بقلم وسام فؤاد – المعهد المصري للدراسات

منذ إعلان منظمة الصحة العالمية فيروس «كوفيد-19» جائحة عالمية، اتجهت الحكومات في كل أرجاء الكوكب نحو دعم موقع قوتها في مواجهة منظمات المجتمع المدني، لا فارق في ذلك بين دول ديمقراطية وأخرى أوتوقراطية[1]. تحت ضغط الوباء وهذه الضغوط الحكومية على المنظمات المدنية، وبالنظر لكون الدلالات التاريخية للكوارث والأزمات الكبرى تدعم تضخم دور الدولة الذي يكاد يبلغ حد التغول، وحتى تحت ضغط تدفق المعلومات حول الفيروس وأثره وضحاياه، بدأت حالات الحراك والنشاط المدني في التراجع بشكل لافت.  

ومن جهة أخرى؛ بدأت منظمات المجتمع المدني في التحذير من عدة مثالب بدأت تشوب أداء الحكومات عبر العالم، وبخاصة اتجاه الحكومات لفرض قيود على حركة المجتمع المدني، وكانت غالبية هذه القيود خارج نطاق الإجراءات المعتبرة للسيطرة على الأوبئة، لأنها استهدفت الحريات الأساسية للأفراد، ومن بينها القيود على الوصول للمعلومات؛ والحملات على الناشطين في مجال حقوق الإنسان وحرياته؛ والقيود المفروضة على وسائل الإعلام، وانتهاكات حق الناس في الخصوصية، ودعم إجراءات الطوارئ وتوسيعها، ومنح السلطات حقوقا استثنائية في مواجهة حق التجمع.. إلخ. 

أهمية المجتمع المدني عالميا، وأهميته بشكل خاص للحضارة الغربية بررت الحملة التحذيرية التي قادها مفكرون ومراكز تفكير للتحذير من العدوان على المجتمع المدني. فالمجتمع المدني ليس كمالية حضارية، بل أداة لتوفير المعلومات حول الانتهاكات ضد حقوق المجتمعات والأفراد؛ وبخاصة انتهاكات القوانين، وقيادة النضال ضد تغول الحكومات والشركات الخاصة على المجتمعات، وتجميع المصالح والدفاع عنها، وتقديم الدعم الإغاثي للمهمشين المحليين أو عبر الحدود.. وأدوار أخرى عدة رأى الخبراء والمفكرون في تغييبها أو العدوان عليها خصما من قوة الدول والحكومات فضلا عن كونه انتكاسة لجهود المجتمعات في مواجهة قوى الفساد والإفقار والاستبداد.

غير أن نظرة المفكرين لأهمية المجتمع المدني في إطار جائحة «كوفيد-19» تجاوزت هذه الوظائف التقليدية لصالح أدوار أخرى تجاوزت في أهميتها ما سلف ذكره من أدوار. فهم يرون أن أهميتها في ضوء الأزمة أنها صوت من لا صوت لهم من المهمشين والجماعات المنبوذة أو الأقليات الذين لا يقل تعرضهم للفيروس خطورة عن تعرض أي من الشرائح الاجتماعية المكينة، فضلا عن أدوارها في مواجهة القوى الخاصة التي طالما نجحت في الضغط على المجال العام للهروب بمخالفاتها للقانون؛ كالشركات العابرة للقوميات والموظفين العموميين الفاسدين، هذا فضلا عن دور هذه المنظمات في تجسير فجوة الصلة بين الحكومات والشعوب؛ حتى لا تقود هكذا فجوة لتفاقم انتشار الجائحة نتيجة ضعف الثقة في البيانات الحكومية[2].

لم تكن العلاقة ذات اتجاه واحد، فلم تمض شهور قلائل حتى بدأ جسد المجتمع المدني في التعافي، وبدا أن اتجاهات تعافيه تأخذ مسارات متعددة، بعضها احتجاجي؛ والآخر تعاوني، وانتقل السؤال من البحث عن التعافي التقليدي لطرح تساؤلات لم يجب عنها حتى الآن حول القدرة على الخروج من سياق تفرض فيه البنية التي فرضتها الأزمة استجابات بنائية بدورها، تمثل عائقا حقيقيا أمام قدرة المجتمع المدني على المقاومة. ما هي ملامح التطورات؟ وما استجابات المجتمع المدني لها؟ هذه الدراسة تقدم اجتهادا في الإجابة.

المحور الأول: اتجاهات تعامل الدولة مع المجتمع المدني في إطار الجائحة

علاقة الدولة مع المجتمع المدني ليست علاقة اتجاه واحد، بل شهدت تفاعلا واستجابة من الأخيرة، مكنته في النهاية من مقاومة محاولات سيطرة الدولة جزئيا. ويمكن القول بأن العالم شهد مرحلتين مختلفتين من حيث العلاقة بين الدولة والمجتمع المدني، ظهرت أولاهما خلال الشهور الثلاثة الأولى بعد إعلان منظمة الصحة العالمية فيروس «كوفيد-19» جائحة. ويشير خبراء المجتمع المدني ومراقبوه إلى أن بداية جائحة «كوفيد-19» شهدت حالة من اجتراء الحكومات على تعزيز قوة الدولة، فضلا عن معاودة تعزيز القيود التي فككتها العولمة؛ ورفعتها عن حركات الأفراد والتجارة، حيث بدا أن نفوذ المنظمات الدولية والإقليمية آخذ في الخفوت مع إجراءات العزل ومعاودة الدولة تعزيز سياساتها وسطوتها في الداخل[3].

ما رأيناه مع جائحة «كوفيد-19» هو اندفاعة من الحكومات نحو تبني إجراءات طارئة مصحوبة بزيادة مركزية قوتها، وتعزيز آليات فرض الرقابة على المواطنين وتسجيل تحركاتهم، مدعية في ذلك إحاطتها علما بالنافع للمواطنين، إلى جانب ادعائها امتلاك القدرة المطلقة على اتخاذ الإجراءات التي تراها ملائمة لحمايتهم عبر السيطرة على المجال العام. وخلال هذه الفترة، دأب مناصرو المجتمع المدني على التأكيد على أن ما ينبغي أن يحدث هو مزيد من انخراط الأفراد والمنظمات في المجال العام، والمزيد من تمكين المجتمع[4].

تأثير الجائحة بدء تلقائيا بكبح جماح حركة المجتمع. فقبيل إعلان منظمة الصحة العالمية فيروس «كوفيد-19» جائحة عالمية، كان العالم يشهد احتجاجات واسعة النطاق تستهدف علاج مشكلات عالمية ومجتمعية واقتصادية وسياسية داخلية. فبالنسبة لكثير من المراقبين لملف المجتمع المدني العالمي، كان عام 2019 يعد عام الاحتجاجات بامتياز.

وكان كثير من شعوب العالم يتحركون في الشارع رافضين الفساد المالي والإداري في بلدانهم، و/أو معارضين للقيود المخففة على الهجرة من خارج أوروبا، أو معترضين على السياسات الاجتماعية المحدودة الأثر في تحسين أحوال البسطاء؛ مطالبين بقدر أعلى من المساواة والعدالة الاجتماعية وبرامج الحماية، ومنددين بالانتهاكات الصارخة لحقوق الإنسان الأساسية.

تحركات الشعوب لم تقتصر على دول الجنوب وشعوبها، بل عمت دول الشمال كذلك، وشهدناها في كل من فرنسا وهولندا وبلجيكا والنمسا من ضد التمييز الاجتماعي مطالبة بالعدالة الاجتماعية، وانضمت إليهم ألمانيا وإيطاليا؛ وإن أتت تظاهراتهما يمينية متطرفة ضد الهجرة وتبعاتها، ولم تلبث التظاهرات أن تجاوزت دول الشمال إلى دول شرق أوروبا مثل صربيا وبلغاريا والمجر[5]، وبعض هذه الدول أعضاء في الاتحاد الأوروبي. ولا يمكن نسيان احتجاجات «الموجة الثانية للربيع العربي» في كل من الجزائر والسودان والعراق ولبنان، والاحتجاجات في تشيلي وهونج كونج.. إلخ[6].

بعد نحو شهر من إعلان منظمة الصحة العالمية فيروس «كوفيد-19» جائحة عالمية لم تعد مثيلات هذه الاحتجاجات، أو نظيراتها على المستوى العالمي مثل «تظاهرات المناخ» مسموعة. وفيما يلي نتناول مسارات سيطرة الدولة على المجتمع.

أولاً: منح الدولة صلاحيات قانونية لتعطيل المجتمع:

يرى أستاذ العلاقات الدولية بجامعة هارفارد الأمريكية، ستيفن والت، أن الحكومات في جميع أنحاء العالم فرضت سيطرة غير مسبوقة على الحياة اليومية لمواطنيها استجابة للفيروس. فقد أغلقت الديمقراطيات والديكتاتوريات على حد سواء حدودها مع باقي الدول وفرضت الحجر الصحي وأغلقت قسما كبيرًا من الاقتصاد وطبقت العديد من أنظمة الاختبارات وأساليب التتبع والمراقبة من أجل احتواء العدوى[7].

ففي مصر، وفي السابع من مايو 2020، وافق رأس سلطة 3 يوليو على تعديلات لقانون الطوارئ في البلاد، تمنح الرئيس وأجهزة الأمن سلطات إضافية. ومن أبرز الدلائل على استخدام هذه التعديلات بتعسف أن خمسة فقط من التعديلات الـ 18 للقانون والتي أدخلت على قانون الطوارئ تمس قضايا الصحة العامة، فيما 13 مادة لا ترتبط بالمجال الصحي. فالتعديلات التي أدخلت على القانون الذي يحكم مصر منذ انقلاب 3 يوليو 2013، تسمح بإغلاق المدارس والجامعات والمحاكم والشركات، وكذلك الحجر الصحي للعائدين من الخارج، وتأجيل دفع الضرائب وكذلك تقديم الدعم الاقتصادي للمجتمعات المتضررة وقطاعات الأعمال، وهذه أمور تدخل في مواجهة جائحة «كوفيد-19».

لكن التعديلات انطوت كذلك على منح رئيس الجمهورية سلطة حظر أو تقييد التجمعات العامة والخاصة، حتى في غياب أي حالة طوارئ صحية عامة، كما تسمح له بتقييد امتلاك أو نقل أو بيع أو شراء أو تصدير أي سلع أو خدمات وكذلك التحكم في أسعارها.

ورأى الناشطون في مجال المجتمع المدني المصري هذه التعديلات الثلاثة عشرة تفتح الباب لمزيد من الانتهاكات للحقوق والحريات. ولم يقتصر الأمر على الناشطين في مصر، بل ساندت هذه الرؤية كذلك منظمة «هيومن رايتس ووتش»، والتي رأى نائب المدير التنفيذي لقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بهذه المنظمة أن حكومة السيسي تستخدم الوباء لتوسيع قانون الطوارئ التعسفي في مصر وليس إصلاحه، مضيفاً “يجب على السلطات المصرية معالجة مخاوف الصحة العامة الحقيقية دون وضع أدوات قمع إضافية”[8].

غير أن الأمر قد يختلف بالنسبة للديمقراطيات، وإن كان البعض يرى أن المصير متشابه. ويذهب البروفيسور إيريك كلينينبيرج إلى أن تحديات الجائحة قد تعصف بالحلم الرومانسي الذي عاشه طويلا الغرب بعامة، والولايات المتحدة بخاصة، ألا وهو حلم الفردانية Individualism، ويتوقع حدوث تحولات في الديمقراطيات الغربية ليس استنادا لتحرك الدولة الغربية بقوة لفرض مزيد من السيطرة على مجتمعها، بل بسبب اتساع نطاق الاستثمار في السلع العامة، وعلى رأسها الصحة[9].

ثانياً: تحدي الفساد الحكومي لرقابة المجتمع المدني:

في تصريح تلفت ألكسندرا ريج، رئيس مؤسسة “تريس إنترناشيونال” TRACE International المعنية بتعزيز الشفافية التجارية على الصعيد العالمي، إلى أن إنفاق العالم تريليونات الدولارات على برامج التحفيز والقطاع الطبي سيخلق فرصا لا نهائية للفساد والكسب غير المشروع. ويرى أنه انطلاقا من الربيع العربي والكثير من الحركات الأخرى عبر العالم، فقد أصبحنا نعلم أن المجتمعات باتت أقل تسامحا مع الفساد. ينطبق ذلك خاصة على الحكومات الاستبدادية التي ستواجه بالتأكيد استجابة عنيفة من الشعب في حال حاولت التقليل من شأن المشكلة والسماح للمسؤولين بالاستفادة من الوباء. ويعزز المدير التنفيذي لمنظمة «هيومان رايتس ووتش» كينيث روث هذا الرأي كذلك، ويضيف أن تخوفات بعض الحكومات قد تصل لحد حجب المعلومات عن حقيقة أدائها في مواجهة الأزمات، ويرى أن هذا من أسباب اتساع نطاق انتشار الجوائح[10].

ويمكن لرؤية “بيج” و”روث” أن تفسر سبب الصدام الواسع بين سلطة 3 يوليو في مصر مع نقابة الأطباء المصريين حيال الجائحة. فمع تزايد الإصابات بالفيروس بين الأطباء، والتي بلغت نحو 125 طبيبا في 10 يوليو 2020، ومع استمرار السلطات المصرية في إهداء المستلزمات الطبية المتوفرة في مصر؛ سواء المنتجة محليا أو الواردة عبر المساعدات الدولية لمصر؛ للعالم الخارجي، سواء لدول ثرية كالولايات المتحدة[11] والمملكة المتحدة وإيطاليا[12] وحتى الصين[13]؛ أو لدول جنوبية كالسودان[14] وجنوب السودان[15] والكونغو وزامبيا[16]. فالمساعدات تقدم برغم الحاجة المحلية الملحة.

ومن جانب آخر، فإن المساعدات التي توجه للخارج خلال هذه الجائحة لا يمكن معرفة مصدرها والعوائد المرتبطة بها، خاصة وأن الدول الأوروبية كانت تشهد اقتتالا حول المستلزمات الطبية[17]، فما الذي يمنع من استغلال نظام مأزوم محليا كالنظام المصري للإفادة من إعادة توجيه هذه المساعدات نحو الخارج، سواء أكانت الإفادة سياسية أو مرتبطة بفساد مالي وإداري. ولهذا اتخذت السلطات المصرية موقفا خانقا لنقابة الأطباء بلغ حد اتهامها بالتسبب في انتشار الفيروس[18].

ويمكن القول بأن بعض الدول الأوتوقراطية المشتهرة بالفساد مثل العراق لم تستعن بالمجتمع المدني أيضا إلا على استحياء. فمع تراجع دور منظمات المجتمع المدني العراقي في مواجهة الجائحة، أعزى خبراء في مجال العمل الأهلي بالعراق هذا الغياب لممارسات الحكومة العراقية، التي لم تفسح المجال أمام النقابات والاتحادات والمنظمات المدنية في العمل والتعاون معهم في هذه الجائحة[19].

ثالثاً: التحوط للأزمات المستقبلية:

ينطلق البروفيسور جيمس كرابتري، الأستاذ المشارك في كلية “لي كوان يو” للسياسة العامة في جامعة سنغافورة الوطنية، من مفهوم «دولة الرفاه» والذي يعكس حاجة الدول المتقدمة للتحوط ومنع تكرار هذه الجائحة مجددا في المستقبل، ما سيدفعها للتدخل بصورة أكبر على صعيد الضبط السياسي والعسكري للسيطرة على احتمالات التفشي المستقبلي. وتأثير ذلك يتمثل في أن التحوط لأزمات مشابهة لجائحة «كوفيد-19» في المستقبل يتطلب بالضرورة حكومات أضخم ومرافق جديدة موسعة للسيطرة على الأمراض وتعزيز المراقبة الاجتماعية؛ على أمل الحد من تفشي الأمراض مستقبلا[20].

