د.محمد عبدالرحمن عريف

نعم كانت نقطة البداية مع نظام الشاه الذي استثمر أحداث العراق الداخلية، وما حدث من انقلاب سياسي وتحول من النظام الملكي إلى الجمهوري، ليطالب بترسيم الحدود في شط العرب بالاعتماد على خط الثالوك. هنا رد رئيس الوزراء العراقي، عبدالكريم قاسم، بالمطالبة بإقليم خوزستان (عربستان) ووصل الأمر إلى اشتباكات محدودة على الحدود بن البلدين لكنها لم تتطور إلى حرب واسعة.

الواقع أن المشكلة ظلت معلقة طوال عقد الستينيات وفي 1964 اتفقت الحكومتان الإيرانية والعراقية على استئناف المباحثات في طهران حول المشاكل الحدودية ومشكلة “شط العرب” وظلت هذه المحادثات متعثرة لأربع سنوات دون نتيجة واضحة. في عام 1969 استغل الشاه ضعف النظام البعثي الجديد الذي كان قد وصل إلى السلطة قبل عام واحد فقط، وقام بالغاء معاهدة 1937 من جانب واحد، كما قامت إيران بتحشيد قواتها العسكرية البرية والجوية والبحرية على طول خط الحدود بين العراق.

ما حدث هو أن فرضت إيران أمراً واقعاً على الملاحة في شط العرب بمعزل عن اشتراطات المعاهدة السابقة، معلنة أنها ستعتبر المياه العميقة وسط النهر (خط الثالوك) حداً لتقاسم السيادة على الممر المائي، ولم تقم الحكومة العراقية برد واضح إلا أنها وجهت أنظارها نحو ميناء أم قصر وخور الزبير كمنافذ على الخليج. في 6 آزار (مارس) 1975، وقع شاه إيران محمد رضا بهلوي ونائب الرئيس العراقي صدام حسين اتفاق مصالحة في الجزائر. ونص الاتفاق على تسوية الخلاف الحدودي بين البلدين حول شط العرب والمناطق الحدودية الأخرى.

عقب الثورة الإيرانية تصاعدت التوترات بين البلدين وبدأت نذر الحرب تلوح في الافق مع تصاعد التدخلات في الشؤون الداخلية بينهما تقديم بغداد وطهران دعماً لأطراف المعارضة في البلد الاخر، فضلاً عن الحملات الإعلامية. فقد دعت إيران إلى اسقاط نظام صدام حسين وتصدير ثورتها الاسلامية إلى العراق، كما حدثت اشتباكات حدودية بين البلدين واتهامات متبادلة بقصف المدن والقصبات الحدودية، وصلت ذروتها في الرابع من ايلول (سبتمبر) حيث اتهم العراق إيران بقصف مناطق حدودية في خانقية ونفط خانه. كما اتهم إيران باستخدام الطائرات لقصف المناطق الحدودية العراقية، قائلاً أنها اسقط بعضها وأسر أحد طياريها.  

 طالب النظان العراقي إيران أن تكف عن التدخل في الشؤون الداخلية للعراق. لكن إيران أدانت ذلك واعتبرته اعلاناً للحرب عليها. وفي 22 أيلول (سبتمبر) دفع صدام حسين بقواته إلى داخل الأراض الايرانية لتبدأ حرب ضروس بين البلدين عدت الأطول في القرن العشرين وأحد أكثر حروبه دموية.

 مرت السنوات وجاءت الأحداث السنوات الأخيرة متشابهة، فكشف النزاع على الحدود اليمنية السعودية، أن للقوى الأجنبية دوراً بارزاً في طمس الحقوق، لقد كان للمفاوضات كأحد وسائل حل المنازعات دور فاعلاً في كسر الجمود والفتور في علاقة البلدين، فسبق أن كانت المفاوضات هي الخطوة الأولى، نحو ترسيم الحدود الدولية بين البلدين وبأسلوب متفق عليه مبني على التراضي يمنح الحدود الدوام والاستمرارية.

