بقلم الدكتور وليد عبد الحي

يمكن وصف العلاقات السورية التركية بأنها علاقات “الأحجية”، فمنذ اتفاق أضنة عام 1998 بين تركيا وسوريا والذي ضبط العلاقات بين البلدين لاسيما في مجال الموقف من حزب العمال الكردستاني –المعارض الشرس لتركيا- ، تطورت العلاقات التركية السورية بدءا من ابعاد زعيم حزب العمال عبدالله اوجلان من سوريا في نفس عام الاتفاق ، مرورا باتفاقية التجارة الحرة بين البلدين عام 2004 وبروتوكولات عام 2009 التي شملت قطاعات مدنية وامنية ودفاعية، وانعكس ذلك بارتفاع حجم التجارة بين البلدين من 400 مليون عام 2004 الى 2 مليار و200 مليون عام 2010 (قبيل الازمة السورية المعاصرة) ، بل إن 40% من المستثمرين في مدينة حلب السورية هم من الاتراك، وهو ما جعل تركيا تتبادل المركز الاول مع الصين في الشراكة التجارية لسوريا.

ورغم ان العلاقات التركية السورية عرفت بين الحين والآخر توترات أخرى مثل ظهور موضوع لواء اسكندرونة بين الحين والآخر في بعض الأدبيات السياسية السورية وفي حدود ضيقة، او موضوع السدود التركية على نهر الفرات، والذي اعتبرته سوريا عملا يؤثر على نصيبها من مياه النهر، الا أن هذه الجوانب لم تؤثر على الاتجاه العام لتطور العلاقات بين البلدين في حينها.

وفي تقديري أن التدخل التركي في الشأن الداخلي السوري نتج عن حساب خاطئ يمكن تلمسه في كتابات رئيس الوزراء التركي السابق احمد داود أوغلو بخاصة كتابه ” العمق الاستراتيجي” الذي يتركز على كيفية توظيف الارث التاريخي والموقع الجغرافي لتعزيز المكانة التركية في الساحة الدولية، واعتقد –الى حد بعيد- أن تطبيق أوغلو لما ورد في كتابه أثناء توليه منصب رئاسة الوزراء التركية لعب دورا في تعقيد العلاقات السورية التركية ويكفي تأمل الصفحات ال 46 التي اضافها اوغلو في النسخة العربية على النسخة التركية من كتابه ، حيث تركزت هذه الصفحات على تطور السياسة الخارجية التركية من 2001 الى 2010.

وبعد كل ما جرى، ووعود اردوغان خلال فترة استعار الأزمة السورية بالصلاة في المسجد الاموي خلال اسابيع، برزت خلال السنوات الثلاث الماضية بعض نقاط التقارب “غير المباشر” بين تركيا وسوريا ، وهو ما يتضح في الجوانب التالية:

1-العلاقة مع روسيا :
بعد حادث اسقاط الطائرة الروسية من قبل الطائرات الحربية التركية في الاراضي السورية عام 2015، بدات العلاقات التركية الروسية حوارا تدريجيا انتهى الى اتفاق بين الدولتين على شراء تركيا واحدة من منظومات الصواريخ الروسية المتطورة وهي اس اس 400، وتعددت اللقاء “والاطراء” من قادة الدولتين للآخر، واعتقد بأن سوريا تراهن سرا على ان تتمكن روسيا من ” تهذيب ” الموقف التركي تجاه سوريا تدريجيا.

2-العلاقة مع ايران:
رغم رهان أغلب الدراسات الغربية على صدام ايراني تركي، الا أن عقلانية اتخاذ القرار في الدولتين جعلهما قادرتين –رغم بعض لحظات التوتر- على إدارة الازمة بينهما بشكل قلص المسافة السياسية بينهما بشكل كبير بل وتطورت العلاقات التجارية بينهما بشكل ملموس، ولعل هذا التطور في العلاقة هو ما قد تراهن عليه سوريا في تشكيل عامل ” تهذيب” آخر للسياسة التركية تجاه سوريا ولو في حدود.

3-الموقف من اسرائيل:
إن توتر العلاقات التركية الاسرائيلية في مناسبات عدة، ثم الاعلان التركي عن الرفض لموضوع اعتبار القدس عاصمة ابدية لاسرائيل ورفض اعتبار الجولان جزءا من اسرائيل تشكل ” نقاط هادية” في ظلمة نفق العلاقات السورية التركية رغم طول النفق.

4- -الموقف من الاكراد:
يمثل النزوع الكردي لممارسة حق تقرير المصير –ولو بمستويات مختلفة في مناطق تواجدهم في ايران والعراق وسوريا وتركيا-، فان تركيا تمثل المنطقة الاكثر سخونة في هذا المجال لا سيما مع المساندة الامريكية الاسرائيلية وبعض الاوروبية لهذا النزوع، ولا شك ان وحدة سوريا ونزع السلاح من كل الفصائل الكردية السورية هو هدف يجمع الرغبة السورية والتركية ، وهو ما يوسع مساحة التلاقي بين الحكومتين.

