د. سامح محافظه أستاذ العلوم التربوية ـ الجامعة الهاشمية – arabthought.org

ملخص:
هدف البحث الحالي إلى معرفة أثر العولمة والمعلوماتية في الأنظمة التربوية العربية وذلك من خلال طرح السؤالين التاليين: 1) ما أثر العولمة والمعلوماتية في النظم التربوية العربية بشكل عام؟ 2) ما أثر العولمة والمعلوماتية في العناصر التربوية الستة التالية: المتعلم، المعلم، المنهاج، طرق التدريس، البيئة المدرسية، المنظومة القيمية؟ وللإجابة على سؤالي البحث اعتمد الباحث المنهج الوصفي التحليلي الذي يعتمد على جمع النصوص والمعلومات والبيانات ذات الصلة بالموضوع ثم القيام بتحليلها.
وقد بينت نتائج البحث من خلال تحليل النصوص المختلفة التي تناولت موضوع العولمة والمعلوماتية أن لهما آثاراً في الأنظمة التربوية العربية سلباً وإيجاباً وبخاصة في مجال إعداد المعلم والمناهج التربوية وفي المنظومة القيمية، وفي طرق التدريس وأساليبه، وفي الغرفة الصفية. وبناء على النتائج التي توصل إليها البحث، قدّم الباحث مقترحات ورؤى لإعادة النظر في فلسفة التربية العربية وأهدافها ومناهجها وسياساتها مما يستدعي مراجعة تربوية شاملة لمحتوى المناهج التربوية لتكون جاهزة ومستعدة للتغير والتطوير ولكل طارئ جديد، بالإضافة إلى ضرورة مواكبة برامج إعداد المعلمين للمتغيرات العالمية والمستجدات في مجال إعداد المعلمين وتدريبهم.

المقدمة:
شغل موضوع العولمة حيزاً كبيراً لدى المهتمين والمتابعين لتطورات الأمور على الصعيد العالمي منذ بداية عقد التسعينيات من القرن العشرين وحتى الآن، وما يزال هذا الموضوع من الموضوعات الساخنة التي تثير نقاشاً واسعاً وجدلاً حاداً في منطقتنا العربية وفي العالم على حدّ سواء. إذ استحوذ هذا الموضوع على كتابات الأكاديميين ورجال الإعمال والرأي العام والتيارات السياسية والفكرية المختلفة. ولا نبالغ إذا قلنا إن هناك الآن سيلاً أشبة بالطوفان في الأدبيات العالمية، لا سابق لها في التاريخ الحديث، التي تتحدث عن هذا الموضوع وبمختلف الّلغات. إذ عقدت مئات الندوات والمؤتمرات واللقاءات وكتبت الأوراق والمقالات والبحوث، وصدرت الكتب والمجلدات، واحتدم النقاش، ونشب الخلاف بين مؤيد ومعارض؛ ولا غرابة في ذلك، لأن مسألة العولمة لها العديد من الجوانب والزوايا التي تثير اهتمام كلّ هؤلاء.
لقد أصبح موضوع “العولمة” شعاراً وعنواناً يرفع في جميع أنحاء العالم وفي جميع المناسبات المحلية والعالمية ومن جميع الأطياف والتيارات السياسية لأغراض مختلفة، ومضامين متباينة، حدث هذا في الشرق الإسلامي كما في الغرب العلماني، وفي آسيا وأميركا اللاتينية كما في أوروبا وإفريقيا والعالم العربي، وفي الشمال كما في الجنوب (حنفي والعظم، 2002).
ومن يتتبع النقاش الدائر في العالم العربي والعالم أجمع حول هذا الموضوع “العولمة” يتوصل كما يقول برهان غليون إلى تساؤلات رئيسية هي التالية:
1. هل العولمة حركة موضوعية وبالتالي حتمية لا خيار لنا فيها، أو هي سياسات ذاتية من الممكن تجنبها والعمل كما لو لم تكن موجودة، بل مقاومتها للحفاظ على استقلالنا وحريتنا وصلاح سياستنا ؟!
2. هل تعني الهيمنة العالمية ؟ أو هل هي مرتبطة بهيمنة بعض الدول الأخرى، أو هي دينامية جديدة تتيح الخروج من الهيمنة، وتقدم فرصاً أكبر لتحرر المجتمعات البشرية؛ قويها وضعيفها وتفتح الباب أخيراً أمام انعتاق الشعوب النامية والفقيرة التي عانت من آثار الاستعمار والحمايات الأجنبية؟ أي هل هي ذات آثار إيجابية على الرغم مما يمكن أن يشوبها من سلبيات، أو هي سلب مطلق تتضمن كسر إرادتنا، واكتساح اقتصادنا، وتفكيك مجتمعاتنا، ومحو ثقافاتنا؟
3. هل تعني العولمة الأمركة الاقتصادية والثقافية، وتعد الفضاء الذي تحتاجه الولايات المتحدة لتكرس وتحقق استقرار هيمنتها العالمية، أم أن الانفتاح المتبادل للفضاءات الاقتصادية والثقافية والإعلامية يساعد بالعكس على تطوير وتعميق التعددية الحضارية والثقافية والسياسية؟
4. هل لدى مجتمعاتنا الضعيفة الطاقة الكافية لمعالجة الضغوط التي تحدثها العولمة، وإيجاد الحلول الكفيلة بتجنيبنا مخاطرها، وما هي شروط بلورة استراتيجية مجابهة أو معالجة فعالة وناجعة بديلة؟ (غليون وأمين، 2002).
وفي وسط هذا الكم الهائل من الكتابات عن العولمة، يكاد القارئ يحار في كيفية الإلمام بهذا الموضوع أو فهم حقيقته، خصوصاً أن كل كاتب عادة ما يركّز في تحليله ومناقشاته على مظهر معين من مظاهر العولمة، كالمظهر الاقتصادي أو الثقافي أو الاجتماعي أو السياسي أو الإعلامي أو التربوي. في هذا البحث سيتناول الباحث بعض الأفكار المتصلة بموضوع أثر العولمة والمعلوماتية في الأنظمة التربوية العربية، ونتجنب قدر الإمكان آثارها في الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية والتقنية والمعلوماتية. وهذا لا يعني أننا لن نتعرض ولو بشكل موجز للأبعاد السياسية والاقتصادية والاجتماعية.. إلخ.. للعولمة والمعلوماتية، بل على العكس من ذلك، سنعطيها عنواناً وذلك لتوضيح الموضوع الذي نحن بصدد دراسته والتمهيد له.
ومما لا شك فيه، أن العملية التربوية تأثرت تأثراً كبيراً بثورة الاتصالات والمعلومات التي أفرزتها العولمة وأحدثت فيها تغييرات في أهدافها ومناهجها وأساليب تدريسها، وطلبتها ومعلميها، وطرائق تقويمها، ولغة تدريسها، وفي مجمل ما يحدث في البيئة المدرسية والغرفة الصفية. ومن هنا تبدو الحاجة ملحة لفهم العلاقة بين العولمة والتربية على قاعدة أن أي تغيير في المعرفة والتكنولوجيا وإدارة الاتصال، سيؤدي بالنتيجة إلى تغيير في العملية التربوية. فالتربية مسؤولة عن إعداد الإنسان وتنشئته ليصبح قادراً على التكيف مع البيئة التي يعيش فيها والتفاعل معها، وذلك باكتساب أدوات العلم والمعرفة والمهارات والقيم والاتجاهات والقابليات التي تجعله قادراً على التكيف مع المستجدات والمتغيرات، وليصبح إنساناً قابلاً للتعلم لا إنساناً متعلماً (عبد الدائم،2000).
لكن السؤال الذي يطرح نفسه في هذا المقام هو كيف ستتعامل التربية مع ظاهرة العولمة؟ وللإجابة يقول عبد الله عبد الدائم إن دور التربية يتجدد بانطلاق التربية من داخل العولمة، وتدارك آليات هذه العولمة، لكي تعمل على خلق الأجيال التي تملك المهارات والاتجاهات والمواقف والمعارف اللازمة والمطلوبة للتعامل مع العولمة بصورة انتقائية سليمة. ويستمر عبد الدائم بالقول: “لقد حاولت النظم التربوية والمؤسّسات التابعة لها أن تحدّد السبل الواجب اتباعها لكي تواكب التربية عمليات التغير المتسارعة التي تتمخض عنها العولمة. ومن هنا برزت الحاجة إلى الأخذ بمبادئ جديدة في صياغة النظم التربوية تمثلت في المرونة، والتربية المستدامة والتعلم الذاتي”. (الخوالدة، 2003).
أهمية البحث: تكمن أهمية هذا البحث بما يلي:
– أهمية الموضوع الذي يتناوله، لأنه موضوع مؤثر في المسائل والمظاهر والميادين المختلفة، ولهذا فإن أثره في النظم التربوية يستحق البحث والدراسة.
– يأمل الباحث أن يستفيد من هذا البحث صانعو السياسات التربوية في البلدان العربية و المسؤولون عن المناهج التربوية والتخطيط التربوي وإعداد المعلمين بشكل خاص.
– إن معظم الباحثين والكُتاب يركزون بأبحاثهم وكتاباتهم على الأثر الاقتصادي للعولمة والمعلوماتية على حساب المضامين الأخرى كالتربية والتعليم والثقافة والمنظومة القيمية، لذا فإن هذا البحث سيحاول سدّ هذه الثغرة.
– وأخيراً لا يدعي الباحث في هذا المجال أنه سيوفي البحث حقه، فالموضوع متشعب وواسع بل يرجو أن يُعّد هذا البحث تمهيداً لإجراء أبحاث أخرى في هذا الاتجاه.

مشكلة البحث وأسئلته:
يشهد العالم اليوم ومنذ عدّة عقود من الزمن ظاهرة عالمية غريبة تدعى “العولمة والمعلوماتية”، هذه الظاهرة التي تسعى بقوة لدمج العالم وتوحيده ضمن فكرها وثقافتها وأنظمتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وتحمل في الوقت نفسه تحدياً قوياً للهوية والمنظومة القيمية بشكل عام. وتعمل هذه الظاهرة أيضاً من خلال ثورة الاتصالات والمعلومات على الهيمنة الإعلامية على الدول من خلال اعتمادها على التدفق الصوري والإعلامي المتضمن انبهاراً يستفز ويستثير حواس ومدارك الأفراد بما يلغي عقولهم ويجعل الصورة التي تحطم الحاجز اللغوي هي مفتاح الثقافة الغربية الجديدة الذي تستهدفه العولمة، الأمر الذي يدعو إلى دراسة هذه الظاهرة وتحليلها للاستفادة من ايجابياتها – إن وجدت – وتجنباً لآثارها السلبية على الفرد والمجتمع. وعليه، فإن مشكلة البحث الحالي تتمثل في معرفة أثر هذه الظاهرة “العولمة والمعلوماتية” في النظم التربوية العربية. وبصورة أوضح، يسعى البحث الحالي للإجابة عن السؤالين التاليين: (1) ما أثر العولمة والمعلوماتية في النظم التربوية العربية بشكل عام؟ (2) ما أثر العولمة والمعلوماتية في العناصر التربوية التالية: المتعلم، المعلم، المنهاج، طرق التدريس، البيئة المدرسية، والمنظومة القيمية؟

التعريف بالمصطلحات: ورد في هذا البحث عدد من المصطلحات الأساسية وفي ما يلي تعريف لها:
العولمة Globalization: هي رسملة العالم وهيمنة دول المركز وسيادة النظام العالمي الواحد، وبذلك تتهافت الدولة القومية، وتضعف فكرة السيادة الوطنية ويؤول الأمر مع الثقافة إلى صياغة ثقافة عالمية واحدة، تضمحل إلى جوارها الخصوصيات الثقافية. (موصللي وصافي، 2002).
المعلوماتية Informatics: هي دراسة الطرائق المستخدمة في نشر المعلومات وحفظها والآليات التي تُيسر هذا النشر والحفظ بغية تطبيق التقنيات التي يقوم عليها ذلك كله في مختلف الميادين العلمية والإدارية والصناعية والتجارية والاجتماعية وغيرها. (المرزوقي وتيزيني، 2001).
الصيرورة Process: هي تغيير منظم متلاحق لظاهرة ما، وتحولها إلى ظاهرة أخرى. (المسيري والتريكي، 2003).
التَّسلُّع Commodification: هو تحول العالم إلى حالة السوق، أي سيادة منطق الأشياء. أي أن الإنسان يحيّد إنسانيته المعيّنة فيسقط، إما في عالم الأشياء (والسلع) المادية ذات الطبيعة المادية وبفقد إنسانيته المركبة، أو يذوب في مطلقات لا إنسانية مجردة، ويفقد أيضاً إنسانيته. (السيد والبرقاوي، 2001).
الهوية Identity: عملية تمييز الفرد لنفسه عن غيره أي تحديد حالته الشخصية، ومن السمات التي تميز الأفراد عن بعضهم الاسم والجنسية والسن والحالة العائلية والمهنة إلخ (خليل والكبسي، 2001).
الليبرالية Liberalism: هي التحررية الاقتصادية التي تؤكد على الحرية الفردية وتقوم على المنافسة الحرّة، أي ترك الأفراد يعملون ويربحون كما يريدون، وفي ذلك الصالح الخاص الفردي يتحقق الصالح العام… وتتميز الدولة التي تتبع هذا النظام الليبرالي بقيامها بوظيفة الحكم بين مختلف الفئات وبالمحافظة على النظام (مرشو والحسيني، 2001).

