بدأ “أنتوني بلينكن” وزير الخارجية الأمريكي، في 7 أغسطس الجاري (2022) جولة إلى أفريقيا تشمل دول جنوب أفريقيا والكونغو الديمقراطية ورواندا، وهي الزيارة الثانية له إلى القارة منذ نوفمبر 2021 التي زار فيها دول نيجيريا والسنغال وكينيا؛ وذلك في محاولة أمريكية لتعزيز النفوذ الأمريكي وإحياء المشاركة الأمريكية في القارة، ومواجهة خصومها الجيوسياسيين هناك، لا سيما الصين وروسيا. ويكشف هذا الاهتمام الأمريكي مساعي واشنطن إلى تكثيف تحركاتها الدبلوماسية في القارة الأفريقية في ضوء ما تشهده من تنافس محتدم على نطاق واسع بين القوى الكبرى، خاصةً أن تلك الزيارة قد سبقتها جولة “سيرجي لافروف” وزير الخارجية الروسي، في شهر يوليو الماضي، التي تزامنت معها جولة الرئيس الفرنسي “إيمانويل ماكرون” إلى غرب أفريقيا.

الأهداف الأمريكية

تستهدف التحركات الأمريكية نحو أفريقيا تحقيق عدد من الأهداف الاستراتيجية، يمكن الإشارة إلى أبرزها على النحو الآتي:

1– تنامي الأهمية الاستراتيجية لأفريقيا: تنظر واشنطن إلى الدول الأفريقية باعتبارها شركاء استراتيجيين لها، وتدرك واشنطن الدور المركزي لجنوب أفريقيا على الصعيدين الإقليمي والقاري؛ حيث تتمتع جنوب أفريقيا بأهمية جيوسياسية كبيرة في القارة؛ لكونها تعد القوة الإقليمية المهيمنة في الجنوب الأفريقي وفي الجماعة الإنمائية للجنوب الأفريقي “سادك”، وتلعب دوراً بارزاً في صنع القرار داخل أروقة الاتحاد الأفريقي، كما أنها واحدة من أكبر ثلاثة اقتصادات في أفريقيا، وهي أكبر شريك تجاري للولايات المتحدة في القارة، وتستضيف أكثر من 600 شركة أمريكية، فضلاً عن كونها تمثل بوابة مهمة للوصول إلى الأسواق الأفريقية.

فيما تمتلك الكونغو الديمقراطية إمكانات هائلة من الثروات والموارد الطبيعية، مثل الطاقة الكهرومائية، بالإضافة إلى كونها قوة إقليمية مهمة في منطقة البحيرات العظمى، لا سيما في مجال مكافحة الإرهاب الذي يهدد شرق البلاد، وسط مخاوف من تمدده إلى دول الجوار الإقليمي؛ ما يهدد المصالح الدولية والأمريكية في المنطقة، بينما أضحت رواندا تمثل طرفاً فاعلاً مهماً على الصعيدين الإقليمي والدولي في خضم ما تلعبه من دور بارز في محاربة الإرهاب في المنطقة خلال الفترة الأخيرة.

2– الترويج للاستراتيجية الأمريكية الجديدة تجاه أفريقيا: ثمة تحول جديد في نظرة واشنطن إلى القارة الأفريقية كحليف استراتيجي مهم، وباعتبار أنها تمثل المستقبل الذي لم يَعُد من الممكن تجاهله. ومن المقرر أن يعلن “بلينكن” خلال زيارته إلى جنوب أفريقيا عن استراتيجية واشنطن تجاه القارة، التي تعكس استراتيجية إدارة الرئيس “بايدن” الهادفة إلى العودة إلى الساحة الدولية، واستعادة النفوذ الأمريكي في القارة. وترتكز هذه الاستراتيجية على عدد من الأهداف؛ على رأسها تكريس الديمقراطية وحماية حقوق الإنسان ومكافحة الإرهاب والتعافي من جائحة كوفيد–19 ومعالجة تحديات أزمة المناخ والتركيز على الدبلوماسية والتنمية، بالإضافة إلى مواجهة النفوذين الصيني والروسي في القارة.

ويمكن اعتبار هذا الإعلان رسالة أمريكية تعترف فيها بأهمية الدول الأفريقية بالنسبة إلى السياسة الأمريكية باعتبارها لاعبين مؤثرين على الساحة الدولية، وإعادة تأكيد الأولويات بالنسبة إلى واشنطن مع حلفائها الأفارقة، لا سيما جنوب أفريقيا التي تحاول الإدارة الأمريكية تعزيز علاقاتها بها على عكس توجه الإدارة السابقة للرئيس “دونالد ترامب” نحوها.