وتربط البروفيسور ديبورا تانين؛ أستاذ اللغويات في جامعة جورج تاون بين هذه الإجراءات وبين إفاقة دول العالم المتقدمة، ناهيك عن الدول الجنوبية، على حقائق تسقط أوهام التقدم، وتثبت الوقائع رعب اكتشاف إمكانية تعرض الدول لتكرار الأزمات التاريخية كأزمة «الكساد الكبير» التي تعرض لها العالم في أوائل القرن العشرين، وكذا إمكانية تعرض دول العالم للأزمات التي لطالما تصوروا أنها لا تحدث إلا في دول الجنوب. وبرغم أنها لا توافق على اجتراء «الدولة» على المجتمع المدني إلا أنها تشير إلى أن هذا الرعب من شأنه أن يدفع العامة لاعتبار الحريات خطرا[21].

ويربط “كرابتري” السبق في هذا المجال بالتقدم التقني الذي يساعد في مزيد من الضبط، لكنه يرجح كذلك أن تكون البلدان الآسيوية الأكثر سبقا من غيرها من الدول المتقدمة تقنيا؛ لأنها – وفق تعبيره – تمتلك نهجا مرنا نسبيًا في تنظيم قوانين الخصوصية.

ويوافقه في الرأي “كابلان” في تصريحه لمجلة “فورين بوليسي”، والذي يرى فيه أن الأزمات المصيرية الأخرى مثل الحرب العالمية الثانية تعزز تبني الإجراءات الوقائية للحكومة الضخمة، ويؤكد البروفيسور روبرت موجاه، مؤسس معهد Igarapé ومجموعة Sec Dev، على أثر الكوارث على تاريخ البشر وتطور حجم الحكومات واتساع نطاق أدوارها[22].

رابعاً: التدخل الاقتصادي:

بخلاف المدخل الضبطي السياسي والعسكري، تنطلق البروفيسور شانون أونيل، الزميل الأول لدراسات منطقة أمريكا اللاتينية في مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي، من تداعيات التدخل الحكومي في الاقتصاد، وبخاصة في الدول المتقدمة، وتنظر في أثره على تضخم الدولة في مواجهة مجتمعها. فالسياسات الصناعية انتعشت خلال هذه الجائحة؛ جراء معاودة الدولة تدخلها في المجال الاقتصادي مجددا بعد عقود من ازدهار السوق الحرة.

وقد شمل هذا التدخل – حتى الآن – تعزيز إدارة التجارة عن طريق التعريفات والتراخيص وحصص التوريد ومعايير الجودة؛ وبلغ حد منع التصدير المباشر؛ لا سيما للمواد الغذائية والإمدادات الطبية، كما شمل ضخ المليارات للشركات؛ ومنحها مزايا أخرى للعودة للتصنيع المحلي بدلا من العمل في الخارج. وترجح “أونيل” أنه مع ترنح «منظمة التجارة العالمية»، فقد تمثل هذه السياسات التدخلية مجرد البداية لحزمة مرتقبة من الدعم العامة والإعفاءات الضريبية، والمشتريات الحكومية والتخزين، وتشجيع الصناعات المحلية، وغيرها من الخطط التي ستضعها العديد من الدول لهيكلة الإنتاج والوصول إلى مجموعة أوسع من السلع والخدمات التي تعتبر ضرورية على مستوى الأمن القومي[23].

ولعل أبرز مثال على ذلك منح اليابان 2.3 مليار دولار لشركاتها مقابل مغادرة الصين[24].

ويرى د. “آدم بوزن”، رئيس “معهد بيترسون للاقتصاد الدولي”، أن الآثار الاقتصادية ستتجه لأسوأ من ذلك، حيث ستتمكن الدول من تحديد أي القوى الاقتصادية سيتم إنقاذه، وأيها لن يتلقى الدعم، وأي ترتيبات عمل ستحصل على الدعم، وأي أصول ستُشترى[25].

غير أن التوجه الاقتصادي المحض في النظر إلى مستقبل استثمارات الدولة قد يبسط القضية التي تحمل أبعادا أكبر. ويشير جوناثان راوخ، الكاتب بمجلة “أتلانتيك” إلى أن التأثير الأكبر للتحول في سطوة الدولة يبدأ من الاستثمار في الخدمات العامة، ويرى أن “الأوبئة تصنع التغيير”، وأن جائحة «كوفيد-19» ستعزز استثمارات الدولة في السلع العامة، وستقدم إرهاصات مسار جديد للتاريخ[26].

خامساً: التحكم في حركة البشر:

يرى الخبير السياسي روبرت كابلان أن الإجراءات الجديدة التي ظهرت من أجل مراقبة الأفراد، والتي نجحت بفضلها بعض الدول في محاربة الوباء؛ هذه الإجراءات قد تكون نذيرا بشأن الخصوصية في المستقبل، ويضيف أن الخصوصية ستصبح على نحو متزايد قضية هذا العصر الجديد الذي سيكون عنوانه – من وجهة نظر كابلان «الحكومات الضخمة».

وفي هذا الإطار، نلفت إلى أن عددا من الدول أنتجت تطبيقات تتعلق بمراقبة المصابين بالفيروس وملاحقتهم إذا تطلب الأمر. ومن هذه التطبيقات «تطبيق Sickweather» الذي أطلقته منظمة الصحة العالمية، و«تطبيق كاشف الاتصال القريب» الصيني، و«تطبيق كورونا 100 متر» الكوري الجنوبي، و«تطبيق تريس توجازر» السنغافوري، و«تطبيق المراقبة الاجتماعية» الروسي[27]، و«تطبيق هوم كوارنتين» البولندي، «تطبيق الحصن الرقمي» الإماراتي، و«تطبيق وقايتنا» المغربي[28]، وغيرها من التطبيقات.

ويربط بروس شناير، زميل كلية كينيدي بجامعة هارفارد، هذه التطبيقات بتطورات تطبيق «خرائط جوجل» التي تجمع بياناتها من الهواتف الشخصية لمستخدمي التطبيق. ويؤكد «كابلان» أنه مع فشل بعض الدول الكبرى مثل الولايات المتحدة وعدد آخر من الدول الأوروبية في التصدي للوباء، فسيكون هناك ميل نحو تعزيز دور الحكومات الوطنية في عالم ما بعد جائحة «كوفيد-19»، وهو إجراء ستسوقه الدول بالحاجة إلى التنظيم اليوم أكثر من أي وقت مضى.

وهو الرأي الذي يرجحه كذلك المدير التنفيذي لمنظمة «هيومان رايتس ووتش» كينيث روث، الذي يرى أن المراقبة التي تفشل في حماية الخصوصية لا تشجع التعاون الطوعي الذي يعد شرطا مسبقا لأي مبادرة ناجحة للصحة العامة، ويضمن الفصل بين السلطات خدمة الحكومات لمصلحة المواطنين بدلا من مصالحها السياسية الخاصة[29].

سادساً: التحكم في المعلومات:

هي بالطبع أحد أهم مستهدفات السيطرة بالنسبة للحكومات، سواء ديمقراطية أو غير ديمقراطية. فالحكومات الديمققراطية تخشى من مغبة اتساع نطاق المعلومات بين يدي الرأي العام حول كفاءة أدائها في مواجهة الأزمات؛ مما يؤثر على شعبيتها وشعبية أحزابها، كما تخشى الحكومات الهشة الاوتوقراطية في دول الجنوب انتشار المعلومات حول سوء أدائها؛ ما يعيد فتح ملفات الكفاءة والفساد التي ما زالت تمثل مصدرا لتأجيج الحراكات الاحتجاجية. ويرى المدير التنفيذي لمنظمة «هيومان رايتس ووتش» كينيث روث أن القرابة على المجتمع المدني ستودي لعرقلة التدفق الحر للمعلومات؛ والتي يراها ضرورية للغاية لرصد التهديدات الصحية، والاستجابة لها بفعالية[30].

