أحداث الجنوب.. التقصير والتضليل

عبد العزيز غرمول

اختلفت الآراء حول ما يحدث في الجنوب، مثلما اختلفت السياسات التي أدارت هذا الجنوب خلال السنوات الماضية، سواء في الزمن المسالم أو في زمن الاحتجاجات، وفي هذه الاختلافات ظهر بشكل واضح ضعف الوعي، وضعف النظرة الشاملة لهذا الجنوب الذي قضى عشرين سنة يرفع نفس المطالب، ويشعل الاحتجاجات من حين لآخر، دون نجاح كبير سواء في تحقيق مطالبه أو رفع الوعي الوطني بأسباب وعوامل احتجاجه رغم التعاطف الشعبي الوطني معه.

لندع العواطف جانبا وننظر للمسألة سياسيا.

* علينا التخلص من فكرتين تضليليتن سائدتين في هذه المسألة، فكرة أن الجنوب مظلوم، وفكرة أن الجنوب يتميز بثروات طبيعية لا يستفيد منها أهله. هاتين الفكرتين تدلان إما على سذاجة غير محتملة أو تشويه (هو أيضا غير محتمل) للواقع. لأن الجنوب ليس حيزا جغرافيا ولا سوقا اقتصاديا، هذا الجنوب هو الجزائر التي لها شمال وشرق وغرب، وبالتالي من التضليل، أو ربما من التحريض المقصود، تحديد الجنوب كجهة بالنسبة لباقي جهات الوطن.

* الحقيقة الثابتة هي أنه لا يوجد تهميش للجنوب، هناك تهميش لكل جهات الوطن، وفشل سياسي شامل لتسيير وإدارة المجتمع الجزائري، ويكفي أن الإحصائيات الرسمية عددت أكثر من 1500 منطقة ظل (أو منطقة ذل كما يسميها الجزائريين) هذا إذا صدقنا الإحصائيات الرسمية، وهي مناطق تعاني كلها من نقص فادح في المتطلبات الأساسية للحياة، من البنى القاعدية إلى تلبية الحاجات الضرورية للسكان إلى توفير الخدمات إلى…

* الملاحظ في هذا الوضع غير العادي أن المطالب نفسها التي يرفعها شباب الجنوب يعاني منها كل شباب الوطن ويمكن تطبيقها على كل المناطق، مع فارق بسيط أن المدن الكبرى تتوفر فيها فرص أفضل قليلا بحكم الكثافة السكانية والحركية التجارية التي تتطلبها هذه الكثافة، ولا علاقة للدولة ولا السياسة بهذا التفضيل. ونعتقد أن خصوصية الجنوب تكمن في تفضيل أو امتياز آخر تفرضه المساحة الجغرافية والخصوصية الطبيعية، وهذه مطالب أخرى.

* المشكلة في الجنوب ليست مشكلة مطالب اجتماعية يمكن أن يتحقق بعضها لتهدئة الاحتجاجات، وهي تهدئة مؤقتة بحكم تطور وتعدد المطالب، وإنما المطلوب هو سياسة شاملة تتماشى مع تعدد وتطور هذه المطالب. وترتكز هذه السياسة على برامج تنموية دائمة ومدروسة تُؤمّن الحياة الطبيعية في تلك المناطق، وتحقق توازن جهوي في الاقتصاد كما في تكافئ الفرص، وتوفير مناخ ملائم للاستثمار والحركية التجارية بين الشمال والجنوب، وبين ولايات ومدن الجنوب نفسها.

* على النظام، وحكوماته المتعاقبة الاعتراف بالفشل السياسي المزمن الذي تدير به شؤون الشعب الجزائري. لقد توقفت مخططات وبرامج التمنية في كل الولايات، واقتصرت الميزانيات السنوية للولايات على إدارة مطالب الاستهلاك كالرواتب والتسيير اليومي للمؤسسات وتلبية المطالب العاجلة التي تفرضها في كثير من الأحيان الاحتجاجات الشعبية… حتى المشاريع الكبرى التي كانت تمنح للولايات (كالمناطق الصناعية مثلا) لا يتم توفير الميزانيات لها ولا الإرادة السياسية لتجسيدها، وتحولت بمرور الوقت من آمال تشيد بها وسائل الإعلام إلى أوهام مسكوت عنها…

أمام هذه الحقائق علينا التوقف قليلا لرؤيتها في مجملها، بوعي سياسي وفكري، يتجاوز خطاب الاستعداء والكراهية الذي يصب في جهود التفرقة والتمييز التي تنتشر بطرق مختلفة في واقعنا الفاسد الذي يزيدنا فسادا على فساد.

SAKHRI Mohamed
SAKHRI Mohamed

أنا حاصل على شاهدة الليسانس في العلوم السياسية والعلاقات الدولية بالإضافة إلى شاهدة الماستر في دراسات الأمنية الدولية، إلى جانب شغفي بتطوير الويب. اكتسبت خلال دراستي فهمًا قويًا للمفاهيم السياسية الأساسية والنظريات في العلاقات الدولية والدراسات الأمنية والاستراتيجية، فضلاً عن الأدوات وطرق البحث المستخدمة في هذه المجالات.

المقالات: 14301

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *