Print Friendly, PDF & Email

لقد عرف عالم ما بعد نهاية الحرب الباردة تحولات كبيرة، وقد مست هاته التحولات والتطورات مجموعة من القضايا، حيث شملت الجانب التنظيري ببروز نظريات ومقاربات جديدة حاولت تفسير الظواهر الدولية بعدما فشلت النظريات التقليدية للعلاقات الدولية في مواكبة الحركية المتسارعة التي أصبحت تميز المجتمع الدولي، حيث إن هذه الحركية أثرت باتجاه ظهور الكثير من العوامل على عكس ما كان سائدا، أشرت كلها لبروز تحديات كبرى أصبحت تطرح بحدة على جداول أعمال المؤتمرات والملتقيات الجهوية والدولية، وأضحت المشاكل تأخذ طابع الكونية مما استدعى التحرك على صعيد يتجاوز الفواعل التقليدية .

التطور على المستوى التنظيري
إن الدراسة النظرية للعلاقات الدولية شهدت تعاقب عدة منظورات مختلفة الفرضيات والتصورات والأطر عكست كل منها مميزات الفترة التي ظهرت فيها ورؤية باحثيها، حيث ركزت في النصف الأول من القرن العشرين على صراعات القوة، لكن التغيرات الكبيرة التي عرفتها السياسة الدولية قادت باتجاه تراجع أهمية تلك الدراسات لصالح محاولات أكاديمية أكثر جدة وملائمة للمعطيات الجديدة ومن هنا ظهرت الحاجة إلى توسيع النظرة التحليلية التي تركز على الدول فقط وعلى مفاهيم القوة والمصلحة والصراع وذلك ببروز فاعلين جدد غير الدول.

لقد تجسد هذا التطور في انكفاء التيارات الوضعية المتمثلة أساسا في النظرية الواقعية والليبرالية والماركسية وبروز تيارات ما بعد وضعية بتطويرها لأساليب ومناهج تحليلية جديدة، إن من شروط نجاح النظريات ومدى قدرتها على بناء أطر متكاملة وشاملة الدراسة هو في أخذها بأكبر عدد من العوامل والفواعل والعناصر المؤثرة والمميزة لظاهرة معينة محددة الزمان والمكان، وهذا ما فشلت في حصره النظريات السابقة فعملت الاتجاهات الجديدة على تداركه من خلال أخذها بعين الاعتبار مجمل التحديات وأهم تأثيرات الفواعل الجديدة التي اعتبرت أبرز تجليات عالم ما بعد الحرب الباردة، أو كما اصطلح عليه في الكثير من الأدبيات بالنظام الدولي الجديد أو العولمة الكلية .

تعتبر النظرية البنائية أحد أهم المحاولات التي مثلت هذه التيارات الجديدة بمختلف مقارباتها، حيث عملت هذه النظرية على رصد مختلف التفاعلات وتأثيرها في النسق الدولي الشديد التغير وذلك بإدخالها متغيرات الهوية والخصوصية الثقافية كأحد عناصر التحليل الأساسية على المستوى الأنطولوجي، فمشاكل الهوية والعرقيات زادت تفاقما وأدت بالكثير من الدول إلى الانقسام، كما أن العوامل الثقافية والحضارية أصبحت تلعب دورا متزايد الأهمية بحسب أراء العديد من المفكرين كصامويل هنتكتون.

إن المنظور البنائي وبمنهاجه التفكيكي وتقنية تحليل الخطابات دأب على تجميع مختلف مظاهر التحول والنشاط سواء على المستوى الداخلي أو الخارجي للدول، ورغم اعترافه بأهمية مركز الدولة إلا أنه يعتبرها فاعلا ذا أهمية إلى جانب مجموعة فواعل أخرى.
وبالرغم من المرجعية الفلسفية والاجتماعية لهذا المنظور إلا أن بعض مفكريه كروبرت كوكس قد نجحوا في نقله إلى حقل العلاقات الدولية ليعطي نظرة أكثر موضوعية وأكثر تفاؤلية بإمكانية القدرة على الوصول إلى بعض التعميمات المتعلقة بالتنظير لحقل العلاقات الدولية . ومن جهة أخرى فقد عملت المنظورات الكلاسيكية المتمثلة في الواقعية والليبرالية والماركسية على إعادة النظر في بعض فرضياتها محاولة إيجاد إطار للتكيف الأنسب مع المتغيرات الجديدة وذلك من خلال بروز مجموعة من الرؤى المستحدثة حول بنية النظام الدولي ودور الفاعلين فيه كما ركزت على أهمية المؤسسات والتكتلات الدولية، وتجسدت هذه التصورات في أفكار كل من نظريتي الواقعية الجديدة والليبرالية الجديدة بالإضافة إلى نظرية الماركسية الجديدة.

التطور على مستوى القضايا والاهتمامات
إن مختلف النظريات والمقاربات التي سبق ذكرها جاءت نتيجة لعمليات تغير كبيرة عرفتها الساحة الدولية بعد نهاية الحرب الباردة حيث انفجرت العديد من الصراعات المسلحة والتي أخذ بعضها طابعا عرقيا واثنيا مثلما حدث في البوسنة والهرسك بعد تفكك الفدرالية اليوغسلافية أو ما حدث في رواندا وبوروندي بين قبيلتي الهوتو والتوتسي حيث عرف هذين النزاعين أحد أكبر عمليات الإبادة الجماعية في التاريخ وقد شجاء الرد الدولي متأخرا، وعموما فإن التغييرات الحاصلة مست الكثير من المجالات الأخرى وامتد تأثيرها ليشمل العديد من القضايا ولعل أبرزها:

أولا : من الثنائية القطبية إلى الأحادية القطبية
إن العامل الجوهري الذي رسم معالمه مع نهاية الحرب الباردة هو الانتقال من نظام الثنائية القطبية إلى الأحادية القطبية بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية ومجموعة الدول الغربية التي تسير في فلكها، وقد كان لهذا التحول الأثر البالغ في تحول ميزان القوى العالمي، مما تبعه تغير في أنماط سلوك القوى الكبرى وبالتالي فسقوط الشيوعية أذن بوضع الليبرالية في وضع الصدارة في مرحلة نهاية التاريخ التي عبر عنها فوكوياما،
ومن الناحية النظامية دائما فقد واكب ذلك تحول العديد من دول العالم من النظام الاشتراكي الماركسي إلى النظام الديمقراطي والأخذ بآليات حرية السوق والمبادلات.