وكان تقرير منظمة «هيومان رايتس ووتش» عن الفيروس قد أكد أن السبب الأهم في استفحال الجائحة أن الحكومة الصينية أخفت عن الجمهور معلومات أساسية عن الفيروس، وقلّلت من الإبلاغ عن وجود الإصابات وشدّتها، وتجاهلت احتمال انتقاله بين البشر، واحتجزت السلطات أيضا أشخاصا بسبب نشر تقارير عن الوباء على وسائل التواصل الاجتماعي بتهمة “ترويج الشائعات”، وفرضت رقابة على النقاشات المتعلقة بالوباء على الانترنت، وكبحت تغطية وسائل الإعلام.

وفي مطلع يناير، استدعت السلطات الصينية الطبيب لي وينليانج، من مستشفى في ووهان الذي كان يعالَج المصابين، ورفع تقريرا باحتمال أن يكون ثمة “وباء” بطريقه للانتشار، وحبسته إلى أن توفي متأثرا بإصابته بالوباء[31]. ويلفت التقرير كذلك إلى أن الوباء تفشى في إيران كذلك بسبب غياب الشفافية وتضارب الأرقام، ما أدى لسيادة إحساس بأن الحكومة تمعن في التهويل لمنع تجدد الاحتجاجات.

المحور الثاني: استجابات المنظمات المدنية خلال الجائحة

لم يلبث المجتمع المدني أن تجاوز حالة الكمون التي ارتبطت بإعلان الجائحة عالميا، وبدأت بوادر التعافي تدب في الجسد العالمي مجددا وتتعد صيغها. فما ملامح هذه الصيغ؟

أولاً: نماذج لجهود المجتمع المدني في مقاومة الجائحة والحصار

أدت ضغوط جائحة «كوفيد-19» نفسها، والتشوهات التي تبعتها في سلوك الدولة المجابه لدور المجتمع المدني وحضوره، إلى تحفيز الحراك المدني مجددا. فقد استجاب عدد كبير من ناشطي المجتمع المدني لهذه الضغوط بصور عدة، سواء في ذلك الناشطين في دول ديمقراطية أو غير ديمقراطية، وتمثلت إحدى أهم استجاباتهم في التحرك لملء الفراغات التي تركتها الدول خلال جهودها لإدارة هذه الجائحة، حيث قامت بإسداء خدمات، ونشرت معلومات هامة عن الفيروس، وسعت لحماية الجماعات المهمشة.

وفي بعض المناطق، خاضت منظمات المجتمع المدني شراكات مع الحكومات والقطاع الخاص من أجل توفير الدعم للمجتمعات المحلية التي تضررت جراء هذه الجائحة. كما أنها عززت من أنماط تحالفاتها من أجل دفع الحكومات المتعثرة أو تلك التي تستغل هذه الجائحة باتجاه الكشف والمحاسبة[32].

وقد تنوعت استجابات المجتمع المدني حيال هذه الجائحة بين 3 أنماط من الاستجابات، أولاها استجابة مباشرة ذات طابع إغاثي، بالإضافة إلى استجابات غير مباشرة لا ترمي للتعامل مع التداعيات المباشرة للجائحة، بل ترتبط بمحاولة تطوير البنية العالمية لمواجهة هذه الجائحة ومثيلاتها المستقبلية. وأما نمط الاستجابة الثالث فلم تكن له علاقة بالجائحة.

1. الاستجابات المباشرة:

يمكن التمييز في إطار هذه النمط من أنماط الاستجابة بين نوعين فرعيين من الاستجابات، هما الاستجابة المباشرة ذات المنحى الصراعي، وثانيتهما ذات منحى تعاوني.

(أ) الاستجابة المباشرة الصراعية:

الاستجابات المباشرة الصراعية هي استجابات توجهت مباشرة لمعالجة الثغرات التي خلفتها الدول ضمن حزمة إجراءاتها لمواجهة الجائحة. وفي هذا الإطار، لعبت بعض المنظمات دورا هاما في توعية المجتمعات حيال الفيروس، وكان مجال نشاطها الأساسي يتمثل في مكافحة توجهين ينتشران في هذا الصدد، هما اتجاه الحد من المعلومات، واتجاه بث المعلومات المغلوطة. فبعض هذه المعلومات كانت تزيد من حدة التوتر بخصوص تداعيات الفيروس، وبعضها كان يزيد من مفاقمة أزمات معاداة الأجانب والأقليات؛ ويزيد العنف تجاههم، وبعضها كان يدفع العامة باتجاه تجاهل الإجراءات الاحترازية الموجهة لحماية الصحة العامة.

وفي نفس السياق، نشطت بعض المنظمات لمواجهة محاولات بعض الحكومات لاستغلال لافتة الأخبار الكاذبة من أجل تجريم نشاط بعض المنظمات الإعلامية والمدنية لنشر المعلومات الحقيقية حول الفيروس وتداعياته، وهي خطوة حكومية كانت تهدف لدعم الحكومات في مواجهة المجتمع المدني الناشط أو المعارض بداخل بلدانها[33].

ومن جهة أخرى، ذهبت قوى المجتمع المدني عبر العالم لأكثر من هذه الجهود، حيث تحرك بعضها لتعزيز عملية مساءلة الحكومات حيال قراراتها غير الفعالة أو غير الديمقراطية في تصديها لمعالجة جائحة «كوفيد-19». فقد دأبت هذه المنظمات في غالبية دول العالم على مراقبة وفضح القرارات التي تنطوي على تعزيز السلطوية أو إساءة استغلال السلطة تحت غطاء هذه الجائحة.

ففي نيجيريا، على سبيل المثال، قامت جماعة «الحركة من أجل الحرية والمجال المدني» (Action Group on Free Civic Space) بتوثيق استجابات الحكومة النيجيرية المرتبطة بجائحة «كوفيد-19» وتحليلها جنبا إلى جنب مع رصد وتوثيق حالات العنف التي تمارسها السلطات النيجيرية تحت نفس الغطاء.

في زيمبابوي كذلك، قامت جماعة «محامو زيمبابوي من أجل حقوق الإنسان» (Zimbabwe Lawyers for Human Rights) بتأسيس خط ساخن للإبلاغ عن حالات انتهاك حقوق الإنسان تحت غطاء الجائحة؛ وتوثيقها، وأسست لتيار تقاضي بالنيابة عن مواطنين متضررين وقعوا ضحية عنف السلطات في زيمبابوي خلال التطبيق الإجباري للإغلاق. وفي أماكن أخرى، قامت منظمات المجتمع المدني بمواجهة التراخي الذي لمسته من الحكومات في مواجهة الجائحة، ودعت لتفعيل الإجراءات الاحترازية الملائمة. فيي البرازيل وتشيلي، قام المواطنون بإعلان رفضهم لاستجابات حكومتي بلديهم من خلال المشاركة في حركة الاحتجاج من شرفات المنازل عبر «احتجاجات قرع الأواني».

في بعض البلدان، نشطت المنظمات المدنية الصحية؛ النقابية وغير النقابية؛ منددة بالاستجابات غير الكفء لحكومات بلدانهم. وفي كثير من البلدان، حرصت منظمات المجتمع المدني على تسليط الضوء على مأزق الجماعات الأكثر عرضة للإصابة بالفيروس، ودعت لتبني خطة لتوفير الحماية لهم. ففي سنغافورة؛ على سبيل المثال، بذلت منظمات مجتمع مدني ضغوطا على الحكومة من أجل تحسين أوضاع المعيشية في بعض مهاجع العمال المهاجرين الذين انعزلوا ضمن جهود مكافحة الجائحة الوبائية.

وفي جنوب أفريقيا، ضغطت منظمات مدنية على الحكومة من أجل وقف عمليات الإخلاء مع استمرار الجائحة. كما أن الجمعيات النسائية حول العالم وفرت عمليات منظمة خلال الجائحة لمساعدة أعضاء العائلة المعزولين مع أفراد يمارسون العنف، كما ضغطت على الحكومات في بلدانهم لتقديم مزيد من الخدمات لهذه الفئة. وبلغت الاحتجاجات الكيان الصهيوني كذلك، حيث تظاهر أكثر من 3000 مستوطن ضد الإجراءات غير الديمقراطية التي مررتها الحكومة لمواجهة الجائحة، وحافظوا فيها كذلك على ضوابط التباعد الاجتماعي.

