تشهد الفترة الحالية تحولات تكنولوجية كبيرة، خاصةً في مجال الذكاء الاصطناعي، وهو الأمر الذي دفع رجال الأعمال إلى إعادة توجيه استثماراتهم نحو الشركات التي تدمج التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في المجالات المختلفة، وتبتكر حلولًا جديدة وذكية للمشكلات الراهنة والموجودة في الأفق.

وفي هذا السياق، أشار “ساتيا ناديلا” الرئيس التنفيذي لشركة مايكروسوفت العالمية، إلى أنه يركز على دور التكنولوجيا؛ “إذ إنها تُمكن البشر من القيام بأشياء عظيمة. ومن ثم، عليك أن تكون متفائلًا بشأن ما يمكن أن تفعله التكنولوجيا في أيدي البشر”. وعلى هذا النحو، أعدت شركة “سي بي إنسيت” (CB Insights) تقريرًا بعنوان “مغيرات قواعد اللعبة.. 10 تقنيات يمكن أن تغير العالم“، يركز على عشرة اتجاهات تكنولوجية ناشئة لها إمكانات لتغيير العالم، والقواعد التي يسير عليها.

وعلى الرغم من بعض الدراسات التي تؤكد أن التكنولوجيا وحدها لن تحل أكبر المشاكل التي تواجه الكوكب؛ فإن هذا التقرير برهن على أهمية الابتكارات والتقنيات الجديدة؛ لكونها تعمل على إعادة تشكيل الصناعات، وتقدم حلولًا لبعض القضايا المجتمعية الأكثر إلحاحًا. ولذا، تساعد التقنيات الجديدة على تقديم حلول ذكية لحل الأزمات الرئيسية التي يواجهها العالم، ومنها قضية تغير المناخ، والمشاكل المتعلقة بالتعليم والرعاية الصحيةـ وفي الوقت ذاته، يمكن أن تساهم هذه التقنيات في الحفاظ على الخصوصية في عالم قائم على البيانات والمعلومات، فضلًا عن تحقيق الاستقلال المادي في ظل ما يشهده العالم من أزمات مالية، وخاصةً في ظل مشاكل الرأسمالية مع جائحة كوفيد–19. وفي هذا الصدد، دارت العشر تقنيات في فلك خمسة مجالات رئيسة؛ هي: البيئة، والرعاية الصحية، والتعليم، والخصوصية، والاستقلال المالي.

التقنيات البيئية الحديثة  

تناول التقرير تقنية “الهيدروجين الأخضر”، وهي تكنولوجيا تساعد على تخفيف من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري، ومن ثم تساهم في حل مشكلة تغير المناخ؛ فهي مصدر للطاقة العديمة الانبعاثات، على عكس الأنواع الأخرى من وقود الهيدروجين الذي يتم إنتاجه من الوقود الأحفوري أو الغاز الطبيعي. ويمكن الاعتماد على هذه التقنية في توفير الطاقة النظيفة للقطاعات التي تتسبب في تزايد معدلات الانبعاثات الحرارية وانبعاثات ثاني أكسيد الكربون، مثل النقل والصناعات الثقيلة. ويرى العلماء أن الاعتماد على الهيدروجين الأخضر سيؤدي إلى تصفير انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بحلول عام 2050، وهو بذلك يتفوق على السيناريو المرجعي الأوروبي لعام 2016، وسيناريو الاتحاد الأوروبي لعام 2030 اللذين يعكسان عدم ملاءمة الجهود الحالية للوصول إلى الأرقام المرجوة من تخفيض الانبعاثات.

وهناك شركات ناشئة بدأت العمل على تقليل تكاليف استخدام الهيدروجين الأخضر وتسهيل استخدامه على نطاق واسع، ولعل أبرزها شركة إيكونا الكندية التي ابتكرت حلًّا جديدًا لإنتاج الهيدروجين على نطاق صناعي منخفض التكلفة ونظيف؛ إذ تستخدم الغاز الطبيعي لإنتاج هذا النوع من الوقود؛ ما يسهل استخدامه وتخزينه. وبالإضافة إلى ذلك، يمكن ملاحظة محاولات شركتي “أورستيد” الدنماركية (أكبر شركة منتجة للطاقة في الدنمارك) وشركة البترول الفرنسية “توتال” في استكشاف الفرص في هذا المجال.