3– إعادة بناء التحالفات الأفريقية لواشنطن: وذلك بالدفع نحو تعزيز العلاقات السياسية والدبلوماسية مع الدول الأفريقية بهدف التقارب مع الحلفاء التقليديين للولايات المتحدة، تمهيداً لمواجهة تنامي الحضور الصيني والروسي في القارة. وقد تجلَّى ذلك في كثافة الزيارات الدبلوماسية للمسؤولين الأمريكيين خلال الشهور الأخيرة؛ فقد سبقت زيارة “بلينكن” بعض الجولات الأمريكية مثل زيارة “ليندا توماس جراينفيلند” سفيرة واشنطن لدى الأمم المتحدة إلى دولتي غانا ورواندا.

كما زارت “سامانثا باور” مديرة الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية كلاً من كينيا والصومال لبحث سبل مواجهة تحديات الأمن الغذائي وأزمات الجفاف في المنطقة، بالإضافة إلى زيارة “ديريك تشوليت” مستشار وزارة الخارجية الأمريكية، إلى السنغال وموريتانيا في يوليو 2022، بعدما زارت “فيكتوريا نولاند” وكيلة وزارة الخارجية الأمريكية للشؤون السياسية دول جيبوتي وموزمبيق ونيجيريا في يونيو 2022، كما زار “ويندي شيرمان” نائب وزير الخارجية الأمريكي دولة جنوب أفريقيا في مايو 2022 بهدف التحضير لزيارة “بلينكن” وإجراء الحوار الاستراتيجي بين البلدين.

4– عودة الانخراط الأمريكي في أزمات القارة: ترغب واشنطن في تصدير رسالة أمريكية أن واشنطن تقف بجانب الدول الأفريقية في أزماتها، ولن تتخلى عنها. وتحاول الدبلوماسية الأمريكية تحسين العلاقات الأمريكية الأفريقية بتكثيف التعاون مع الدول الأفريقية في معالجة العديد من القضايا المهمة التي تشكل تحدياً بالنسبة إلى الأفارقة، مثل الأمن الغذائي، في ضوء المخاوف من توسع خطر المجاعة في الدول الأفريقية؛ فقد تعهدت واشنطن بدعم مبادرة بنك التنمية الأفريقي التي تهدف إلى زيادة إنتاج الغذاء في القارة من أجل تجنب أزمة الغذاء بسبب الصراع الروسي الأوكراني، بالإضافة إلى المساعدات الإنسانية الأمريكية إلى دول القرن الأفريقي بقيمة 1.3 مليار دولار للمساهمة في درء خطر المجاعة.

وتمثل القضايا الأمنية أحد المحاور الرئيسية في زيارة “بلينكن” إلى إقليم البحيرات العظمى، خاصةً في ضوء تصاعد التهديدات الأمنية في شرق الكونغو الديمقراطية، وتصاعد نشاط التنظيمات الإرهابية، لا سيما تنظيم “داعش” في المنطقة، ومن ثم دعم الدور الرواندي في مواجهة الإرهاب في المنطقة، بجانب محاولة الوساطة من أجل معالجة وتسوية بعض الخلافات الإقليمية؛ حيث تضغط واشنطن من أجل تخفيف حدَّة التوتر القائم بين الكونغو الديمقراطية ورواندا؛ بسبب تبادل الاتهامات بدعم بعض الحركات المسلحة المتمردة على غرار حركة 23 مارس المسلحة؛ وذلك بسبب القلق الأمريكي من تصاعد العنف في المنطقة وتأثيره على مصالحها الاستراتيجية هناك.

5– فتح آفاق جديدة للاستثمارات الأمريكية في أفريقيا: لدى واشنطن قناعة بأن الشراكة الاقتصادية مع أفريقيا أمر بالغ الأهمية في هذه المرحلة، لا سيما في ضوء تنامي مكانة الاتحاد الأفريقي على الساحة الاقتصادية العالمية، بالتزامن مع إطلاق منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية، وما تمثله من خلق كتلة اقتصادية تحتل المرتبة الثامنة عالمياً، كما أنها دافع مهم نحو تعزيز النفوذ الأمريكي في القارة.