وفي عدد من البلدان، أدت الجائحة لبزوغ حراكات واحتجاجات عمالية في قطاعات الحيوية التي ظلت تعمل خلال الجائحة، وبخاصة تلك القطاعات التي تعتمد على مزودي الخدمات المتعاقدين مع الحكومات، والتي تضمنت خدمات التوصيل، ومستودعات التخزين، وأعمال المقاولات. ففي الولايات المتحدة، على سبيل المثال، احتج العاملون في مجال تسليم طلبيات البقالة والعمال في مستودعات شركة «أمازون» نتيجة قصور إجراءات التأمين وخفض الرواتب. وفي تركيا ظهر اتجاه مماثل لما حدث في الولايات المتحدة؛ حيث احتج العمال على زيادة أعباء العمل، وضد بعض أوجه القصور في إجراءات التأمين ضد مخاطر العمل، كما احتجوا رفضا لارتفاع معدل العطلات الإجبارية غير المدفوعة في بعض الشركات الخاصة، أو إجراءات اتخذتها شركات أخرى بتسريح العمال[34].

(ب) الاستجابة المباشرة التعاونية:

تتمثل هذه النوعية من الاستجابات التعاونية في أنماط المبادرات التي قامت على أساس مشاركة قطاعين أو ثلاثة من القطاعات الحكومية والربحية والأهلية معا في مواجهة الجائحة. ومن ذلك – على سبيل المثال – ما قام به ناشطون تونسيون في الواقع الافتراضي، حيث قاموا بتأسيس مجموعة بشبكة التواصل الاجتماعي «فيسبوك»؛ ترمي إلى توفير متطوعين لمواجهة هذه الجائحة. وبمرور الوقت، تنامت عضوية هذه المجموعة لتصل إلى نحو 100 ألف مشارك، وأضحى لهذه المبادرة 24 مركزا إقليميا للتنسيق في الواقع الحقيقي – وليس الافتراضي، وتمكنت من جمع تبرعات مالية ضخمة، وتوفير مستلزمات طبية كبيرة، وتعاونت مع السلطات المحلية لتوصيل الأموال والمستلزمات الطبية لمن يحتاجونها[35]، علاوة على المبادرات الفردية والمحدودة المشاركة[36].

وتكرر النموذج في قطر مع «مؤسسة قطر الخيرية» في تعاونها مع وزارات «الصحة العامة» و«التنمية الإدارية» و«العمل» و«الشؤون الاجتماعية» في تنفيذ حملة توعوية باللغات الأوردية والهندية والفلبينية والسريلانكية للعمال بأهمية اتباع الإجراءات الوقائية، وتوزيع مستلزمات النظافة الشخصية والوقائية والمواد الغذائية والمنشورات التوعوية على العمالة الوافدة في مناطق مختلفة بالبلاد[37].

وفي استجابة نادرة، ومتأخرة كذلك، وجدنا نموذجا مصريا كاد أن يكون نادرا في دولة مثل مصر التي خاضت الدولة فيها حربا ضروسا ضد «نقابة الأطباء المصريين» بسبب الجائحة، حيث ظهرت في مصر حالة تعاونية بين كل من «المنظمة المصرية للصليب الأحمر» ووزارتي «التعاون الدولي» و«التضامن الاجتماعي»، برعاية كل من «شركة أوبر مصر» و«الهيئة الأمريكية للمعونة الدولية – USAID»؛ التي دعمت الصليب الأحمر المصري بمبلغ 51 مليون دولار، والتي تضمنت تدريب 6000 متطوع، لإدارة 270 حملة توعوية تهدف لاحتواء انتشار الفيروس في مصر[38]. هذه الحالة النادرة في التعاون مع المجتمع المدني في مصر يمكن تفسيرها بوجود تمويل أجنبي نوعي، وهي فرصة لحكومة عرفت بنهمها للعملة الأجنبية.

2. الاستجابات غير المباشرة:

في المقابل، كانت ثمة استجابات غير مباشرة. ففي الولايات المتحدة – على سبيل المثال – اتجهت بعض المنظمات نحو عمل سياسي أكثر شمولية واتساعا، حيث سعت لتعزيز مرونة المجتمع حيال صدمات المستقبل، وبناء أسس حركة اجتماعية جديدة تهدف لمقاومة الاختلالات الهيكلية الاجتماعية والسياسية الراهنة، وتسعى لإحداث التغيير السياسي والاقتصادي. ومن أبرز المساهمات في هذا الصدد تلك المطالب التي تنادي بعقد اجتماعي جديد؛ وهو المقترح الذي طالب به جونا ريك، الخبير في المنتدى الاقتصادي العالمي، في مقال خاص نشره بالمنتدى؛ وشاركه فيه عدد من الباحثين بالمنتدى، حيث نادى بضرورة التأسيس لعقد اجتماعي جديد قادر على تجاوز المحنة التي تسبب فيها التوجه النيوليبرالي، وطالب بأن يلعب المجتمع المدني دورا أكبر في دفع هذا العقد الجديد للخروج لحيز النور[39].

3. الاحتجاج منبت الصلة بالجائحة:

هذا النمط من الاحتجاجات كان النمط الأول من حيث الظهور ضمن الاحتجاجات التي أعقبت الجائحة. فلم تلبث حالة الكمون التي أصابت عافية المجتمع المدني أن تبددت مع قدوم شهر أبريل، وبدأت روح المقاومة والتعافي تدب في جسد العالم مجددا[40]. فبعدما كانت الاحتجاجات في هونج كونج قد خمدت بعد إعلان الجائحة العالمية، عاود المحتجون في هذا البلد نشاطهم مجددا، وهو ما كشف عنه استطلاع للرأي أفاد أن غالبية سكان الجزيرة يطالبون بإقالة رئيس حكومتها. وفي تشيلي عاودت الاحتجاجات ضد التفاوت الحاد في مستوى المعيشة الاندلاع بقوة في أبريل وفي بولندا، تحدت الجماهير إجراءات الإغلاق لمعارضة بيان الحكومة الذي كاد أن يغلق كافة الأبواب في وجه ظاهرة الإجهاض، وكان لافتا في احتجاجات البولنديين أنهم حافظوا على مقياس التباعد الاجتماعي الذي حددته حكومة بولندا بمترين.

ثانياً: عوائد جهود المجتمع المدني خلال الجائحة:

هذه التحولات في سلوك المجتمع المدني عبر العالم من شأنها أن تعود على المجتمع المدني بعدد من المنافع، ومن هذه المنافع ما يمكن أن يغير خصائص المستقبل. هذه العوائد تتمثل فيما يلي:

1. رصيد هام نحو استعادة ودعم شرعيتها:

في الأعوام الأخيرة، عملت بعض الحكومات، ومن بينها حكومات غربية ديمقراطية، على إشاعة حالة من عدم الثقة في منظمات المجتمع المدني، وذلك من خلال تصويرهم باعتبارهم يمارسون جهودا غير مسؤولة عبر الكذب أو العمالة للآخر الأجنبي، أو باعتبارهم نخبة لا علاقة لها بهموم المواطنين البسطاء، وغيرها من الادعاءات التي تنفي العلاقة العضوية بين هذه المنظمات وبين أوطانها ومواطني دولتها.

الجهود التي بذلتها منظمات المجتمع المدني في إطار جائحة «كوفيد-19» من أجل تقديم خدمات للجماعات التي تمثلها، أو للمجتمعات في عمومها، وسعي هذه المنظمات لسد الثغرات في أداء الحكومات لإدارة هذه الجائحة، هذه الجهود تمثل خطوات مهمة لهذه المنظمات على طريق استعادة صورة علاقتها العضوية بالقواعد المجتمعية التي مثلتها وعبرت عن آمالها وآلامها خلال هذه الجائحة، ما يعني أنها سبيل مهم لاستعادة شرعيتها التي فقدت جزء منها خلال معركتها مع الدولة. والأكثر من ذلك، أن بعض التشبيكات وعلاقات التحالف التي كونتها خلال إدارتها لعلاقتها بهذه الجائحة قد أدت إلى توثيق علاقتها بمجتمعاتها، وعززت من قدرة منظمات المجتمع المدني التقليدية على الوصول لشبكات أوسع من الناس[41].