5–حجم العلاقات التجارية بين سوريا وتركيا قبل الازمة:
لا شك ان الاقتصاد السوري يعاني من الازمة، لكن الاقتصاد التركي بدأ هو الآخر يعاني في الفترة الاخيرة (ويكفي تتبع سعر الليرة التركية خلال الشهور الماضية)، وهو ما يحيي ذاكرة التجار الأتراك عن فترة انتعاش التجارة التركية السورية بعد اتفاق أضنة، وادراكهم ان التجارة القائمة على التهريب من خلال التنظيمات المسلحة لا يشكل قاعدة قابلة للارتكاز عليها.
6–الرفض الأوروبي لتركيا:
من الواضح ان الأوروبيين لا يبدون اية مؤشرات ايجابية لقبول تركيا عضوا في الاتحاد الاوروبي لا سيما بعد ظاهرة البريكست البريطانية، وهو ما يجعل تركيا تبحث عن مجال حيوي لن تجده الا في آسيا الوسطى والجوار العربي، وهو ما يعيد احياء فكرة تصفير المشاكل التي روجها اوغلو لكنها تورط في تطبيق غير متوازن لها.

7 -العلاقات غير المستقرة مع الولايات المتحدة:
لعل المساندة الامريكية الاسرائيلية للأكراد، والضغوط على تركيا لتقليص علاقاتها مع ايران ومع روسيا وتخفيف توجهاتها ضد اسرائيل(رغم علاقاتها التجارية المتطورة مع اسرائيل)، ناهيك عن ضغوط ترامب في موضوع السياسات الدفاعية والانفاق العسكري لدول الناتو..الخ، تجعل المساحة للعلاقة التركية السورية اكثر اتساعا على قاعدة عدو عدوي.

8- الشعور التركي ان الحكومة السورية تقف على مشارف استعادة السيطرة :
لعل معظم دول العالم بدات تشعر بأن الحكومة السورية تجاوزت مرحلة السقوط، ولن يتكرر المشهد الليبي فيها، هو ما يستوجب على السياسة التركية الانتقال من التفكير الرغبوي الى التفكير الواقعي.

في مواجهة هذه النقاط الثماني ، هناك نقاط تباين لا سيما في نطاق ترتيب الوضع الداخلي في سوريا( لجنة صياغة الدستور ومدى مساهمة الاخوان المسلمين السوريين فيها)، ناهيك عن الذيول السيكولوجية بين القيادتين في البلدين وكيفية ترتيب الامور الحدودية بين الطرفين ، الا أن العودة لاتفاق أضنة يبدو هو الحل المحتمل ولكن على اساس أن يتم الاتفاق على جانبي الحدود التي تمتد لحوالي(800) ثماني مئة كم، أي مثلما تعمل سوريا على ضبط حدودها والامتناع عن السماح لاية جماعات مناهضة لتركيا من العمل في اراضيها ، على تركيا ان تضبط حدودها وتمنع جماعاتها المسلحة من العمل ضد السيادة السورية، واذا كان من حق تركيا التوغل لمسافة خمس كيلومترات في الاراضي السورية ، فمن حق سوريا –ولو نظريا – ان تتدخل ضد اية جماعات تعمل ضدها من الاراضي التركية.

الخلاصة : ارى ان العلاقات التركية السورية ستعرف تغيرا جديا ولكن بالتدريج وبطرق ملتوية سرية وعلنية، ولعل اللقاءات “الامنية” هي مقدمة على طريق التقارب قد تليها خطوات على طريق دبلوماسية البنغ بونغ، أو على غرار خطوات الحب عند الشاعر احمد شوقي : نظرة فابتسامة فسلام فكلام فموعد فلقاء” …ربما

 الدكتور وليد عبدي حاصل على درجة الدكتوراه في العلاقات الدولية من جامعة القاهرة عام 1980، عمل في معهد العلوم السياسية والعلاقات الدولية في جامعة الجزائر خلال الفترة 1982-1994؛ أستاذاً للدراسات المستقبلية، وشغل منصب رئيس قسم العلوم السياسية في جامعة اليرموك خلال الفترة1996-1998، ويعمل حالياً في قسم العلوم السياسية في جامعة اليرموك وجامعة آل البيت، الأردن. كما أنه عضو في العديد من الجمعيات الأكاديمية؛ مثل الجمعية العربية للعلوم السياسية وجمعية مستقبل العالم  (World Future Society) في واشنطن، وشارك في مؤتمرات عديدة.

ألَّف العديد من الكتب والدراسات المتخصصة في الدراسات المستقبلية والعلاقات الدولية، وأبرز مؤلفاته: “معوقات العمل العربي المشترك”، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت 1987. و”الدراسات المستقبلية في العلاقات الدولية”، الرباط 1992. و”موسوعة العلوم السياسية” (قسم الدراسات المستقبلية)، الكويت 1993. و”تحول المسلمات في العلاقات الدولية: دراسة مستقبلية”، الجزائر 1994. و”مستقبل الفكر الصهيوني”، جامعة اليرموك 1997. و”الدراسات المستقبلية في المدرسة الأردنية”، الأردن 1999. وترجم عدداً من الكتب أبرزها كتاب “النظريات المتضاربة في العلاقات الدولية”، الكويت 1985. وكتاب “الصغر خطر: دويلات في عالم كبير”، دمشق 1989. وله العديد من الدراسات المنشورة في المجلات العلمية المتخصصة منها: ملامح النظام الدولي الجديد وأثره على الوطن العربي، جامعة الجزائر 1994. وتوجهات السلوك السياسي للدول الكبرى في الأمم المتحدة، مجلة العلوم الاجتماعية، جامعة الكويت 1986. وأثر التغيرات في النظام الدولي المعاصر على مستقبل الوظيفة الإقليمية لإسرائيل، شؤون عربية 1991. وتطوير استخدام تقنية دلفي في الدراسات المستقبلية، مجلة دراسات المستقبل، جامعة أسيوط 1997.