التقنية الثانية هي “تخمير البروتينات“، وهي تكنولوجيا تعمل على صناعة الأغذية في المختبرات، ومن ثم، الانتقال من المزارع إلى المعامل لاكتشاف طرق حديثة مستدامة لصناعة الأطعمة والمشروبات. وينتج عن عملية التخمير إنتاج بروتينات غير حيوانية؛ إذ يتم استخدام الحمض النووي من المواشي أو الدواجن لإنتاج بروتين نقي يستخدم في منتجات غذائية أخرى مثل الألبان والجبن، أو كإنزيم غذائي في العديد من المأكولات، مثل الخبز والعصائر. ويؤكد العلماء أنَّ هذه التقنية تعمل على حماية البيئة وترشيد استهلاك الموارد، وكذلك المحافظة على الصحة الإنسانية.

هذا ويضيف التقرير أن شركات تخمير البروتين اكتسبت قوة جذب كبيرة خلال السنوات الماضية؛ إذ وصلت قيمة أسهم الاستثمارات فيها نحو 444 مليون دولار في عام 2020. ولعل من أبرز الشركات في الولايات المتحدة الأمريكية شركتي “بيرفيكت داي” و”كلارا فودز”؛ فبينما تتخصص الأولى في تخمير البروتين لصناعة منتجات ألبان خالية من الإنتاج الحيواني لكنها في ذات الوقت تحتوي على البروتينات الموجودة في حليب البقر؛ تُطبق الثانية تقنيات التخمير لهندسة حلول البروتين المخصصة لشركات السلع الاستهلاكية المعبأة.

تطوير الرعاية الصحية

في هذا المجال، سلط التقرير الضوء على أهمية “البحث والتطوير في مجال الفضاء“؛ إذ تعمل الأبحاث الفضائية على تحسين وتسريع الأبحاث في المجالات الأخرى، مثل مجالات الصناعة والزراعة والصحة؛ فعلى سبيل المثال، وُجد أن الجاذبية المنخفضة تؤثر على شيخوخة الأفراد، وتتسبب في تبلور البروتينات بطريقة موحدة. ومن ثم، يساهم هذا الأمر في اكتشاف الأدوية وتطويرها، بالإضافة إلى الدفع بالتحسينات في الطب التجديدي، وهو الطب المتخصص بتجديد الأنسجة والخلايا في الجسم. ومن الشركات الناشئة التي تعمل على البحث والتطوير في مجال الفضاء، شركة “سبيس فارما”؛ إذ تسعى إلى أن تصبح رائدة في تقديم خدمات وحلول مبسطة وذات قيمة عالية في استخدامات انعدام الجاذبية. وفي سياق آخر، تقوم الإدارة الوطنية للملاحة الجوية والفضاء “ناسا” بجهود لخلق مزيد من الفرص للبحث والتطوير في محطة الفضاء الدولية.

وعلى صعيد آخر، تُشَكِّل الطباعة الحيوية الثلاثية الأبعاد، نقلة كبيرة في المجال الطبي؛ حيث تتيح خلق أنسجة وأعضاء بيولوجية حية من خلال خلق طبقات من الخلايا الحية المدعومة بجزيئات حيوية. وبهذا يمكن لها أن تساهم في معالجة أزمة قوائم الانتظار الطويلة لزراعة الأعضاء، وبناء أعضاء بشرية تستجيب لطلبات وحالات محددة؛ ما سيعالج مشكلة رفض الجهاز المناعي للعضو الجديد. وبالإضافة إلى ذلك، تلعب الطباعة الحيوية دورًا مِحْوَرِيًّا في مجال صناعة الأدوية، من حيث اختبار الأدوية الجديدة على الأنسجة أو الأعضاء التي تم بناؤها في المعامل بدلًا من حيوانات التجارب، فيتم التوصل إلى نتائج أدق. وتُعَد شركتا “فولومترك” (Volumetric) و”3 دي بيو” (3DBio) من أشهر الشركات الناشئة في مجال صناعة الأنسجة الحية والأعضاء البشرية بواسطة استخدام الطباعة الحيوية.

