ثار مترشحون وأحزاب سياسية على قانون الانتخابات، بعدما أقصي البعض وقلص تواجد آخرين في عدد من البلديات والدوائر، سواء برفض ملفات مترشحين أو حتى موقعين. ودفع كل ذلك البعض إلى التشكيك حتى في مدى قدرة السلطة الوطنية المستقلة على استرجاع الثقة بقانون “جاء ليغيب المترشحين بعدما غاب الناخبون”.

خيارات سياسية وأخرى تقنية!

كان خيار المشاركة من عدمها (بالمقاطعة أو الانسحاب) عند الإعلان عن الموعد الانتخابي، سياسيا محضا، وليس تقنيا، لبعض الأحزاب، خاصة منها التي قاطعت الانتخابات التشريعية لـ 12 جوان 2021، على غرار جبهة القوى الاشتراكية، والتجمع من أجل الثقافة والديمقراطية، حزب العمال، الحركة الديمقراطية الاجتماعية، حزب الاتحاد من أجل الرقي والتغيير. فقد رأى البعض أنه “من المحرج لها” اتخاذ موقفين مختلفين من موعدين انتخابيين متطابقين في المعطيات السياسية (تقريبا).

ولهذا وجهت لجبهة القوى الاشتراكية انتقادات “لاذعة” لقرارها المشاركة، ولهذا أيضا شهد المجلس الوطني لحزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية أجواء “ملتهبةً” قبيل قراره المقاطعة.

وعلى غرار “الأرسيدي”، فقد كان لحزب العمال موقف سياسي من انتخابات 27 نوفمبر، فرغم أنه كان “أقل حدة”، بدعم المناضلين الراغبين في الترشح فرادى، إلا أنه رسم مشهدا “قاتما” للظرف السياسي والإعلامي وللحريات الفردية والجماعية، على لسان أمينته العامة لويزة حنون، والتي تجعل الشروط “غير مستوفاة” لتنظيم انتخابات، فضلا عن الترشح لها.

وبعد المواقف السياسية، جاء الوضع الداخلي لكل حزب ليؤثر بشكل كبير على قراره الأخير بشأن الانتخابات المحلية. وأول المعطيات تلك المتعلقة بالنتائج المحققة خلال تشريعيات جوان، والتي “صدمت” بل و”هزت أركان “أحزاب سياسية”، ودفعت أخرى إلى إعادة ترتيب بيوتها.

في هذا الشأن، صرح رئيس حزب طلائع الحريات، رضا بورنان، لـ”الخبر السياسي”، أن “نتائج تشريعيات 2021 كان لها أثر سلبي على معنويات المناضلين”، وهذا، يضيف:”رغم تحقيق الحزب نجاحا كبيرا بالتمكن من دخول الانتخابات في 48 ولاية وثلاث مقاطعات”. كما اعتبر المتحدث أن النتائج “أثرت على معنويات كل مواطن بتسجيل نسبة مشاركة بـ23 بالمائة فقط”.

ومن الأسباب التي تمخض عنها قرار المقاطعة، حسب بورنان، “وضع الأولوية في تنظيم الصفوف وعقد المؤتمر، خاصة بعد الظروف التي شهدها الحزب، من استقالة رئيسه علي بن فليس، وتنصيب هيئة وطنية لتولي الرئاسة، ثم لجنة وطنية لتحضير المؤتمر ومشاكل أخرى داخلية”، كلها، يقول “ساهمت في اتخاذ الحزب قراره بالانسحاب من انتخابات 27 نوفمبر”.

مقصلةُ قانون الانتخابات!

اتخاذ موقف سياسي بالمشاركة، والتنظيم والتغلب على المشاكل الداخلية، لم تكن سوى طريق نحو عقبة أخرى وهي “قانون الانتخاب”، الذي صفى مترشحين وأحزابا أخرى، ودفعها للانسحاب من سباق الانتخابات، إذ جاء الدور على أحزاب النهضة وطلائع الحريات لتعلن “تمردها” على القانون الذي وصفوه بـ”المقصلة”.