محددات البحث:
يقتصر هذا البحث على استقصاء الآثار الناجمة عن العولمة والمعلوماتية في العناصر التربوية التالية: المتعلم، المعلم، المنهاج، طرق التدريس، البيئة المدرسية، الغرف الصفية، المنظومة القيمية؛ وسوف لن يتناول البحث بقية العناصر التربوية.

المنهج المستخدم:
نظراً لأن هذا البحث نظري فإن المنهج المستخدم هو المنهج الوصفي المسحي التحليلي المعتمد على تحليل البيانات والوثائق والتشريعات وعلى مراجعة الأدب التربوي المدوّن والمتعلق بموضوع العولمة والمعلوماتية وأثرها في النظم التربوية، ثم بعد ذلك القيام بتحليل هذا الأدب وتفسيره من أجل الإجابة على الأسئلة المطروحة.

الجذور التاريخية للعولمة :
يقال إن ظاهرة العولمة ليست جديدة، بل هي قديمة قدم التاريخ والحضارات الإنسانية. ففي كل مرحلة تاريخية هيمنت فيها أمة من الأمم، كان هناك مركز عالمي فاعل، وإن الحركات التي تجري في محيط هذا المركز أو في أطرافه، ليست مستقلة عما يجري في المركز نفسه. فهناك دائماً تفاعل بينهما، ولا يمكن للتاريخ أن يفهم إلا إذا أخذنا بالاعتبار هذا التفاعل. (غليون وأمين، 2002).
وعلى العموم، فإن ظاهرة العولمة كما يقول طه حسيب: (حسيب، 2001) “بدأت في نهاية القرن الخامس عشر وبداية القرن السادس عشر، وذلك بعد هزيمة الدولة العربية الإسلامية في الأندلس وبروز إسبانيا والبرتغال ثم هولندا وبريطانيا وحدوث تحول في قيم التجارة العالمية”.
أما روبرتسون Robertson فيحدد مراحل ولادة العولمة بالمراحل الخمس التالية: (Robertson, 1992)
1. المرحلة الجنينية والتي استمرت في أوروبا منذ بداية القرن الخامس عشر وحتى القرن السابع عشر.
2. مرحلة النشوء والتي استمرت في أوروبا منذ القرن الثامن عشر حتى العام 1870.
3. مرحلة الانطلاق والتي استمرت من العام 1870 وحتى العشرينات من القرن العشرين.
4. مرحلة الصراع من أجل الهيمنة والتي استمرت من عشرينيات القرن العشرين وحتى منتصف القرن العشرين.
5. مرحلة عدم اليقين والتي بدأت منذ النصف الثاني من القرن العشرين وأدت إلى اتجاهات وأزمات في التسعينيات. ولكلّ مرحلة من هذه المراحل خصائصها التي تتميز بها عن غيرها.
وفي هذا السياق يقول عبد الله عويدات: صحيح أن هناك تصوراً للعولمة على أنها حركة تاريخية تهدف إلى دمج العالم وتقريب مجتمعاته ودولة وثقافاته من بعضها، لكن الاتجاه نحو تقريب العالم هو اتجاه قديم قدم التاريخ وغير مرتبط بتطوّر تكنولوجي، فالتاريخ يقول لنا إن الإسكندر المكدوني قد حاول دمج العالم، وأن الديانات السماوية القادمة انطلقت من فكرة وحدة البشرية أمام الخالق، ولا شك أن أوضح صورة لهذه الوحدة الإنسانية كانت دعوة إسلامية. (عويدات، 2001).
أما برهان غليون فيرى إن الاتجاه لدمج العالم ووحدته اتجاه قديم، إذ يقول: فالاتجاه نحو دمج العالم في منظومة واحدة قديم قدم الحركات والتوسعات الإمبراطورية، وفي مرحلة أقرب إلينا نسميها المرحلة الاستعمارية والإمبريالية؛ حصل دون شك توحيد فعلي للعالم عبر إلحاق البلاد الزراعية الضعيفة من حيث النمو الرأسمالي والتكنولوجي، في مرحلة أولى بالبلدان أو بالإمبراطوريات الرأسمالية التجارية كهولندا والبرتغال وإسبانيا، وفي مرحلة ثانية بالإمبراطوريات الصناعية كفرنسا وبريطانيا، وفي ما بعد وأخيراً الولايات المتحدة الأمريكية. وقد حصل هذا الدمج والتوحيد بفضل السيطرة العسكرية والسياسية، أي باستخدام القوة وكان من نتائجه الرئيسة والحاسمة في تاريخ الإنسانية اكتشاف أميركا واستيطانها من قبل الشعوب الأوروبية، وتحولها إلى المركز الأهم للإنتاج الصناعي والتقني. كما كان من نتائجه تعميم أنماط العلاقات الرأسمالية وخلق العالم الذي نعرفه اليوم، على أساس الاستقطاب المتزايد داخل النظام الواحد؛ بين شمال صناعي وتقني متقدم، وجنوب يعاني من أزمة تنمية مستمرة، أي من عجز توطين الإنتاج الجديد وإعادة إنتاجه بصورة فاعلة ومكتملة. (غليون وأمين، 2002).

مفهوم العولمة :
أضحى مفهوم العولمة موضة العصر الرائجة في العلوم الاجتماعية والسياسة، وقولاً مأثوراً جوهرياً في وصفات خبراء الإدارة والاتصالات والمعلوماتية، وشعاراً يتداوله الإعلاميون والسياسيون والفلاسفة من كلّ شاكلة. تناوله البعض على أساس سياسي، أما بعضهم فتناوله على أساس ثقافي أو معلوماتي. وهنا نرى تعدد المحاولات لتعريف المفهوم. فالمفهوم مايزال في حالة التكون والصيرورة، لذا من الطبيعي أن يختلف الناس في تحليل أبعادة ونتائجه باختلاف درجة وعيهم وإدراكهم للظاهرة وأبعادها. وعليه، نجد من الضروري في هذا السياق، ولكي تتضح الصورة / الظاهرة معرفة، وفهماً من استعراض عددا من التعريفات قدمها بعض رواد العولمة في أنحاء متفرقة من العالم وهي التعريفات التالية.
يرى برهان غليون أن العولمة يمكن تلخيصها بكلمتين: كثافة انتقال المعلومات وسرعتها إلى درجة أصبحنا نشعر أننا نعيش في عالم واحد موحد، أو كما قال (امكلوهان)، صاحب أول محاولة مهمة عن العولمة في “قرية كونية”. ويرى غليون أن كل ما يحصل في بقعة – كما هو الحال في القرية الصغيرة – ينتشر خبرة في البقعة المجاورة، وكل ما يحدث في جزء يظهر أثره في الجزء الآخر. (غليون وأمين، 2002). ويستمر غليون في ما يتصل بمفهوم العولمة بالقول: “إن المضمون الرئيسي للعولمة كما نعرفها اليوم هو أن المجتمعات البشرية التي كانت تعيش كل واحدة في تاريخيتها الخاصة، وبحسب تراثها الخاص ووتيرة تطورها ونموها المستقلة نسبياً، على الرغم من ارتباطها بالتاريخ العالمي، قد أصبحت تعيش في تاريخية واحدة وليس في تاريخ واحد. فهي تشارك في نمط إنتاج واحد يتحقق على مستوى الكرة الأرضية، وهي تتلقى التأثيرات المادية والمعنوية ذاتها، سواء أتعلق ذلك بالثقافة وما تبثه وسائل الإعلام الدولية، أم بالبيئة وما يصيبها من تلوث، أم بالأزمات الاقتصادية أم بالأوبئة الصحية، أم بالمسائل الاجتماعية والأخلاقية؛ مثل الجريمة، وتهريب المخدرات، وتكوين شبكات الدعارة الطفولية على الإنترنت وغيرها” (غليون وأمين، 2002).
وبعد الاطلاع على ما كتب ونشر في موضوع العولمة، نجد أن هناك تعريفات عديدة لها سنشير إلى بعضها لضيق الحيزّ المخصص لهذا البحث، ومن أهم هذه التعريفات ما يلي:
يُعرّف مالكوم واترز العولمة بأنها “كل المستجدات والتطورات التي تسعى بقصد أو من دون قصد إلى دمج سكان العالم في مجتمع عالمي واحد”(الجنحاني، 1999).
ويعرفها من جانب آخر أحمد حجازي بأنها: “العملية التي يتم بمقتضاها إلغاء الحواجز بين الشعوب التي تنتقل فيها المجتمعات من حالة التوافق ومن حالة التباين والتمايز إلى حالة التجانس والتماثل لتشكيل وعي عالمي وقيم موحدة تقوم على مواثيق إنسانية عامة” (حجازي، 1999).
أما رونالد روبرتسون (Ronald Robertson) فيعرفها بأنها اتجاه تاريخي نحو انكماش العالم، وزيادة وعي الأفراد والمجتمعات بهذا الانكماش(الخليفي، 2003).
ويعرفها بيك (Beck, 2000) بأنها العيش والتصرف بتجاوز كلّ المسافات والحواجز الوطنية والدينية وحتى القارية.
أما كارنوي وروتن (Carnoy & Rhoten) فيعرفها بأنها: قوة تعمل على إعادة تنظيم اقتصاد العالم، حيث أصبحت المعرفة والمعلومات وبشكل متزايد المصادر الرئيسية لهذا الاقتصاد.
وعرف البرو (Albrow, 1996) العولمة تعريفاً إجرائياً على أنها جعل الشيء عالمياً وذلك عن طريق تعميم قيم وتقنيات وممارسات ومنتجات معيّنة على جميع أنحاء العالم وأن يكون لهذه القيم والمنتجات والممارسات السائدة والمستخدمة عالمياً أثر كبير على حياة الناس باعتبار العالم ككل حقلاً واحداً للنشاطات الإنسانية كافة وميداناً لتطورها، شريطة أن يكون التطور تدريجياً وناتجاً عن التفاعل بين مثل هذه الحالات.
وأخيرا يرى صادق جلال العظم أن العولمة هي:” حقبة التحول الرأسمالي العميق للإنسانية جمعاء، في ظل هيمنة دول المركز وبقيادتها وتحت سيطرتها في ظل سيادة نظام عالمي للتبادل غير المتكافئ. ثم يقول العولمة هي: “تسليع” كل شيء بصورة أو بأخرى، وفي كل مكان بما في ذلك أشكال الإنتاج غير الرأسمالية وقبل الرأسمالية وتلك التي كانت محاذية وموازية للأشكال الرأسمالية. إنها أهمية رأس المال على الأصعدة كلها وعلى المستويات كافة، السطحية منها والعميقة”. (حنفي والعظم، 2002).
تعنى العولمة وفقاً للتعريف الذي قدمه صادق جلال العظم، الانتصار من حيث المبدأ، وفي كلّ مكان تقريباً، لنمط معين من أنماط الملكية، ولنمط من السيطرة على وسائل الإنتاج والتبادل والتوزيع، أي انتصار من – حيث المبدأ – لنمط معين من أنتاج الثروة وتوزيعها وتبادلها في كلّ مكان على سطح الكوكب (حنفي والعظم، 2002).
ويعتقد الباحث أن العولمة هي تسميات مختلفة لتلك التظاهرة العالمية المعاصرة، وثمة خلاف سائد في فقه الّلغة العربية ومنابر الفكر حول تسميتها، وأياً كانت التسميات فإنها ترجمة لمصطلح (Globalization) الذي يشير إلى أنها عملية تحول تكنولوجي واقتصادي واجتماعي وثقافي تقلل التوازن الداخلي للأقاليم عامة وللدول في حدّ ذاتها وهذه العملية تدعم نظاماً معقداً من العلاقات المتبادلة المحكمة التي تحلّ فيها شبكات الاتصال محل الأقاليم، وتصبح الدولة فيها مجرد نظام بيروقراطي يعمل لتحسين الأداء الاقتصادي والتنافس التجاري.

مظاهر العولمة:
تقوم العولمة على ركيزتين أساسيتين هما: تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، والليبرالية الجديدة. وإن التلاحم بين المحركين خلق دينامية تولدت عنها نتيجتان هما: الأولى، تقلص سيادة الدولة الوطنية وتهميش دورها، ففي ظل العولمة تصبح أمور الدولة شأناً تتقاسمه الحكومة مع المؤسّسات والمنظمات الدولية وغير الحكومية إما سرّاً أو علانية، والثانية، ردات الفعل أو العولمة المضادة الصادرة عن الجماعات أو المؤسّسات، إما بدافع عرقي أو ديني أو اقتصادي أو سياسي أو لغوي أحياناً (علي، 2001).
وعلى العموم، إن ظاهرة العولمة ما زالت في طور التشكل والصيرورة والتكوين، مما يعني أنها ما زالت قيد الوصف والرصد والدرس والتحليل والتفسير والنقاش والشجب والإدانة والهجوم والدفاع والتشجيع والإشادة. وعليه يمكن تحديد مظاهر العولمة بما يلي: (عبدالحي، 2005).
1. إلغاء مفهوم الزمن والتحول نحو مفهوم التزامن.
2. التحول من تعدد الأسواق إلى السوق الواحد (الشركات متعددة الجنسية موجودة في كلّ سوق).
3. التحول من التنوع البيئي إلى الخطر البيئي الواحد.
4. التحول من خطوط الإنتاج إلى خط الإنتاج الواحد.
5. التحول من النظم النقدية المنفصلة إلى النظم النقدية المتصلة.
6. التحول من إقليمية الأسلحة إلى كونيتها.

7. التحول من العرف المحلي المنشأ إلى العرف العالمي المنشأ.
8. التحول من النشأة المحلية للمشاعر إلى النشأة العالمية لها.

أبعاد العولمة :
لظاهرة العولمة العديد من الأبعاد، فهناك الأبعاد السياسية، والاجتماعية والاقتصادية والثقافية والمعلوماتية والتقنية، لكن البعد الاقتصادي أهم هذه الأبعاد على الإطلاق. وتالياً بعض أبعاد العولمة:
1. البعد الاقتصادي: يمكن القول إن البعد الاقتصادي هو عبارة عن تكتل اقتصادي للقوى العظمى للاستثمار بثروات العالم، مواده الأولية وأسواقه على حساب الشعوب الفقيرة، واحتواء دول المركز للدول الهامشية، دول العالم الثالث، التي حاولت التحرر والابتعاد عن الغرب الرأسمالي بعد الحرب العالمية الثانية إبان حركات التحرر الوطني، ثم تعثرت هذه الشعوب في بناء الدولة الوطنية، مما ترك الفرصة للدول الرأسمالية للسيطرة عليها من جديد تحت شكل من أشكال الهيمنة وهي العولمة لتعود من جديد إلى حضن الاستعمار الغربي بعد تحرر شكلي دام عدة عقود من الزمن في القرن العشرين، لدرجة أن بعض هذه الدول قد ندم على مقاومة ذلك الاستعمار ومعاداته والابتعاد عنه بما سمي بالاستقلال. وفي هذه المرحلة، تصدت الشركات المتعددة الجنسيات وليس الدول الصناعية الكبرى للقيادة، كما كان ذلك في الحقبة الاستعمارية السابقة، حقبة عصر الصناعة. (جيتس، 1998). وتدريجياً بدأت الدول الصناعية تتسلم القيادة بالمشاركة مع تلك الشركات المتعددة الجنسيات، لتدخل بطريقة أو بأخرى، دول العالم الثالث من جديد في اقتصاد السوق، وتستولي على مواده الأولية وأسواقه وعمالته، مفسحة المجال للأثرياء وأصحاب رؤوس الأموال من أبناء العالم الثالث للدخول معهم كوسطاء وعملاء لأنهم وبرغبة ووعي تامين يصبحون المخططين الوحيدين للسياسات الاقتصادية في بلدانهم، وتراهم بالتالي يدافعون عن اقتصاد السوق الحر وتحرير الأسواق المالية والتجارة الخارجية من القيود كافة، كما يدافعون أيضاً عن الخصخصة وحرية التجارة الخارجية، لأنه سيكون بوسعهم استثمار أموالهم في أيّ مكان من العالم (مارتين وشومان، 2003).
الحقيقة التي لا يمكن لأحد أن يتجاهلها هي إن العولمة الاقتصادية أدت في نهاية الأمر إلى تركيز الثراء والقوة والتنمية في الدول الصناعية، وحصر الفقر والتبعية والتهميش على الدول التابعة لها، أي الدول النامية أو الدول الهامشية (عبدالله، 1988).
ولا نستطيع تقديم صورة محسوسة عن أثر هذه الشركات العابرة للقارات وعن مدى قوتها ونفوذها وأهميتها وأثرها في الاقتصاد العالمي، إلا إذا اطلعنا على حجم مبيعاتها السنوية مقارنةً مع حجم الناتج القومي الإجمالي لبعض الدول المعروفة وليس الدول الهامشية. فعلى سبيل المثال، بلغ حجم المبيعات السنوية لشركة جنرال موتورزGeneral Motors أكبر بكثير من حجم الناتج القومي الإجمالي لكل من سويسرا والباكستان وجنوب أفريقيا معاً. كما بلغ حجم مبيعات شركة شل Shell، أكبر بكثير من حجم الناتج القومي الإجمالي لكلّ من إيران وفنزويلا (دولتان نفطيتان) وتركيا؛ وأخيراً بلغ حجم مبيعات شركة جود ييرGood Year للإطارات المطاطية أكبر من حجم الناتج القومي الإجمالي للمملكة العربية السعودية (حنفي والعظم، 2002).
2. البعد السياسي : أما في ما يتعلق بالبعد السياسي للعولمة، فأول ما يتبادر إلى الذهن أنها إحدى أشكال الهيمنة السياسية، وبخاصة بعد انهيار المعسكر الشيوعي، وتفرد المعسكر الرأسمالي بالهيمنة والتسلط على العالم. وبحجة العولمة تمحى الإرادة الوطنية المستقلة للدول والشعوب، وتصبح تلهث وراء دول الاستقطاب / المحور في النواحي السياسية والاقتصادية والثقافية، كما تصبح العولمة والاستقلال على طرفي نقيض، فالعولمة هيمنة وسيطرة والاستقلال الوطني يلغيها، وبمعنى آخر يصبحا على طرفي نقيض كما يقول جلال أمين، إذ يقول : فالعولمة شكل من أشكال الهيمنة والعولمة والدولة الوطنية المستقلة نقيضان، وجود أحدهما ينفي وجود الآخر. تتطلب العولمة فتح الحدود، ورفع الدولة يدها عن الحواجز الجمركية، وحرية انتقال الأموال عبر البنوك، وحرية تغيير أسعار الصرف طبقاً لأسعار السوق، ورفع الدعم عن المواد الغذائية، والخضوع لقوانين السوق، والعرض والطلب، وإنهاء القطاع العام والإسراع في خصخصته. وعلى هذا ليست وظيفة الدولة حماية الاقتصاد الوطني، بل تشجيع الاستثمار الأجنبي، وتهيئة الخدمات اللازمة. تتطلب العولمة الدولة الرخوة، وليست القوية الوطنية المستقلة (أمين، 1988).
العولمة في المقابل يهمها الأمن والاستقرار السياسي في الدول الخاضعة لها، لأنهما أهم الركائز للعولمة. لذلك نلحظ أن الدول العولمية تركز على تكريس مثلها ومفاهيمها وقيمها. إذ هي تركز على الحرية والديمقراطية والتعددية الحزبية وعلى حقوق الإنسان وحقوق الأقليات وحقوق المرأة والمجتمع المدني، كما أنها، ولو من ناحية شكلية، تهتم بسيادة تلك الدول التي تدور في فلكها خشية الإطاحة بها من قبل شعوبها وبالتالي الإطاحة بالنخب المعولمة والمرتبطة بسيرورة العولمة والمندفعة بقوة اندفاعها، هذه النخب المسيطرة على مقدرات الاقتصاد والسياسة والثقافة في البلدان النامية .
إن الحرية السياسية مطلب سابق للحرية الاقتصادية في الدول التابعة (الهامشية ) لكنها في الواقع حرية شكلية وبالمقاس والمواصفات الأمريكية ودول الغرب الصناعية أي دول العولمة. ومن هنا نرى إن دول العولمة أو دول “الهيمنة الأمريكية” كما يقول حسن حنفي تدعم أبشع أنواع الحكم الاستبداي التسلطي وتسانده في كثير من دول العالم الثالث التي تحقق غاية العولمة الاقتصادية وتحافظ على مصالحها، في حين تشن حملات شرسة على دول أخرى وتعاديها وتفرض عليها حصاراً دولياً لأنها تؤمن باستقلالها الوطني وسيطرتها على قطاعات الإنتاج الكبرى كافة حماية لمواطنيها وحماية لمحدودي الدخل من أبنائها (حنفي والعظم، 2002).
3. البعد الثقافي: لعل البعد الثقافي للعولمة يعدٌ من أخطر الأبعاد قاطبة، لأنه يؤثر على الدولة الوطنية والاستقلال الوطني والإرادة الوطنية والثقافة الوطنية والهوية الوطنية. ومن هنا نرى أن القوى الغربية قد شجعت مراكز البحوث والدراسات المتعلقة بالأقليات العرقية والطائفية من أجل إبراز الخصوصيات والهويات والتعدديات الثقافية للقضاء على الوحدة الثقافية والوطنية والتاريخية المصيرية للشعوب المتطلعة للحرية والتحرر والاستقلال من النفوذ والهيمنة الغربية (حنفي والعظم، 2002).
كما تعني ثقافة العولمة، أنها ثقافة بلا حدود ثقافية من خلال انتشار الأفكار والمعتقدات والقيم وأنماط الحياة المادية والفكرية والسلوك والأذواق ذات الصبغة الغربية على الصعيد العالمي، عن طريق الإنفتاح بين الثقافات العالمية بفعل وسائل الاتصال الحديثة والتدفق الحر للمعلومات والأفكار والمعتقدات والقيم، (الخوالدة، 2003). وبذلك، وبطريقة لا شعورية، وتحت تأثير الانبهار بثقافة الغرب وتقليده يتمّ استعمال طرق تفكيره ومذاهبه كإطار مرجعي للحكم دون مراجعة أو نقد. وقد أبدع ابن خلدون قبل ستمائة عام من هذا التاريخ عندما عدّ القهر السياسي أو العسكري كأكبر مصدر من مصادر التعلم الجماعي، “لأن المغلوب مولع أبداً بالاقتداء بالغالب في شعاره وزّية ونحلته وسائر أحواله وعوائده” ، “ولذلك نرى المغلوب يتشبه أبداً بالغالب في ملبسه ومركبة وسلاحه وفي اتخاذها وأشكالها، بل وفي سائر أحواله”. ولا يكتفي المغلوب (هنا المغلوب الدول التي تخضع للعالم الغربي، أي دول العالم الثالث) بتقليد الغالب، (الغالب هنا هي الدول الصناعية الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية) بل هو يصطنع له تبريراً من “أن النفس تعتقد الكمال في من غلبها وانقادت إليه”، وأنها “لتغالط” في ذلك أحياناً فترى “أن انقيادها ليس لغلب طبيعي إنما هو لكمال الغالب، فإذا غالطت بذلك واتصل لها، حصل لها اعتقاداً، فانتحلت جميع مذاهب الغالب وتشبهت به”. (ابن خلدون، د.ت).
ومن ناحية نظرية ومنطقية أيضاً ، يقدم التدفق الحر للقيم والعادات والتقاليد والمنتجات الفكرية، المادية والمعنوية، والمخترعات، يقدّم لكلّ دولة راغبة في هذا الكون الواسع فرصاً استثنائية للتقدم والازدهار المادي والنفسي شرط أن تكون لديها القدرات والمواهب والإمكانيات المادية والعقلية للتعامل مع منظومة العولمة، أو كما يقول برهان غليون “إن الفرص الجديدة التي تفتحها العولمة للتحرر والحرية ليست تلقائية ولا متاحة بالضرورة للجماعات والأفراد كافة. إنها مرتبطة بالسياسات التي تتبناها الدول الكبرى، التي تتحكم بالتدفقات الرئيسية المالية والتقنية والعلمية لهذه السوق العلمية، ومن ورائها الدول جميعاً، والنخب المسيطرة، لوضع فوائض التجارة والتبادلات الثقافية المعولمة” (غليون وأمين، 2002).
والسؤال الذي يطرح نفسه في هذا المقام: هل العولمة الثقافية أمركة ثقافية، أي تعميم النموذج الأمريكي للحياة؟ الواقع أن الأمركة ليست ثمرة العولمة بل العكس هو الصحيح، لكن الأمركة هي أحد الأركان الرئيسية للعولمة، التي تعمل بجدّ على دمج الدوائر الثقافية المختلفة، وإنشاء فضاء ثقافي مشترك، أو قائم فوق الثقافات القومية، يسمح لمنتجات الثقافة الأميركية أن تروّج وتنافس منتجات الثقافات الأخرى إلى حدّ كبير. وبإيجاز، إن العولمة ليست هي مؤسّسة معلنة ومعدّة أي منشئة لسيطرة ثقافة على أخرى، لكنها وبحكم تكوينها ونمط تفكيرها وأسلوب عملها معدّة ومنشئة لنمط جديد من السيطرة الثقافية(غليون وأمين، 2002).
4. البعد الاجتماعي: خلال العقدين الأخيرين من القرن العشرين لجأت العديد من دول العالم الثالث إلى تبني اقتصاد السوق وفقاً لشروط الصناديق والمؤسّسات المالية والنقدية الدولية مثل البنك الدولي، وصندوق النقد الدولي، بقصد تخفيض الديون والحصول على قروض جديدة بشروط ميسرة وكذلك الحصول على تسهيلات بشأن جدولة الديون. وفي مقابل هذه الديون والتسهيلات، كان على الدول المثقلة بها أن تخضع لبرنامج صعب من الاقتطاع من إعانات السكن والغذاء والتعليم والخدمات العامة، كما كان عليها أن تخصخص الشركات التي كانت تديرها وتشرف عليها الدولة، وأن تلغي، ولو تدريجياً، الحواجز والرسوم الجمركية لإجبار الصناعات المحلية على مواجهة المنافسة العالمية (روبيرتس وهايت، 2004).
وقد أدت حرية انتقال السلع ورؤوس الأموال، دون قيود إلى ضرب العمالة المحلية والإطاحة بها بعيداً إلى الشوارع الخلفية للبطالة. وعليه فإن اقتصاد السوق الحر والمنافسة المعولمة أصبحت تطحن المواطنين وتدمر تماسكهم الاجتماعي، وتعمل على تعميق التفاوت في توزيع الدخل والثروة بين الناس.
علاوة عما سبق، فإن من نتائج العولمة الاجتماعية، وتعميم قيم الاستهلاك والمتعة، واتساع الهوة بين الأغنياء والفقراء، فإن من نتائجها تصاعد مظاهر التوترات الاجتماعية في مختلف أنحاء العالم، وتهميش الفئات المستضعفة، وما ينجم عن ذلك من آثار، ونمو النزعة الشوفينية، والتظاهرات والاعتصامات والاحتجاجات الشعبية، ومقاطعة الانتخابات، ونمو الجريمة المنظمة والعنف وانتشار المخدرات (مارتين وشومان، 2003). كما أن من نتائج العولمة الاجتماعية كما يقول حسن حنفي، انتشار الفساد والمضاربة، وتهريب الأموال وغسيلها، وازدياد الغلاء والترف الاجتماعي، وبالتالي “يسود الشك والنسبية كما ساد في المركز، وتعمّ العدمية، وتنقلب القيم، ويسري الخواء في الروح، فتنهار الأمة، ويغيٌر التاريخ مساره من الشعوب المتحررة حديثاً إلى الاستعمار الجديد، ليستعيد مجده القديم تحت شعارات براقة مثل النظام العالمي الجديد، والعالم قرية واحدة، وثورة المعلومات. وتنتشر أساطير الثقافة العالمية، والوعي الكوني، والكوكبة، والعولمة” (حنفي والعظم، 2002).