2. خطوة باتجاه نهاية الاستقطاب:

بالنظر للجدل الدائر في عدد من المجتمعات الشمالية والجنوبية على حد سواء، قد تؤدي جهود وضغوط المجتمع المدني، سواء الحوارية أو الصراعية، إلى انفراجة ديمقراطية أكبر في الدول التي تتسم بدرجة عالية من الديمقراطية. ويرى البروفيسور بيتر كولمان، أستاذ علم النفس في جامعة كولومبيا، أن الولايات المتحدة قد تشهد بسبب هذه الجهود انفراجة في حال الاستقطاب الذي تشهده البلاد بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي، وينفي “كولمان” طوباوية هذا الطرح، ويرى أن من أبرز المؤديات لهذه الوجهة استشعار وجود “عدو مشترك”، لكنه ليس دوليا هذه المرة، بل يتمثل في جائحة «كوفيد-19». صوت “كولمان” ينضم لقائمة المفكرين الذي ينادون في أمريكا بأننا “في قارب واحد”، وهو تيار كبير اليوم.

أما السبب الثاني الذي يدعو “كولمان” للتفائل حيال سيناريو إنهاء الاستقطاب فيتمثل في «سيناريو الصدمة السياسية»، حيث يرى أن التاريخ أثبت أن الصدمات السياسية التي تستمر لفترات طويلة، وتخلف ضحايا كثر، من شأنها أن تؤدي إلى مراجعات واسعة، وتؤثر في المقام الأول على الفجوات الصراعية الداخلية، وتدفعها نحو الخفوت. وفي هذا الإطار، فإن مراجعات الحزبين الأكبر، واتصالاتهما بقائمة المنظمات القوية التي تساند كل منهما، والتي تتجه صوب نداء “كلنا في قارب واحد”، من المرجح أن تؤدي لتقاربات في السياسات الاجتماعية والاقتصادية. ويناصر “كولمان” في هذا الاتجاه توم نيكولاس، الأستاذ في الكلية العسكرية البحرية الأمريكية، والذي يرى أن أخطاء اليمين الشعبوي ستؤدي بالاحزاب الأمريكية للعودة إلى الخبرة، وهو ما يعني بالضرورة تضييق الفجوة بين الحزبين الكبيرين[42].

الرؤية قابلة للتعميم على التجارب الديمقراطية التي تشهد استقطابا كما في الهند والبرازيل، غير أن النماذج الأوتوقراطية في الحكم، والتي تقوم على إهمال المجتمع المدني واتهامه، من المرجح أنها لن تستوعب التحديات والخلاصات التي نجمت عن تحديات الجائحة.

3. الانتقال من المستوى القومي إلى المستوى المحلي:

عدد من المبادرات المدنية التي ظهرت خلال هذه الجائحة تمثلت في كونها محلية، حيث سعت المجتمعات دون القومية للتعاطي الجاد مع هذه الجائحة الطارئة وما مثلته من تحديات. لقد عززت هذه الجائحة من تحول قطاع من المنظمات المدنية الاحترافية التي تعمل على مستوى قومي للانتقال إلى المستوى المحلي، وعملت في اتجاه إغاثي أو معلوماتي غير رسمي.

هذا المستوى من النشاط المدني ليس جديدا، وله تجليات عدة. غير أن المستقبل قد يفتح آفاقا لتواصل المستويات المحلية مع المستوى القومي في هذه البلدان، بما يعني التوجه نحو ترسيخ شرعية المنظمات المدنية[43]. ويتجه اليوم قطاع من منظمات المجتمع المدني للتخصص في تزويد منظمات المجتمع المدني بالمشورات المطلوبة لاقتطاع أكبر قدر من الشرعية، ولمواجهة أية تداعيات قانونية من بقايا سعي الدولة للسيطرة[44].

4. من منهج الاستجابات الطارئة إلى رؤى الإصلاح السياسي:

عدد من منظمات المجتمع المدني وداعميها لاحظوا أن الجائحة الراهنة؛ وما تحمله من تجليات وتداعيات انعدام المساواة، قد تمثل فرصة فريدة لتقديم رؤى إصلاحية أكثر طموحا من محض تجسير الفجوة الآنية بين من يملكون ومن لا يملكون. فالاضطراب الذي يصم النظام الاقتصادي العالمي قد يفتح الباب للتوصل إلى قدرة إصلاحية سياسية واقتصادية – اجتماعية واسعة النطاق. الجائحة تعد بهكذا فرصة نتيجة ما كشفته من من الحاجة لبرامج حماية اجتماعية أقوى، وتدفقات استثمارية أكبر في مجال الرعاية الصحية، ورؤى أكثر إنصافا للبسطاء، وحاجة أهم وأكبر لنظم قومية محوكمة[45].

ثالثاً: بين العملين الجماعي والفردي:

هناك اتجاه تعاوني واضح بين المبادرات التي ظهرت على المستويات المحلية للاستجابة لجائحة «كوفيد-19». فمنظمات المجتمع المدني شهدت توجها تكاتفيا فيما بينها في بعض الحالات، فيما شهدت حالات أخرى تعاونا أكبر بين هذه المنظمات وبعض الهيئات الحكومية أو مؤسسات القطاع الخاص[46]. بعض منظمات المجتمع المدني وجدت نفسها بمعزل عن حكومات بلدانها؛ التي تجاهلت خبراتها وتوثيقها، وتجنبت استشارتها فيما كانت تعد خطط الاستجابة لهذه الجائحة، فيما تكشف تأريخات الاستجابات للأوبئة أن السلطات كانت أكثر فاعلية في أدائها عندما تجنبت المركزية؛ واتجهت نحو إشراك العمل الأهلي في هذه الاستجابات بمراحل بنائها وتنفيذها. إن مدى اتساع نطاق تعامل الحكومات مع المنظمات الأهلية بديلا عن المركزية الإدارية يظل سؤالا مطروحا أمام المجتمع المدني نفسه.

وفي خبرات عديدة حول العالم، تقدم الأزمة الراهنة تحديات أخرى للرؤى السياسية القائمة، والتصدعات بين المستويات المختلفة لمواجهة هكذا أزمات، سواء بين المستوى المحلي والمستوى القومي، أو بين التكوينات السياسية المختلفة، أو بين الجماعات المتباينة دينيا أو إثنيا. قد يشهد المستقبل اتجاه قطاع من منظمات المجتمع المدني لإعادة إنتاج هذه التباينات وتكريسها باتجاه استقطابات جديدة نتيجة الصراع على الموارد والنفوذ والشرعية، وقد تستغل حالة عدم الاستقرار الناجمة عن هذه الجائحة لتمرير أجندات ضيقة، غير أن بعض التوجهات الجديدة المبنية على رؤى متباينة للتماسك الاجتماعي قد تكون قادرة على تجاوز الانقسامات الراهنة، وتعمل على تشجيع أنماط تلاحم أو تحالف بين التكوينات المنقسمة القائمة[47].

رابعاً: التأثيرات المحتملة للتداعيات الاقتصادية:

لا شك في أن المستقبل يحمل قدرا عاليا من القلق حيال منظمات المجتمع المدني. فالتداعيات الاقتصادية الناجمة عن الجائحة الراهنة ستمس كل توجهات منظمات المجتمع المدني، بما في ذلك تلك التوجهات البازغة الواعدة؛ والتي تحمل مطالب العقد الاجتماعي الجديد؛ كذلك الذي طالب به جونا ريك، الخبير في المنتدى الاقتصادي العالمي، في مقال خاص نشره بالمنتدى؛ وشاركه فيه عدد من الباحثين بالمنتدى، حيث نادى بضرورة التأسيس لعقد اجتماعي جديد قادر على تجاوز المحنة التي تسبب فيها التوجه النيوليبرالي، وطالب بأن يلعب المجتمع المدني دورا أكبر في دفع هذا العقد الاجتماعي المزمع للخروج لحيز النور[48]. فالمنظمات القائمة أو البازغة قد تفقد موارد هامة للتمويل بالنظر لتوجه عدد كبير من الحكومات لتقليص موازناتها، أو بالنظر للمؤشرات الصادرة عن منظمات الإعلامية التي بدأت تشكو من تراجعات كبيرة في عوائد الإعلانات. هذا التوجه قد يؤدي إلى زيادة متسارعة في مساحة النشاط المدني غير الرسمي مقارنة بالصورة المؤسسية التي اعتادت منظمات المجتمع المدني أن تأخذها، فيما يرى البعض أنها قد تؤدي إلى اندماجات في هذا القطاع[49]. ومن جهة أخرى، تعمل منظمات مجتمع مدني للتوعية بضرورة إدراج المنظمات غير الحكومية ضمن خطة احتواء آثار الجائحة[50].

