محمد عبدالرحمن عريف

    وُلد أسامة سعد الباز في 6 تموز/ يوليو 1931 في قرية السنبلاوين في الدقهلية في مصر، والده الشيخ سعد الباز أحد رجال الأزهر ووالدته ابنة العمدة، وله أخوةٌ هم محمد وعصام الضابطان في المدفعية، وفاروق عالم الفضاء الشهير، وحازم ونبيل، وله ثلاث شقيقات (ليلى وثريا وصفاء). دخل كلية الحقوق في جامعة القاهرة وتخرج منها عام 1954، ليعمل وكيلًا للنيابة قبل أن يسافر إلى الولايات المتحدة الأمريكية ويحصل على دكتوراه في القانون الدولي من جامعة هارفارد عام 1962.

    هو سياسيٌ ودبلوماسيٌ مصري تدرَّج في العديد من المناصب السياسية في مصر من بينها المستشار السياسي للرئيس المصري الأسبق حسني مبارك. كأحد رجال السياسة في مصر. حصل على إجازةٍ في الحقوق ودكتوراه في القانون الدولي من جامعة هارفارد. بدأ الحياة السياسية بتوليه منصب وكيل النيابة ليتدرج بعدها في المناصب السياسية والدبلوماسية المختلفة، وعاصر الباز فترة حكم الرئيس أنور السادات الذي اعتمد عليه في إدارة الملفات السياسية التي تُعنى بالعلاقات مع الأمريكيين والفلسطينيين والإسرائيليين وغيرهم.

     شارك أسامة الباز في جميع مؤتمرات القمم العربية والإفريقية، كما شغل منصب المستشار السياسي للرئيس حسني مبارك ليصبح أحد رجالات الدولة التي تقف إلى جانب السلطة وتنادي بالإصلاح السياسي بنفس الوقت، مما جعله مثار جدل وانقسام الشارع المصري حول شخصيته ودوره في قيادة البلاد. هو أصغر من حصل على منصب سفير عام 1975.

    بكل المقاييس، سواء كانت مهنية أو إنسانية، لم يكن أسامة الباز رجلاً عادياً، ويمكنك وضعه بمنتهى الثقة والتقدير في خانة خاصة، فالمؤكد أن تلك الخانة حصل عليها الكثيرون بـ«صخب وضوضاء وأضواء»، أما هذا الرجل فدخلها بـ«هدوء ووطنية وأفكار» سبق بها (مع السادات) عصره، وظل على إنسانيته وبساطته وبُعده عن الأضواء حتى آخر يوم في حياته، وإلى اليوم لا تكاد تُلقى اسم «أسامة الباز» على سمع أي مواطن عادي في الشارع، أياً كانت انتماءاته وتوجهاته السياسية، إلا وتجد رد فعله تجاهه تقديراً واحتراماً، لم يسبقه إليهما غيره، وهذا أمر نادر الحدوث هذه الأيام.

    دعك من تلك المقدمة الثابت معناها وفحواها، وتعالَ نبحث معاً عن «صندوق الأسرار» الذي كان يمتلكه الدكتور أسامة الباز، فالرجل عمل مستشاراً سياسياً للرئيس الراحل أنور السادات في مرحلة عصيبة للغاية من عمر مصر، قبل أن يكلفه الأخير بتولى مهمة على قدر هائل من الأهمية، وهي إعداد محمد حسنى مبارك من جميع الوجوه، ليصبح جاهزاً حين يشاء القدر لتولِّي حكم مصر، وهو ما حدث بالفعل، ليستمر «الباز» في منصبه كمستشار سياسي للرئيس.. «مبارك» هذه المرة. السؤال: تُرى ما حجم وقيمة «صندوق الأسرار» الذى يمتلكه رجل بهذه القيمة وتلك المكانة؟ والإجابة: مؤكد أن الحجم والقيمة يفوقان كل التوقعات. من هنا دخلت في رحلة بحث مضنية، للحصول على ما يمكن الحصول عليه من صندوق أسرار أسامة الباز، خاصة أن الرجل أصيب في السنوات الأخيرة بمرض منعه من القدرة على جمع مذكراته الممتدة من قريته في «طوخ»، مروراً بالدراسة في الولايات المتحدة الأمريكية، إلى العودة والعمل في سلك القضاء، وحتى الالتحاق بالعمل في القصر الرئاسى بالتزامن مع الحرب «المصرية – الإسرائيلية» ومفاوضات «كامب ديفيد»، حتى تولِّى ملف القضية الفلسطينية.

    إذن، مسألة الحصول ولو على جزء من صندوق أسراره مسألة صعبة، غير أن صحيفة «الوطن» تمكنت من الحصول حصرياً على الوثائق والمذكرات التي كانت تحتفظ بها زوجته، بالإضافة إلى الكتابات والتدوينات التي كان يعلق بها على الأحداث، وتروي 30 سنة من فترة عمله بالرئاسة. تلك المذكرات رصدتها لنا زوجته الإعلامية الكبيرة أميمة تمام.

    لقد أدرك «الباز» منذ اللحظة الأولى أن حسني مبارك رجل ذكي على المستوى المهني، لكنه ليس على مستوى أنور السادات، وفي الفترة التي كان يدربه فيها على العمل السياسي كان يتلقى التدريب بوعي ودقة حتى جاءت اللحظة التي تولى فيها «مبارك» حكم مصر. فالكثير كانوا يتوقعون تولي «الباز» وقتها منصباً أكبر مما كان عليه أواخر عهد «السادات»، خاصة لقربه الشديد من «مبارك» وأنه معلمه الأول في الحياة السياسية، إلا أن «الباز» ظل في مكانه رغبة منه في ذلك من ناحية، ومن ناحية أخرى لم يتلق أي عروض من «مبارك» سوى عروض الوزارات التي كان يرفضها دائماً بحجة أنه يستطيع أن يفيد البلد أكثر من موقعه.

    مرت السنوات الأولى من عهد «مبارك»، وتوقف التلميذ عن الدروس السياسية التي كان يتلقاها من أستاذه أسامة الباز، لسبب ما لم يذكره، وتولى «الباز» الملف الفلسطيني كاملاً لحنكته السياسية وكونه الأمهر في عملية التفاوض، حيث كان الإسرائيليون لا يفضلون التفاوض مع «الباز» لشراسته وقوته التي شهدوا بها رغم عدم حبهم له، إلا أنهم كانوا يحترمونه.

مذكرات أسامة الباز بقلم أحمد المسلماني

    قد يتهم البعض الدكتور أسامة الباز بأنه كان وراء تفريغ النخبة المثقفة في مصر، وأنه هو من أدار شرح خرائط المثقفين للسلطة السياسية، فأبان نقاط ضعفهم وأماكن اختراقهم، وساهم في تأميم الطبقة المثقفة وإلحاقها بمؤسسة الحكم في البلاد. ويتهم آخرون الدكتور الباز بأنه أفرط في إظهار تواضعه، ومكارم أخلاقه، من استخدام المترو في المواصلات، إلى الحركة وحيداً في الشوارع والطرقات، ولكنه لم يعمل على إذابة الجليد بين الرئيس ومعارضيه، أو بين السلطة السياسية والقوي الشعبية. وأن تواضع الباز كان مجرد شكل راق، ومظهر ناعم لوضع كامل اتسم بالخشونة وفظاظة السلوك.

    يتهم ثالثون أسامة الباز بأنه أطفأ نجوماً عديدة، وأغلق أبواباً واسعة أمام تجديد النخبة السياسية في مصر، وإن أطاح بكل السياسيين المثقفين حيث لم يعد قريباً من الرئيس إلا سياسي لا يفهم في الثقافة، أو مثقف لا يفهم في السياسة، أو جاهل لا يعرف السياسة ولا الثقافة! ويتهم رابعون الدكتور الباز بأنه كان مفيداً للسلطة ولكنه لم يكن مفيداً للدولة، أي أنه أفاد استقرار السلطة السياسية وإضعاف الضغوط عليها، ولكنه في الوقت ذاته لم يكن مفيداً لفكرة الدولة ولا مصالح الدولة ولا مكانة الدولة، فقد صعدت إسرائيل ولمعت السعودية وتوحشت إيران.. وهبطت مصر!، وفي الوقت الذي ساعد فيه رجال حول مهاتير وآخرون حول راجيف غاندي وثالثون في كوريا قادة بلدانهم في الانطلاق إلي الحداثة والصناعة، فإن الباز ومن معه تعثروا في عبث الأحزاب وقضايا الإخوان وآراء البابا ويوميات مراكز القوي! وظني أن كثيراً من هذه الآراء يحمل ظلماً للرجل، والأرجح أنه بذل جهوداً كانت تستهدف صالح السلطة والدولة علي السواء، وظني أيضاً أن بعضاً مما قيل يوجب الإيضاح والإفصاح.

     لايزال الدكتور أسامة الباز هو المستشار الوحيد للرئيس مبارك للشؤون السياسية، ولكن السياسي الكبير لم يعد يظهر مع الرئيس ولا يتحدث في السياسة. وقد اعتبر البعض ذلك نهاية لرحلة طويلة قطعها الدكتور الباز منذ تخرجه في كلية الحقوق عام ١٩٥٤، وحين سأل عادل حمودة الدكتور أسامة الباز عن سر الاختفاء وأسباب الغياب قال «إن كل شيء في الدنيا تغير.. العالم لم يعد كما كان.. والتصورات الجديدة تحتاج وجوهاً جديدة» ثم تحدث إلى «الفجر» راصداً ومحللاً: «إن هناك عناصر قلبت غالبية الموائد في الشرق الأوسط علي رؤوس أصحابها.. احتلال العراق دون سند من القانون الدولي، تخصيب إيران لليورانيوم، اغتيال رفيق الحريري، فوز حماس في فلسطين، إدارة الصراع في العالم على أسس دينية.. كل ذلك قَلَبَ ما هو مستقر إلى فوضي» ثم قال: «لقد تاه المواطن في الزحام!..».

    لما كتب سليمان جودة داعياً إلى أن يكتب الدكتور أسامة الباز مذكراته، قال متخوفاً: «من المهم أن يكون الباز قابضاً على أوراقه الخاصة التي توافرت له على مدى الرحلة، وأن يكون ممن يسجلون يومياتهم صباحاً بصباح، كما يفعل الأستاذ هيكل، وكما يفعل الدكتور بطرس غالي».. جاء رأي الدكتور الباز محبطاً، إذ قال: «لن أكتب مذكراتي.. لم يحدث في يوم من الأيام أن سجلت يومياتي خوفاً من أن تقع في يد أحد فتفقد سريتها.. إنني سأكتب خبراتي لا مذكراتي». لقد مضى على هذا الجدل عام كامل، ولم يكتب د.أسامة الباز لا مذكراته ولا خبراته، وأحسب أن الدكتور الباز يجانبه الصواب حين يقرر عدم كتابة المذكرات، ذلك أن كتابة السير الذاتية ليست ترفاً ولا استعراضاً، ولا هي نوع من التعظيم أو التخليد، ربما كان لها في كل ذلك نصيب، ولكنها فوق ذلك إفادة للنخب السياسية المتتالية، هي كشف عن أشكال من الأزمات وأشكال من إدارتها، هي تبيان لكيف كان الخطأ، وأين كان الخلل، هي مسح للأفكار والأشخاص والرؤي، وهي خريطة طريق إلى المستقبل. هي نوع من الأدب وفن من الكتابة راق ورفيع، لا يجوز التعالي عليه تحت دعوى التواضع أو إنكار الذات، وهي أمانة في عنق من كان هناك عليه أن يهدي تفاصيلها لمن هم هنا.

    إذا كان ذلك هو شأن أدب المذكرات عموماً، فهو أجلّ شأناً في حالة الدكتور أسامة الباز، فالرجل عمل دبلوماسياً منذ عام ١٩٥٨، ثم تولي رئاسة منظمة الطلبة العرب في أمريكا عام ١٩٦٤، ثم أصبح وكيلاً لوزارة الخارجية عام ١٩٧٧، وهو يعمل مع الرئيس مبارك منذ كان نائباً للرئيس عام ١٩٧٧.. أي أن الدكتور الباز قد قضي في العمل مع الرئيس مبارك ثلاثين عاماً، وفي أروقة السياسة والدبلوماسية عموماً نصف قرن، ثم إنه واحد من قلائل، لديه ما يقوله بشأن المفاوضات مع إسرائيل، والعلاقات مع أمريكا.

    في كل هذه الرحلة.. حظي الدكتور أسامة الباز باهتمام واحترام لدي دوائر السياسة الداخلية وفي أوساط السياسة الخارجية، وهو ما يوجب على السياسي الكبير أن يشرع في كتابة مذكراته أو خبراته، أن يقول لنا.. ماذا حدث في حضوره وماذا سمع في غيابه؟ أن يرشد مريديه، وأن يشرح لمنتقديه.. وقائع نصف قرن من عمر مصر. قال لي د.أسامة الباز إنه لا يشرب الشاي ولا القهوة، وأن الدكتور فاروق الباز يفعل الشيء نفسه، ولكن ها هو الوقت قد حان.. لألف قدح من القهوة، وألف صفحة من المذكرات!.

أسامة الباز في شهادات غيره

    في هدوء وصمت رحل «أسامة الباز»، ورحلت معه أسرار وحكايات ووقائع مهمة بالغة الأهمية من تاريخ مصر الحديث في زمن «السادات» ومن بعده «مبارك»!، وكل من اقترب أو عمل مع «أسامة الباز» شهد له بالوطنية والذكاء وسعة الأفق والثقافة الواسعة، والقدرة الفذة والمذهلة على تبسيط أعقد القضايا السياسية!! خريج هارفارد ابن البلد!!.

شهادة: «موشى ديان» وزير الخارجية الإسرائيلي

   لقد رصد هؤلاء عشرات ومئات المواقف له خاصة أثناء مباحثات «كامب دافيد» الشهيرة، وكان منطقه السياسي والدبلوماسي والوطني «لقمة» في زور أعضاء الوفد الإسرائيلي بل الأمريكي. «موشى ديان» وزير الخارجية الإسرائيلي أثناء هذه المباحثات روى في مذكراته «رؤية شخصية للمباحثات المصرية- الإسرائيلية» يقول: أسامة الباز أحد كبار المسئولين بوزارة الخارجية المصرية، ورغم أن «كامل» -محمد إبراهيم كامل- وزير الخارجية المصري كان يرأس الوفد المصري في المحادثات إلا أن المتحدث المصري الرئيسي كان «أسامة الباز» وهو قانوني يتسم بالوضوح والذكاء وسعة الاطلاع. إذ درس في جامعة «هارفارد»، نحيل الجسم يتفادى الجانب الاجتماعي في هذه الاجتماعات قدر المستطاع، فعند تناول العشاء يجلس صامتًا، يأكل طعامه في بطء ، بيد أنه على مائدة المفاوضات يصبح مفعمًا بالحياة والنشاط، وتكمن قوته في كلماته اللاذعة، ودرايته التامة بكل موضوع يطرح للمناقشة، ووضوح صياغته له، وردوده القاطعة في النقاش التي تصل في بعض الأحيان إلى حد العدوانية. ولم يكن بوسعي أن أقرر ما إذا كان ملتزمًا حقيقة بإبرام اتفاقية سلام أم لا، ولكن من الواضح أنه لا يكن أي ود للإسرائيليين، ولم يخف كراهيته لاضطراره للجلوس معنا».

    في موضع آخر يقول «ديان»: عرض الباز الموقف المصري فقال إن القضية الفلسطينية هي جوهر المشكلة، وما لم تحل هذه المسألة، فلنيكون هناك حل للصراع القائم بين العرب وإسرائيل، إذا تجاهلناها فإنها ستنفجر مرات ومرات كما لو كانت بركانا خامدًا لفترة مؤقتة.

     ويروى «ديان» قائلًا: كان أسامة الباز المدافع الرئيسي عن المصريين وكثيرًا ما استدعاه «كارتر» -الرئيس الأمريكي- مع «باراك أهارون» مستشارنا القانوني، فكانا يجلسان ساعات طويلة في محاولة للتوصل إلى نصوص متفق عليها. وفي أغلب الأحيان كان عناد «الباز» وتطرفه يثير حنق «كارتر» ويقول باراك إنه حتى عندما كان الأمريكيون يقترحون صيغة يتعين على المصريين التمسك بها في إصرار ، كان «الباز» يرفضها وكان لا يصر على درج قرارات مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة فحسب، بل قرارات الأمم المتحدة الخاصة بحق اللاجئين الفلسطينيين عام 1948، في العودة إلى إسرائيل أيضًا، بل إنه لم يكن على استعداد حتى لقبول صيغة أسوان التي أعلن عنها «كارتر» في أسوان في يناير 1948 والتي أيدها المصريون ذلك لأنها تعطى الحق لإسرائيل لرفض إقامة دولة فلسطينية، كان يريد أن تنص الاتفاقية بالتحديد على حق تقرير المصير للفلسطينيين».

شهادة: محمد إبراهيم كامل

    أما شهادة وزير خارجية مصر في تلك الفترة السيد «محمد إبراهيم كامل والتي جاءت عبر مذكراته المهمة «السلام الضائع في كامب دافيد» فيقول: «طلبت من أسامة الباز أن يتولى شرح المشروع المصري وقد فعل ذلك بطريقة رائعة قوية ومؤثرة أوضحت معقولية ومنطقية المشروع والتزامه بقرارات الأمم المتحدة الخاصة بالنزاع «العربى- الإسرائيلي» من جميع جوانبه، ولم يترك ثغرة يستطيع منها الجانب الإسرائيلى النيل من الموضوع». وبعد انتهاء «الباز» من طرح مشروعنا شرع «ديان» يلف ويدور، ورد عليه «أسامة» ، وانتهى على ذلك الاجتماع الأول بعد أن دام أربع ساعات ، والحق أن «أسامة الباز» سيطر تمامًا على هذا الاجتماع ولم يفلح الجانب الإسرائيلى مرة واحدة في إحراجه أو تعجيزه عن الرد على أى سؤال أو استفسار ردًا شافيًا واضحًا مفحمًا وكان نجم الاجتماع بلا مراء مما ملأنا بالفخر وحاز إعجاب الجانب الأمريكى وأدى إلى شعور الإسرائيليين بالإحباط».

    وأخيرًا يقول السيد «محمد إبراهيم كامل»: وأشهد أن أسامة الباز كانت له طريقته المرنة في مساندة آرائي أمام الرئيس -السادات- ولكن كانت له حدوده، ثم إنه كان كثيرًا ما كان يتدارك بمهارة تصحيح ما يشوب آراء الرئيس عندما كان يكلفه بصياغتها. ولعل من أخطر ما يقول الوزير محمد إبراهيم كامل هو قوله: ولم يكن «السادات» يحيطني علمًا بما يدور بينه وبين «كارتر» أو «وايزمان» -وزير الدفاع الإسرائيلي- فيما عدا ما يعتقد أني لن أعترض عليه، وإنما كان «أسامة الباز» يخبرني ببعض التنازلات التي وافق عليها «السادات» والتي كان يحاول تداركها في الصياغة، إلى حد أنه كان يصطدم بالرئيس «كارتر» بعنف وكان الأخير يقول: ليس هذا ما وافق عليه الرئيس السادات فيرد عليه أسامة: هذه هي تعليماته لي حرفيًا وأنا أنفذها.

شهادة السفير «عبدالرؤوف الريدى»

   شهادة السفير «عبدالرؤوف الريدي» وكما رواها في مذكراته الممتعة والمهمة «رحلة العمر: مصر وأمريكا.. معارك الحرب والسلام» وكان شاهدًا ومشاركًا في مباحثات كامب دافيد وكانت غرفته مجاورة لغرفة «أسامة الباز» حيث يقول: إن أسامة كان هو نجم الفريق المصري في هذه المحادثات، وكان جوكر الوفد وينتمي إلى المستوى الثاني وظيفيًا، ولكنه الأقرب إلى الرئيس السادات وكان هو الذي يعد الأوراق التي يطلبها السادات وخصوصًا مشروعات الاتفاق التي تقدم لكارتر، وقد كان أداء أسامة أداءً ممتازًا حسب اعتراف كل من كتبوا المذكرات عن كامب دافيد، سواء من مصريين أو إسرائيليين أو أمريكيين!!. كنا نشعر كوفد الخارجية طوال بقية أيام المؤتمر أننا مغيبون عن حركة المفاوضات التي تجري، وكان أسامة الباز وحده هو المشارك الحقيقي في المفاوضات سواء فيما يعده من أوراق عمل يطلبها الرئيس السادات منه، أو النقاش الذي كان يجريه معه الرئيس «كارتر» الذي عرف منذ البداية أن «أسامة» هو الذي يقوم بالدور الأكبر في إعداد وصياغة الأوراق والمشروعات التي يتقدم بها السادات، فكان يستدعيه من حين لآخر ويستدعى نظيره الإسرائيلي «أهارون باراك» الذي أصبح فيما بعد رئيس محكمة العدل العليا في إسرائيل. وكان أسامة بعد كل لقاء يأتي إلى الكابينة ويجلس على سريره ويكوّم نفسه على السرير ويأخذ في كتابة ما جرى، إلا أنه رغم مرور أكثر من ثلاثين عامًا على مؤتمر كامب دافيد فإن «أسامة» لم ينشر مذكراته عن وقائع مؤتمر كامب دافيد، ولو نشرها لكانت هي المرجع الأساسي من الجانب المصري على أحداث مؤتمر الثلاثة عشر يومًا الحاسمة في تاريخ الشرق الأوسط.