نتائج البحث ومناقشاته
سنعرض في هذا الجزء من البحث النتائج التي توصل إليها الباحث مبوّبة بحسب أسئلتها:
أولاً:- النتائج المتعلقة بالسؤال الأول: ما أثر العولمة والمعلوماتية في النظم التربوية العربية بشكل عام؟
للإجابة عن هذا السؤال تمّ استعراض الأدب التربوي المتعلق بموضوع العولمة والمعلوماتية، وتبيّن أن العولمة والمعلوماتية تناولهما العديد من الباحثين والمفكرين والتربويين من مختلف دول العالم، لكن الحديث عن العولمة كان في معظمه يتركز بالمجالين الاقتصادي والثقافي وبعالم الاتصالات وبدرجة أقلّ عن عولمة المجال السياسي وعولمة الإعلام على الرغم من أهميتهما، فأصبحت بالتالي أوجه العولمة ومجالاتها مألوفة إلى حدٍّ كبير. أما بالنسبة للعولمة في المجال التربوي والتعليمي فكانت غامضة ومبهمة في منطلقاتها وأهدافها إلى زمن ليس ببعيد. فما هي العلاقة بين العولمة والمعلوماتية والتربية والتعليم؟ وما هي حقيقة الفرص التي تتيحها العولمة والمعلوماتية وطبيعة المخاطر التي تحملها؟
إن من يطلع على الأدبيات المتعلقة بالعولمة والمعلوماتية سيخرج بلا شك باستنتاج مفاده أن العولمة ليست خيراً خالصاً ولا شراً خالصاً، بل هي ظاهرة لها إيجابياتها وسلبياتها. وتتوقف نوعية الأثر – إيجاباً أو سلباً – على كيفية التعامل معه والنظر إليه. فالعولمة ليست قدراً لا نستطيع الهروب منه والتخلص من آثاره السلبية، ففي داخلها الكثير من الإيجابيات لو عرفنا كيفية التعامل معها قراءة وتحليلاً ونقداً وتشخيصاً.
من يدافع عن العولمة يرى أنها تمثل فرصة استثنائية يمكن إذا استغلت أن تخرج المجتمعات في العالم الثالث من وطأة الاستبداد والقهر والتخلف والتبعية والفقر، أما من يقف ضدها فيرى أنها أداة جديدة للهيمنة الدولية على مقدرات الشعوب والأمم التي حصلت بعد منتصف القرن العشرين على استقلالها الشكلي.
وعلى العموم، فإن أنصار الاتجاه الإيجابي للعولمة يرون أن من مزاياها سهولة وصول الأفراد إلى المعرفة والمعلومات عن طريق شبكات الحواسيب والإنترنت والفضائيات التي تبث على مدار الساعة، بالإضافة إلى أن المعلوماتية – كمنتج رئيسي للعولمة – اختصرت عنصري الزمان والمكان في الوصول إلى المعلومة وقلّصت الجهد والتكلفة إلى أدنى حدّ، كما أدت إلى التدفق الحر للقيم والمنتجات والمعلومات والأفكار والمخترعات التي ستساعد بلا شك على تنمية الفرد وقدراته واهتماماته ذاتياً من دون الحاجة إلى نظام التعليم التقليدي (كيلش، 2000).
أما انعكاسات العولمة على الجانب التربوي، فيرى أنصار العولمة، أنها ستوفر للطلبة فرصاً للتعلم الذاتي والتعليم التعاوني سواء داخل المدرسة أم الدولة أم في مدارس ودول أخرى. ولا ننسى أن للوسائل التكنولوجية الحديثة القدرة الفائقة على توصيل المعلومة بطريقة سريعة وفائقة ومشوقة وجذابة لدى الطلبة، تدفعهم إلى التركيز وعدم الملل من الحصة المدرسية التقليدية (جيتس، 1998).
أما أصحاب الاتجاه المناهض للعولمة فيرون أن العولمة لا تعني أن جميع الأفراد المقيمين على وجه الأرض سوف يندمجون في الشبكات المالية والمعنوية والمادية والثقافية المعروفة والمتوفرة، لأن الأغلبية الساحقة من سكان المعمورة لا يزالون يعيشون خارج إطار العولمة وربما لن يدخلوها أبداً. فالعولمة كما يقول برهان غليون “ليست صالة ضيوف مفتوحة لمن يريد” (غليون وأمين، 2002).
ومن الآثار السلبية للعولمة تعميم الفقر والبؤس والتهميش الجماعي، وانعدام الاختيار، وانسداد آفاق المستقبل أمام المواطنين وبالتالي انفجار أشكال متجددة من العنف والحروب الداخلية (غليون وأمين، 2002). أما في المجال التربوي، فإن للعولمة آثارها السلبية على التربية من حيث إنها تعزّز عدم تكافؤ الفرص التعليمية أمام المواطنين. إذ سيكون التعليم مفتوحاً أمام النخبة الذين يملكون، وستكون الطبقة الاجتماعية للفرد هي التي تؤهله للصعود في السلم الاجتماعي للمجتمع، وليس قدراته وجهده. فالتعليم من خلال شبكة الإنترنت، واستخدام البرمجيات المتنوعة، وتوظيف السي- دي، وامتلاك أجهزة الحاسوب المتطورة، بالإضافة إلى كلّ ما أنتجه الانفجار المعرفي في ظلّ العولمة سيكون متاحاً لأبناء الأغنياء أكثر منه لأبناء الطبقة المتوسطة والفقيرة، ولذلك ستتسع الهوة بين الفقراء والأغنياء ولن يبقى من مبدأ تكافؤ الفرص سوى اسمه البراق الذي يدغدغ عواطف الفقراء والمعوزين (مارتين وشومان، 2003).
وفي هذا السياق يقول علي (2001) إن العولمة باتت تضغط على النظم التربوية في العالم أجمع، والعالم الثالث بشكل أقوى وأوضح، محاولة تهميش هذه النظم وتفكيكها وشرذمتها، إن لم نقل أصبحت تهددها بالاندثار والذوبان نتيجة لعجزها وتخلفها عن اللحاق بها. لذا فإنه لا عاصم لهذه النظم من إعصار وزلزال المعلومات والتغييرات المتسارعة إلا بركوب موجه العولمة والاندماج فيها، أو كما يقول نبيل علي: “ولا عاصم اليوم من إعصار المعلومات إلا بأن نلهث لنلحق بالمركبة، فقد صار شعار هذا العصر: فلتلحق أو انبطح أرضاً ليدهمك الركب المنطلق… فإما لحاقاً أو انسحاقا” (علي، 2001).
وتبيّن أن التربية والتعليم تواجه تحديات ومعضلات في أداء رسالتها إلا أن هذه التحديات والمعضلات أصبحت أكثر حدة وشراسة في هذا العصر حيث لم تعد التربية تتمثل في أداء الأسرة والمدرسة ومؤسسات المجتمع بل أصبحت تتمّ عبر وكالات التنشئة العالمية المتعددة والمتناقضة، فعصر العولمة الذي يجسد ثورة الاتصالات، وتدفق المعلومات وسيادة ثقافة الصورة يعمل على تهديد خصوصيات الشعوب الثقافية، ويضعف دور المؤسّسات التربوية في صياغة الشخصية الوطنية وغرس الهوية. وأنه أصبح من الضروري في عصر العولمة الحاجة إلى نظام تربوي وتعليمي متميز يستطيع مواجهة التحديات والحفاظ على شخصية الأمة ومكانتها. والحاجة إلى تعليم يطوّر قدرات الأفراد وينمي مهاراتهم ويزودهم بالمنهجية السليمة لتلقي المعلومات وتنظيمها وحسن استخدامها في التفكير والإنتاج (آل عبدالله، 1998).
وتأسيساً على ما سبق، يمكن القول إن هناك خللاً في نظمنا التربوية والثقافية والسياسية والاقتصادية. وقد فشلت برامج التنمية وخططها المختلفة في خلق جيل محصن أمام الغزو الفكري اللامحدود الذي يتدفق علينا من الغرب وأحياناً من الشرق، كما فشلت في خلق جيل يعتمد على النقد والتحليل والقدرة على التمييز بين الجيد والرديء. وهنا لا بد من الإشارة إلى المظاهر الثلاثة للإخفاق التعليمي لنظمنا التربوية التي أوردها عوني فرسخ حتى تكتمل عملية نقد الواقع التعليمي تطلعاً إلى إصلاح يسهم في تمكين العرب من التفاعل الإيجابي مع تقدم العلم والمعرفة والثقافة. وأول هذه المظاهر التي أشار إليها فرسخ هو القصور في إعداد المعلم وتأهيله، وثاني هذه المظاهر هو تراجع الأهمية النسبية للمدرسة الرسمية لمصلحة المدارس الخاصة وبالذات المدارس الأجنبية منها وهي ظاهرة تهدد بقيام طبقية في التعليم وإيجاد نوع من التعددية الثقافية والفكرية وكلاهما يهدد الوحدة الوطنية المجتمعية. وثالث هذه المظاهر هو تزايد تهميش الّلغة العربية في العملية التعليمية، هذه الّلغة التي هي أداة للتفكير والإبداع والنمو الذهني وللتحليل المنهجي للمادة العلمية (علي، 2001).
إن العولمة كظاهرة ذات أبعاد ومستويات متعددة تهدف إلى دمج العالم دمجاً نمطياً من خلال تعميم نماذج معيّنة، لذلك سعى منظّروها (منظّرو العولمة) إلى صنع آليات خاصة بها، وذلك من أجل “تفعيل” دورها المعرفي والثقافي، فانصب هذا الجهد على مجالي التربية والتعليم أخيراً بعد أن كان الجهد اقتصادياً وسياسياً وإعلامياً باعتبار أن التربية والتعليم هي الوسيلة التي يمكن من خلالها نشر “الفكر العولمي” (الخليفي، 2003). وقد ساعدها في ذلك أنها وظفّت وسائل الاتصال ووسائل الإعلام، والشبكة المعلوماتية (الإنترنت) والتقدم التكنولوجي بشكل عام لخدمة ذلك مما حول العالم إلى قرية صغيرة كما يقولون، فلم يعد هناك أي حواجز جغرافية.. تاريخية.. سياسية أو ثقافية، وأصبح العالم يخضع لتأثيرات معلوماتية وإعلامية واحدة تحمل قيماً مادية وثقافية ومبادئ لا تتلاءم مع مبادئ وثقافات الأمم الأخرى. كما أن هناك توجهاً استهلاكياً نحوها.. دون وعي أو تمييز لنوعية المادة المستهلكة وتأثيرها على تربية وثقافة الأفراد المستهدفة تحت تأثير إغراء لا يقاوم من التدفق الصوري والإعلامي المتضمن انبهاراً يستفز ويستثير حواس ومدارك الأفراد بما يلغي عقولهم ويجعل الصورة التي تحطم الحاجز اللغوي هي مفتاح الثقافة الغربية الجديدة الذي تستهدفه العولمة، الأمر الذي يدعو إلى ضرورة سرعة مقاومة ذلك الغزو لحماية الهوية الثقافية العربية والإسلامية، والعناية بالتربية والتعليم في مختلف مستوياتهما وأشكالهما لأنها الحصن المنيع الذي يمكنه صدّ هذا التدفق الإعلامي وامتصاصه واستيعابه (فادن، 2006).
إن هذا التدفق الهائل من المعلومات عبر شبكات الحواسيب، بات يغزونا في عقر دارنا ومدارسنا وجميع مؤسساتنا المسؤولة عن التنشئة الاجتماعية لأبنائنا. إذ نرى التلميذ يتابع منتجات العولمة، ويجلس بين يديها الساعات الطوال من خلال شبكة الإنترنت، وأقراص السي – دي CDs، والفضائيات المختلفة التي تبث برامج مختلفة على مدار الساعة من دون رقيب أو حسيب، وهذا ما يدفعنا للإسراع في تشخيص جوانب الأزمة التربوية، ومحاولة طرح الحلول والبدائل المناسبة للإفادة من ايجابيات العولمة وتفادي سلبياتها على نظامنا التربوي.
ونتيجة لتأثير العولمة على الدولة وتغيير دورها وطنياً ودولياً فقد أثر ذلك على أنظمة التعليم الوطنية والسياسات التعليمية، والظاهرة الحاسمة لهذه التغيرات تتمثل في التنازل عن بعض سلطات الدول إلى الهيئات الدولية والتي تتحكم في تقرير البرامج التعليمية في الدولة وصياغتها بحسب ما تقتضي مصالحها الخاصة (Dale, 2000).
وإذا استفأنا بما تقدم، فإن تأثير العولمة والمعلوماتية على النظم التربوية والتعليمية، يظهر في ما تواجهه معظم الحكومات من ضغوط نحو تقليص نمو الإنفاق العام على التعليم وإيجاد مصادر أخرى للتمويل للتوسع المتوقع لنظم التعليم. وفي ما يتصل بالقوى العاملة المؤهلة والمدربة تواجه الحكومات ضغوطاً نحو اجتذاب رؤوس الأموال، وهذا يعني توفير قدر كافٍ من الأيدي العاملة الماهرة. وهذا يُترجم إلى ضغط يستهدف رفع مستوى التعليم الذي تتمتع به الأيدي العاملة نتيجة لتحول الإنتاج الاقتصادي إلى المنتجات والعمليات المستندة إلى المعرفة المكثفة أو ما يعرف بالاقتصاد المعرفي. وعندما ترتفع الدخول النسبية للأيدي العاملة التي تحمل مؤهلات تعليمية أعلى، يزداد الطلب على التعليم الجامعي مما يدفع الحكومات إلى توسيع برامج التعليم العالي وبالتالي زيادة عدد الطلاب في المراحل الثانوية والذين يبدون استعداداً لإكمال الدراسة ما بعد الثانوية، شرط أن يخضع التعليم إلى معايير الجودة العالمية. وقد أدّى هذا إلى وضع تأكيد متزايد على المناهج الدراسية الخاصة بالرياضيات والعلوم، والمعايير، والاختبارات وتلبية المعايير من خلال تغيير طريقة تقديم التعليم. وراحت تكنولوجيا المعلومات تدخل وبشكل تدريجي نظم التعليم وذلك عائد في جزء منه إلى الهدف المتمثل في محاولة توسيع جودة التعليم بتكاليف أقل من خلال التعليم عن بُعد، وفي جزء آخر إلى الغاية المتمثلة في تقديم تعليم عالي الجودة من خلال استخدام الحاسوب التعليمي وشبكات الإنترنت. وعلى الرغم من أن معظم البلدان ما زالت في بداية استخدام مثل هذه التكنولوجيا الجديدة، فإن استخدامها المستقبلي في التعليم لا يمكن التقليل من شأنه، وبخاصة بسبب قدرته على ربط الطلاب في المدن الصغيرة بكل بلدان العالم (Carnoy & Rhoten, 2002).
إن التغيرات المتوقعة في عصر العولمة سوف تتطلب تغيرات في فلسفة التربية وسياساتها ومناهجها وأساليبها التربوية وإن الوعي بدروس الماضي والدور الخطير الذي ستلعبه التربية في عصر المعلومات يزيد من قناعة التربويين وغيرهم بأن التربية هي المشكلة والحل. فإن عجزت أن تضع حلاً قادراً على مواجهة التحديات المتوقعة فكلّ جهود التنمية ستنتهي بالفشل مهما توافرت الموارد الطبيعية والمادية لأجل ذلك فإن مصير المجتمع معلق على مدى النجاح في مواجهة التحدي التربوي نتيجة لانتشار تكنولوجيا المعلومات وما ينتجه من فرص هائلة من أجل تطوير أساليب ورفع إنتاجية المدرسة والطلبة. وهذا يشير إلى أن نجاح التربية يقاس بسرعة تجاوبها مع المتغيرات الطارئة، وتكمن المشكلة أيضاً في تسارع عصر المعلومات مقارنة بالتباطؤ الذي تتسم به عمليات التجديد التربوي ولهذا تنشأ الفجوة التربوية بين مطالب المجتمع وأداء مؤسساته التربوية وعند نشوء الفجوة التربوية تلك ينشأ ما يسمى بملامح الأزمة التربوية ومن ملامح هذه الأزمة كما يقول عماد (1995):
– ضعف العلاقة بين التعليم وسوق العمل، وبالتالي انتشار البطالة في جميع خريجي مؤسسات التربية مما يتطلب إعادة تدريب فائض الخريجين في مؤسسات التعليم والتدريب لتأهيلهم مع متطلبات عصر المعلومات.
– ضعف تحقق مبدأ تكافؤ الفرص التعليمية، ويعني أن تتاح فرص التعليم باستخدام الكمبيوتر للبعض دون الآخر وفقاً للحالة المادية والطبقة الاجتماعية.ٍ
– تعدد مسارات التعليم حيث يشعر الكثير أن هناك ازدواجية تربوية في تعليم النخبة وتعليم العامة وبين أبناء الوطن وأبناء الوافدين وقد أدى ذلك إلى دخول التجارة في حقل الخدمات التعليمية ومن هنا نخرج بضرورة العمل على وضع أهداف تربوية مستقبلية تتناسب مع عصر العولمة وثورة المعلومات.
أما بشرى المفلح فتشير إلى الواقع التراجيدي للتربية العربية ومدى تأثير المعلوماتية والعولمة فيها فتقول: (وطفة، 2002) ” إذا كانت العولمة تتضمن قيماً إيجابية، فإنني أرى أن التربية التي نتلقاها لن تسهم أبداً في استفادتنا من هذه الإيجابيات بل على العكس لن تكرس إلا الانهزامية… فلا خطر على حضارتنا من العولمة بل الخطر الحقيقي في النسق التربوي الذي لا يقدم لأطفالنا ولشبابنا إلا أجوبة عن كيف يكونون مستهلكين بامتياز فيكونوا مجرد سوق يوفر الربح للشركات العالمية. وكيف يكونون مقلدين بامتياز فيأخذوا وضعية الانفعال لا وضعية الفاعل، ويراد لهم ولا يريدون، فنحن حقيقة أمام تحد حضاري كبير ولكن مفاتيح النجاح بأيدينا وليست بعيدة عنا. فلنبدأ بتحصين أنفسنا، ليس بغلق الأبواب والنوافذ فالرياح أقوى بكثير. فمحاربة العولمة وشن الحرب عليها شأن من يضرب رأسه بالصخر أو كمن يقطع يمناه بيسراه”.