خاتمة: طبيعة التحدي

تحرك المجتمع المدني العالمي، وقاوم، واستعاد حضوره برغم الجائحة، وحفل المجتمع الغربي بموجة مساندة لجهوده، واستدعاء لدوره، وإن لم تخف الأطراف المختلفة أن هناك دور ضروري للدولة. ويبقى التساؤل حول قدرة الحوار المجتمعي على الحفاظ على الدور التاريخي للمجتمع المدني عبر العالم، وبخاصة في الحضارة الغربية، خاصة وأن التحديات التي تجابهه كما سبق وأشرنا هي تحديات بنائية، وليست أنماط تفاعل سلوكية بسيطة. فما هي مداخل التحول البنائي في العلاقة بين المجتمع والدولة في عالم ما بعد «كوفيد-19»؟

1. أزمة التمويل:

بداية، لابد من من التوقف عند معضلة التمويل. فالركود الذي ارتبط بفيروس «كوفيد-19» نتجت عنه عدة أزمات تتعلق بتمويل المجتمع المدني. فهذا الأخير بحكم تعريفه، ودوره، لا يهدف للربح، ومن ثم، فهو غير قادر على إنتاج مصادر تمويل ذاتية، حيث يعتمد على رعاة في المنظومة المعاصرة، وكانت الحضارة الإسلامية أكثر استقرار في دعمه من خلال «مؤسسة الوقف»، وهي المؤسسة التي عصفت بها الحركات القومية العربية التي ظهرت في النصف الأول من القرن العشرين. الظاهرة في المجتمع العربي اليوم ربما تشهد مواتا؛ ربما باستثناء بعض الدول التي تشهد حراكا في مواجهة الفساد والاستبداد: العدوين المركزيين للمجتمع المدني.

أما في المجتمع الغربي؛ فإن المؤسسة المدنية تعاني، حتى باتت مراكز التفكير الغربية تدعو لإدراجها ضمن خطط الإنعاش. المؤسسات الاقتصادية فقدت قدرا كبيرا من فوائض المالية، سواء خلال إعالة عمالها وموظفيها في فترة الإغلاق، أو مع التعطل النسبي للعملية الإنتاجية.

كما أن المؤسسات الاجتماعية الكبرى ذات التمويل الضخم كالكنائس وغيرها؛ ستتجه أولوياتها للعمل الإغاثي، وسيبتلع هذا المجال قدرا كبيرا من فوائضها المالية يحول دون أن تساهم في الحفاظ على منظمات المجتمع المدني. كما أن الدول وجهت قدرا كبيرا من قدرتها التمويلية لإنقاذ الشركات التي تقوم على العمل من خلال المؤسسة وليس من خلال العمل بالمنزل؛ كالمؤسسات الصناعية والخدمية والتجارية والصحية، وهي بطبيعتها ليست مستعدة لمعاودة تمويل المجتمع المدني خلال الفترة المنظورة. بالرجوع للدراسة عاليه، فإن ثمة سيناريوهات متعددة يفرضها هذا الحال، منها الإغلاق أو الاندماج أو تحول هيكل العمل، وكلها مؤشرات أزمة.

2. أبنية الدولة:

الباحثون والخبراء في مراكز التفكير الغربية يكادون يجمعون على أن الجائحة وما يرتبط بها من قلق حيال المستقبل ستفرض زيادة في اتجاه الدولة نحو استحداث أبنية جديدة، ذات طبيعة “ضبطية”، سواء من أجل الاستخبارات أو المراقبة أو الضبط، وهي أبنية تحادد المجتمع المدني من زاويتين. الزاوية الأولى أن تمويل هذه الأبنية سيأتي على حساب وجود مخصصات لصالح المجتمع المدني.

وتتمثل الزاوية الثانية في أن الوظائف الضبطية بصورة خاصة؛ والسلطات الممنوحة للجهات التنفيذية؛ هي العدو التقليدي لمنظمات المجتمع المدني عبر العالم، وهي التي تقف حجر عثرة أمام حصول المنظمات على المعلومات اللازمة لتادية دورها المعرفي/ المعلوماتي، وهو أحد أهم أدوار منظمات المجتمع المدني، وهو الدور الذي يكسر احتكار الدولة للمعلومة، وتعتيمها عليها.

3.  أدوار الدولة:

قطاع واسع من الخبراء يرون أن أحد عوارض الجائحة كشف سواة الاعتماد على التجارة الخارجية من أجل توفير قطاع واسع من المنتجات، وأن هذه السوأة ستقود إلى معاودة الدول، بما في ذلك الدول الغربية، إنعاش دورها التدخلي في توجيه الاقتصاد، وتقديم التعويضات والدعم وفرض الرسوم لحماية الصناعات والمجالات الإنتاجية من الإغراق، وغيرها من الإجراءات التي تتجاوز التدخلات السابقة؛ والتي غلب عليها الاقتصار على الإدارة النقدية.

هذه الأدوار الجديدة للدولة سيكون لها ثمن، حيث إنها ستضيف عائقا جديدا أمام من عوائق تمويل المجتمع المدني. ففي هذه الحال، يمكن للدولة أن تتدخل لوقف التمويل عن قطاع معين من المجتمع المدني الأكثر إزعاجا لها، وإلا فإن الداعمين سيكونون على قائمة الحرمان من دعم الدولة في حال توجيه فوائض أرباحهم لمنظمات لا ترغب الدول في حيازتها لتمويل.

وتظل المشكلة في الدول الديمقراطية قابلة للعلاج في المدى المتوسط بالنظر لوجود مؤسسة قانون قوية تحمي الفرد من تغول المجموعة، ويقف أمامها الجميع سواسية؛ متى امتلكوا مصروفات التقاضي. أما في المجتمعات العربية، فإن إرادة السلطة هي القانون، ولا توجد مؤسسة قانون بالمعنى المعروف للسلطتين التشريعية والقضائية، وهو ما يعني أن أزمة المجتمع المدني في العالم العربي ستظل بدون آفاق للحل.


الهامش

[1] AARTI NARSEE, Coronavirus and European Civil Society, Carnegie Europe, 23 June 2020. https://bit.ly/2DXTeZm

[2] Johanna Rick, 3 reasons why civil society is essential to COVID-19 recovery, World Economic Forum, 29 May 2020. https://bit.ly/3h0o1mm

[3] Armend Bekaj, Civil society in times of the coronavirus: reinventing its role, Idea Initiative, 23 April 2020. https://bit.ly/3fwlHU4

[4] SASKIA BRECHENMACHER – THOMAS CAROTHERS – RICHARD YOUNGS, Civil Society and the Coronavirus: Dynamism Despite Disruption, Carnegie Endowment, 21 APRIL 2020. https://bit.ly/2ZJEfL7

[5] المحرر، مظاهرات أوروبا.. تعددت الاحتجاجات و”السترة واحدة”، موقع “قناة سكاي نيوز العربية”، 17 ديسمبر 2018. https://bit.ly/3eupQGN

[6] Armend Bekaj, Civil society in times of the coronavirus: reinventing its role, Idea Initiative, 23 April 2020. https://bit.ly/3fwlHU4

[7] Group of Researchers, How the Coronavirus Pandemic Will Permanently Expand Government Powers, Foreign Policy magazine, 16 May 2020. https://bit.ly/2DYmijp

[8] المحرر، “العقلية الأمنية التي تحكم مصر”.. تقرير: السيسي يستغل جائحة كورونا لتعزيز قبضته، موقع “قناة الحرة” العربية، 11 مايو 2020. https://arbne.ws/39gE3pF

[9] Editor, Coronavirus Will Change the World Permanently. Here’s How, Politico Magazine, 19 March 2020. https://politi.co/2CR2JsU

[10] Group of Researchers How the Coronavirus Pandemic Will Permanently Expand Government Powers, Foreign Policy magazine, 16 May 2020. https://bit.ly/2DYmijp

[11] وكالات، مصر ترسل مساعدات إلى الولايات المتحدة على متن طائرة عسكرية، موقع “قناة روسيا اليوم”، 21 أبريل 2020. https://bit.ly/2Zv5loZ

[12] وكالات، بعد إيطاليا والصين.. مصر ترسل مساعدات طبية إلى بريطانيا، شبكة رصد الإخبارية، 14 أبريل 2020. https://bit.ly/2CB5ePU

[13] مراسلون، مصر ترسل اربع طائرات عسكرية محملة بالمساعدات الى الصين، صحيفة “الشعب” الصينية، 28 مايو 2020. https://bit.ly/3fBPTgC

[14] Editor, Sudan thanks Egypt for medical aid to curb COVID-19, State Information Service, 5 May 2020. https://bit.ly/30nO6oV

[15] Editor, Egypt sends medical aid to South Sudan to help amid coronavirus crisis, Ahram Online, 19 May 2020. https://bit.ly/397c4J2

[16] Editor, Egypt dispatches coronavirus medical aid to Congo and Zambia, Egypt Independent, 1 June 2020. https://bit.ly/3jePqD8

[17] المحرر، دول تسطو على الكمامات وأخرى على الكحول وثالثة تتجاهل جارتها.. هل أظهر كورونا أسوأ ما في أخلاق أوروبا؟، موقع “عربي بوست”، 28 مارس 2020. https://bit.ly/3fGZYsF

[18] عطية نبيل، فيروس كورونا: غضب أطباء بمصر لاتهام الحكومة لهم بالتسبب في ارتفاع الوفيات، موقع “قناة بي بي سي”، 24 يونيو 2020. https://bbc.in/2DXCZeR

[19] عمار الصالح، العراق.. لماذا فشل المجتمع المدني في المعركة ضد كورونا؟، الجزيرة نت، 13 يوليو 2020. https://bit.ly/2Ou8qzj

[20] Group of Researchers, How the Coronavirus Pandemic Will Permanently Expand Government Powers, Foreign Policy magazine, 16 May 2020. https://bit.ly/2DYmijp

[21] Editor, Coronavirus Will Change the World Permanently. Here’s How, Politico Magazine, 19 March 2020. https://politi.co/2CR2JsU

[22] Group of Researchers, How the Coronavirus Pandemic Will Permanently Expand Government Powers, Foreign Policy magazine, 16 May 2020. https://bit.ly/2DYmijp

[23] Group of Researchers, How the Coronavirus Pandemic Will Permanently Expand Government Powers, Foreign Policy magazine, 16 May 2020. https://bit.ly/2DYmijp

[24] المحرر، بعد تضررها بسبب كورونا.. اليابان تخطط لإخراج استثماراتها من الصين، موقع “قناة الحرة”، 10 أبريل 2020. https://arbne.ws/3hbWf6C

[25] Group of Researchers, How the Coronavirus Pandemic Will Permanently Expand Government Powers, Foreign Policy magazine, 16 May 2020. https://bit.ly/2DYmijp

[26] Editor, Coronavirus Will Change the World Permanently. Here’s How, Politico Magazine, 19 March 2020. https://politi.co/2CR2JsU

[27] المحرر، تطبيق التعقب الروسي للمصابين بكورونا يثير غضب المستخدمين، موقع “قناة يورونيوز” العربية، 3 يونيو 2020. https://bit.ly/30tSgeQ

[28] محمد علي، 10 تطبيقات للحماية من كورونا.. التفاصيل الكاملة، موقع “العين” الإخباري، 20 مايو 2020. https://bit.ly/3fGlVI8

[29] Group of Researchers, How the Coronavirus Pandemic Will Permanently Expand Government Powers, Foreign Policy magazine, 16 May 2020. https://bit.ly/2DYmijp

[30] Group of Researchers, How the Coronavirus Pandemic Will Permanently Expand Government Powers, Foreign Policy magazine, 16 May 2020. https://bit.ly/2DYmijp

[31] Editor, Human Rights Dimensions of COVID-19 Response, HRW, 19 March 2020. https://bit.ly/2CgU0Aj

[32] SASKIA BRECHENMACHER – THOMAS CAROTHERS –  RICHARD YOUNGS, Civil Society and the Coronavirus: Dynamism Despite Disruption, Carnegie Endowment, 21 APRIL 2020. https://bit.ly/2ZJEfL7

[33] Editor, How is Covid-19 affecting Civil Society worldwide? How is it Responding?. OXFAM Foundation Blog, 23 April 2020. https://bit.ly/3jdQd7s

[34] SASKIA BRECHENMACHER – THOMAS CAROTHERS –  RICHARD YOUNGS, Civil Society and the Coronavirus: Dynamism Despite Disruption, Carnegie Endowment, 21 APRIL 2020. https://bit.ly/2ZJEfL7

[35] Editor, How is Covid-19 affecting Civil Society worldwide? How is it Responding?. OXFAM Foundation Blog, 23 April 2020. https://bit.ly/3jdQd7s

[36] قناة الجزيرة مباشر، تونس.. مبادرات شعبية لمساعدة الحكومة في مواجهة كورونا، موقع “يوتيوب”، 12 أبريل 2020. https://bit.ly/3j6EPKu

[37] المحرر، مبادرات مجتمعية للحد من انتشار كورونا في قطر، الجزيرة نت، 22 مارس 2020. https://bit.ly/2DM2rUy

[38] Editor, Civil Society During COVID-19: Supporting Vulnerable Communities Through the Egyptian Red Crescent, EGYPTIAN STREETS, 10 JUNE 2020. https://bit.ly/2Zx8uov

[39] Johanna Rick, 3 reasons why civil society is essential to COVID-19 recovery, World Economic Forum, 29 May 2020. https://bit.ly/3h0o1mm

[40] Armend Bekaj, Civil society in times of the coronavirus: reinventing its role, Idea Initiative, 23 April 2020. https://bit.ly/3fwlHU4

[41] Editor, How is Covid-19 affecting Civil Society worldwide? How is it Responding?. OXFAM Foundation Blog, 23 April 2020. https://bit.ly/3jdQd7s

[42] Editor, Coronavirus Will Change the World Permanently. Here’s How, Politico Magazine, 19 March 2020. https://politi.co/2CR2JsU

[43] Editor, How is Covid-19 affecting Civil Society worldwide? How is it Responding?. OXFAM Foundation Blog, 23 April 2020. https://bit.ly/3jdQd7s

[44] Editor, Coming together and building a better EU future: The role of civil society in the response to COVID-19, 8 July 2020. https://bit.ly/2WvZqxV

[45] Editor, Coronavirus Will Change the World Permanently. Here’s How, Politico Magazine, 19 March 2020. https://politi.co/2CR2JsU

[46] Isa Mirza, COVID-19 and Global Human Rights: Shifting Priorities for Governments; Civil Society; and Companies, Corporate Social Responsibility, 16 April 2020. https://bit.ly/2ZEPjZU

[47] THOMAS CAROTHERS –  ANDREW O’DONOHUE, Polarization and the Pandemic, Carnegie Endowment, APRIL 28, 2020. https://bit.ly/3fDhbTE

[48] Johanna Rick, 3 reasons why civil society is essential to COVID-19 recovery, World Economic Forum, 29 May 2020. https://bit.ly/3h0o1mm

[49] Editor, How is Covid-19 affecting Civil Society worldwide? How is it Responding?. OXFAM Foundation Blog, 23 April 2020. https://bit.ly/3jdQd7s

[50] Editor, Civil Society Must Be Included in the EU Recover Plan after Covid-19.Slow Food Magazine, 18 JUNE 2020. https://bit.ly/32xahM1