وأغلب المآخذ على القانونمتعلقة أولا بنصه وثانيا بتطبيقه من طرف السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات، حيث اعتبر مترشحون شرط التوقيعات “تعجيزيا”، كونه يقضي بجمع 800 ألف توقيع وطنيا، أو 35 عن كل مقعد مراد شغله في الدائرة. أما العامل الثاني فهو الإقصاءات التي وصفت بـ”غير المبررة” لمترشحين، وعدم دراسة الطعون بجدية، وعدم قبول توقيعات ناخبين، وغيرها.

في هذا الشأن، يؤكد رضا بورنان أنه “بعد الأسباب المتعلقة بالظرف الداخلي والخارجي للحزب”، فإن “قانون الانتخاب عزز القرار بالانسحاب، رغم اتخاذ الحزب خطوات رفقة أحزاب أخرى، لتخطيه، من بينها التوجه بطلب للسلطة الوطنية المستقلة للانتخابات وآخر لرئيس الجمهورية،لإعادة النظر في القانون الذي يحرم الأحزاب والمترشحين من المشاركة تقنيا”. وأفاد بورنان بأن “القانون ليس منصفا، هناك نواب في تشريعيات جوان دخلوا البرلمان بمائة صوت فقط”، مفيدا بأن “العراقيل القانونيةتحول دون تحقيق الهدف العام وهو دخول الجزائر الجديدة”.

من جهته، اعتبر الأمين العام لحركة النهضة، يزيد بن عائشة، في تصريحه لـ”الخبر السياسي”، أن “الحزب طالب بتعديل صياغة القانون ومراجعته بما يساعد على تحقيق انتخابات تجسد الشفافية”، خاصة، يقول، “بعد التعسف في استعمال ذات القانون في تشريعات لإسقاط قوائم وتوقيعات بشكل مجحف، بالإضافة إلى الوضع السياسي العام الذي كان غير مناسب في غياب التوافق والحوار الجدي الذي يفضي إلى إيجاد خريطة الطريق في التحول الديمقراطي، وتجاوب الشعب مع الإرادة السياسية”.

كما عاد بن عائشة للحديث عن لقاء الأحزاب الـ14 مع رئيس السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات، “ولم يكن هناك رد على الانشغالات المرفوعة”.

وبعد تلك الخطوة، انتقلت الأحزاب، حسب محدثنا، إلى رئاسة الجمهورية “ولم تلق أيضا أي رد”.

كما اعترف المتحدث بتأثير نتائج تشريعيات جوان على الحزب، خاصة “بعد رفض منح محاضر في بعض الولايات، وإسقاط توقيعات، وتعقيدات تقنية أخرى، بما يعطي انطباعا بأن من حرر قانون الانتخاب يعيش في واقع غير الواقع الجزائري، وتصير المنافسة، بذلك، غير شريفة، ولا تحفز على المشاركة”.

أما عن قدرة أحزاب أخرى على المشاركة، فقال نفس المصدر إن “الإمكانيات والوسائل المتوفرة لدى كل حزب هي أيضا عامل من بين عوامل أخرى كثيرة تحدد قرار كل حزب”.

ويأتي هذا، حسب ممثل حزب النهضة، “في وقت واجهتنا صعوبات أخرى متعلقة بالواقع المجتمعي الذي فيه عزوف كبير للمواطنين عن الترشح أو إعطاء الأصوات أو حتى إيلاء أهمية للموعد الانتخابي برمته، نظرا للظروف المعيشية والصحية ونتائج الانتخابات التشريعية”، منتهيا إلى الاستنتاج بأن “العملية الانتخابية فقدت بريقها بحمل أمل للتغيير في المستقبل”.

مشاركون لكنهم ساخطون..