ثانياً:- النتائج المتعلقة بالسؤال الثاني: ما أثر العولمة والمعلوماتية في العناصر التربوية التالية: المتعلم، المعلم، المنهاج، البيئة المدرسية والغرفة الصفية، أساليب التدريس، المنظومة القيمية؟
بما أن محور اهتمام الباحث في هذا البحث هو أثر العولمة والمعلوماتية في النظم التربوية، وإذا ما تمعنا في المهام الأساسية للتعليم والمؤسّسات التعليمية من حيث تقديم المادة وأسلوب عرضها، وتقويم أداء الطالب وتوجيهه، وإعداد المناهج وتطويرها، وإجراء البحوث الأساسية والتطبيقية، وإدارة التعليم ووضع سياساته ، فإننا نرى أثر المعلوماتية واضحة للعيان. إذ نرى أن جميع هذه المهام التربوية هي في جوهرها ذات طابع معلوماتي إلى درجة اعتبار نظام التعليم الحالي يقع برمته ضمن قطاع تكنولوجيا المعلومات.
ومن البديهي القول إن المؤسّسات التعليمية والتربوية في عصر تكنولوجيا المعلومات لا تقتصر على المدرسة فحسب، وإنما تتعداها لتشمل الأسرة ووسائل الأعلام ومؤسسات المجتمع قاطبةً بالإضافة إلى مراكز التدريب المتخصّصة، وإدارات التدريب داخل مؤسسات الإنتاج والخدمات، ومواقع التعليم والتعلّم على الإنترنت. كما يندرج تحت هذه المراكز والبدائل التربوية الرسمية منها وغير الرسمية واللارسمية Formal, nonformal and informal education، العديد من عناصر العملية التربوية التي يمكن أن تؤثر فيها العولمة والمعلوماتية، ويكون الأثر فيها واضحاً وجلياً. ونورد في ما يلي أهم عناصر العملية التربوية التي تؤثر فيها العولمة والمعلوماتية :
1. العنصر الأول: المتعلم: أصبح لدى الطالب في حالة توافر تكنولوجيا المعلومات سواءً في المدرسة أم في البيت، قدرة مواصلة التعلم ذاتياً من دون الاعتماد على غيره سواء المعلمين أم الأسرة، وهو ما تسعى إليه تربية عصر المعلومات. لذا على النظم التربوية التركيز على احتياجات المتعلم وإضفاء الطابع الفردي الشخصي على العملية التعليمية، لأن مهمة التربية الأساسية أصبحت أن تعلم المتعلم كيف يتعلم، وكيف يواصل تعلمه من المهد إلى اللحد. كما أن المعلوماتية تسهم في تنمية التفكير النقدي الإيجابي عند الطالب من خلال ما تقدمه من إبدال للمعلومة التي يبحث عنها من حيث الشكل والمضمون التي يتم تقديمها فيه (علي، 1994).
لقد بات ضرورياً ولكي نواجه التحديات التي أوجدتها العولمة من إعداد المتعلمين للمستقبل إعدادا جيداً وذلك بإدخال شبكات المعلومات داخل غرفة الصف لتساعد الطالب على القيام بواجباته المطلوبة منه بكفاءة ومهارة عاليتين. كما أن شبكة الإنترنت تنمي عند الطالب مهارات العمل الجماعي والتعاوني، ومهارة التفكير النقدي الإبداعي، هذه المهارات التي تؤدي إلى توسع مدارك الطالب وتمنحه إمكانية الدخول على قواعد بيانات في كل أنحاء العالم، كما ستمكنه من العمل في مشاريع دولية مشتركة في صفوف ومدارس غير صفه ومدرسته والتعامل مع عدد كبير من الخبراء غير المدرّسين الذين يتعامل معهم داخل صفه. (جيتس، 1998).
علاوة عما سبق، فإن من أهم آثار العولمة والمعلوماتية على الطلبة هو في مغادرة معظم أبناء النخبة والمقتدرين مالياً للتعليم العام والالتحاق بمدارس البعثات الأجنبية أو المدارس الخاصة المميزة، حيث التأهيل للاندماج في القطاع العصري، والتكيّف مع متطلبات العولمة وتكنولوجيا المعلومات، وهو ما خلق هوة عملية بين أبناء الجيل الواحد وشكّل فئتين مختلفتين، بحسب نوعية المدارس الجديدة. وهذا الاختلاف من شأنه أن يعمل على إعادة إنتاج الثنائية المعروفة بالتقليد والمعاصرة أو يخلق ازدواجية في التعليم، بالإضافة إلى خلق عدم التجانس الثقافي مما يسهّل عملية الاختراق الثقافي وبالتالي فقدان الهوية الوطنية وذوبانها (الجابري، 1998).
2. العنصر الثاني: المعلم: يلعب المعلم دوراً كبيراً في العملية التعليمية من خلال مساعدته الطلبة في اكتساب المعرفة الدائمة المرتبطة بشبكات المعرفة الدولية، لذا فإن تربية عصر المعلومات تتطلب من المعلم إعداداً خاصاً ينمي لديه نزعة التعلم ذاتياً بالإضافة إلى تنمية قدراته ومهاراته ومعارفه بمناهج التفكير المختلفة وبأسس نظرية المعرفة، عدا عن مهارات إدارة الصف والدرس، وإدارة الموارد التعليمية المختلفة في بيئة الوسائط المتعددة (علي، 2001).
لقد فقد المعلم في عصر المعلومات سلطة احتكار المعرفة، وتغيّر دوره من مجرد ناقل للمعرفة إلى كونه مشاركاً وموجهاً ومرشداً طلبته إلى مصادر المعلومات، أي معلم لا يعلم بل يساعد المتعلم على التعلم. وأن السنوات القادمة ستحمل متطلبات ومعايير أكثر دقة وصرامة في اختيار المعلمين، وستتضمن مثل هذه المعايير ليس المؤهل العلمي فحسب على أهمية، وإنما تتضمن شخصية المعلم، وطبيعة أدائه، وخلفيته الثقافية، ونوع المهارات التي يجيدها المتقدم لهذه المهنة. وتتيح تكنولوجيا المعلومات وشبكات الحواسيب فرصاً عديدة لتأهيل المعلمين وتدريسهم بما توفره لهم من مناهج وبرامج ومواد مبرمجة، ومن مراكز تدريب افتراضية، ومن نظم متطورة لتأليف المناهج، عدا عن تبادل الخبرات مع أقرانهم بالداخل والخارج عبر حلقات النقاش وجماعات الاهتمام المشترك التي تزخر بها شبكات الإنترنت (علي، 2001).
لقد وضعت العولمة والمعلوماتية المعلم على مفترق طرق، فإما أن يكون معلماً ماضوياً معتبراً مهمته الرئيسية هي نقل المعلومات وحشوها في أذهان الطلبة من خلال أساليب تلقينية قمعية تسلطية، وعلى أنه المصدر الوحيد للمعرفة، أو معلماً عصرياً متجدداً ساعياً وراء كلّ تطور وجديد مع العمل باستمرار على تطوير نفسه، ومستخدماً أساليب متعددة من أجل تحسين قدرات المتعلمين واستثارة دافعيتهم نحو القيادة في المجالات كافة ونحو البحث والتقصّي عن الحقائق بأساليب علمية، وبذلك يكون مسايراً لعصر تنفجر فيه المعلومات والمعرفة العلمية انفجاراً، ومتفاعلاً مع معطيات عصر العولمة والثورة المعلوماتية، خلافاً للتربية التقليدية التي أسهمت في إنتاج جيل عبارة عن بنوك معلومات متنقلة. ولكن السؤال الذي يبحث عن صدى جواب هو ما مدى تطبيق هذه المعلومات في الحياة اليومية والعملية وقدرتها على حل ما يعترض حياته من مشكلات في ظل هذا العالم الديناميكي سريع التطور (البطران، 2006).
من هنا تدعو الحاجة إلى إعادة النظر في البنى المعرفية والهياكل التربوية، ولاسيما المعلم، لزيادة وعيه الثقافي واستعادة دوره الريادي في المجتمع، إضافة إلى قدرته على توظيف تقنيات عصر العولمة في حياته اليومية والعملية، وإعداده لعالم لم يعد كما كان من اجل إنتاج جيل مبدع مبتكر للمعرفة العلمية يحقق نقلة حضارية نوعية وذلك من خلال: (البطران، 2006)
– الإعداد الجيد والمستمر للمعلمين من أجل التفاعل مع التكنولوجيا وتقنياتها واستغلالهم لكم المعلومات الهائل المتدفق إليهم عبر الإنترنت والفضائيات لرفع مستوى العملية التربوية.
– عقد ورش عمل مكثفة للمعلمين تمكنهم من استخدام الحاسوب وتوظيفه في العملية التربوية.
– إدخال العولمة ومضامينها في المناهج التعليمية كي لا يعيش المعلم والطالب في حالة انفصام عن الواقع.
– استقطاب الفئات المميزة من المعلمين للعمل في ميدان التعليم، وتشجيعهم على الإبداع والابتكار.
– العمل على إيجاد قانون يحمي المعلمين ويصون كرامتهم، ويفرض احترامه على الطلبة، ويستعيد من خلاله دوره الريادي في المجتمع.
– مؤازرة المعلمين ورفع مستواهم المعيشي.
3. العنصر الثالث: المناهج: نتيجة لتدفق المعلومات والمكتشفات العلمية الهائلة فقد أصبح المنهاج المدرسي أعقد من أن يحتوي على معلومات وموضوعات ثابتة محددة ومؤطرة. والمسألة هنا تكمن في كيفية الاختيار. فأي مادة وأي موضوع يختار المعلم لطلبته. لذا أصبحت مسألة اختيار مادة المنهاج التعليمي ذات بعد أخلاقي كما يقول نبيل علي، لأنها تنطوي على حرمان المتعلم من معارف ربما تكون حيوية بالنسبة لتنميته الذهنية، عدا عن أن هناك مستويات وأنواعاً متعددة من الطلبة، والعديد من الصفوف المختلفة المستويات، والأنواع المتباينة في المدرسين. فهل كل هذا التباين والاختلاف والتعدد والتنوع من الطلبة والصفوف والمدرسين يمكن أن نواجهه بالمنهج نفسه؟ (Postman, 1992).
مما يؤسف له أن المنهاج الدراسي الثابت والمنغلق كانت مجالات المعرفة المختلفة فيه توضع على شكل جزر منعزلة ومنغلقة على نفسها في نطاق تخصّصها الضيق. وقد جاءت تكنولوجيا المعلومات لتهدم هذه الحواجز الفاصلة بين مجالات المعرفة المختلفة. ومن جهة أخرى، فقد ساد في الماضي، وما يزال في الوقت الحاضر في منظماتنا التربوية العربية، طابع التلاحق والخطية في تخطيط المناهج الدراسية. ولكي يتحقق التكامل المعرفي، لا بدّ لمفهوم إعداد المناهج من التغير إلى مفهوم المنهج الحلزوني أو الدائري القائم على أساس، أن أية مادة تعليمية، يمكن تدريسها في أي مرحلة من مراحل العمر، مع استمرار التعميق المعرفي من خلال تكرار وإعادة ما تمّ تدريسه في مراحل سابقة. فقد تجزأت المناهج التعليمية وعفا الله عما مضى على تلك السلاسل المنهجية المتصلة من المواد المترابطة، وصارت تلك السلاسل والقوائم من المسائل والتمارين المعدة سلفاً غير ملائمة لعصر تكنولوجيا المعلومات، الذي يفرز كلّ يوم مشكلات جديدة لم تكن على البال والخاطر (علي، 2001).
وفي ظلّ تطور وسائل الاتصال وعولمة الثقافة، والاكتشافات العلمية والتكنولوجية وتطور أساليب الإنتاج، والتغيير الاجتماعي والعلاقات الاجتماعية، وظهور معايير جديدة تحلّ محل القيم والمبادئ والمعايير القديمة؛ أصبح حتماً علينا تطوير المناهج التربوية، وذلك بإدماج مضامين تربوية جديدة في المنهاج لإكساب الطلبة القيم والاتجاهات والسلوكيات الايجابية نحو العولمة ومنها: التربية السكانية، والتربية البيئية، والتربية من اجل الديمقراطية وحقوق الإنسان، وأخيراً تربية السلام أو التربية من أجل السلام الدولي (الخياري، 1998).
وفي هذا الاتجاه يقول أشرف البطران: لابدّ لنا كتربويين أن نبني مناهجنا التربوية من صلب ثقافتنا العربية الإسلامية، ووفق معايير خاصة تأخذ بعين الاعتبار حركة الواقع وتطوره، ومن أهم هذه المعايير: (البطران، 2006)
– بناء مناهج تربوية اعتماداً على حاجات التلاميذ ورغباتهم، وتراعي خصائص نموهم الجسمي والعاطفي والعقلي، وتتفق مع ميولهم واتجاهاتهم، وليست رغبات المستشارين والمختصين.
– بناء مناهج تربوية يشارك فيها المعلمون وأولياء الأمور ومؤسسات المجتمع المدني من نقابات، وجمعيات، وهيئات علمية متخصّصة.
– مناهج تحاول ربط المواد النظرية بالتطبيقية العملية في الحياة، جاعلة من البيئة المادية والاجتماعية مصدراً للتعلم.
– مناهج تراعي الفروق الفردية، تنطلق من حاجات المتعلم وقدراته، وتنظر إليه باعتباره عقلاً وجسداً وروحاً بحاجة إلى الرعاية والتطوير.
– منهاج توفر مساحة من الحرية للمعلم لاستخدام الأساليب والوسائل التعليمية والأنشطة، وتبتعد عن التلقين، ليتمكن من تحقيق الأهداف التربوية المبتغاة.
– مناهج تربوية تبنى على سياسة تعزيز الوحدة الوطنية والهوية الإسلامية والانتماء الحقيقي لقضايا الأمة.
– تقويم دوري للمناهج التعليمية لمعرفة مدى مواكبتها لروح العصر.
وتضيف كوثر فادن إلى المعايير السابقة المعيارين التاليين، وهما: (فادن، 2006)
– تدرج الخبرات المقدمة للمتعلمين وفقاً للصفوف والمراحل في صورة علاقة رأسية مع مراعاة الفروق الفردية في كلّ منهج، وأن يطبق ذلك على كلّ أنواع التعلم في التفكير والمهارات والاتجاهات والأفكار والمفاهيم.
– إضافة المناهج التي تتضمن الخبرات والمعلومات التي تساعد المرأة على القيام بدورها في الأسرة مثل: التغذية، رعاية الطفولة، الإسعافات الأولية، الاقتصاد المنزلي، الديكور، الأمن والسلامة؛ وإضافة موضوعات تسهم في تكوين الشخصية مثل: المحافظة على البيئة، التوعية السياحية، التطرف، الصحة، التوعية المرورية…إلخ.
4. العنصر الرابع: البيئة المدرسية والغرفة الصفية: لا شكّ أن البيئة المدرسية الجيدة تؤدي إلى تعليم جيد يمكن من خلاله تحقيق الأهداف التربوية المرصودة، ولكن تبقى الأوضاع الاقتصادية والإمكانيات المادية للدولة هي الكفيلة بتحقيق بيئة مدرسية متكاملة العناصر من حيث ساحات النشاط والمرافق وسعة الغرف الصفية، إضافة إلى المكتبات والمختبرات وأجهزة الكمبيوتر ووسائل الإيضاح والترفيه. ومما هو جدير بالذكر هنا أن المدرسة في البلاد العربية بشكل عام تفتقر إلى المقومات الرئيسية للبيئة المدرسية إذا ما قورنت بمثيلاتها في البيئات التعليمية الغربية، وذلك يعود لعدة أسباب أهمها: (البطران، 2006)
1. الزيادة المطردة في أعداد الطلاب المنتسبين للمدارس بسبب النمو السكاني السريع مقارنة مع الأعداد المحدودة لتلك المدارس، الأمر الذي أدى إلى وجود حالة من الاكتظاظ داخل الصفوف، ليصل العدد إلى أكثر من 50 طالباً في الغرفة الصفية الواحدة، هذا شكل حافزاً قوياً لبعض الطلبة للتسرب من المدارس والالتحاق بسوق العمل مبكراً من دون حصولهم على الحدّ الأدنى من حقوق العمال.
2. تدني مستوى إنفاق الدولة من ناتجها القومي على التعليم والبحث العلمي.
أما في ما يتعلق بالغرفة الصفية فإن غرفة الصف الطلابية في عصر تكنولوجيا المعلومات، هي العالم بأسره، لأن الطلبة يأخذون منها المعلومات مباشرة من خبراء وطلاب ومدرسين من مختلف أنحاء العالم ضمن المشاركة في برامج عالية خارج نطاق المدرسة.
ومنذ ظهور التعليم الرسمي ارتبط التعليم بشخص واحد ومكان واحد، ألا وهما المدرس والغرفة الصفّية، بيد أن أجهزة الحواسيب المزودّة بالوسائط المتعددة، والتي تعمل على شبكات تعطينا الفرصة لإعادة التفكير في ذلك النموذج القديم الذي عفا عليه الزمن، وتتيح لنا هذه الحواسيب إنشاء صور واقعية لأشياء عادة لا نملك إلا أن نتخيلها، ليمثل وسيلة تعليمية هائلة القدرة. كما تتيح الحواسيب ذات الوسائط المتعددة للطلاب إمكانية الوصول إلى مختلف المصادر والأشخاص في مختلف أرجاء الدولة، كما تمكن الدارسين من تشكيل مجموعات متناظرة المستوى وذات اهتمام واحد يتجاوز نطاق مدرستهم أو البيئة المجاورة لهم. وبالمحصلة فإنه ومن خلال العولمة والمعلوماتية يمكن أن نتوقع أن كلّ طالب يمكنه أن يتواصل مع أيّ طالب آخر في أيّ زاوية أخرى من العالم (جيتس، 1998).
وبما أن نظمنا التربوية في العالم العربي تواجه تحديات كبيرة، ولابدّ لها أن تتصدّى لهذه التحديات عن طريق إتباع تربية الإبداع والخيال. لكن تربية الإبداع تحتاج إلى بيئة إبداعية يتوافر لها المدّرس الجيد المؤهل تأهيلاً علمياً وتربوياً عالياً، والمناخ الملائم بالإضافة للأدوات المناسبة. فهل البيئة الإبداعية وفق هذه المواصفات متوافرة في مدارسنا ومعاهدنا التعليمية؟ وكيف يمكن أن يبدع طلابنا الذين يشكون من نقص في المعلوماتية والبيئة التربوية المناسبة ؟ وقد طرح أحد المفكرين العرب عدّة تساؤلات حول الإبداع على رجالات التربية والتعليم العرب، ونظراً لأهميتها فإن الباحث يقوم بطرحها في هذا البحث علها تلقى أذناً صاغية أمام صنّاع القرارات في وزارات التربية والتعليم العالي في وطننا العربي (علي، 2001).
كيف يمكن أن يبدع فقراؤنا الذين يشكون – حالياً – من أنيميا معلوماتية حادة ؟
1. كيف يمكن أن ينمو الإبداع في فصولنا المكتظة بالتلاميذ، ومجمعاتنا المكتظة بالمستهلكات، ومناهجنا المكتظة بالحشو، ووسائل إعلامنا المكتظة بالسطحي والمعاد والمستورد؟
2. كيف يمكن أن ينمو عقل الناشئة من هذه الوجبات التعليمية السريعة كما شبهها البعض؟
3. كيف يمكن أن ينمو الإبداع، الذي يعيش على الحرية والانطلاق، في بيئة زاخرة بالقهر، على اختلاف مصادره وألوانه؟
4. كيف يمكن للأسرة العربية اكتشاف مواهب صغارها في مرحلة مبكرة، والحرص عليها، وزيادة مناعتها، ضد آفة التلقي السلبي الضاربة أطنابها في منظومة تعليمنا؟
5. أخيراً وليس آخراً، هل يمكن لنا أن نحدد أي نوع من الإبداع نريده لفئاتنا الاجتماعية المختلفة؟

