Print Friendly, PDF & Email

وليد عبد الحي

تحاول أوساط كثيرة – عربية وغربية- نهش فكرة المقاومة الفلسطينية باستغلال واقعة خيانة الابن الاول- الأكبر- لأحد زعماء حماس وهو الشيخ حسن يوسف ، ثم اعقبه فرار أخيه من تركيا وتنكره على شاشة التلفزيون لحركة حماس..ولمناقشة هذه المسالة لا بد من طرق الابواب التالية:
أولا: هل هذه الظاهرة – تنكر الابناء لتوجهات آبائهم – ظاهرة متكررة في الثورات تحديدا (وليست انقلابات القصور في التاريخ العربي وغير العربي عن ذلك ببعيدة في جوهرها ) .
من المفيد ان اشير الى ان دراسة Kay Philips& Mostafa Rajai حول قادة الثورات (1983) والتي شملت 135 زعيما ثوريا من اوروبا وامريكا اللاتينية واسيا وافريقيا، تبين ان ظاهرة التمرد على الأب مارسها 12% من قادة الثورات مثل لينين وتروتسكي وكاسترو وشوئن لاي وماوتسي تونغ ..الخ، ومارسوا توجهات مخالفة تماما لتوجهات آبائهم، وربطت الدراسة بين طبيعة التمرد وحدته (أي مستوى خروج الابن على توجهات الاب) وبين حدة عقدة أوديب.
وتشير المعلومات الاولية عن علاقة الشيخ حسن يوسف بأبنائه ( وعددهم 9 منهم 6 ذكور و 3 بنات) الى أنها علاقة تحوطها ملابسات أهمها ان الاب قضى حوالي 20 سنة سجينا ومحروما من ضبط ايقاع حياة أولاده ، وهو الفراغ الذي استثمرته وحدة الحرب النفسية الاسرائيلية للايقاع بالأبناء( وسأعود لهذه الوحدة بعد قليل)، كما ان التشدد في التربية( طبقا للمعلومات القليلة المتوفرة) خلقت هوة بين الأب والابناء ، كما أن ضعف شخصية الأم (صبا) طبقا للمعلومات المتوفرة كرس “الفجوة بين الطرفين” ، ناهيك عن ان مقارنة الابناء بين حياتهما وحياة أبناء بعض القادة الفلسطينيين شكل لهم حافزا للانحراف على الرغم من محاولة الأبنين الخائنين نفي ذلك، ويكفي تحليل مضمون ما قاله الابنين ليتبين لنا ان ” لاوعيهما” ينطوي على كراهية عميقة للوالد وللدين الاسلامي وللتنظيم السياسي.، ويتضح ذلك في قول الابن الثاني صهيب في لقائه مع الفضائية الاسرائيلية ” على والدي ان يحترم افكاري كما احترمت افكاره لمدة 40 سنة” وفي تبني الأول ” مصعب” للدين المسيحي وبدعم من التيار ” الانجيلي” البروتستنتي المتشدد في المسيحية والذي لعب دورا في الترويج لكتابه(ابن حماس) وللفيلم الذي بني على الكتاب.
ويبدو ان تكرار اقتحام الجيش الاسرائيلي لبيت حسن يوسف باستمرار واعتقاله عدة مرات والقلق الذي يصاحب هذه الحالة خلق حالة من “الرهاب” لدى اطفاله ، وهو ما استثمرته المخابرات الاسرائيلية كما سأوضح.
ثانيا: وحدة الحرب النفسية في وزارة الدفاع الاسرائيلية:
عندما أمر موشيه يعالون (وزير الدفاع الاسرائيلي السابق) باعادة تشكيل وحدة ” الحرب النفسية عام 2005، حدد مهمتها بالتركيز على المجتمع الفلسطيني بشكل واضح بهدف (النص الحرفي ) ” كي وعي الفلسطيني”( sear into the consciousness)، من خلال :
أ‌- زرع فكرة عبثية ” الارهاب ” في تحقيق الاهداف، مع التركيز على استخدام مصطلح “العبثية” وهو ما يذكر بعبارة ” ان صواريخ حماس هي صواريخ عبثية” والتي رددها مسئولون فلسطينيون ؟؟؟، فقد وردت العبارة في توجيهات يعالون لعمل الوحدة.
ب‌- تم تنظيم الوحدة – طبقا للصحف الاسرائيلية- على غرار الشركة مع وضع مسئول عنها برتبة كولونيل، وبدأت بتوظيف 70 فردا مع التركيز على اهمية اتقان ” اللغة العربية بخاصة اللهجة الفلسطينية ” مع الاستعانة بخبرة الضباط المتقاعدين من الذين سبق لهم التعامل المباشر مع المجتمع الفلسطيني، والعمل على دراسة النزاعات العشائرية والمنافسات بين الافراد على المناصب والثروة والنساء، وتتبع هذه الوحدة لرئاسة الاركان وتنسق عملها مع الاستخبارات العسكرية الاسرائيلية مستفيدة من المعلومات التي يوفرها التنسيق الامني مع سلطة اوسلو.
ت‌- التأثير على الوعي المجتمعي من خلال الدعاية والحرب النفسية والمعلومات المضللة، مع ضرورة ان تكون هذه المعلومات المضللة صعبة النفي من خلال التركيز على صدق الجزئيات والكذب في المضمون، أي ان تأسر عقل المتلقي بجزئيات صحيحة لكن إيحاءها كاذب(كأن تقول ان ابنة المسئول فلان عادت في ساعة متأخرة للبيت)، فالواقعة صحيحة لكنها توحي بشيء آخر…الخ.
ث‌- توزيع عمل هذه الوحدة طبقا لخطورة التنظيم الذي يراد تدميره، لذلك حظيت حماس والجهاد الاسلامي والجبهة الشعبية بالجهد الاكبر ، فمثلا في واقعة محددة تم توزيع 25 الف منشور (بالطائرات) يركز مضمونها على زرع فكرة ” ان عمليات حماس هي المسئولة عن معاناة المدنيين”.
ج‌- تقوم هذه الوحدة باختيار مقالات في الصحف ” العربية ” المعادية للفلسطينيين ” وتطلب من الصحف الاسرائيلية اعادة نشر مقالات هذه الصحف في الصحف الاسرائيلية في نسخها العربية مع التركيز على ضرورة التأكيد على المقالات التي تركز على ” عبثية الارهاب” و ” ان ايران هي الخطر الرئيسي على العرب”( وهو ما اتضح في مقابلة صهيب(الابن الثاني الذي فر من تركيا ) مع القناة الفضائية الاسرائيلية حيث قال ان حماس تبيع المعلومات لايران مقابل اموال يتم نقلها عبر البنوك التركية ، وان السلام سيجلب التنمية للمنطقة ، وان حوار الاديان مفيد للجميع…الخ.
ح‌- الترويج لكل ما يعزز “عبثية المقاومة وفساد قادتها” ، ويتضح ذلك في تحويل كتاب ابن حسن يوسف الأول (مصعب) وعنوانه (ابن حماس) الى فيلم عنوانه (الامير الاخضر) وهو الاسم الحركي الذي اطلقته المخابرات الاسرائيلية عليه
وتشير المراجع الصهيونية الى ان ” لؤي” الضابط الاسرائيلي المكلف بتوجيه مصعب هو صاحب فكرة سجنه لعدة اشهر لابعاد فكرة انه عميل، وتبين ان مصعب قبل التعاون مع الشين بيت بسرعة فائقة مما يعني انه كان مستعدا نفسيا للتجاوب بل ويبحث عن انجازات تعزز له موقعه الخياني كما حدث عندما نجح في افشال محاولة اغتيال لشيمون بيريز والحاخام المتطرف عوفاديا يوسف _كبير حاخامات السفارديم).
الخلاصة:
1- ان التمر د على الاب امر متكرر في الثورات والقصور فلا داعي للمبالغة في الموضوع، فاخوة يوسف القوه في الجب وأحد حواريي المسيح اوصله للصلب وعثر على مليون دولار في خزانة ابن بريجنيف..الخ من ظواهر التمرد على العائلة او الاب.
2- أن الظروف العامة والخاصة لأسرة الشيخ حسن يوسف توفر فرصة للمخابرات الصهيونية لاصطياد الضحايا.
3- ان توظيف علم النفس في التلاعب النفسي والتسميم السياسي من قبل وحدة الحرب النفسية الاسرائيلية ضمن نجاح بعض عملياتها.
4- على المجتمع الفلسطيني ان يتجاوز هذه الواقعة رغم المها ، مع ضرورة التنبه الى ان العدو يصارع بالعلم وليس ” بالتهريج”..