وعلاوة على ذلك، تناول التقرير ما تُسمى تقنية “الذكاء المحيطي“، وهي استخدام التكنولوجيا لخلق بيئات تعمل من خلال الذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء، تستشعر وجود الإنسان وتتجاوب معه؛ وذلك لتحسين أماكن الرعاية الصحية والعيادات، وتوفير خدمات التمريض بالمنازل. وفي هذا الصدد، أشار “أرنولد ميلستين” أستاذ الطب بجامعة ستانفورد، إلى أن مجال رعاية المرضى يحتاج إلى الكثير من الإجراءات المعقدة التي من الصعب تنفيذها حتى من جانب أكثر الفرق الطبية نشاطًا؛ لذا، فالمساعدة التقنية أصبحت لازمة لتعزيز الرعاية الصحية. ومن ثم، يمكن الاعتماد على تقنيات الذكاء الاصطناعي لخلق الذكاء المحيطي الذي يساهم في رفع كفاءة برامج الرعاية الصحية.

ومع زيادة نسبة الشيخوخة وزيادة الحاجة إلى مراقبة المرضى عن بُعد، ستُعيد تكنولوجيا الذكاء المحيطي رسم شكل المراكز الصحية والعنايات المركزة وغرف العمليات؛ وذلك بجانب مراقبة سلامة المرضى ومساعدة أصحاب الأمراض المزمنة، كما يمكن استخدامها في الحياة اليومية من خلال إعطاء كبار السن قدرًا أكبر من الاستقلالية وعدم الحاجة إلى الغير.

طفرة في التعليم

تُعَد أنظمة التعلم الذكي من أبرز آليات الذكاء الاصطناعي التي من شأنها تغيير شكل نظام التعليم الحالي ليصبح قادرًا على التكيف وفهم الاختلافات بين الطلاب، ومن ثم الحصول على نتائج تعليمية أفضل. ولهذا، يمكن القول إن التعليم الذكي بات قادرًا على تحسين مستوى الطلاب بقدر أكبر مما تقدمه طرق التدريس التقليدية والمعلمون التقليديون؛ فمن خلاله، سيصبح ولي الأمر الذي يمتلك الإنترنت قادرًا على إعطاء ابنه دروسًا منتقاة حسب ما يحتاجه الطفل.

ويقدم نظام التعلم الذكي نظامًا تَعْليميًّا ذا جودة عالية، وفي الوقت ذاته يتم عن بُعد، ومن ثم كان النظام الأكثر ملاءمةً خلال أزمة وباء كورونا. ويتوقع العلماء أن هذا النظام سينقذ الولايات المتحدة الأمريكية من أزمتها الحالية المتعلقة بفجوة التعليم؛ علمًا بأن الصين وغيرها من الدول، تقدمت في هذا المجال.

ومن أبرز الشركات الناشئة التي تعمل في مجال التعلم والتدريب الذكي، الشركة الصينية “سكوريل أل ليرنيج” (Squirrel AI Learning) التي تعمل منصةً تعليميةً عبر الإنترنت مدعومة بالذكاء الاصطناعي وتوفر حلولًا تعليمية لطلاب المدارس الثانوية، والشركة الكندية “كوربت”(Korbit) التي تقدم مدرسين متخصصين بتقنيات الذكاء الاصطناعي.

إدارة البيانات والمعلومات

أشار التقرير إلى إعلانات خرق ملفات تعريف الارتباط (أو الكوكيز)، وهي إعلانات تركز على المحتوى، ولا تتبع النشاط. ومن ثم، يدخل الذكاء الاصطناعي لتحليل الوسائط مثل الصور والفيديوهات لفهم ما تقدمه من سياق، فيقدم التوصيات بالإعلانات المناسبة؛ فمن خلال التركيز على السياق، يمكن تحليل فيديو يحتوي على صور منتَجٍ ما، ومن خلال الصوت والصور في الفيديو يمكن فهم طبيعة المنتج، وإرسال الإشارات إلى جهات التسويق المعنية بالمنتج. وهناك شركات ناشئة في هذا المجال، مثل شركتي “أني كليب” (Any–clib) و”جمجم”(gumgum) ، وهما تعملان على فك شفرة محتوى الفيديوهات، فتسمحان لمن يمتلكون وسائل إعلام أو علامات تجارية، بالاستفادة القصوى من الفيديوهات.

ومن ناحية أخرى، يمكن تناول تقنية الخصوصية التفاضلية، التي تساعدفي تحليل البيانات والحفاظ على الخصوصية في ذات الوقت. وفي هذا الصدد، يُستخدم الذكاء الاصطناعي لتحويل المعلومات العادية إلى معلومات تركيبية (أو اصطناعية) تحتفظ بهيكل البيانات الأصلية لكن تغير شكلها.. هذا يسمح بالحصول على معلومات من الأفراد تعكس الشكل الواقعي للعالم الذي نعيش فيه دون اختراق خصوصيتهم.