وتمثل أفريقيا سوقاً مهمة للمنتجات الأمريكية، خاصةً أن بعض التقديرات تشير إلى أن من بين أربعة أشخاص في العالم سيكون هناك مواطن أفريقي بحلول عام 2050. وتسعى واشنطن من خلال الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية إلى بحث فرص استثمارية جديدة في العديد من الدول الأفريقية، إضافة إلى تمديد العمل بقانون النمو والفرص في أفريقيا حتى عام 2025؛ ما يعزز فرص الدول الأفريقية في الحصول على الإعفاء الجمركي لنحو 6500 منتج أمريكي.

كما تقدم العديد من المساعدات الاقتصادية للدول الأفريقية بهدف دعم ميزانياتها للمساهمة في تخفيف آثار الأزمات العالمية الراهنة، مثل ارتفاع أسعار المواد الغذائية التي باتت تشكل تهديداً صريحاً على الأمن الغذائي الأفريقي. ومن المتوقع أن تركز واشنطن، في إطار تعاونها مع أفريقيا خلال ولاية “بايدن”، على خمسة مجالات هي تعزيز التجارة، ومكافحة جائحة كوفيد–19، وتغير المناخ، والأمن والسلام، وتعزيز الديمقراطية.

6– تعزيز عملية الحشد الدبلوماسي ضد روسيا: تسعى واشنطن إلى كسب التأييد الأفريقي لمواقفها بشأن الحرب الروسية في أوكرانيا، وحسم موقف الأفارقة بشأن إدانة روسيا، بهدف تشديد العزلة الدولية على موسكو. وفي هذا الإطار، تحاول واشنطن تغيير موقف جنوب أفريقيا تجاه الحرب الروسية الأوكرانية واتخاذ موقف أكثر تشدداً ضد موسكو، خاصةً أنها قد امتنعت في مارس 2022 عن التصويت في الجمعية العامة للأمم المتحدة على قرار يدين الحرب الروسية على أوكرانيا.  

7– عدم ترك مساحة حركة للمنافسين الجيوسياسيين: فمن ناحية، يتوسع الحضور الروسي تدريجياً في بعض المناطق الاستراتيجية في القارة، بما يشكله من تهديد واضح للمصالح الأمريكية الاستراتيجية في القارة؛ إذ تتنامى المخاوف الأمريكية من توسع الوجود العسكري الروسي في القارة؛ حيث نجحت موسكو في استغلال تنامي التهديدات الأمنية كمدخل أساسي لتقديم خدماتها للدول الأفريقية عبر مجموعة فاجنر الأمنية التي تعزز حضورها في عدد من الدول الأفريقية مثل ليبيا وأفريقيا الوسطى ومالي، وسط تنبؤات بتمددها إلى بوركينا فاسو خلال المرحلة المقبلة، ومن خلال توقيع اتفاقات تعاون عسكري وأمني مع عدد من الدول الأفريقية مثل مالي والنيجر وبوركينا فاسو.

وفي سبيل مواجهة ذلك، أقر الكونجرس الأمريكي مؤخراً قانون الأنشطة الروسية الخبيثة في أفريقيا، الذي يهدف إلى تعزيز الجهود الأمريكية لمواجهة تأثير التحركات الروسية وتحركات وكلائها في أفريقيا، خوفاً من تقويض الأهداف والمصالح الأمريكية الحيوية في القارة. وبموجب القانون يراقب وزير الخارجية الأمريكي تصرفات موسكو ووكلائها بما في ذلك فاجنر.

ومن ناحية أخرى، يتنامى النفوذ الاقتصادي الصيني في معظم دول القارة، خاصةً بعد فشل الشركات الأمريكية في حماية عقود الاستثمارات في الكونغو الديمقراطية لصالح الشركات الصينية التي باتت تسيطر على مناجم استخراج الكوبالت؛ الأمر الذي يدفع واشنطن نحو المسارعة في تنفيذ وتعزيز الاستثمارات الأمريكية في الدول الأفريقية.

8– دعم بعثة الأمم المتحدة لحفظ السلام في الكونغو الديمقراطية: وذلك في ضوء اندلاع تظاهرات شعبية مناهضة لاستمرارها في البلاد كانت قد انطلقت منذ يوليو 2022؛ بسبب إخفاقها في القضاء على التهديدات الإرهابية في شرق البلاد، وهي التظاهرات التي أسفرت عن مقتل عدة أشخاص، وهو ما صعَّد من المطالبات بطرد البعثة من البلاد – التي تشارك فيها واشنطن – الأمر الذي دفع الحكومة إلى دراسة إمكانية عدم استمرار البعثة في البلاد.

