امر مصباح
جامعة الجزائر 3
18/07/2017
أظهرت الطريقة التي نشبت بواسطتها الأزمة الخليجية الأخيرة، تصعيدها، طريقة إدارتها، مضامين مطالب الأطراف ودفاع الضحية؛ فجوات كبيرة في التفكير السياسي العربي في ظل العولمة المتعددة المجالات والتطورات التي تجري في المناطق الأخرى وداخل المجتمعات نفسها خاصة مجتمعات العالم الثالث في أمريكا اللاتينية، جنوب شرق أسيا وأوربا الشرقية. لقد تمظهرت تلك الفجوات في عدة اشكال اصطلح عليها في مفردات 1) النزعة العسكرتارية؛ 2) انغلاق الأفق السياسي؛ 3) الأبوة السياسية القبلية؛ 4) غياب الحوار السياسي المجتمعي. معظم المجتمعات السابقة الذكر قد تخلصت بدرجات مختلفة من تلك الفجوات وتصالحت مع نفسها، وركزت جهودها نحو الأهداف الحيوية الحقيقية والمشتركة.
تجسدت النزعة العسكرتارية من خلال طريقة طرح المطالب الاثني عشر من قبل الدول الأربع على قطر، والتي توحي بأنها لا تتعامل مع دولة مستقلة ذات سيادة معترف بها في الأمم المتحدة، وإنما تعكس شكل تعامل الضابط مع جنوده داخل الثكنة بحيث يتلقون الأوامر وليس لديهم حق الرفض أو المناقشة؛ وهي الطريقة العسكرية الملخصة في الطاعة أو العقاب.
إما بالنسبة لفجوة انغلاق الأفق السياسي، فقد تجسدت في طبيعة ومضامين المطالب الاثني عشر نفسها، خاصة المتعلقة بقمع الفضائيات الإعلامية وتسليم معارضين سياسيين إلى معتقلات بعض الدول، وهو التقليد السياسي الذي عفا عنه الزمن. في الزمن القريب وبالضبط عام 2016، تصالحت الحكومة الكولومبية مع جماعة التمرد فارك بعد قتال دام لأكثر من خمسين عاما. في مقابل ذلك، مازال التفكير السياسي العربي عالقا في وحْل الفكر الصدامي والطرق القمعية للمعارضين السياسيين.
ظهرت فجوة الأبوة السياسية القبلية من خلال حزمة العقوبات التي فرضت على قطر دفعة واحدة والتي لا يمارسها إلا الأب التقليدي ضد أبنائه عندما يتبرمون عن طاعته أو لا ينفذون أوامره ولا يستجيبون لغاياته. حتى العقوبات الدولية كأسلوب في السياسة الخارجية الدولية في الوقت الحالي تمارس بطريقة جد متطورة، بحيث تنفذ بطريقة تدريجية من اجل جعل الخصم يتجاوب بطريقة إيجابية على مائدة المفاوضات (حالة دول 5+1 مع إيران مثلا) وليس حشره في زاوية بحيث ينتج مخرجات غير مرغوبة.
الفجوة الأكثر سوءً هي غياب الحوار السياسي المجتمعي حول توجهات السياسة الخارجية للدول العربية، بحيث لم تأخذ الحكومات بعين الاعتبار اتجاهات الرأي العام في اتخاذ المواقف الصارمة في الأزمة (مثلا تنفيذ رزمة من العقوبات في شهر رمضان)، وعندما تصاعدت بعض الآراء المناهضة للعقوبات داخل الدول المقاطعة، شُرّعت بالأمر قوانين تجرّم كل من يتعاطف مع قطر بأقصى العقوبات. المواطن العربي مغيب تماما وفي بعض الدول مقموع عن إبداء رأيه في ما يجري داخل المنطقة. إن غياب الحوار السياسي المجتمعي هو المسئول عن ظهور الكثير من العيوب في إدارة الأزمة، مثل الاتهامات المتبادلة بين دول الخليج بأنها تموّل الإرهاب، بروز فكرة صناعة الإرهاب تحت الطلب عندما كشفت قطر أنها استضاف بعض قادة الجماعات المصنفة تحت فئة الإرهاب بطلب من الولايات المتحدة نفسها؛ وإثبات وزير خارجية الإمارات بطريقة غير مباشرة أن السعودية تموّل الإرهاب لكن عن طريق القطاع الخاص.
الفكرة الأساسية المراد التأكيد عليها في هذا الصدد أن الأزمة الخليجية عملت باتجاه مزيد من الحت والتعرية عن العيوب أو الفجوات الفكرية والثقافية التي مازال التفكير السياسي العربي عالقا في وحْلها.

 

Print Friendly, PDF & Email