هذا ويتوقع الخبراء أن سوق خصوصية البيانات تُقدَّر بنحو 158 مليار دولار بحلول عام 2024. ويمكن توافر أربع ميزات تنتج عن تقنيات خصوصية المعلومات؛ هي: حماية البيانات، ولا سيما إذا كانت حساسة. وبالتبعية يجب تقليل مخاطر تخزينها، منعًا لسرقتها أو تسربها، علاوة على تحسين التدريب في مجال الذكاء الاصطناعي؛ إذ يمكن تحسين عملية إنشاء خوارزميات تبني النماذج الشاذة غيرِ المُحتمَل حدوثُها.

وكذلك تحليل البيانات؛ حيث يمكن تحليل البيانات الحساسة، مثل بيانات المرضى؛ وذلك لاتخاذ قرارات معينة بشأن علاجهم، جنباً إلى جنب مع تطوير التطبيقات؛ فمن خلال التوصل إلى البيانات الحساسة، يمكن العمل على إنشاء تطبيقات إلكترونية حديثة ومتخصصة.

تقنيات المنصات الإلكترونية

تعتبر تقنية “منصات المبدعين” من أبرز التقنيات المستخدمة في مجال التسويق؛ حيث تقوم الشركات بتوفير البُنى التحتية الإلكترونية اللازمة لمنتجي المحتوى (مثل الكُتاب والموسيقيين والفنانين)؛ وذلك لإنشاء ما يرغبون فيه من محتوى، والحصول على دخل مادي منه. وفي هذا السياق، يتم توفير الأدوات اللازمة للتسجيل أو التحرير أو نشر المحتوى، وتوفير المنصات للربط بين المنتجين والمستهلكين، وخلق آليات توفر المكاسب لهم؛ فالهدف هو توسيع دائرة المستهلكين. ومن أبرز الأمثلة على ذلك، خاصية الاشتراك (Subscribe) التي توفرها بعض المنصات، والتي ينتج عنها حوافز مالية بناء على عدد المشاركين.

إن الأفكار الجديدة تعني فرصًا جديدة، وعدم فرض حواجز أمام ما يمكن تقديمه من محتوى يشجع على تحويل هذه الأفكار إلى حقيقة، بل يدفع المنتجين إلى الاستفادة من النجاح الذي حققوه وتحويله إلى عمل بدوام كامل أو جزئي، وهو ما حدث خلال أزمة كورونا عندما تحول من فقدوا أعمالهم خلال الجائحة إلى رائدي أعمال باستخدام تلك المنصات.

وأخيرًا، أتاحت التكنولوجيا ابتكار نموذج امتلاك جزء من أي شيء،وهو نموذج جديد لملكية الأصول؛ حيث تسمح تقنية الأصول للأفراد بشراء أسهم في أصول عينية يصعب بيعها لأسباب قد ترجع إلى ارتفاع سعرها أو قلة الطلب عليها، مثل الأعمال الفنية، والمنازل، والسيارات. وفي هذا الشأن، تعمل الشركات على تمكين الاستثمار في مثل هذه الأصول غير التقليدية. وبهذا، يتم إنشاء أسواق جديدة تساهم في ارتفاع مستويات الدخل. ومن أشهر الشركات العاملة في هذا المجال، شركة “روف ستوك وان” ((Roofstock One، وهي بمنزلة سوق عبر الإنترنت، تُمكَّن المستثمرين الأفراد والمؤسسات من شراء أسهم في منازل الإيجار الفردية.

وفي المجمل، يتضح أن المستقبل بات يعتمد بدرجة أساسية على كيفية توجيه الإمكانات المتفجرة للتكنولوجيات الناشئة، التي من شأنها إتاحة الوصول إلى الاستدامة البيئية، وتحسين الرعاية الصحية، وضمان أفضل إنتاج للغذاء، وكذلك تعزيز تعلم الطلاب باستخدام الذكاء الاصطناعي، وأخيرًا ضمان الخصوصية والبحث عن مصادر تمويلية جديدة، وهكذا، تتغير قواعد اللعبة العالمية إلى الأفضل بسبب الاتجاهات التكنولوجية الناشئة.

المصدر:

“Game Changers 2021: 10 technologies that could Change the World”, CB Insights, March 2021, Available on: https://www.cbinsights.com/research/report/game–changing–technologies–2021