تداعيات محتملة

يحمل التوجه الأمريكي تجاه أفريقيا عدداً من التداعيات المحتملة، يتمثل أبرزها فيما يأتي:

1– تعظيم استفادة الدول الأفريقية: لا سيما من حيث توسيع الفرص الاقتصادية نتيجة تكالب القوى الكبرى نحو ضخ المزيد من الاستثمارات وتقديم المساعدات الاقتصادية والتنموية بهدف استمالة الدول الأفريقية؛ رغبةً في تعزيز النفوذ والهيمنة، وفي مقابل تحجيم التحركات الدولية المناوئة لها. هذا التنافس بين القوى الكبرى قد يمنح الدول الأفريقية مساحة أكبر للحركة والمناورة.

2– مقاومة الدول الأفريقية عمليات الحشد الغربي ضد روسيا: فقد يستمر رفض بعض الدول الأفريقية، مثل جنوب أفريقيا، الرضوخ للضغوط الغربية والأمريكية باتخاذ موقف مهادن للغرب ضد روسيا في أزمتها مع أوكرانيا، بجانب رفض القانون الأمريكي الأخير حول روسيا باعتبار أنه ينطوي على معاقبة الدول الأفريقية التي لم تصوت في الأمم المتحدة على إدانة روسيا بسبب حربها على أوكرانيا، خاصةً أن الدول الأفريقية تحاول الحفاظ على علاقات متوازنة مع القوى الدولية الفاعلة، وهو ما قد يترتب عليه توتر العلاقات الأفريقية الأمريكية خلال الفترة المقبلة، في مقابل تقارب روسي أفريقي محتمل.

3– فقدان الثقة بالوساطة الأمريكية: وذلك في ضوء غياب الاهتمام الأمريكي خلال السنوات الأخيرة بالأزمات الأفريقية ولعب دور الوسيط فيها، فضلًا عن فقدانها أوراق الضغط الكافية للعب دور حاسم في عدد من الأزمات الأفريقية، مثل الصراع في إقليم تيجراي شمال إثيوبيا الذي اندلع منذ نوفمبر 2020، وهو ما قد يترتب عليه تراجع التأثير الأمريكي في القارة لصالح قوى منافسة أخرى. ويعزز من هذا الافتراض أن توقيت زيارة وزير الخارجية الأمريكية وتزامنه مع زيارات مسؤولي قوى دولية أخرى يعكس تعامل واشنطن مع القارة من منظور براجماتي بحت، وهو الأمر الذي يزيد عدم الثقة بالدور الأمريكي بأفريقيا.

4– تصاعد التنافس الدولي على أفريقيا: فقد أضحت القارة بمنزلة ساحة صراع متنامٍ بين القوى الكبرى الفاعلة، خاصةً أنها أحد الفضاءات الجيواستراتيجية التي تتأثر جيوسياسياً بصراعات القوى الكبرى في مناطق استراتيجية أخرى مثل الحرب الروسية الأوكرانية وتداعياتها على التنافس الروسي الغربي في أفريقيا، والتوتر الصيني الأمريكي عقب الزيارة الأخيرة لبيلوسي إلى تايوان وانعكاساته المحتملة على المواجهة الصينية الأمريكية في القارة، وهو ما يعزز حالة شد الأطراف في أفريقيا التي ربما تمارسها بعض القوى الدولية، لا سيما واشنطن، بهدف تهديد المصالح الصينية والروسية في القارة، وهو ما قد يهدد الاستقرار والأمن الإقليميين في القارة.

وإجمالًا.. تأتي هذه الزيارة الأمريكية لبلينكن في سياق عالمي معقد بسبب التطورات على الساحة الدولية والمتغيرات الاستراتيجية المرتبطة بها، وهو السياق الذي انعكس بوضوح على حالة التنافس الدولي المحتدم في القارة الأفريقية التي تواجه ضغوطاً اقتصادية وأمنية وصحية؛ ما قد يترتب عليه إعادة واشنطن ترتيب أولوياتها تجاه القارة الأفريقية واتخاذ العديد من الإجراءات الجديدة التي قد تسهم في أن يستعيد النفوذ الأمريكي توهُّجه في أفريقيا خلال الفترة المقبلة.

عرض إنترريجونال للتحليلات الاستراتيجية