنواع مختلفـة مـن الأسماك والإستفادة من التجربة المغربية في هذا المجال وإعطائها ثقلها الحقيقي في التعامل مع الشـريك الأجنبي.

وفيما يخص مجال الإستخراج والإستكشاف من الضروري إقامـة مشـاريع مشـتركة للبحـث والإستكشاف وتوزيع البترول بين الجزائر وليبيا بحيث تقدم الجزائر الخبرة البشرية والمعدات فـي هـذا المجال وتقدم ليبيا التمويل ومن هنا تتكامل الدولتان ويمكنهما مجابهة الشريك الأجنبي عن طريق التعامل معه بمبدأ الشراكة الفعلية وإمداد بقية دول المغرب العربي بهذه المادة الحيوية بأسعار معقولة في إطـار التبادل بين أعضاء الإتحاد كذلك ضرورة تدعيم الجزائر في مسعاها الرامي إلى استغلال الغاز الطبيعـي والتخصص فيه فيما يخص الإستخراج والنقل والتوزيع بما يعود بالفائدة على الدول الأخرى للإتحاد التي تفتقد لهذا المورد، ويمكن الإشارة هنا إلى أنبوبي الغاز الطبيعي العابرين لأوروبا عبر المغرب وتـونس وتمديدهما نحو ليبيا وموريتانيا وإفريقيا.

أما بالنسبة للمجال الصناعي فهناك إمكانية إقامة شركات مختلة للصناعات الحديدية مما يـؤدي إلى تخفيض التكلفة خاصة بين الجزائر وتونس، حيث أن مركب بورقيبة يتخصص في صناعة القضبان الحديدية سمك 10 ملم و 12 ملم ومركب الحجار في الجزائر في صناعة القضبان الحديديـة سـمك 14ملم و 6 ملم وهذا ما يؤدي إلى الإكتفاء من مادة الحديد وتسويقها بدول المغرب العربي بدون التـأثيراتالخارجية مما يخلق تبادل جديد بين دول المغرب العربي ويشغل نسبة معتبرة من عمال الدولتين.

كذلك هناك إمكانية لتنسيق الجهود بين تونس والمغرب فيما يخص الصناعات النسيجية، قصـد الوقوف في وجه الإجراءات الحمائية التي يطبقها الإتحاد الأوروبي، والتحول نحو المنطقـة المغاربيـة لتسويقها وإيجاد المستثمرين في هذا المجال، ونفس الشيء يمكن أن يقال عن صناعة الجلود (الجزائـر، تونس) نظرا لجودة هذه الصناعة ولخبرة الدولتين وذلك لإفادة باقي دول المغـرب العربيـة والتنسـيق للخارج مع تنويع الدول الأجنبية فيما يخص تصدير هذا المنتج، ولحمايته من المنافسة الخارجية الشـديدة من اسبانيا والبرتغال (1).

إذن تعد هذه المجالات وقطاعاتها بالنسبة لدول اتحاد المغرب العربي قطاعات حيوية يمكن مـن خلالها تحقيق التكامل المغاربي والتنمية الإقتصادية الشاملة عن طريق إقامة المشاريع المشتركة.

المطلب الثالث : توزيع وتسويق وحماية الإنتاج داخل السوق الإتحادية  الفرع الأول : التوزيع

يتوقف استخدام الموارد المتاحة بكفاءة بدرجة كبيرة على كفاءة توزيعها، والتوزيع هنـا يشـمل عدة مراحل وبقنوات متعددة تتوافق مع عمليات استخدام الموارد المجتمعية، ويمكن تجزئة عملية التوزيع الى أربعة أنواع متكاملة :

  • التوزيع الأولي للثروات قبل عمليات استخدامها.
  • توزيع عوائد عوامل الإنتاج.
  • التوزيع التوازني للدخول والثروات.
  • توزيع تكاليف ومنافع التحولات.

فالتوزيع الأولي للثروة قبل عمليات استغلالها يعد من أهم مراحل التوزيع واستعمال آلياته يـؤثر علـى استخدام الثروات المتاحة في المجتمع، ويسميه بعض الإقتصاديين بالتوزيع القاعدي أو توزيع المصـادر المادية للإنتاج ومرحلة توزيع عوائد عوامل الإنتاج، ولقد أهملت الدول المغاربية هذه المرحلة سواء تلك التي استرشدت بالمنهج الإشتراكي سابقا أو التي اتبعت المنهج الرأسمالي.

وانطلاقا من ذلك فإن تصحيح مسيرة التنمية يترافق مع إعادة النظر في عملية توزيع المصادر الماديـة للثروة، بما يضمن تحفيز الناس على الإستثمار والتملك والإنتفاع بثمار الجهد المبذول، وفي نفس الوقـت تزال مظاهر الإستئثار والإحتكار والتسلط وغيرها من الطرق غير المشروعة للهيمنـة علـى مصـادر الثروة المجتمعية.

إن توزيع عوائد عوامل الإنتاج يعالج إشكالية مكافأة عوامل الإنتاج ويسميها بعض الإقتصاديينبالتوزيع الوظيفي، ولإحداث نتائج ايجابية في الإقتصاديات المغاربية يستدعي الأمر اتخاذ إجراءات علىمستوى تنظيم عوامل الإنتاج وضبط آليات توزيع عوائدها.

وإن عملية توزيع عوائد عوامل الإنتاج، التي تتم في محيط السوق التي تتحرك في إطارها قوى العرض والطلب في ظل ضوابط مرشدة لا يمكن لوحدها أن تحقق التوزيع العادل فقد تفرز تفاوتـا كمـا هو ملاحظ اليوم في معظم الدول المغاربية، لعدم كفاية تلك الدخول خاصة بالنسبة للعمالة العاديـة ممـا يستدعي ضرورة استحداث آليات للتوزيع التوازني للدخول تأخذ بعين الإعتبار الكثير مـن المؤسسـات التي ساهمت في حركية التوزيع في الإقتصاديات الإسلامية مثل مؤسسة الزكاة ومؤسسة الأوقاف.