لم يقتصر التذمر من قانون الانتخاب على المنسحبين من محليات 27 نوفمبر 2021، ولكن تعداه إلى المشاركين ممن اعتبروا أنه “قانون حرمهم من دخول المعترك الانتخابي في جميع الدوائر والبلديات”. وأكثر الأحزاب “سخطا” على القانون من بين تلك المشاركة، حركة مجتمع السلم، حيث اعتبر عضو المكتب التنفيذي الوطني لـ”حمس”، ناصر حمدادوش، أنه “لا يوجد من تفسير لعمليات الإقصاء بهذا الحجم وبهذه الطريقة إلا الإمعان في ضرب الديمقراطية وعدم المبالاة بالإرادة الشعبية لإفساد المنافسة الانتخابية”، وبالتالي، يضيف، “تهديد شرعية مؤسسات الدولة المنتخبة، وهو ما سيؤثر سلبا في مشروعية أدائها مستقبلا”.

وحسب المتحدث، فإنه “لا مبرر للإقصاء من الناحية القانونية، إذ أنها تستند إلى مجرد تقارير أمنية، واتكاء على مجرد شبهات، واتهام بقضايا لم يفصل فيها القضاء بأحكام نهائية سالبة للحرية”. وذهب إلى القول إن “أغلب مبررات الإقصاء، خطر على الأمن العام، شبهة المال السياسي الفاسد، التأثير على الناخبين، عدم التسجيل في الهيئة الناخبة (رغم أنهم يملكون بطاقة الناخب وتم التصويت بها سابقا)”.

وفي بيان له، أدان حزب صوت الشعب، أيضا، “إقصاء مترشحين في القوائم الانتخابية بطريقة تعسفية ودون إثباتات قوية لمصالح سياسوية”، و”رفض عدد معتبر من توقيعات استمارات الترشح بحجة عدم التسجيل في الهيئة الانتخابية، مع أن المعنيين يحوزون على بطاقة الناخب في الدائرة المعنية وشاركوا في الاستحقاقات السابقة”. ومن ذلك، ذكر الحزب أن “ما تتعرض له العملية الانتخابية من تجاوزات وخروقات يضع الإرادة السياسية لرئيس الجمهورية والوفاء بالتزاماته من أجل احترام الإرادة الشعبية وأخلقة الحياة السياسية موضع ريبة من التطبيق السليم والدستوري لمواد القانون”.

وكذلك اعتبرت جبهة العدالة والتنمية، التي “تركت الحرية للولايات والبلديات التي تريد المشاركة في المعترك الانتخابي”، ولكنها بالقابل “قررت أن المؤسسات الرسمية للحزب غير معنية بالانتخابات”، وهذا بسبب “الصعوبات التي واجهتها في عملية جمع التوقيعات المطلوبة من أجل الترشح وقانون الانتخابات الذي لا يساعد على المشاركة، وأدى إلى إقصاء العديدين”.

بين العقوبة والعقبة

لطالما واجه المترشحون والأحزاب السياسية مؤاخذات حول غياب عن المشهد السياسي وعن المواطن، وظهوره الفجائي فقط في المواعيد الانتخابية، وهي الممارسات التي جعلت المقاطعة لدى كثير من الجزائريين أكثر من مجرد “رفض ظرفي لعملية انتخابية”، ولكن “عقيدة سياسية”. فهل يمكن لقانون الانتخابات أن ينفض الغبار عن الأحزاب “الراكدة” ويدفعها لأن تتواجد أكثر؟