5. العنصر الخامس: أساليب التدريس: إن أكثر عنصر من عناصر العملية التعليمة التعليمية يمكن أن تؤثر فيه العولمة والمعلوماتية هو عنصر أساليب التدريس. إذ يمكن ملاحظة هذا الأثر من خلال اعتماد أساليب تدريس تكسب الطالب القدرات والمهارات وأنماط التفكير التي تؤهله لحل المشكلات والصعاب التي تواجهه، ولا يتأتى هذا إلا بوجود معملين مؤهلين ومدربين تدريباً عالياً، ومطوّرين مهاراتهم الذاتية في استخدام تكنولوجيا المعلومات والاتصالات الحديثة مثل الأقمار الصناعية، وشبكات البريد الإلكتروني، والتخاطب المرئي، وشبكات الحواسيب وغيرها من الوسائل السمعية والبصرية الحديثة، التي تسهم في تطوير التدريس، من خلال تبني الأساليب التي تعمل على تحقيق فردية المتعلم، يساندها في ذلك وفرة وسائل المعلوماتية التي ستحقق للطلاب أتباع مسارات متباينة من التعلم وفقاً لسرعتهم الخاصة (الخوالدة، 2003).
أما في ما يتصل بالطلاب وأساليب التدريس وأثر العولمة والمعلوماتية فيها فيمكن القول إن من أبرز انعكاسات العولمة على العملية التعليمية في مجال أساليب التدريس يظهر بما يشبه الثورة عند المعلمين بتغيير أساليبهم وطرق تدريسهم واعتماد طرق تدريس تكسب الطالب مهارات التعبير الحر الصادق عن ذاته وعن المجتمعين المحلي والعالمي، بالإضافة إلى تعويدهم ومعلميهم على استخدام أسلوب الحوار التعليمي عبر الإنترنت، وعلى كيفية التواصل مع الشبكات العالمية في التدريس للتمكن من ربط المعرفة الأكاديمية باحتياجات المجتمعين العالمي والمحلي، وإلى زيادة قدرة الطالب على التواصل مع مصادر المعرفة (الخوالدة، 2003).
وفي سياق حديثنا عن أساليب التدريس فإننا نرى أن نستشهد ببعض ما أوردته كوثر فادن تحت عنوان “خلاصة مرئيات حول طرق وأساليب التدريس” لمناسبتها للمسألة مدار البحث. ومن هذه المرئيات التالية: (فادن، 2006)
– مراعاة المتعلمين وحاجاتهم التربوية.
– اعتبار المقررات الدراسية وسائل لتحقيق النموّ وليست غاية.
– أن يكون غاية المعلم هو إكساب المتعلمين المفاهيم والقيم والمبادئ والسلوكيات الايجابية من خلال المنهج المقرر.
– التنويع في استخدام طرق التدريس مراعاة لحاجات الطلاب وميولهم والفروق الفردية، على أن يكون الهدف الأساسي هو التدريب على التفكير السليم ولا يقتصر على التلقين والحفظ ونقل المعلومات.
– توظيف استراتيجيات التعليم؛ والتجديد والتنويع والإبداع في تطبيق المنهج.
– أن يتمثل دور المعلم في التوجيه لمسارات التفكير لدى الطلاب.
– أن يكون المعلم قدوة حسنة لطلابه في خلقه والتزاماته وتصرفاته.
– التركيز على المتعلم وجعله مشاركاً إيجابياً في الموقف التعليمي.
– الاهتمام بالمتعلم من جميع النواحي العقلية والجسمية والنفسية على حدّ سواء.
– الاستعانة بالوسائل التعليمية مع حسن توظيفها لتحقيق الأهداف السلوكية بمستوياتها.
– إتباع أسلوب الإثارة والتشويق ويساعد على ذلك اختيار الأنشطة المناسبة.
– الاهتمام بالأنشطة اللاصفية وإشراك جميع الطلبة فيه تطبيقاً لمحتوى المنهج لتنمية شخصياتهم.
– تعويد المتعلم على استخدام الأسلوب العلمي في حلّ المشكلات وإعطاء الحلول والبدائل.
– إتاحة فرصة التعلم الذاتي للمتعلم من خلال الأنشطة والمهارات.
– تهيئة المواقف التي تساعد على التدريب على حلّ المشكلات واتخاذ القرارات.
– توفير الأنشطة المنفذة بالعمل الثنائي والجماعي وخلق روح التنافس والتعاون الإيجابي.
– التدريب على تقييم الذات من خلال توفير التغذية الراجعة على المستوى الفردي والجماعي.
– تمثيل الحياة المعيشية للواقع الفعلي في المواقف التعليمية والتفاعل معها.
– اكتشاف المواهب وصقلها وتنميتها ورعايتها.
– إعطاء حصص الإنشاء أهمية اكبر لتنمية ملكة التفكير والتدريب على الدقة في التعبير.
– الاهتمام بالحوار والإلقاء السليم، وعلى كلّ معلم أن يعدّ نفسه معلماً للّغة العربية.
– تنمية التفكير الناقد وطرق الاستدلال.
إن الثورة المعلوماتية تمثل انقلاباً جذرياً على أساليب التدريس القائمة على الحفظ والتلقين وحشو المعلومات في ذهن الطالب كأسلوب وحيد للوصول إلى المعرفة، إذ تقدّم هذه الثورة المعلوماتية أساليب جديدة تعين المعلم على تعليم مادة منظمة ومعمقة يتعلمها الطالب بيسر وسهولة نتيجة إشراك العديد من الحواس في التعليم، إذ يشاهد الطالب الصور المتحركة والفوتوغرافية، وصور الفيديو التي تشرح له كيف تتمّ العملية الطبية أو الجيولوجية أو الميكانيكية على سبيل المثال. كما أن بعض الوثائق متعدّدة الوسائط ستقوم ببعض الأدوار التي تؤديها الآن النصوص الدراسية، والأفلام السينمائية، والاختبارات والمواد التعليمية الأخرى. ونظراً لكون الوثائق متعدّدة الوسائط ستكون موصلة في أجهزة الحواسيب على طريق المعلومات السريع، فسوف تظل متضمنة للجديد والأحدث باستمرار (جيتس، 1998).
6. العنصر السادس: المنظومة القيمية: تؤثر العولمة والمعلوماتية بشكل فاعل في المنظومة القيمية المتعلقة بالحرية والعدالة والمساواة والتعارف والتعاون والأخلاق والحوار وحقوق الإنسان والتعددية والحريات بشكل عام، إذ ستتأثر مثل هذه المبادئ بإفرازات هذه الظاهرة، حيث ستتغير مضامين ومعاني هذه المبادئ في فكر ووجدان الأفراد جراء انفتاح الثقافات على بعضها البعض وبفضل وسائل التكنولوجيا الحديثة والتي أسهمت إلى حدّ كبير في ربط الناس معاً عبر الفضاء الكوني. (أحمد، 2003). إذ تكمن قوة ثقافة العولمة والمعلوماتية على الصورة. فالصورة هي أداة العولمة الأساسية، إذ استطاعت بها أن تتخطى حاجز الّلغة، وأن تخاطب الشعوب على اختلاف لغاتها ومشاربها وتؤثر في تشكيل الوعي والوجدان وغرس القيم والاتجاهات لدى الأفراد (بلقزيز، 1998).