كما أن تلك التحولات سوف تترتب عنها تكاليف ومنافع سواء على مستوى الأفراد والطبقات أو على مستوى الأجيال أو على مستوى الدول، ولذا يستدعي الأمر توزيع تلك التكـاليف والمنـافع بشـكل متوازن يضمن الحركية الإقتصادية، وما يرتبط بها من توازنات اجتماعية (1).

الفرع الثاني : تسويق وحماية الإنتاج 

لا نتوقع نموا معتبرا يتناسب مع نمو الإحتياجات إلا في ظل حماية الإنتاج من المنافسة الأجنبية غير المتكافئة وفتح السوق المغاربية وإزالة الحواجز القطرية أمام انتقال عوامل الإنتاج وكذا مخرجـات الجهاز الإنتاجي.

حيث نشهد اليوم صراعا كبيرا من أجل إعادة فتح أسواق الدول النامية من قبل الدول المتقدمـة رغم أن هذه الأخيرة تمارس سياسة حمائية لإنتاجها فاليابان تمارس سياسة الحماية على منتجاتها الغذائية الأساسية فتمنع استيراد الأرز منذ الحرب العالمية الثانية إلى اليوم، كما أن دول المجموعـة الأوروبيـة تمارس أشكال متنوعة من الإجراءات التي تمنع دخول بعض المنتجات الزراعية والصـناعية المنافسـة لمنتجات بعض دول المجموعة، ونفس الشيء بالنسبة للسوق الأمريكية التي يباع فيهـا القمـح المحلـي والمستورد للمستهلكين بسعر محدد يزيد بنحو ثلاثة أمثال السعر العالمي من أجـل حمايـة المـزارعين الأمريكيين، وتثبيتهم في إنتاج الزراعات الأساسية ([14]).

إن هذه الأمثلة تدل على ضرورة ممارسة الحماية الذكية في إطار اتفاقيات التكامـل الإقليمـي للمنتجات التي تغطي الإحتياجات الضرورية لحفظ الحياة، وهذا الأسلوب بمعظم إجراءاته مؤقت ريثمـا تتحسن الوضعية الإقتصادية وتصفى الكثير من مظاهر التخلف.

وعليه كان من الضروري على الدول المغاربية أن تعمل على حماية أسواقها ومن ثمة منتجاتها خاصة تلك التي تتمتع فيها بميزة نسبية أو شبه مطلقة، لأجل البقاء في السـوق الدوليـة  ويتحقـق هـذا

التواجد من خلال العمل على انفتاح الأسواق القطرية المغاربية على بعضها البعض وخلق عملة واحـد ةللتداول داخل السوق المغاربية والعمل على تيسير عملية توزيع وتنقل السلع والخدمات وحتـى المـواردالإقتصاديـة داخـل السوق المغاربية من خلال تدعيم الطرق البرية والبحرية وفـي هذا الصدد يمـكنالحث على :

  • إعادة تشغيل سكة الحديد العابرة للمغرب العربي وتحديثها وتوحيد تسعيرتها وأنماط عربـات النقـل ومحاولة توسيعها لربط ليبيا عن طريق تونس وموريتانيا عن طريق المغرب.
  • تدعيم الطرق البرية السريعة في الدول المغاربية والتفكير في الطريق البري السريع الذي يصل بين الدول الخمسة المغاربية، حيث بدأت الجزائر في تجسيده عبر الطريق السيار شـرق غـرب الـذي يربط من جهة تونس بالجزائر والمغرب بالجزائر من جهة أخرى مع تجديد الطريـق الصـحراوي العابر لمالي والنيجر.
  • التفكير في بعث النقل البحري بين الدول المغاربية عبر شركات مختلطـة لنقـل السـلع والبضـائع والأشخاص، إذ لا يعقل أن نجد أساطيل بحرية تنقل البضائع والأشخاص نحو أوروبا من كـل بلـد مغاربي، ونفتقد لهذا بين الدول المغاربية هذه المبادرة تساهم في تحسين التبـادلات التجاريـة بـين الدول المغاربية هذا بالإضافة إلى تدعيم الموانئ والعمل على تخصيص البعض في النقل البترولـي والمواد الأولية والبضائع والأشخاص (1).
المطلب الرابع : التوظيف البشري والإستخدام التقني وحماية البيئة 

تعمل هذه الإستراتيجية على تحويل تلك الأعداد المتزايدة في المدينة والريف إلى طاقات عاملـة وكفاءات موظفة في كافة الفروع الأساسية، ونعتقد بأن التغيرات في نمط التوزيع والإجراءات المتوقعـة المرتبطة بإيجاد قنوات وصيغ تمويلية جديدة والتحفيز والتوجيه الحكومي في ظل نـوع مـن الحمايـة، وإعادة الإعتبار للقيم الإجتماعية والفضائل الأخلاقية وعوامل الخصوصية المجتمعية يمكن أن يساهم في زيادة فعالية التوظيف ويرفع من جديد نسبة مساهمة قطاعات الإنتاج الأساسية ضـمن النـاتج الـوطني الإجمالي ([15]).