إن الغياب المفاجئ للعدو التقليدي للغرب جعل المنظومة الغربية تبحث عن عدو جديد لتبرير سياساتها وضمان استمرار مصالح الرأسمالية خاصة تلك المتعلقة بإنتاج وتسويق الأسلحة وتطويرها وذلك من خلال تجريبها في حروب قد لا تبدوا شرعية في الكثير من الحالات، وهذا ما يفسر زيادة النزعة الاوليغارشية على مستوى النسق العالمي حيث السيطرة والتحكم بيد الولايات المتحدة وهذا في ظل انسياق الغرب وحتى روسيا للسياسة الأمريكية وكذا انتهاج الصين لسياسة تقوم على الحذر والبراغماتية، وهذا ما سهل على الولايات المتحدة والدول السبع الأكثر تصنيعا فرض رؤاها الخاصة على العالم حيث بات الجميع مطالب بالانصياع والامتثال وهنا ظهر جليا إتباع الازدواجية في التعامل خاصة مع قضايا العالم الثالث وأضحت الثقة هشة بين الشمال والجنوب .

ثانيا : تراجع مكانة الدولة وبروز مصادر تهديد جديدة للأمن
إن التدفقات عبر القومية التي يعرفها النظام الدولي تعني الاتجاه المتزايد نحو تدوي لا لسلع ورؤوس الأموال والأفكار وبالتالي تجاوز الولاءات القديمة للوطن أو الأمة إ لى ولاءات جديدة ببروز قوى إقليمية ودولية أصبحت تنافس الدولة كالمنظمات الحكومية وغير الحكومية، والمؤسسات المالية والتجارية الدولية كمنظمة التجارة العالمية إلى جانب صندوق النقد الدولي والبنك العالمي، بالإضافة إلى الشركات المتعددة الجنسيات .

لقد انتقلنا من مبدأ سيادة وحرية الدول إلى سيادة وحرية الفرد داخل الدول ، وبدأت هذه المنظمات والشركات تطالب الدول بالتقيد بقضايا كانت تعتبر شؤون داخلية ، كالتركيز على مبادئ حقوق الإنسان ونشر الديمقراطية والحريات، خاصة حرية التملك والتعبير، وقد ساهم في هذا التحول التطور الهائل في وسائل الإعلام والاتصا ل ومصادر المعلومات والدور الذي لعبته في اختزال المسافات ونقل الأفكار.
لقد واكب تراجع دور الدولة كما ذكرنا بروز لاعبين أصبح يمتد تأثيرهم إلى النسق الدولي وهكذا تطور مفهوم الأمن، وحسب باري بوزان فإن هذا المفهوم يبقى عصيا على الصياغة الدقيقة وغامض التعريف حيث وفر ذلك للنخبة السياسية والعسكرية هامشا . واسعا للتنظير الاستراتيجي واستخدام القوة إن التطورات الكبيرة التي سبق التطرق إليها وبالرغم من أهميتها في جانبها الايجابي إلا أنها جعلت الحديث عن الحصانة الأمنية شيء من الماضي حيث ازدادت المخاوف والتحديات الأمنية بشكل كبير وأصبحت ذات طابع عالمي.

وقد تنوعت مصادر التهديد لمختلف عناصر الأمن ” الأمن الاقتصادي والاجتماعي والثقافي” وعلى مختلف مستوياته “الوطنية والإقليمية والدولية”، فلم تعد الحروب بشكلها التقليدي مصدر التهديد الوحيد بل برزت الكثير من المصادر كالجماعات الرافضة للهيمنة الغربية، وأصبحت تشن هجمات ضد مصالح هذه الدول وقد تأخذ هذه التنظيمات الطابع الديني كتنظيم القاعدة ،أو القومي ..، بالإضافة إلى بروز تحديات أمنية أعقد وأشمل كانتشار أسلحة الدمار الشامل والتلوث البيئي والهجرة غير الشرعية وانتشار الجريمة واتساع دائرة نشاطات التنظيمات المافيوية المختصة في تجارة المخدرات وتبييض الأموال . وهكذا يمكن استخلاص أن الوضع الجديد أصبح يضم ثلاث مكونات متعايشة ولو بتنافر وهي الدولة القومية التي لاتزال لاعبا أساسيا رغم تراجعها وانتكاستها، والسوق العالمية الخارجة عن أي رقابة أو سيطرة، والشبكات المنفلتة بشكل كامل أو جزئي . من قبضة الأجهزة المركزية كالشركات متعددة الجنسيات .

وقد أضحت ظاهرة الاعتماد الدولي المتبادل السمة الأبرز للنظام العالمي الحالي سواءًا في إطار الروابط المباشرة بين الدول والأفراد أو من خلال الاندماج في التكتلات والتحالفات في عالم شديد التنافس على مقومات المكانة والسيطرة .

-عطري الميلود , السياسة الخارجية الأمريكية اتجاه أمريكا اللاتينية في فترة ما بعد الحرب الباردة , ماجيستير , 2007 .