    ويكمل السفير الريدي شهادته عن «أسامة الباز» قائلًا: كان وفد الخارجية في كامب دافيد كله باستثناء «أسامة» مستبعدًا من هذه المفاوضات، ومن بين ما قاله لي أسامة -آنذاك- أن الرئيس السادات أراد أن يعينه وزيرًا للخارجية ولكنه وجد طريقة للاعتذار بأدب!». وفي سطور بالغة الدلالة يقول السفير الريدي: «لم يأخذ أسامة حقه من تكريم الدولة له، ولكنه يحتل في قلوب الناس خاصة الذين عرفوه عن قرب مكانة لا تعلوها مكانة أخرى».

إنجازات أسامة الباز

     بدأ أسامة الباز حياته السياسية بالعمل وكيلًا للنيابة، ثم التحق بعدها بوزارة الخارجية المصرية ليُعين سكرتيرًا ثانيًا عام 1958، ثم أصبح وكيل المعهد الدبلوماسي. تابع مسيرته متنقلًا بين المناصب السياسية ليُعين مستشارًا سياسيًا لوزير الخارجية، كما عمل في مؤسسة الأهرام مستشارًا في مركز الدراسات الإسرائيلية والفلسطينية، ومدير مكتب الأمين الأول للجنة المركزية للشؤون الخارجية، ثم شغل منصب مقرر للجنة الشؤون الخارجية المنبثقة عن اللجنة المركزية للاتحاد الاشتراكي، ثم أصبح مدير المعهد الدبلوماسي ومدير مكتب نائب رئيس الجمهورية، ثم شغل منصب مدير مكتب رئيس الجمهورية للشؤون السياسية ووكيل أول لوزارة الخارجية.

    عاصر أسامة الباز فترة حكم الرئيس أنور السادات عندما كان سكرتيرًا ثانيًا لوزير الخارجية، وذهب معه إلى القدس لتوقيع اتفاقية كامب ديفيد، وهناك كتب الجزء القانوني الخاص بالقضية الفلسطينية ضمن الكلمة التي ألقاها الرئيس السادات في الكنيست الإسرائيلي عام 1977. أدار المفاوضات بكلِّ ذكاءٍ وحنكة في حين أنَّ وزير الخارجية محمد ابراهيم كامل كان متوترًا، وبعد إقرار المعاهدة لاحظ الرئيس السادات ذكاء الباز وقدرته على إجراء المفاوضات مما جعله محل ثقةٍ بالنسبة له، ومنحه وسام الجمهورية وكلفه بإعداد محمد حسني مبارك سياسيًا ليستلم بعده رئاسة البلاد، والذي ما إن استلم مقاليد الحكم في مصر حتى عيَّن الباز مستشاره السياسي، فأصبح بذلك أحد ركائز نظامه القوية عندما تولَّى إدارة الملف الفلسطيني- الإسرائيلي لفترةٍ طويلة.

   في عام 2005 أعلن الرئيس حسني مبارك نيته توريث ابنه جمال الحكم، فعارضه الباز رافضًا فكرة التوريث، فاعتبره مبارك عقبةً في وجه تحقيق رغبته ليبعده نهائيًا عن دوائر القرار القريبة من الرئاسة، فعاد للعمل في وزارة الخارجية حتى جاءت ثورة 25 يناير عام 2011 ليُعبر عن دعمه لها ويقف في وجه حسني مبارك ونظامه السياسي. حصل الباز على العديد من الألقاب منها “مايسترو السياسة الخارجية المصرية” ولقب “خازن أسرار مبارك”، كما ألف الباز كتابًا بعنوان “مصر والقرن الحادي والعشرين”. أُصيب أسامة الباز بمرض الزهايمر وتُوفّي على إثره في 14 أيلول/ سبتمبر 2013.