وإن تحقيق تنمية مستدامة وتكامل ناجح يتطلب استخداما تقنيا يتناسـب مـع حجـم إمكانياتنـا ومواردنا واحتياجاتنا، فإن العالم اليوم يشهد ثورة تقنية في مختلف الميادين والدول المغاربية لا يمكن أن تبقى بعيدة عن الإستفادة من هذه المزايا الكبيرة التي يتيحها ذلك التقدم العلمي التطبيقـي، ففـي مجـال الزراعة النباتية يمكن الإستخدام التقني الحديث من تطوير الزراعات الدائمة المغطـاة ذات المردوديـة العالية وزيادة مواد معالجة وتهيئة الأراضي لزيادة خصوبتها مما يؤدي الى رفع مردودية الهكتار التـي تعتبر جد متدنية حاليا، فتبلغ في الجزائر 641 كلغ/هـ وفي المغرب 1870 كلغ/هـ وفــي تــونس754 كلغ/هـ، وهي أقل من المتوسط العالمي المقدر بـ : 2586 كلغ/هـ، وأحيانا أقل مـن المتوسـطالإفريقي الذي يصل إلى 1820 كلغ في الهكتار الواحد، لذلك فإن زيادة محسوسة في مردودية الهكتـار ستساهم برفع نسبة الإكتفاء الذاتي من الحبوب في المغرب العربي.

ومن المعلوم أن الدول المغاربية البترولية تملك صناعات هامـة للأسـمدة والبلاسـتيك يمكـن تطويرها لتتناسب مع حجم الطلب في سوق الإتحاد المغاربي.

أما في مجال التقنية الصناعية هناك تطورات كبيرة مازالت تنمو بوتيرة سـريعة فـي فـروع صناعات القرن الواحد والعشرين ومنها :

  • الإلكترونيات الدقيقة
  • التكنولوجيا الحيوية
  • صناعة المواد الجديدة
  • الطيران المدني
  • الإتصالات
  • أجهزة التحكم
  • الحسابات الآلية والبرامج

وهي كلها صناعات تتعلق بالمقدرة العقلية للإنسان وأن أي منها يمكن توظيفه في أي مكان علـى وجـه الأرض ومنها دول الإتحاد المغاربي والتي تملك كفاءات علمية قادرة علـى توظيـف واسـتغلال هـذه التقنيات.

إن هذا الإستخدام التقني الذي يترتب على تطبيقه نموا توسعيا ونموا مكثفا يستدعي توفير المناخ الملائم لعمل الكفاءات والحد من تهميشها وهجرتها، فالسوق الإتحادية تحتاج إلى الكفاءات المتخصصـة التي تساعد على التحكم في التقنية الحديثة وتطبيق البحوث العلمية فالباحثون العلميون هم بـدون جـدال العمود الفقري للبحث العلمي وما لم يتوفر العدد الكافي من الباحثين الذين يتمتعون بقـدر مـن الإعـداد العلمي والخبرة العلمية والحماس والرغبة في العمل الجاد المثمر تصبح أجهزة ومنظمات البحث هياكـل مظهرية لا فائدة ترجى منها، فترتفع الإنتاجية بتزايد تطبيقات البحوث العلمية .

وإن هذا الإستخدام التقني يترتب على تطبيقه والتحكم فيه زيادة معتبرة كمية ونوعية في حجـم الإنتاج ويمكن من اكتشاف وتنويع زراعات أخرى تتناسب مع المناخـات المتعـددة للسـوق المغاربيـة الكبرى وتطوير صناعات تتناسب مع طبيعة الموارد المتاحة ([16]).

أما مسألة حماية البيئة ككل عن طريق الحد من المظاهر الخطيرة التي تشهدها الدول المغاربيـةوأولها الزحف العمراني على الأراضي الخصبة و تزايد درجة التصحر وتطور الممارسات المؤثرة علىالبيئة الناتجة عن الإستخدام الصناعي، و ما رافقه من تلويث لبعض مصادر المياه و الأراضي الزراعيةو المناخ و السواحل خاصة في الدول البترولية الجزائر و ليبيا.

كما لابد من مراعاة قيد حماية البيئة عند التوسع في استخدام الأسمدة و المبيدات و غيرها مـن الكيماويات المؤثرة عبر الزمن حتى لا يعاد إنتاج التجربة الغربية للتطور الإقتصادي بتكاليفهـا البيئيـة الكبيرة ولهذا فإن السياسات الإقتصادية التكاملية لابد أن تأخذ بعين الإعتبار التحـو ل مـن اقتصـاديات مستهلكة للتقنيات وما يرتبط بها من تبعيات وتكاليف إلى متحكمة ومنتجة للتكنولوجيا وفي إطـار قيـود التنمية المستدامة ([17]).

يبدو أن هذه الإستراتيجية البديلة ترتكز على ما تملكه دول المغرب العربي من إمكانيات لأجـل تحقيق التكامل كهدف أساسي ومن خلاله التنمية الإقتصادية الشاملة لهذه الدول، لكن السؤال الذي يبقـى مطروح هو : هل الدول المغاربية ونخبها الحاكمة ستقتنع يوما ما بضرورة التكامل وبعث الحيـاة مـن جديد في مؤسسات الإتحاد المغاربي، لمواجهة التحديات الخارجية والتي في أغلبها تحديات شـراكة تـتم في ظل علاقات وقواعد اقتصادية غير عادلة والتي ماهي إلا آليات هيمنة للأقوياء على الضـعفاء فـي إطار العلاقات الإقتصادية الدولية على حد تعبير صاحب جائزة نوبل في الإقتصاد “جوزيـف سـتقليتز “

المبحث الثالث : سيناريو الإخفاق و استبدال المشروع المغاربي بالمشروع القاري الإفريقي 

