لم يكن النظام السياسي الحاكم في الجزائر أشد حرجا وحيرة من أمره فيما تعلق بأزمة منصب رئيس الجمهورية كما هو عليه الأن ، وهذا منذ أزمة صائفة 1962 . ولئن كانت تلك الأزمة التي وقعت عقب الإستقلال مباشرة مثلت تهديدا خطيرا لوحدة الجزائر دولة وشعبا وتداعيتها لازالت باقية إلى الأن . إلا أن الوضع المحلي و الإقليمي والدولي لم يكن بنفس الحدة التي نعيشها الأن . ففي تلك المرحلة كانت أغلب الأطراف شابة ومستندة إلى زخم ثوري قوي ( الحكومة المؤقتة ، جماعة وجدة و جيش الحدود ، قادة الولايات التاريخية ، إضافة إلى فيدرالية جبهة التحرير بكل من فرنسا وتونس و الولاية الحرة ( الجزائر العاصمة ) . وحصل خلاف حاد بين هذه الأطراف كاد أن ينزلق إلى حرب أهلية طاحنة . ولو أنه بالفعل وقع إقتتال بين الإخوة الأعداء لكنه لم يطل نظرا لمعارضة الشعب له و كذا لتغليب الحكمة من لدن جماعة تيزي وزو ( المرحوم حسين آيت احمد و محند والحاج ) الذين أنهيا تمردهما ضد بن بلة و بومدين عقب نشوب حرب الرمال أكتوبر 1963 . أما حاليا فبرغم أنه لاشيء يبرر بقاء الرئيس عبد العزيز بوتفليقة في منصب رئيس الجمهورية لعهدة خامسة نظرا لظروفه الصحية التي لا تسمح له بإدارة دولة بحجم الجزائر ومكانتها الإقليمية والدولية .

ورغم ذلك تتعالى الأصوات من أحزاب الموالاة و المنتفعين ومن هم على شاكلتهم بترشيحه لعهدة خامسة ، ولا أدري بأي منطق يفكر هؤولاء فالحالة الصحية لرئيس الجزائر تشبه الحالة التي كان عليها حال الرئيس التونسي السابق من حيث العجز ( المرحوم الحبيب بورقيبة ) مما أدى في النهاية إلى الإنقلاب عليه من طرف زين العابدين بن علي . ولا يستبعد أن يكون السيناريوا مشابها في الجزائر إن تم بالفعل ترشيح السيد عبد العزيز بوتفليقة لعهدة خامسة . غير أن واقع الحال يقول أن النظام السياسي الجزائري وبالنظر إلى حساسية المرحلة الحالية وإلى مكانة الجزائر ودورها الحيوي في إقليمها المتقلب والعاصف بعديد الأزمات الأمنية التقليدية وغير التقليدية ( أزمة الساحل الصحراوي ، أزمة الإنفلات الأمني في دول الجوار خاصة ليبيا وهشاشته في تونس والنيجر ، أزمة الهجرة غير الشرعية والإتجار بالبشر ، تجارة المخدرات ، تجارة الأسلحة ، الجريمة المنظمة …الخ ) إضافة إلى الوضع الإقتصادي الصعب الذي تعيشه الجزائر والإنسداد السياسي .كل هذا يفضي إلى نتيجة مؤداها أن لا أحد حاليا يحضى بالإجماع والتوافق حوله لخلافة الرئيس الحالي خاصة من القوى الخارجية ( فرنسا وأمريكا بالخصوص ) وأعين مراقبين دوليين أخرين مثل ( روسيا والصين )

. متاهات عدم ترشيح رئيس جديد للعهدة القادمة لا أحد يستطيع التكهن بها لا داخليا ولا خارجيا ولكن العنوان الأبرز لها في حالة عدم التوافق هو خطر إنهيار النظام والدولة معه و تفكك عقد النسيج الإجتماعي مما يهدد وحدة التراب الوطني لا قدر الله . لا أحد يعلم ما يطبخ في العلبة السوداء داخل النظام الجزائري ولكن يبدوا جليا ان الجميع يميل للحل الأسهل والأخطر في آن واحد هو إعادة ترشيح الرئيس الحالي لعهدة خامسة . كل شيئ معرض للتهديد والخطر حاليا بفعل تراكمات الأزمة السياسية و غياب معارضة جادة وفاعلة لا تستند إلى قواعد شعبية متينة بل إلى مصالح ضيقة . لا الإسلاميين و لا الوطنيين ولا اليسارين ولا الليبراليين ولا أي تيار أخر له القدرة على أن يحل محل النظام الحالي نظرا لعقود من حالة التجمد و الإنسداد وضعف التأطير والتكوين لدى الأحزاب السياسية التي عرفت السلطة الحالية كيف تجعل منها معارضة شكلية تدور في فلك النظام وترضى بالفتات الذي ترميه لها السلطة الحالية . غياب الحوار الوطني وآلياته وعدم وجود إستراتيجية واضحة لدى أطراف الموالاة والمعارضة على حد سواء يعرض الجميغ للخطر ويبقى المؤشر الأحمر مشتعلا في الجزائر إلى إشعار آخر .

 

الطالب : نورالدين عفان
ماستر دراسات أمنية وإستراتيحية

جامعة قاصدي مرباح ولاية ورقلة