وفي ما يتعلق بالمنظومة القيمية، فستكون لازمة القيم السائدة في العالم الغربي، التي هي وليدة المتغير المعلوماتي، انعكاساتها وأثرها على المجتمعات العربية، وتحديداً على الأنظمة التربوية العربية، سواء بحكم التبعية العلمية والتكنولوجية، أم تحت تأثير الضغوط السياسية والاقتصادية والثقافية. زيادة عما سبق، فإن العولمة والمعلوماتية ستعمل على تشكيل القيم على أساس تكييف المنظومات القيمية لصالح منظومة محددة، علماً بأن المنظومة القيمية للتاريخ الإنساني تمحورت حول ثلاث قيم هي: الحرية، والمساواة، والعدالة. وعليه، فإن العولمة – كما هو واضح – تغلّب قيمة الحرية على القيم الأخرى وبالتالي تكيّف العدالة والمساواة لصالح الحرية. ويتمثل تغليب الحرية على المساواة في أولوية حرية تدفق التجارة ورؤوس الأموال على المساواة في توزيع المكاسب من هذا التدفق. أما في ما يتعلق بتغليب الحرية على العدالة، فنراه في آليات اتخاذ القرار في المنظمات الدولية، إذ نلاحظ أن التساوي بين الدول في القوة الصوتية غير موجودة في أغلب هذه المنظمات، لا سيما المؤثرة منها كمجلس الأمن وحق الفيتو لبعض أعضائه، أو اعتبار المساهمة المالية مثل مؤسّسة بريتون وودز هي أساس احتساب القوة الصوتية. وبهذا يمكن القول بأن الأثر الأول للعولمة على حقوق الإنسان أنها دفعت باتجاه التراتبية لحقوق الإنسان بدلاً من التوازي (عبد الحي، 2005).
ويستمر عبد الحي في هذا المقام قائلاً: “هناك تباين واضح بين إيقاع العولمة السريع والذي يبتدئ في سرعة آلتها لا سيما تكنولوجيا المعلومات والاتصالات والمواصلات، وبين بطء المنظومة القيمية لحقوق الإنسان في التكيف مع هذا الإيقاع السريع. وهو ما يعني التصادم بين منظومة القيم المعولمة حديثة التشكل وبين منظومة القيم المحلية الممتدة بجذورها في أعماق التاريخ ووجدان المجتمعات المحلية (عبد الحي، 2005).
وعلى نحو مغاير يقول أحد المفكرين إن العولمة والمعلوماتية ستفتح فرصاً هائلةً لتحرير الإنسانية بما تتيحه من تفاعل بين مختلف مكوناتها، وما تعمل على تحريره من علاقات وطاقات، وعلى تجاوزه من سجون واعتقالات ومراقبات أصبحت تشكل أكبر عائق أمام تقدم الشعوب في العالم الثالث. ولا شك في أن التدفق الحر للقيم والمنتجات والمعلومات والأفكار والمخترعات سيقدّم لكلّ فرد على مستوى العالم فرصاً استثنائية للتقدم والازدهار المادي والمعنوي. كما أن خلق سوق عالمية واحدة يسهم في توسع التجارة ونمو الناتج العالمي بوتائر أسرع بكثير مما عرفته الأسواق الرأسمالية القومية التقليدية، ويفرز بالتالي فوائض مالية هائلة يمكن لو استغلت لأهداف إنسانية أن تغير وجه الكرة الأرضية (غليون وأمين، 2002).