إن الوضع المغاربي الحالي لا يبشر بتعاون لمواجهة المشاريع والمخططات الأجنبية، ذلـك أن عقلية التحرك المنفرد تبقى سيدة الموقف خاصة أن التنافس من أجل الحصول علـى أكبـر قـدر مـن المساعدات الأوروبية يهيمن على سياسات بعض الدول المغاربية ،وعليه فرغم تأكيد النخـب الحاكمـة المغاربية على أن عالم اليوم لا يرحم الكيانات الدولية التي تعمل بمفردها، وعلى أهميـة بنـ اء صـرح المغرب العربي فإن سلوكها يبقى بعيدا كل البعد عن التوجه نحو التكامل المغاربي، بل هناك توجه وميل واضح لإقامة مشاريع وتكتلات قارية على حساب المشروع والتكامل المغاربي، ولعل أبرز هذه التكتلات تجمع دول الساحل والصحراء، الذي استطاع أن يحقق إنتشار جغرافي كبير في وقت قياسي حيث يعـود ظهوره إلى النصف الثاني من التسعينات بست دول ليصل العدد الى 22 دولة في الوقت الحالي، ومنهـا بعض دول المغرب العربي وهي تونس والمغرب أما ليبيا فهي الدولة القائد والمؤسس والمهندس الفعلـي لهذا المشروع الإفريقي، وهذا ما يجعلنا نتساءل: هل تم استبدال المشروع المغاربي بالمشروع الإفريقـي القاري ؟ والإجابة تكون من خلال مضمون هذا المبحث الذي يخصص لتجمع دول الساحل والصـحراء والدور الليبي في هذا التجمع، وكذلك معرفة الدوافع والمصالح الليبية من وراء إنشاء وبعث هذا التجمـع ومصالح القوى الكبرى الأجنبية وعلى رأسها الدول الأوروبية (الإتحاد الأوروبي) والولايـات المتحـدة الأمريكية من قيام مثل هذا التجمع، والجانب الأساسي هو محاولة معرفة مدى تأثير هذا التجمـع علـى مسار التكامل المغاربي >> اتحاد المغرب العربي << خاصة وأن أكثر من نصف دوله عضوة وفاعلـة أساسية في هذا التجمع الإقتصادي الإفريقي.

المطلب الأول : تجمع دول الساحل والصحراء والدور الليبي 

في سياق التوجهات الليبية ذات الطابع التكاملي الإفريقي وتحت مظلة الإقليميـة الجديـدة فـي إفريقيا، وبعد خيبة الأمل المغاربية تجاه قضية لوكربي، تأسس تجمع دول الساحل والصـحراء بمبـادرة ليبية.

الفرع الأول : الدور الليبي في تجمع الساحل والصحراء 

تمثل ليبيا الدولة القائد لتجمع دول الساحل والصحراء، حيث استضافت طرابلس قمـة 15 و16 أغسطس 1997م والتي شاركت فيها ست دول إفريقية وعربية وهي : ليبيـا، تشـاد، النيجـر، مـالي، بوركينافاسو، والسودان، وخلال هذه القمة طرح العقيد معمر القذافي مبادرته بإنشاء التجمع، حيث قـال في نص كلمته الإفتتاحية: أن الهدف منها هو منع القوى العالمية من تشكيل خريطة إفريقيـا واسـتثمار الإمكانات الإقتصادية الهائلة لدول المنطقة والإندماج والتكتل بين دول المنطقة.

وانتهت هذه القمة بإتفاق على عقد اجتماع يضم وزراء خارجية الدول الست في سـبتمبر مـننفس العام لوضع الإطار المناسب لتلك المبادرة، غير أن هذا الإجتماع لم يصل إلى قرار بشـ أن انشـاءالتجمع، وفي 4 فبراير 1998م استضافت طرابلس قمة أخرى لرؤساء الدول الستة، وبمشـاركة مصـروتونس من خلال وفد وزاري، وطرح القذافي في هذه القمة مشروع اتفاقية لإقامة اتحاد ،إلا أن الـدول المشاركة فضلت أن يكون تجمعا لا اتحادا وأن تغلب عليه الصبغة الإقتصادية تحت مسمى >> تجمـع دول الساحل والصحراء <<، واعترفت القمة الإفريقية في لومي عـام 2000م بـ أن تجمـع السـاحل والصحراء هو منظمة إقليمية فرعية للتكامل الإقتصادي.

وفي هذا الإطار جاءت المعاهدة المنشئة للتجمع لتؤكد على الطابع الإقتصادي للتجربة التكامليـة للساحل والصحراء حيث حددت الهدف الرئيسي منها وهو :

>> إقامة إتحاد إقتصادي شامل يستند إلى إستراتيجية تنفذ من خـلال مخطـط تنمـوي متكامـل مـع مخططات التنمية الوطنية للدول الأعضاء، وتشمل الإسـتثمار فـي الميـادين الزراعيـة والصـناعية والإجتماعية والثقافية وميدان الطاقة.([18])

وبالإضافة للدول الستة المؤسسة للتجمع عرف التجمع توسعا جغرافيا حيث انضمت 16 دولـة إفريقية إليه وهذه الدول هي : جيبوتي ،إفريقيا الوسطى، جامبيا ،إريتريـا، مصـر، السـنغال، تـونس، المغرب، نيجيريا، بنين، الصومال، ساحل العاج وغانا، ليبيريا، غينيا، وبيساو.

اللافت أن ارتفاع عضوية التجمع إلى 22 دولة جاء خلال مدة قصيرة لا تزيد عن ست سنوات وهو ما جعل تجمع الساحل والصحراء أكبر التجمعات الإقليمية في القارة الإفريقية غير أن تفسير ذلـك يكمن في النشاط الواسع للدور الليبي الذي سعى لإستقطاب دول من مناطق مختلفة في القـارة للتجمـع، حيث يرى القذافي أن التجمع يمكن أن يكون حجر الزاوية لبناء اتحاد إفريقي قوي.

وثمة ظروف توفرت ودفعت ليبيا إالى إحياء التوجه التكاملي في النصف الثاني من التسـعينات على الصعيد الإفريقي، فمنذ إنهاء ليبيا لأزمتها مع تشاد عام 1994م حول إقليم أوزو وإعلانها التخلـي عن دعم أي حركات إرهابية أو التدخل في الشؤون الداخلية للدول عادت معظم علاقاتهـا مـع الـدول الإفريقية التي كانت قد قطعتها إبان التدخل الليبي في تشاد.