هذا ما رآه أستاذ القانون، والناشط السياسي، والمترشح لتشريعيات جوان 2021 كمترشح حر، منير قتال، في تصريحه لـ”الخبر”،حيث قال إن”ضعف الأحزاب السياسية في وضع برامج مقنعة وهادفة تستهدف كل شرائح المجتمع، ناهيك عن التصدعات والانشقاقات وبعض الممارسات اللامسؤولة لبعض الإطارات الحزبية، أدى إلى تصحر الجو السياسي وضعفه وإلى المزيد من الهشاشة السياسية”. وكتحصيل حاصل، قال المتحدث إن “الأحزاب كثيرا ما تتسول الترشيحات، إضافة إلى فشلها العجيب في جمع استمارات اكتتاب التوقيعات، وخير دليل على ذلك عجز الكثير من الأحزاب عن دخول الانتخابات المسبقة المزمع إجراؤها شهر نوفمبر القادم”. وعليه، أضاف قتال “كان قانون الانتخابات الجديد بمثابة عقاب لهذه الأحزاب الكسولة البعيدة كل البعد عن الميدان وما يتطلبه من آليات لأي نجاح في أي مجال. فغياب التجارب السياسية والرؤى وفقدان الثقة أسس بالفعل لأحزاب كسولة همها فقط نشر الصور على الحوائط وصناعة شعارات رنانة، كفيل هو الزمن بإزالتها”.

تعزيز لمصداقية الانتخابات أو ضرب لها؟!

لا شك أن الهدف الأول لقانون الانتخابات هو استرجاع مصداقية الانتخابات، وإعادة الثقة بين الحاكم والمحكوم في هذه الآلية الديمقراطية. وهنا، يطرح سؤال جوهري حول الانعكاسات التي سيحدثها القانون، والإجراءات المطبقة بصرامة حول إقصاء المترشحين، وما تلاه من انسحاب أحزاب سياسية، في المواعيد الانتخابية المقبلة؟

عن ذلك، قال رئيس حزب طلائع الحريات، رضا بورنان، إن “هدف الحزب هو المصلحة العليا للبلاد”، وأن “ترتفع نسبة المشاركة حتى في ظل غيابه عنها”. وهذا، يضيف، “لإعطاء كل مواطن جزائري الحق في التعبير عن إرادته وعن اختيار ما يراه مناسبا، كون الهدف الذي يجب أن يكون مشتركا بين الجميع، بمن فيهم الأحزاب موالاة أو معارضة، هو إنجاح الانتخابات، بنتائج شفافة وتعبر عن الحقيقة”.

ومع ذلك، رفض بورنان إطلاق صفة “انتخابات ناقصة شرعية”، أو “فاقدة مصداقية” على محليات 27 نوفمبر 2021، وقال “إننا نطمح لأن تكون فيها منافسة وعرسا وطنيا كبيرا، وهذا صعب في ظل إقصاء وعزوف سيؤثر حتما على النتائج الحقيقية”.

وبأقل تحفظ، قال الأمين العام لحركة النهضة، يزيد بن عائشة:”نريد أن نعطي مصداقية للعمل السياسي من ناحية وللعملية الانتخابية في حد ذاتها، وللشرعية السياسية المرتبطة بالمشاركة”، وبالتالي، يضيف، “إذا كانت المشاركة ضعيفة جدا، فإن هذا يؤثر على الشرعية وكذا على الفعالية، ما زلنا في أنظمةمهيمنة ومتحكم فيها بشكل لا تكون المؤسسات المنتخبة هي التي تقرر”.

وبلغة حادة، قال القيادي في حركة مجتمع السلم، ناصر حمدادوش، إن تلك الممارسات بالإقصاء “غير المبرر”، من شأنها أن “تطعن في نزاهة العملية الانتخابية مسبقا، وتثبت عدم استقلالية وسيادة السلطة المستقلة للانتخابات”. وذهب المتحدث إلى القول إن “هذا ما اعتبرناه تحكما مسبقا في نتائج الانتخابات، وهندستها على مقاس الإرادة السياسية للسلطة وليس وفق الإرادة السياسية للشعب”. وأكثر من ذلك، اعتبر ممثل “حمس” أن “ما آلت إليه العملية السياسية والانتخابية في البلاد سيدفع الكثيرين للتفكير الجدي والاستراتيجي في تنويع أساليب الإصلاح المجتمعي والتغيير السياسي السلمي بوسائل وأساليب إبداعية جديدة، تتجاوز الأطر الحزبية والمجتمعية التقليدية”.