نعم بين الحين والآخر نتابع عبر الأخبار وعناوين الصحف، عن كارثة عبر الحدود الجنوبية السعودية، وأن قوات الدفاع الجوي السعودي، قد اعترضت صاروخاً باليستياً أُطلق في اتجاه مدينة “جازان” جنوب المملكة، ما أدى إلى تدميره وتناثر شظاياه على أحياء سكنية، وأن الصورايخ أطلقت بطرق مُتعمدة لاستهداف المناطق المدنية والآهلة بالسكان.

وسط ذلك تتدحرج أحداث حرب السعودية وحلفائها على اليمن باتجاهات ووقائع جديدة يفرضها الإصرار السعودي على الإستمرار في الحرب والإقدام على المزيد من القصف الجوي والبري للمواقع الحوثية، دون أفق وأهداف واضحة وتاريخ متوقع لإنهاء الحرب، الأمر الذي يفتح القتال أمام احتمالات جديدة، ليس آخرها التدخلات المحدودة للقبائل اليمنية في محافظتي نجران وجازان السعوديتين، والرد السعودي بضرب أماكن مدنية لا تردع الطرف المقابل عن الإقدام على المزيد من الهجمات. فقد دخلت الحرب مرحلة طويلة، ولم يسجل أي تغيير في استراتيجيات وتكتيكات الهجمات التي تنفذها السعودية وحلفاؤها.

نعم في قراءة بسيطة للحروب التاريخية نفهم أن الضربات عن بعد لا تحسم أي حرب حتى لو كانت غير متكافئة القوى، باستثناء تلك التي تستخدم فيها الأسلحة المحرمة دولياً والمعدة للإبادة الجماعية، أما في المقلب الثاني فالطرف اليمني يبدو أنه يفهم جيداً أن الطرف المهاجم لا يريد ذلك، لكن التهديد الذي يواجهه الجيش والقوات الشعبية المتمثل بالوجود في الشرق يؤخر استفادة اليمنيين من ورقة القوة التي بين أيديهم وهي المبادرة إلى الهجوم البري على الطرف السعودي، الأمر الذي بادرت إليه مجموعات من القبائل اليمنية كردة فعل منها على قصف الطرف المقابل.

الواقع أنه حدودياً لم ينفع السعودية الجدار البري العازل غير المكتمل على طول الحدود الممتدة لمسافة 1470 كلم بينها وبين اليمن، في منع مجموعات من القبائل اليمنية المجاورة للأراضي السعودية، من الهجوم على المواقع الحدودية السعودية عبر عدة منافذ برية في قرض والبقع والديعة وعلب، فقد أقدمت ولمرات عديدة مجموعات حوثية على قصف العديد من المواقع الحدودية السعودية وشركة نفط ومحطة للكهرباء ومطار (نجران)، وسبق وأدى الهجوم على مدينة الطوال إلى قتل مجموعة من العسكريين السعوديين وغنم كميات كبيرة من السلاح، كما سيطرت مجموعات أخرى على جبال جلاح والرديف الإستراتيجية في محافظة (جازان).

نعم هي الحرب الحاضرة في شط العرب سابقاً، وحدود المملكة الجنوبية حالياً، يبقى هنا أننا أمام سيناريو مكرر، فيه عامل مشترك، المرة الأولى في شط العرب، والمرة الثانية في (جازان ونجران وعسير)، نعم ليست القوة العسكرية من تفصل في بعض الأحيان، ولكن الجهود الدولية والضغوط والتحالفات، والحشد الديبلوماسي أممياً، قد يكون وسيلة ضغط، يؤدي لزحزحة الموضوع نحو الحل الدولي، ثم الإنساني. فمتى يبدأ ذلك.. يعود اليمن سعيد، وتبقى البلاد أمناً وأمان بداية من (جازان ونجران وعسير). ذلك قبل أن تكون (شطاً للعرب) جديد.

 

Print Friendly, PDF & Email