في الوقت نفسه بدأ الحصار الدولي على ليبيا يتآكل بعد مطالبات أوروبية برفعه فـي النصـف الثاني من عقد التسعينات، كما تحسنت الصورة الذهنية للجماهيرية إثر مسـاهمة القـذافي فـي تسـوية النزاعات في القارة، يضاف إلى ذلك إدارتها المرنة لأزمة لوكربي وعدم التصادم مع الولايات المتحـدة الأمريكية والدول الغربية.(2

إذن هي كلها ظروف أو عوامل ساهمت في دعم التوجه الليبي الإفريقي والبحث عـن البـديلالمغاربي، والذي وقفت دوله عاجزة عن إبداء موقف إيجابي إتجاه الحصار الذي فرض على ليبيا علـىخلفية قضية لوكربي، وربما هذا ما يجعلنا نتساءل عن الدوافع والمصالح الحقيقية لليبيا من خلال بعـثوإنشاء تجمع دول الساحل والصحراء ؟.

الفرع الثاني : المصالح الليبية من خلال تجمع الساحل والصحراء 

يمكن القول أن ليبيا وجدت من خلال إنشاء تجمع دول الساحل والصحراء فرصة لحمايـة عـدد مـن المصالح الحيوية منها :

  • الخروج من العزلة الإقليمية والدولية التي عانتها على الصعيد العربي والإفريقي إثر فشل محاولاتهـا الوحدوية مع الدول العربية والتداعيات السلبية لتدخلها في تشاد، وكذلك محاولة فـك الحصـار الـذي واجهته بعد فرض العقوبات الدولية في عام 1992م من خلال فـتح مسـاحة مـن العمـل السياسـي والإقتصادي في منطقة تعد الظهير الإستراتيجي لليبيا.
  • توفير حماية جماعية لليبيا في مرحلة ما بعد الحرب الباردة في مواجهـة المشـروعات الأمريكيـة لإختراق إفريقيا وانتزاعها من المواريث السياسية والثقافية الفرنسية الأوروبية.
  • استخدام التجمع في تعزيز الدعوة الليبية للوحدة الإفريقية، حيث يرى القذافي أن هذا التجمع يمكنه أن يكون حجر الزاوية لهذه الوحدة، فالتجمع يضم دولا إفريقية من المحيط الأطلسي إلى المحـيط الهنـدي، ويقول القذافي في هذا الصدد : >> نحن دخلنا عصرا جديدا مع تجمع الساحل والصـحراء، وصـفحة جديدة يمكن أن تقود إفريقيا للتوحد <<.
  • مثل التجمع أداة ليبية للحوار مع الإتحاد الأوروبي والتكتلات الإقتصادية الموجودة في العـالم حـول القضايا الإفريقية، ويظهر هذا الهدف بوضوح في نص خطاب القذافي إبان قمة التجمـع فـي فبرايـر 2000م إذ يقول : >> أن التجمع سيتفاوض مع المجموعة الأوروبية على قدم المساواة لتحقيق مصالح كلا الطرفين <<، وأضاف أن >> العالم أصبح لا يتعامل إلا مع المتحدين، فأوروبا لا تفضل التعامـل إلا مع تجمعات إقتصادية << ([19]) لكن لماذا هذا الوعي بضرورة التوحد للتفاوض مع أوروبا في الجانب الإقتصادي لم يكن بهذا الإهتمام بالنسبة للإتحاد المغاربي في ظل الشراكة الأورو-متوسطية.

إذن هي المصالح التي دفعت ليبيا لإنشاء هذا التجمع، وهي نفسها المصالح التـي دفعـت ليبيـا للسيطرة على التجمع وأنشطته ومؤسساته فضلا عن السعي لإمتداده جغرافيا في كل القارة، كما أبـدت الجماهيرية مرونة في قبول الدول للإنضمام للتجمع، حتى أنها وافقت على عضوية دول لهـا علاقـات دبلوماسية مع إسرائيل، وإذا كانت هذه المرونة الليبية تعكس تراجعا عن هدف مقاومة إسرائيل داخـل إفريقيا، فإنها تشير من جهة أخرى إلى رغبتها في انجاح التجمع ومده إلى بقاع مختلفة في القارة.

ولا يتصور أن ليبيا تجني فوائد سياسية فحسب من شروعها في رعاية التجمع وقيادته، بل أنـهسيسمح لها بتنمية إستثماراتها في إفريقيا، خاصة في قطاع المعادن والنفط بما يمثل إحتياطيا إستراتيجيافي حال نفاذ النفط الليبي، فقد وقعت الجماهيرية 270 اتفاقية ثنائية في مختلف المجـالات منـذ قيـامالتجمع وحتى عام 2002م مع كل من بوركينا فاسو وتشاد والنيجر ونيجيريا، كما تم تكوين 22 لجنـة مشتركة بين ليبيا وهذه الدول الأربعة، كما قدمت ليبيا نحو 25 مليار دينار ليبي لدعم الإستثمارات فـي دول التجمع.

بل أن ليبيا تحاول من خلال هذا التجمع إعادة رسم طرق التجارة في إفريقيا، حيـث كـان أول مقترحاتها في مرحلة إنشاء التجمع هو العرض على دوله استعمال الموانئ الليبية للتبادل التجاري عبـر المتوسط وليس عبر المحيط الأطلسي. (1)

إذن الجماهيرية تعتبر التجمع قاعدتها السياسية والإقتصادية للإنطلاق إلى إفريقيا، بـل أن ثمـة مؤشرات على أن التجمع يريد أن يدخل في دائرة من التعاون مع القوى الكبرى ذات النفوذ في إفريقيـا بعد إستعادة الجماهيرية لعلاقاتها مع أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية إثر انتهاج خطـوات طم أنـت هذه القوى بأن الوجه الثوري لليبيا قد تغير، وأنها تعود للساحة الدولية بمنطـق مختلـف يرغـب فـي التعايش السلمي والتكيف مع قواعد النظامين الدولي والإقليمي.