الاستنتاجات والخلاصة
أولاً:- الاستنتاجات:
تبين لنا من خلال استعراضنا للعولمة والمعلوماتية من حيث النشأة والتكوين والمفهوم والأبعاد أن العولمة ليست حديثة النشأة والتكوين، إلا أنها برزت وتشكلت بشكل واضح في أواخر القرن العشرين، وقد أدت عدّة عوامل إلى بروزها وتشكلها ومنها: تحرير التجارة الدولية، وتدفق الاستثمارات الأجنبية المباشرة، والثورة المعرفية، وتعاظم دور الشركات متعددة الجنسيات. كما تبين أن هناك اتفاقاً بين المربين والمفكرين على تأثير العولمة والمعلوماتية على منظومة التربية العربية، لكن الخلاف حاصل بينهم في أشكال هذا التأثير وفي وسائله ودرجته. فالنظام التربوي هو من أكثر المنظومات الاجتماعية قابلية للعولمة، لأن العولمة تقوم على محرك أساسي هو: تكنولوجيا المعلومات والاتصالات وهو ما أدّى إلى ظهور مفاهيم ومصطلحات جديدة مثل: اقتصاد المعرفة، ومجتمعات المعرفة، لأن المعلومة والمعرفة من العوامل الحاسمة في تحقيق التطور والنمو سواء في القطاع الاقتصادي أم غيره من القطاعات الأخرى. وعليه، يمكن القول إن لا عولمة من دون معلومات ومعارف مخزنة ومعالجة وموظفة، وهذا لن يتأتى إلا بوجود العنصر البشري المؤهل والمدرب لإنجاز هذه العمليات، والمدرسة هي المؤسّسة الاجتماعية الأولى المنوط بها تنفيذ هذه المهمة.
وتأسيساً على ما سبق، نرى أنه لا يمكن لأي نظام تربوي الانفلات من دائرة تأثير وجاذبية العولمة، فالعولمة تفرض على الأنظمة التربوية أن تكون مدخل المجتمعات إلى اقتصاد المعرفة أو عصر المعلومة. ولتحقيق هذه المحاولات والمساعي كانت ردود فعل الأنظمة التربوية كما يقول وازرمان على أنواع ثلاثة من الإصلاحات أو التغيرات أو التحولات وهي: أولاً، إصلاحات تقوم على التنافسية وأدوات تحقيقها هي اللامركزية، وتحديد المعايير التربوية، والتدبير العقلاني الراشد للإمكانات والوسائل، وتحسين أداء المعلمين؛ ثانياً، اصطلاحات تقوم على الضغوط المالية وأدوات تحقيقها وإنجازها هي الزيادة من حجم النفقات العامة على المستويات الدنيا من التعليم على حساب التعليم العالي، وخصخصة التعليم الثانوي والعالي، والتخفيض من كلفة التلميذ في المستويات التعليمية كافة؛ وثالثاً وأخيراً، إصلاحات تقوم على مبدأ الأنصاف وتكافؤ الفرص التعليمية أمام الجميع (وازرمان، 2003).
كما بيّنت نتائج البحث وجود علاقة قوية ووثيقة بين العولمة والمعلوماتية والتربية، إذ اتضح أن اثر وسائل الأعلام الأجنبية المرئية والمسموّعة والمقروءة، وتصفح أبنائنا للشبكة المعلوماتية من دون نقد وتمحيص في ظل مخرجاتها المبهرة نتج عنه سلوكيات غريبة على مجتمعنا، فقد تدنّى مستوى العلاقة بين المعلم والمتعلم والتي وصلت إلى حدّ الإيذاء الجسدي، كما أن مشكلات الطلاب في تزايد كإثارة الشغب والعدوان والكذب والتأخر الدراسي والتسرب والفراغ والمخدرات والسرقة والاعتداءات والجرائم المختلفة، عدا عن ظهور عادات وتقاليد وثقافات وممارسات سلوكية خطيرة في مجتمعنا مخالفة لديننا الإسلامي كطقوس الأفراح وصرعات الموضة والأعياد المستحدثة (عيد الحب – عيد العمال – عيد الميلاد…إلخ). (فادن، 2006).
أما فيما يتعلق بالمنظومة القيمية وأثر العولمة فيها أتضح أن لها تأثيراً كبيراً وخطيراً سيعمل إن لم يتدارك الأمر، على تفتيت هذه المنظومة واستبدالها بمنظومة جديدة من القيم تعلي من شأن القيم النفعية والبرجماتية والفردية والأنانية والمادية، وتقتل الروح وتذهب بالمحتوى الأخلاقي والإنساني لسلوك الناس، وستقضي على الخصوصيات الثقافية إن تركنا لها الحبل على الغارب من دون أخذ الحيطة والحذر. وإن إصلاح ذلك يكمن في إيلاء التربية والتعليم مزيداً من العناية كماً وكيفاً، بإعادة النظر في مناهجنا والتدقيق في محتواها وفي الطرائق وأساليب التقويم والوسائل وتحديدها وجعلها مواكبة لعصر العولمة، وغرس مبدأ التعلم الذاتي في نفس المتعلم والتفكير الناقد لسلوكيات حياته اليومية والاهتمام بالبحث العلمي في مختلف المستويات والحقول المعرفية، والتمسك بالتراث الثقافي العربي والإسلامي.
وأخيراً نرى أن مؤسّسة التربية والتعليم ليست مصنعاً ثقافياً ومعرفياً فحسب، بل هي ظاهرة اقتصادية وسياسية وعسكرية يمكن من خلالها وبها الانطلاق نحو مستقبل أفضل. إن المؤسّسة التي تغرس الانتماء والولاء للأمة والوطن وتعمق الهوية والمواطنة، كما أنها في الوقت ذاته المؤسّسة التي تستطيع استيعاب كلّ مظاهر العولمة وآثارها وتنقيتها وأخذ الصالح والمفيد منها.

ثانياً: الخلاصة
إن تيار العولمة والمعلوماتية تيار جارف يسير نحو مقاصده بخطىً ثابتة ومن دون تردد وغير عابئ بالآخرين بحيث لا يمكن للممانعة أو للرفض المطلق أن يجبره على التوقف أو حتى على التباطؤ. لذلك فإن العولمة والمعلوماتية ستطرح علينا المهام الدقيقة والحساسة تتعلق بأفضل استراتيجيات المقاومة، خصوصاً تلك التي تسمح لنا بالتعامل مع العولمة من دون أن نكون لقمة سائغة لها. إن الانفتاح على العولمة والمعلوماتية في مستوياتها وأبعادها المختلفة أمر مرغوب فيه، بل ضروري، لكنه ينبغي أن لا يؤدي إلى المس بمقومات الهوية الثقافية العربية الإسلامية وثوابتها، وكذلك عدم المس بالخصوصية الوطنية لهذه الأمة. وبالمحصلة، فإن العولمة هي نظام شامل غير متجزئ ولا يمكن التعامل معها بانتقائية ومزاجية من دون بذل أي مجهود لتطوير الذات وتجديد الثقافة وتحديثها، لذا فإن على التربية وجميع المؤسّسات المسؤولة عن التنشئة الاجتماعية أن تتصدّى لسلبيات العولمة والمعلوماتية، وأن تهيئ الوسائل والأدوات المناسبة لحماية أبنائنا وتوعيتهم بمخاطر القنوات الفضائية والشبكات الحاسوبية المتعددة الاتجاهات، وأن تحصنهم داخلياً، وتزودهم بالمهارات العقلية وبالقيم الأخلاقية القادرة على الوقوف في وجه الثقافات الدخيلة (الحامد، 1419هـ).
وخلاصة القول، إن للعولمة والمعلوماتية تأثيراً واضحاً وجلياً، وأهم الجوانب التي تؤثر فيها العولمة الجوانب المتصلة بانفتاح الثقافات على بعضها البعض، لأن الثقافة الأقوى تسيطر على بقية الثقافات، وكذلك هناك تحديات اقتصادية وسياسية سوف تؤثر بطريقة مباشرة أو غير مباشرة على القرار السياسي تجاه فلسفة التعليم في ذلك المجتمع مما يترتب عليه إعادة النظر في أهداف التربية وسياساتها ومناهجها وبالتالي تقديم برامج تدريبية ومستمرة للإطلاع على كلّ ما هو جديد من طرق وأساليب ومعرفة تؤدي إلى الارتقاء بالمربين لمساعدة الطلاب في النهاية على التعلم الذي يؤهلهم للتكيف مع كلّ المستجدات على الساحة المحلية والعالمية وإعدادهم للتحديات والرهانات الحالية والمستقبلية .

أولاً:- المراجع العربية:
· ابن خلدون، عبد الرحمن (د.ت)، مقدمة ابن خلدون، ط 4، دار إحياء التراث العربي، بيروت – لبنان.
· احمد، جمال فتحي محمود (2003)، مفهوم العولمة وانعكاساته التربوية: دراسة تحليلية نقدية، أطروحة دكتوراه غير منشورة، كلية العلوم التربوية، جامعة اليرموك.
· آل عبد الله، إبراهيم بن محمد. (1998)، “التعليم والأمن في عصر العولمة”، مجلة المعرفة، العدد 53، الرياض، السعودية. (1420هـ).
· أمين، جلال (1998)، “العولمة و الدولة”، في كتاب العرب والعولمة، تأليــــف عزيز أسامة الخولي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت – لبنان.
· البطران، أشرف (2006)، “التربية العربية وتحديات العولمة”، مجلة رؤى التربوية، العدد العشرون، مركز القطان للبحث والتطوير التربوي، رام الله – فلسطين.
· بلقزيز، عبد الإله، ( 1998)، “العولمة والهوية الثقافية. عولمة الثقافة أم ثقافة العولمة؟”، مجلة المستقبل العربي، العدد 229.
· الجابري، محمد عابد (1998)، “العولمة والهوية الثقافية: عشر طروحات”، المستقبل العربي، السنة العشرون، العدد 228، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت.
· الجنحاني، الحبيب (1999)، “ظاهرة العولمة: الواقع والآفاق”، مجلة عالم الفكر، المجلد 18، العدد الثاني.
· جيتس، بيل(1998)، “المعلوماتية بعد الإنترنت طريق المستقبل”، ترجمة عبد السلام رضوان، عالم المعرفة، 231، الكويت.
· الحامد، محمد بن معجب (1419هـ)، “تطوير المناهج الدراسية بين الواقع والتطلعات”، ورقة مقدمة إلى اللقاء السنوي السادس المديري التعليم بابها، المعرفة، العدد 35، المملكة السعودية العربية.
· حجازي، أحمد مجدي (1999)، “العولمة وتهميش الثقافة الوطنية”، مجلة عالم الفكر، المجلد 18، العدد الثاني.
· حسيب، طه (2001)، العولمة وتأثيرها في المجتمع والدولة، مركز الاتحاد للدراسات والمعلومات، الإمارات العربية المتحدة.
· حنفي، حسن والعظم، صادق جلال (2002)، ما العولمة؟، دار الفكر، دمشق.
· الخليفي، عبد الرحيم (2003)، عن العلاقة بين العولمة والتربية والتعليم، مجلة الوحدة الإسلامية، السنة الثانية، العدد الخامس عشر، شباط 2003.
· خليل، خليل احمد والكبسي، محمد علي (2001)، مستقبل العلاقة بين المثقف والسلطة، دار الفكر، دمشق – سورية.
· الخوالدة، تيسير (2003)، “مستوى وعي أعضاء هيئة التدريس في الجامعات الأردنية بظاهرة العولمة وتصوراتهم لانعكاساتها على التعليم الجامعي”، أطروحة دكتوراه غير منشورة، جامعة عمان العربية للدراسات العليا، عمان – الأردن.
· الخولي، عزيز أسامة (1998)، العرب والعولمة، بحوث ومناقشات الندوة الفكرية التي نظمها مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت – لبنان.
· الخياري، عبدالله (1998)، “التعليم وتحديات العولمة”، مجلة فكر ونقد، العدد 12، الرباط – المغرب.
· روبيرتس، تيمونز وهايت، ايمن (2004)، ترجمة سمر الشيشكلي، من الحداثة إلى العولمة، عالم المعرفة، العدد 309، الكويت.
· السيد، رضوان وبرقاوي، أحمد (2001)، المسألة الثقافية في العالم العربي – الإسلامي، دار الفكر المعاصر، بيروت – لبنان.
· عبد الحي، وليد (2005)، أثر العولمة على حقوق الإنسان والحريات العامة، ورقة مقدمة إلى الندوة التي نظمها المركز الوطني لحقوق الإنسان بمناسبة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، مركز الحسين الثقافي – أمانة عمان الكبرى، عمان – الأردن.
· عبد الدائم، عبد الله (2000)، الآفاق المستقبلية للتربية في البلاد العربية، ط 1، دار العلم للملايين، بيروت.
· عبد الله، إسماعيل صبري (1998)، “العرب والعولمة، الاقتصاد والتنمية العربية”، في كتاب العرب والعولمة، تأليف عزيز أسامة الخولي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت – لبنان.
· علي، نبيل (1994)، العرب وعصر المعلومات، عالم المعرفة، العدد 184، الكويت.
· علي، نبيل (2001)، الثقافة العربية وعصر المعلومات: رؤية لمستقبل الخطاب الثقافي العربي، عالم المعرفة، العدد 276، الكويت.
· عماد، حامد (1995)، من همومنا التربوية والثقافية، القاهرة – الدار العربية للكتاب.
· عويدات، عبدالله (2001)، العولمة وأثارها، محاضرة أُلقيت بكلية الحرب والقيادة الملكية، عمان – الأردن.
· غليون، برهان وأمين، سمير (2002)، ثقافة العولمة، دار الفكر، دمشق.
· فادن، كوثر جميل (2005)، “مناهج التعليم في ظل العولمة: المحتوى والطريقة”، مجلة منتدى الأستاذ الجامعية، الجزائر، إبريل 2005.
· كيلش، فرانك (2000)، ثورة الأنفوميديا: الوسائط المعلوماتية وكيف تغير عالمنا وحياتك، ترجمة حسام الدين زكريا، عالم المعرفة، العدد 253، الكويت.
· مارتين، هانس بيتر وشومان، هارالد (2003)، ترجمة عدنان عباس علي، “فخ العولمة: الاعتداء على الديمقراطية والرفاهية”، عالم المعرفة، العدد 295، الكويت.
· المرزوقي، أبو يعرب وتيزيني، طيب (2001)، آفاق فلسفة عربية معاصرة، دار الفكر، دمشق – سورية.
· مرشو، غريغوار منصور والحسيني، سيد محمد صادق (2001)، نحن والأخر، دار الفكر المعاصر، بيروت – لبنان.
· المسيري، عبد الوهاب والتريكي، فتحي (2003)، الحداثة وما بعد الحداثة، دار الفكر، دمشق – سورية.
· موصللي، احمد وصافي، لؤي (2002)، جذور أزمة المثقف في الوطن العربي، دار الفكر المعاصر، بيروت – لبنان.
· وازرمان، جامع (2003)، عولمة التربية وتربية العولمة، محاضرة أُلقيت بدعوة من الفدرالية الوطنية لدعم الإصلاحات والمبادرات المحلية، فرع كلميم، يوم 15/11/2003 في مقر الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين كلميم السمارة.
· وطفة، علي اسعد (2002)، عولمة التربية العربية بعد الحادي عشر من سبتمبر: هل نحن أمام اجتياح تربوي منظم؟، شؤون عربية، العدد 111.

ثانياً:- المراجع الأجنبية:
Albrow, (1996). The global age, Cambridge: Policy Press.
Beck, U. (2000). What is globalization (translated by: Patrick Camiller). Polity Press, Cambridge.
Carnoy, Martin and Rhoten, Diana (2002). What does globalization mean for education change? A comparative approach, comparative education review, Vol. 46, No. 1
Dale, Roger. (2000). Globalization and education: demonstrating a common world education culture or locating a globally structured educational agenda? Education theory, Vol. 50, No. 1.
Postman, Neil (1992). Technology – the surrender of culture to technology, Vintage Books, U.S.A.
Robertson, Ronald (1992). Globalization, Sage, London

Print Friendly, PDF & Email