المطلب الثاني : تحركات القوى الكبرى للإستفادة من الدور الليبي 

مما لا شك فيه أن قيام تجمع إقتصادي إفريقي بدولا تشرف على البحر المتوسط، وكـذا تمتـد دوله من المحيط الأطلسي إلى المحيط الهندي، وتشتمل على العديد من الثروات والمعـادن والمضـايق البحرية يشكل حافزا كبيرا لإهتمام القوى الكبرى في العالم.

خاصة إذا علمنا أن هذه المناطق لطالما صنفت على أنها ذات أهميـة إسـتراتيجية و إقتصـادية مؤكدة، بل إن >> شريان حياة العالم الغربي << يمـر حسب تصـريح كا تـ ب الدولـ ـة الأمريكـي للدفـاع ” كاسبر وينبرجر ” Casper Weinberger  في مارس 1981م عبر مضيق هرمز والخلـيج العربي والأمم المحيطة به. (2) و يقصد بالأمم المحيطة الدول الإفريقية المتواجدة على المحيط الهندي.

وعليه سنحاول من خلال هذا المطلب ترصد أهم التحركـات  الأوروبيـة وا لأمريكيـة اتجـاه التجمـع والمصالح المتوقعة من خلال الدور الليبي لهذه القوى.

الفرع الأول : التحركات الأوروبية 

في سياق الإهتمام الأوروبي بالدور الليبي في تجمع الساحل والصحراء، صـدرت ردود فعـلايجابية من الإتحاد الأوروبي والمؤسسات الدولية المانحة بتشجيع التجمع وكـذا إمكانيـة دعـم بعـضالمشاريع، ومنها المشروع المائي الذي طرحه القذافي لتنمية منطقة الساحل والصحراء بعد فحص جدواه الإقتصادية.

كذلك وعلى سبيل المثال فقد نسقت فرنسا مع ليبيا خصوصا في أزمات ساحل العـاج و إفريقيـا الوسطى وتشاد، حيث ترى السياسة الفرنسية أن العقيد القذافي يستطيع أن يسهم في التوسط فـي هـذه  النزاعات بوصفه منسق السلام في تجمع دول الساحل والصحراء، وقد اتفقت ليبيا كذلك على خطة عمل مشتركة مع باريس بشأن التنسيق في تسوية النزاعات ومشكلات التنمية، وذلك من خلال زيارة وزيـر الخارجية الفرنسي دومنيك دوفلبان في أكتوبر 2002م إلى طرابلس، وقد بدأ اتفاق كلا الطـرفين علـى ضرورة عودة السلام في ساحل العاج وإفريقيا الوسطى وتشاد.

وينطلق الإهتمام الفرنسي بتجمع الساحل والصحراء من اعتبارات مختلفة منها : وجـود عـدد كبير من الدول الفرانكوفونية في التجمع وبالتالي يمكن من خلال الدور الليبي تنفيذ السياسـة الفرنسـية الجديدة خاصة إلغاء المشروطية السياسية للمعونات واستبدالها بمشـروطية المصـلحة، ورفـع فرن سـا مساعداتها إلى إفريقيا الى ما يزيد عن 7,0 %  من دخلها القومي بدون ربطهـا بالديمقراطيـة، وذلـك لمواجهة النفوذ الأمريكي المتنامي في القارة . (1)

إذن وجدت الدول الأوروبية وعلى رأسها فرنسا من الدور الليبي في تجمع الساحل والصـحراء أداة لأجل تنفيذ سياساتها في إفريقيا، ولأجل السيطرة على ثروات القارة وصد النفوذ الأمريكي.

الفرع الثاني : التحركات الأمريكية  

أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية عن قبولها للدور الليبي في إفريقيا بعـد تعهـد ليبـي بعـدم الإضرار بالمصالح الأمريكية ففي 26 فبراير 2004م كشف وليم بيرنـز مسـاعد وزيـر الخارج يـة  الأمريكية في تصريحات له أن ليبيا قطعت بالفعل وعدا لواشنطن بأن تكون بناءة فـي إفريقيـا، وقـال بيرنز بشكل محدد أمام لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ أن الليبيين : ” وعدونا بلعب دور بناء أكثر في إفريقيا “.

و يمكن القول أن ثمة مصالح أمريكية متوقعة من خلال الـدور الليبـي فـي تجمـع السـاحل والصحراء، ومنها ما يتوقعه البعض من احتمال إلتزام طرابلس بتقـديم تسـهيلات عسـكرية للقـوات الأمريكية لإستخدامها عند الضرورة، وذلك على ضوء استراتيجيتها بعد 11 سـبتمبر 2001م، والتـي تعتمد على توسيع إنتشار القوات العسكرية الأمريكية على مستوى العالم لضرب القوى المعادية بشـكل وقائي، وضمان تأمين القوات الأمريكية في مواقع العمليات البعيدة ،إضافة إلى حرمان أعداء أمريكا منالملجأ، وكذلك الإعتماد على ما يسمى بمراكز السيطرة العسكرية وإيلاء أهميـة كبيـرة للتعـاون مـعالوكلاء العسكريين في مناطق القتال، وفي هذا الإطار يمكن للولايات المتحدة أن تستفيد من الدور الليبيفي تجمع الساحل والصحراء، خاصة إذا علمنا أن واشنطن أنشأت مركزا لتدريب قوات التدخل الإفريقي في السنغال، وقامت دول بمنطقة غرب إفريقيا بمناورات ضد عدو وهمي في منطقة الحدود التي تجمـع بين السنغال، النيجر، مالي، وموريتانيا، وهي دول أعضاء في تجمـع السـاحل والصـحراء  بإسـتثناء موريتانيا، ولا شك في أن التفاهم الليبي الأمريكي سيسرع من الخطط الأمريكية بالتعاون العسكري مـع هذه الدول لمكافحة الإرهاب.

كما أن الإهتمام الأمريكي أيضا بالتجمع مبعثه وجود دول لها وزن في السوق النفطية مثل ليبيـا ونيجيريا ودول أخرى سيكون لها وزن في السوق النفطية وبخاصة تلك الموجودة حول خلـيج غينيـا، وهو ما يصب في النهاية في أحد أبعاد الإستراتيجية الأمريكية بعد 11 سبتمبر وهو تأمين الإحتياجـات الأمريكية من الطاقة.(1)

وما يمكن الخروج به كنتيجة عامة هو إمكانية إسهام التجمع من خلال ارتبـاط الـدور الليبـي بسياسات القوى الكبرى في عرقلة التكامل الإقليمي المغاربي، وتعميق التبعية للمشـروعات الخارجيـة،  كما يخشى أن تتحول الجماهيرية إلى رأس حربة للسياسات الأمريكية والفرنسية فـي منطقـة السـاحل والصحراء.

المطلب الثالث : تداعيات قيام التجمع على التكامل المغاربي 

يطرح قيام تجمع الساحل والصحراء والدور الليبي القائد للتجمع واحتمال ارتباطـه بالسياسـات الأمريكية والأوروبية، تأثيرات على التكامل المغاربي وعلى التعاون بين دول المغرب العربي وكيف لا وأكثر من نصف دوله عضوة في هذا التجمع، ويمكن أن نوضح هذه التأثيرات والتداعيات مـن خـلال العديد من الحقائق والمؤشرات.

– أن الدور الليبي في تجمع الساحل والصحراء قد يعد خصما من الإتحاد المغاربي، لاسيما أن اختراق تجمع الساحل والصحراء لمنطقة الإتحاد يمثل مزيدا من الإضعاف له، وربما يضع استفهامات علـى استمراره، خاصة إذا علمنا أن ثلاث من دوله تنتمي للتجمع وهي : ليبيا، المغرب، تـونس، فضـلا عن غياب موريتانيا والجزائر خارج منطقة التجمع وكأنهما جزيرتان وسط المحيط، ويكـرس هـذا الإستبعاد للدولتين سياسة المحاور المستقطبة في منطقة المغرب العربي والتي هـي أصـل تجميـد أنشطة الإتحاد المغاربي الذي تأسس عام 1989م.

  • على الرغم من أن الجماهيرية الليبية توافق على دخول دول للتجمع لها علاقات مع إسـرائيل مثـل مصر وإريتريا، بل اللافت أن سيف الإسلام نجل القذافي قال في تصريح نشرته قناة الجزيـرة فـي 08/01/2004م : >> أن ليبيا لم تعد ترى في وجود إسرائيل دولة تهدد أمنها، وأن ليبيـا لـم تعـد تعتبر نفسها في مواجهة مع إسرائيل، وأن الفلسطنيين غيروا موقفهم إزاء إسرائيل <<.

وفي المقابل فإن ليبيا ترفض التطبيع الرسمي بين نواكشط وتل أبيـب، والـذي سـاهم با لإضـافة إلـى الخلافات السياسية المستحكمة بينهما في إبعاد موريتانيا عن تجمع الساحل والصحراء وهنا تقع المفارقـة العجيبة في رفض انضمام موريتانيا وقبول دولا أخرى لها علاقات مع إسرائيل.

  • كذلك جسد هذا التجمع حاله من التنافس لا التعاون والتنسيق بين ليبيـا وبعـض الـدول المغاربيـة

(المغرب) في اختراق الملفات الإفريقية، وهو ما بدا على سبيل المثال في تنافس هذه الدول على تنظـيم كأس العالم.([20])

وما يمكن أن نستشفه من خلال تداعيات قيام تجمع الساحل والصحراء هو أن ليبيا لم تكن تبحث من وراء هذا التجمع إلا عن الزعامة والقيادة التي لم تحصل عليها في النطاق المغاربي.

  • كذلك بدلا أن تعمل ليبيا على تعزيز التكامل المغاربي من خلال هذا التجمع، حرصت على إضـعافه عن طريق سياسة الإستقطاب لبعض دوله واستثناء البعض الآخر.
  • ساهم تجمع الساحل والصحراء في اختراق كبير للقوى الكبرى للمنطقـة الإفريقيـة بصـفة عامـة والمغاربية بصفة خاصة، فلا يمنع دخول الدول في اتفاقات وترتيبات ثنائية أو جماعية دعم ترتيبـات  إقليمية معينة ،إلا أن الواقع الإفريقي والعربي والمغاربي يشير إلى عكس ذلك، حيث أن السعي إلـى رضى دول كبرى في العالم يؤدي في الغالب إلى نوع مـن التبعيـة وتراجـع التنسـيق  الإقليمـي الجماعي.

إذن ومما تقدم يبدو أن هذا هو الواقع المغاربي والذي يعكس مدى هشاشة الروابط والبناءات المغاربية ،والإرادة السياسية الحقيقية لنخب هذه الدول، والتي لا تصبو إلا للبحث عن الزعامة وتحقيـق مصـالح آنية قطرية ضيقة على حساب المصالح المغاربية الوحدوية، فبدلا أن تعمل هذه الدول على تفعيل اتحاد المغرب العربي وتقوية قنوات الإتصال والحوار والإستثمار والحيوية الإقتصادية المغاربية، ذهبت أولا للشراكة الخارجية مع القوى الكبرى وعلى رأسها الإتحاد الأوروبي منفردة، وبعدها بدأت جولة البحـث عن تكتلات إقليمية إفريقية لتنشط من خلالها، وعليه فإن سيناريو الإخفاق والتشتت والتفرق واسـ تبدال المشروع المغاربي الوحدوي بمشاريع خارجية وقارية هو المرجح، ويبـدو أن مصـير هـذا التكامـل المغاربي يبقى مجهول، ينتظر ظهور نخب واعية تدرك مدى فاعلية ونجاعـة التكامـل علـى  الأمـة المغاربية.

خلاصة

خلاصة القول أن التكامل في المحصلة النهائية صيرورة سياسية وثقافية وإقتصادية وإجتماعيـةطويلة الأمد، له صيغة وظيفية بإعتباره يقوم على التعاون والتنسيق مما يمكـن مـن القضـاء علـى الصراعات وعدم الإستقرار، ويحقق التنمية المنشودة، وعليه أصبح التكامل حاليا يفرض نفسه في سياق دولي تسوده التكتلات العملاقة حيث الإتحاد الأوروبي في الشمال والتكتلات الإفريقيـة  الأخـرى فـي الجنوب، وهو ما يطرح على المنطقة المغاربية تحديات لابد لمواجهتها من الإتحاد والتكتـل لمسـايرة المتغيرات الدولية، فالتكامل بين دول المنطقة يعد إحدى الإستراتيجيات المناسبة لمواجهة التحديات التي تعترض سبيلها ولإحلال منطق التفاهم والتعاون محل الصراع، وهو ما يستدعى اتخاذ خطوات عمليـة جادة نحو تحقيق التكامل المنشود، ومد جسور التواصل بين منطقة المغرب العربي وباقي التكتلات فـي القارة، وعليه تم طرح سيناريوهين كآفاق للتكامل المغاربي، السيناريو الأول يتفـاءل  بإمكانيـة تحقيـق وتفعيل التكامل المغاربي ضمن انتهاج إستراتيجية بديلة بالإعتماد على ما تملكه المنطقة من إمكانيـات وموارد وثروات وهي متوفرة ومتاحة مما يحقق للمنطقـة  الإسـتقلالية  الإقتصـادية ويع طيهـا ثقـلا إستراتيجيا يمكنها من لعب دور فاعل في محيطها الإقليمي وتحقيق طموحات شعوبها، وهذا السـيناريو نراه أحد البدائل المتاحة أمام المنطقة ،أما السيناريو الثاني يقوم على نموذج الإخفاق واستبدال المشروع المغاربي بالمشروع القاري الإفريقي، ويرجح هذا السيناريو استمرار الوضع على ما هو عليه ويوجـد العديد من المؤشرات على إمكانية ترجيح هذا السيناريو لا سيما مع استمرار توجه دول إتحاد المغـرب العربي للإنضمام إلى تكتلات أخرى على حساب التكامل البينـي المغـاربي، ولعـل تجمـع السـاحل والصحراء يعد الواقع الحقيقي لهذا الطرح والذي لم يكرس إلا الإختراق الخارجي للمنطقـة و إضـعاف الإرتباط البيني وتعميق التبعية السياسية والإقتصادية للخارج وتنفيذ أجندة خارجية تهدف لتفتيت المنطقة والسيطرة عليها، وإلغاء إرادة شعوبها وجعلها تابعة مفعول بها لا فاعلة.

[1] – محمد الحمصي ،مرجع سابق. ص 96.

[2] –       صالح صالحي ،الإتحاد المغاربي:                                          الإمكانيات المتاحة والإستراتيجية البديلة لتحقيق التنمية المستدامة والشراكة المتوازنة. في :

التكامل الإقتصادي العربي كآلية لتحسين وتفعيل الشراكة العربية الأوروبية. [د.م.ن] : دار الهدى ،2005، ص 302.

[3] – Ecofinance. N° 36. 2003,pp, 114,115.

[4] – موريس شيف ول، ألن وينتزر ،التكامل الإقليمي والتنمية. [ د.م.ن ] : البنك الدولي ،2003، ص 114.

[5] – صالح صالحي ،مرجع سابق. ص ص ،307-309.

[6] – موريس شيف دول، ألن وينترز ،مرجع سابق. ص ص ،50،51.

[7] – علي القزويني ،مرجع سابق. ص ص ،283-289.

[8] –  إبراهيم سعد الدين وآخرون ،التنمية العربية. بيروت : مركز دراسات الوحدة العربية 1989، ص 98.

[9] – Thurow Lester, Les Fractures Du Capitalisme. Paris: Village. M, 1997, P 50.

[10] –       كلينتون بيل، جور آل، رؤية لتغيير                                          أمريكا : الإهتمام بالناس أولا. القاهرة : مركز الأهـرام للترجمـة ،1992، ص 21.

[11] – صالح صالحي ،مرجع سابق. ص ص ،316،317.

[12] – المرجع نفسه. ص 33.

[13] – صالح صالحي ،مرجع سابق. ص 317.

[14] – المرجع نفسه. ص 320.

[15] – صالح صالحي ،مرجع سابق. ص 320.

[16] – المرجع نفسه. ص ص ،320- 322.

[17] – المرجع نفسه.

[18] – خالد حنفي علي محمود ،مرجع سابق. ص ص ،230،231.

2 – المرجع نفسه. ص ص ،230-233.

[19] المرجع نفسه. ص 243.

[20] – المرجع نفسه. ص 247.

من اعداد رقية بلقاسمي، مذكرة مقدمة لنيل شهادة الماجستير في العلوم السياسية  والعلاقات الدولية، تخصص دراسات مغاربية بعنوان التكامل الإقليمي المغاربي :  دراسة في التحديات والآفاق المستقبلية 

 

(Read more)  البعد السياسي لأزمة تكامل المغرب العربي

SAKHRI Mohamed

لنشر النسخ الالكترونية من بحوثكم ومؤلفاتكم القيمة في الموسوعة وايصالها الى أكثر من 300.000 قارئ، تواصلوا معنا عبر بريدنا contact@politics-dz.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى